سورة الانفطار
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقاصد السورة
من مقاصد السورة: (تحذير الإنسان من الاغترار ونسيان يوم القيامة)
تعليق الشيخ حفظه الله:
نعم. سورة الانفطار سورة مكية، وهذا أيضًا باتفاق المفسرين وإجماعهم، وهذه السورة فيها (تحذير الإنسان من الاغترار ونسيان يوم القيامة) ولذلك فيها آية جليلة وأية تحتاج من الإنسان أن يقف معها المرة تلو المرة ( يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ما غرك برك ﴿ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ فِىٓ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾) والسورة من أولها تتحدث أيضًا عن بعض مشاهد يوم القيامة وهذا من وجه المناسبة القوي بين هذه السورة وسورة التكوير، التي قبلها في هذا الترتيب المصحفي فإذا كانت سورة التكوير قد افتتحها الله عز وجل بهذه الشروط ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير: 1) فأيضاً لسورة الانفطار نصيب من ذلك ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ (الانفطار: 1) وإذا كان الجواب هناك ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ فهنا الجواب ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ كذلك فيها رد على المكذبين بالجزاء ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَامًا كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ ثم ذكر الله جزاء الأبرار وجزاء الفجار وب، ين أنه لا بد من اللقاء ولابد من يوم القيامة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ثُمَّ مَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْـًٔا ۖ وَٱلْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾ نعم.
تعليق الشيخ على المتن
تعليق الشيخ حفظه الله :
قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ (الانفطار: 1) وسيأتينا بإذن الله تعالى سورة أخرى قريبة من هذه وهي سورة المطففين وصدرها ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ﴾ (الانشقاق: 1) وهنا قال ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ (الانفطار: 1) قالوا تشققت لنزول الملائكة منها، قال الله سبحانه ( ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا) فقوله (ونزل الملائكة تنزيلا) ذُكر قريناً لقوله ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَـٰمِ﴾ للدلالة على أن هذا من أسباب تشقق السماء (قال ﴿وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ﴾ قالوا وإذا الكواكب تناثرت متناثرة كما تقدم في قوله ﴿وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ﴾ وإذا البحار فجرت :: قالوا أي فتح بعضها على بعض فاختلطت وهو أحد الأقوال في معنى سجرت ﴿وَإِذَا ٱلْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ قلب ترابها لبعث من فيها من الأموات كما قال الله ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ﴾ قال الله سبحانه ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ هذا هو الجواب! إذا وقع هذا إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ.........فجرت. إذا وقع هذا كله ماذا يكون الجواب علمت نفس ما قدمت وأخرت)، فقوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ قالوا ما قدمت من عمل وما أخرت منه فلم تعمله إذن ما معنى ما أخرت؟ يعني ما أخرت فلم تعمله، إذن علمت نفس ما قدمت : الذي فعلته وقدمت به وأخرت سوّفت ولم تفعله فلقيت ربها وهي لم تعمله، قال ( يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ﴿ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِى خَلَقَكَ﴾ فسواك فعدلك) يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان توجه النداء من الرب اللطيف إلى عباده بقوله ( يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان) من أهل العلم من يجعل هذا نداءً عاماً لكل إنسان وكأن هذا فيه تذكير للجميع ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ وأما المغرور : ففيه لفت انتباه له وفيه زجر له وأما غير المغرور : ففيه تذكير له بألا يغتر فيما يستقبل من أمره، ومنهم من خصه بالكفار بدلالة السياق لذلك قالوا هنا ( يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان الكافر بربك) فجعلوه هذا فجعلوا هذا في الكافر بدليل ما غرك بربك الكريم، والذي اغتر ولم يعمل الصالحات هو الإنسان الكافر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ سبحانه وتعالى والكريم من معانيه الجواد ومن معانيه الصفوح، والكريم في الأصل الفائق في كل شيء على ما سواه فالله سبحانه وتعالى كريم في ذاته كريم في صفاته كريم في أفعاله وإحسانه سبحانه جل وعلا، ومن كرمه أنه على كل شيء قدير فهو كما أنه غفور رحيم فهو شديد العقاب) سبحانه وتعالى، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْإِنسَـٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ﴾ ولذلك نقول إن الاستفهام في قوله ما غرك؟ استفهام انكاري وفيه معنى العتاب وفيه أيضًا حثٌ وحضٌ للإنسان على أن يفعل الطاعات وعلى ﴿إِلَّا﴾ يغتر قال ( مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ ٱلَّذِى خلقك فسواك فعدلك) كما قال ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ والقراءة الأخرى (فعدّلك) ﴿فِىٓ أَىِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ صورة شاء خلقك وقد أنعم عليك إذ لم يخلقك في صورة حمار ولا صورة قرد ولا كلب ولا غيرها كما قال الله ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ فهذا من تكريم الله سبحانه وتعالى لنا ولذلك لنا أرجل نمشي عليها ولنا أيد نمسك بها من نريد ونستطيع أن بهذه الأيدي أن نقبضها وأن نبسطها وكم في اليد الواحدة من آياد ومن نعم علينا عظيمة فضلاً عن بقية الأعضاء التي منّ الله عز وجل بها علينا، قال الله سبحانه ( ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ﴾) ليس لأمر كما تصورتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المغترون بل أنتم تكذبون بالجزاء (وإن عليكم لحافظين) الملائكة الحفظة ﴿كِرَامًا كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وقد جاء في حديث النبي أن الملائكة تقول (إن فلانًا يريد أن يعمل سيئة) فيقول لهم ارقبوه فإنَّ عملها فاكتبه عليه فهذا يدل على هذا المعنى (يعلمون ما تفعلون) أعلمهم الله سبحانه بذلك ثم قال ( إن الأبرار لفي نعيم) ومن علم أن هناك ملائكة حفظة كاتبين وأنهم كرام فحقيق به أن يستحي من هؤلاء الملائكة وأن يستحي من الحفظة وأن يستحي من الكتبة وأن يتذكر ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ ثم قال ( ﴿إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ﴾) نسأل الله أن يجعلنا من الأبرار ونعوذ به من الفجور قال ( ﴿وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ﴾) لا يغيبون عن نار جهنم وهذا في شأن الكفار فهم مخلدون فيها فقوله ( وما هم عنهم بغائبين ) يعني ماكثون فيها أبداً بسبب فجورهم وكفرهم ثم قال ( وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ )) وقوله (وما أدراك)هذا استفهام أيضًا فيه تعجيب وفيه تهويل ثم قال (وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين)فهذا أيضًا تهويل آخر بعد الأول (﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ﴾ يومئذ شيئًا والأمر يومئذ لله ) ولذلك يفسر يوم الدين بهذه الآية فإذا قيل ما معنى مالك يوم الدين ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ مالك يوم الجزاء من أين عرفنا أن معنى يوم الدين ذلك فنقول من سورة الانفطار لأنّّ الله قال (وما أدراك ما يوم الدين ) ثم فسر يوم الدين فهذا من تفسير القرآن بالقرآن (﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ﴾ شيئًا والأمر يومئذ لله) وإذا طبقنا القاعدة وهي أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم فعندنا كلمة (نفس) في سياق النفي وكلمة(لنفس) كذلك نكرة في سياق النفي وكذلك كلمة شيئًا نكرة في سياق النفي فيكون المعنى حينئذ يوم لا تملك أي نفس لأي نفس أي شيء والأمر يومئذ لله وأما الشفاعات فهي بإذن ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. نعم
1- التحذير من الغرور المانع من اتباع الحق
وهذا في قوله ( يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ما غرك بربك الكريم) ولذلك العبد العاقل هو الذي لا يغتر بسعة رحمة الله وإنما يعمل وحينئذ يكون حسن الظن ولذلك هناك فريق كبير وبون شاسع بين الغرور وبين حسن الظن بالله فمن أحسن الظن أحسن العمل وأما من يدعي أنه يحسن الظن بالله وهو بعيد كل البعد عن طاعة الله فهذا هو الغرور نسأل الله السلامة والعافية منه، وبهذا نكون قد انتهينا من التعليق على تفسير سورة الانفطار لننتقل إلى تفسير سورة المطففين.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)