سورة التكوير
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
سورة التكوير
تعليق الشيخ حفظه الله:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعدُ : فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم مع التعليق عليه وننتقل الليلة بفضل الله وتوفيقه إلى سورة التكوير.
سورة التكوير - مَكيّة -
مقاصد السورة
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): كمال القرآن الكريم في تذكير الأنفس باختلال الكون عند البعث
تعليق الشيخ على المتن
تعليق الشيخ حفظه الله:
التعريف بالسورة
سورة التكوير سورة مكية، نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ونزلت أيضًا بمكة فهي من أوائل سور القرآن الكريم نزولاً ويمكن أن نقول إنها من بواكير السور، ومن مقاصد هذه السورة كما ذكروه هنا كمال القرآن الكريم في تذكير الأنفس باختلال الكون عند البعث فنحن إذا تأملنا هذه السورة الجليلة نجد أن رب العزة سبحانه وتعالى قد بدأها بهذا الأسلوب ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ فبدأ بأداة إذا الشرطية أو الظرفية، وتكررت في هذه السورة الكريمة أو في صدر السورة حتى مضت معنا فذكرها لله سبحانه وتعالى اثنتي عشرة مرة ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير: 1) ثم بعد هذا كله جاءنا جواب الشرط قال ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ فهذا يدل على أن رب العزة سبحانه وتعالى يلفت الأنظار إلى هذه المظاهر وهذه الدلائل التي تقع في هذا المشهد العظيم مشهد يوم القيامة فقوله ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير: 1) هذا في يوم القيامة ﴿وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ﴾ هذه في يوم القيامة ﴿وَإِذَا ٱلْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ هذه في يوم القيامة إذن هذه صور مشاهد ليوم القيامة ليتذكر الإنسان ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ لذلك قالوا هنا (كمال القرآن الكريم بتذكير الأنفس باختلال الكون عند البعث ) فإذا كانت هناك سورة من سور القرآن الكريم حدثتنا عن البعث والنشور فإنَّ هذه السور تتنوع في عرضها لقضية البعث فأحياناً يكون اعتناء السورة ومقصود السورة الحديث عن الحجج التي تدلل على أن البعث حق، وأحيانا يكون الحديث عن بيان حال أهل الجنة في الجنة وحال أهل النار في النار، أو عن أوصاف الفريقين وأحيانا يكون الحديث عن مشاهد يوم القيامة كما في السورة التي معنا سورة التكوير. نعم
تعليق الشيخ حفظه الله:
قال الله سبحانه ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير: 1) فهذه المشاهد عظيمة ترتعد لها الفرائص وتعمّ المخاوف، وتجعل الإنسان يرتدع ويتوب إلى الله سبحانه وتعالى ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير: 1) قالوا : جمع جرمها وذهب ضوئها وقد جاء فلذلك تتحول هذه المشاهد، وهذا الترتيب الذي نراه إلى أمر آخر، يشهد أيضًا بقدرة الله سبحانه وتعالى وعلى أن هذه المخلوقات مخلوقات مسخرات وأن الذي سخرها قادر على أن يغير أحوالها سبحانه وتعالى، وهذا من حكم تغيير نظام الكون يوم القيامة قال( وإذا النجوم انكدرت) أي وإذا الكواكب تساقطت ومحي ضوئها فتكون الآية ﴿وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتْ﴾ في معنى قوله سبحانه ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ﴾ (الانفطار: 1) فيكون معنى قوله انكدرت : بمعنى انتثرت أي تساقطت ﴿وَقِيلَ﴾ معناها تغيرت (وإذا الجبال سيرت ) يعني حركت من مكانها وقد تقدم أن الجبال لها أحوال يوم القيامة ﴿وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ العشار هي النوق الحوامل التي يتنافس أهلها فيها وهي النوق الحوامل التي بلغ حملها عشرة أشهر، فيكون هذا أنفس ما يكون عند أهلها ويبتغون منها الخير الكثير واللبن وما إلى ذلك فقال الله ﴿وَإِذَا ٱلْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ يعني تركت وأهملت فلا يقومون بحلبها بل يتركونها سائبة، مع أنهم في الأصل يميلون إليها ويرغبون فيها لكن أهوال يوم القيامة صرفتهم عن ذلك كما قال الله عز وجل إن زلزلة الساعة شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وتضع كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وترى الناس ﴿سُكَـٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَـٰرَىٰ﴾ ولكن عذاب الله شديد) ﴿وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ قالوا جمعت مع البشر في صعيد واحد (وإذا الوحوش حشرت ) أي جمعت مع البشر في صعيد واحد وهذا يشهد لقول من قال من أهل العلم إن الوحوش تجمع وتحشر يوم القيامة ومعنى ذلك أن الله عز وجل يحييها ويحشرها لأن بعض العلماء ذهب :: إلى أنها تفنى ولا تعود يوم القيامة ولا تحشر، لكن الآية دليل عليهم ويشهد لذلك ما جاء في صحيح السنة عنه عليه الصلاة والسلام أنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء فهذا يدل على ثبوت الحشر للبهائم أيضًا وللوحوش ﴿وَإِذَا ٱلْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾
﴿وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ قالوا وإذا البحار أوقدت حتى تصير ناراً – سجرت من التسجير – ويقال أيضًا سجّر التنور إذا أوقده فقالوا هنا: وإذا البحار سجرت يعني أوقدت حتى تصير ناراً، وقال بعضهم وإذا البحار سجرت: يعني ملئت حتى تصير البحار بحراً واحداً وقال بعضهم : وإذا البحار سجرت يعني فرغت فهذه ثلاثة أقوال في معنى سجرت
وإذا النفوس زوجت ) قرنت بما يماثلها، قرن الفاجر بالفاجر والتقي بالتقي وهذا أقرب ما قيل في المعنى (إذا النفوس زوجت) النفوس زوجت :: أي قرنت بمن يماثلها ويشاكلها كقوله ﴿ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ﴾ فيحشر المؤمن مع المؤمن والكافر مع الكافر فالنفوس هنا المراد بها : نفوس المؤمنين يحشرون مع بعضهم ونفوس الكافرين أيضًا مع بعضهم هذا معنى التزاوج فالتزاوج هنا بحسب الأعمال وبحسب الإيمان بالله سبحانه، وبعضهم قال : وإذا النفوس زوجت بالأجساد أي زوّج النفس بالروح أو بالجسد ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك، قال (وإذا الموءودة سئلت) أي الطفلة الموءودة وهي حية سألها الله بأي ذنب قتلت، وهذا فيه توبيخ وتقريع لقاتلها فالسؤال وإن وجه إليها لكنه توبيخ لمن وأدها ولمن قتلها، فإذا كانت تُسأل وهي بريئة فكيف بالجاني؟ فكيف بالجاني الذي قتلها؟ ﴿وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنۢبٍ قُتِلَتْ﴾ استدل بعض العلماء بهذا على أن أطفال المشركين في الجنة قالوا لأن الله ينتصر للموءودة والموءودة هنا عامة تشمل المؤمنة والكافرة فقد تكون طفلة تشمل ما إذا كانت لأولاد المسلمين أو لغيرهم بل الظاهر أن هذا في حق الكفار لأنهم هم الذين يصنعون ذلك إذ كانوا يئدون البنات خشية العار والفاقة والفقر، ومع ذلك فإنَّ الله انتصر لها، فقالوا هذا يدل على اسلامها، لكن على كل حال المسألة فيها كلام طويل ويشهد للقول بأن الأطفال – أعني أطفال المشركين في الجنة- ما جاء في صحيح البخاري من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه في أن الأطفال يكونون في جوار الخليل إبراهيم عليه السلام فسألوا وأطفال المشركين منهم؟ قال وأطفال المشركين منهم أو وأولاد المشركين منهم فهذا يشهد لهذا المعنى والعلم عند الله قال(وإذا الصحف نشرت) أي وإذا صحف أعمال العباد نشرت ليقرأ كل واحد صحيفة عمله ﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ﴾ أي نُزعت، فهذا معنى الكشط ومن معاني الكشط : كُشفت، أو أنها تطوى ﴿كَطَىِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا﴾ بين الله سبحانه وتعالى فهذا معنى كُشطت، وإذا الجحيم سعرت يعني أوقدت وإذا الجنة أزلفت : قرِّبت ) انظر إلى هذا كله ﴿إِذَا ٱلشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (التكوير: 1) هذه تحتاج إلى أجوبة، إلى جواب أين الجواب ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ إذن هذا كله! من ذكر هذه المشاهد العظيمة الجليلة الخطيرة، للدلالة على أن نفس ستعلم ما قدمت قبلُ في حياتها ستراه أمامها وستراه بين يديها، قال ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ عندما يحصل ذلك تعلم ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ﴾ قدمت للأعمال لذلك اليوم ولذلك (نفس) هنا تفيد معنى العموم ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ﴾ يعني علمت ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّآ أَحْضَرَتْ فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ﴾ ﴿أَحْضَرَتْ فَلَآ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ﴾) وهذا أسلوب قسم إذن انتقلنا من الشرط إلى القسم، وتقدم أن أسلوب (فلا أقسم) على قول الجمهور فيه إثبات القسم،
تحليل مقارن وربط بين السور
( فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) الخنس هنا وصف لموصوف مقدّر؛ وتقدم مراراً أنه في مثل هذه المقامات ربما وقع خلاف أو يقع خلافٌ بين المفسرين في تحديد الموصوف، ما الموصوف بكونه خنّس؟ من الخنس الجوار الكنّس؟ فكثير منهم يرى أن المراد بقوله ( فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) أي المراد بها النجوم، أن هذه أوصاف للنجوم.، بعضهم خصها ببعض النجوم أو بنجوم معين وبعضهم عمم فجعلها لجميع النجوم ولذلك قالوا هنا ( أقسم الله بالنجوم الخفية قبل بزوغها في الليل) ومنهم من قال :: هذه أوصاف للظباء ﴿وَقِيلَ﴾ لبقر الوحش ﴿وَقِيلَ﴾ للملائكة فهذه كلها يقع لها اختفاء وظهور ويقع لها أيضًا استقرار في أماكنها وهذا معنى (الجوار الكنس) في هذه الآية الكريمة ولكن في تفسير من فسرها بالنجوم وهم الأكثرون لاسيما وأن الله عز وجل بعدها قال ( والليل إذا عسعس والصبح إذا تنفس) وهذا مناسب لذكر النجوم، فالنجوم والليل والصبح بينها تناسب فلذلك رجح الأكثرون هذا، قال ( فلا أقسم بالخنس ) قالوا أقسم الله بالنجوم الخفية قبل بزوغها في الليل إذاً الخنس يعني الخفية ولذلك وصف الله الشيطان بأنه خنّاس قال ﴿مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ ٱلْخَنَّاسِ﴾ فهو موسوس إذا غفل الإنسان عن ذكر الله والشيطان خنّاس إذا ذكر الإنسان ربه سبحانه وتعالى فإذا ذكر العبد ربه خنس الشيطان وإذا غفل العبد عن ذكر ربه وسوس الشيطان فهذا معنى الخنوس قال ( الجوار الكنّس) أي الجاريات في أفلاكها التي تغيب عند بزوغ الصبح مثل الظباء تدخل كناسها أي بيتها، إذا الجوار الكنّس يعني تغيب عن بزوغ الصبح إذن ربنا ذكر حالها قبل مجيء الليل وهو الخفاء ثم ذكر نهاية أمرها في آخر الليل وهي أنها تعود مرة أخرى إلى أماكنها وهذا معنى الجوار الكنّس إذن هي ما بين ظهور وما بين خفاء تغيب ثم تظهر ثم تعود مرة أخرى إلى أماكنها قال (والليل إذا عسعس) قالوا هنا (وأقسم بأول الليل إذا أقبل وبآخره إذا أدبره) كيف هذا؟ لأن قوله (عسعس) كما ذكر كثيرون من أهل التفسير من المشترك اللفظي يعني كلمة عسعس تستعمل في معنى أقبل وفي معنى أدبر وبعض المفسرين رجح أن المراد هنا أقبل وبعضهم رجح أن المراد بعسعس هنا أدبر فالذين قالوا إنه بمعنى أدبر قالوا لأنّّ الله قال (والليل إذا عسعس) فهو أقسام من الله بالليل إذا أقبل لأنّّ الله قال بعدها (والصبح إذا تنفس) فأقسم الله عز وجل بالليل إذا بدأ ظلامه وأقسم الله بالصبح إذا بدأ ضوئه ونهاره فيكون اقسامه ببداية ظهور الأمرين أو ببداية الوقتين أو الحالين، وأيضاً كما قال الله ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ يعني إذا يُغشّي ويغطي بظلامه) فكذلك هنا، وقال الآخرون بل المراد بعسعس أدبر كما قال الله ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ﴾ فأقسم الله بالليل عند إدباره ثم إن المناسب لقوله (والصبح إذا تفنس) لأن الليل أدبر ماذا سيكون بعد؟ سيأتي الصباح فلذلك قال والصبح إذا تنفس فهما حالان يتبع أحدهما الآخر فرجحوا أن معنى عسعس أقبل، وهذا يبين لك أن الآية أو الكلمة قد ترد فيها أقوال ولكل قول ما يدعمه من قرائن السياق ومن الأدلة الأخرى، وهناك من المفسرين من جمع فقال عبر الله بكلمة عسعس لاحتما لها الوجهين وكلا الوجهين مراد، فإنَّ كل منهما آية تدل على عظيم قدرة الله فالليل في إقباله آية وفي إدباره آية، لذلك قالوا هنا في المختصر ( وأقسم بأول الليل إذا أقبل وبآخره إذا أدبر ) هذا كله مستفاد من كلمة عسعس) ثم قال (والصبح إذا تنفس ) وأقسم بالصبح إذا بزغ نوره فإذا بزغ نوره، قال والصبح إذا تنفس والتعبير بكلمة تنفس تعبير جميل وجليل ثم قال ( إنه لقول لرسول كريم) يعني إن القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لكلام الله بلغه ملك أمين وهو جبريل عليه السلام، سبق معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة الحاقة ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ۚ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ﴾) وقلنا هناك إن الرسول الكريم هناك : هو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بدلالة السياق
وهنا في سورة التكوير المراد بالرسول الكريم هو جبريل عليه السلام على قول الجمهور أيضًا لقرينة السياق وقلنا إن تعبير بكلمة رسول دون نبي أو ملك فيه اشعار أو دلالة أن مهمتهما :: التبليغ عن الله، فالقرآن ابتداءً كلام الله ومهمة جبريل عليه السلام هي التبليغ ومهمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم...قال (﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ﴾ ) وصفه بأنه ذو قوة ﴿عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ وهذا يدل على علو مكانه وعلى علو مكانته وعلى شرفه وكرامته، ولأن القرآن كريم أرسله به جبريل الكريم وأنزل الله القرآن على الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فاجتمع للقرآن جميع الكرامات،فالله عز وجل المتكلم به هو الكريم سبحانه وأرسل جبريل وهو موصوف بالكرم وجاءت الرسالة إلى النبي محمد ص وهو موصوف بالكرم أيضاً، ﴿عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ ثم يعني هناك، هناك أيضًا في السماء لذلك قالوا هنا ( يطيعه أهل السماء) إذن ما معنى (مطاع ثم أمين) يعني أن جبريل عليه السلام سيد مطاع في أهل السماء، فأهل السماء يسمعون له ويطيعونه فهو سيد للملائكة، قال ( مطاع ثم أمين) وهو موصوف بالأمانة أيضًا فهو أمين ولذلك هذا فيه تكذيب لغلاة الرافضة ممن قالوا خان الأمين خان الأمين ويقصدون أن جبريل عليه السلام خان الأمانة وأن الرسالة كانت إلى علي رضي الله عنه ولكنه أعطاها لمحمد صلى الله عليه وسلم وهذا نفر منهم يقال لهم الغرابية هم الذين يقولون هذا وهذا لا شك كفر بالله وتكذيب لرسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى ( ﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ﴾) يقصد بقوله (صاحبكم) نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، نفى عنه الجنون كما تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾
﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِٱلْأُفُقِ ٱلْمُبِينِ﴾ أي ولقد رأى نبينا محمد ص أمين الوحي جبريل عليه السلام على صورته التي خُلق عليها بأفق السماء الواضح وتقدم نظير ذلك في سورة النجم، قال ﴿وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ فالغيب الوحي يعني وليس صاحبكم ببخيل عليكم يبخل أن يبلغكم ما أنزل إليكم، فقوله بضنين ما معنى بـ(ضنين) أي ببخيل يعني أن النبي ﷺ ليس ببخيل وما المراد بالبخيل هنا فيها وجهان:
الوجه الأول: ليس ببخيل في تبليغ الدعوة، يعني أنه لا يضن في تبليغ الدعوة بل هو باذل وهو سخي وهو حريص تمام الحرص على أن يبلغ الدعوة
والمعنى الثاني: ليس ببخيل يريد الحفاظ على المال والاستئثار بالمال منكم أو يطلب منكم أجره بل قال الله له ( ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾) وهناك قراءة أخرى وهي متواترة وهو على الغيب بظنين يعني ﴿وَمَا هُوَ عَلَى ٱلْغَيْبِ﴾ بمتهم، يعني نبينا ص ليس بمتهم في صدقه ولا في أمانته إذن هو أمين وصادق وكريم وليس ببخيل ولا متهم صلى الله عليه وسلم، ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَـٰنٍ رَّجِيمٍ﴾ أي هذا القرآن ليس من كلام شيطان مطرود من رحمة الله قال ( فأين تذهبون) يعني بعد هذا كله وبعد الحجج الواضحة فالرب كريم وأرسل رسولاً كريماً على رسول كريم بقرآن كريم ومع ذلك تعرضون فأين تذهبون) هذا استفهام انكاري! ويراد منه التعجيز والتبكيت لهم أين تذهبون! ليس هناك مكان تذهبون إليه فهذا فيه إنكار لهذا المكان أيضًا فمن ثمّ فلا طريقة إلا الطريق الذي يوصلهم إلى النجاة وهو طريق الله سبحانه صراط مستقيم قال ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ أي القرآن ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ فيه إثبات المشيئة للعبد ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب سبحانه وتعالى. نعم
من فوائد الآيات
1-حشر المرء مع من يماثله في الخير أو الشر : وهذا مستفاد من قوله ( وإذا النفوس زوجت) ونظيرها قوله ( ﴿ٱحْشُرُوا۟ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَأَزْوَٰجَهُمْ﴾ وماكانوا يعبدون ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ فاهدوهم إلى صراط الجحيم)
2-إذا كانت الموءودة تُسأل فكيف بالوائد: ولذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن السؤال هنا فيه توبيخ وتبكيت لهذا الوائد الذي قتل ابنته دون جرم أو ذنب وهذا دليل على عظم الموقف.
3-مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله: وذلك في قوله ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وبهذا نكون قد انتهينا من التعليق على سورة التكوير وننتقل إلى سورة الانفطار.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)