سورة عبس
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
من مقاصد السورة تذكير الكافرين المستغنين عن ربهم ببراهين البعث
هذه السورة الجليلة تسمى بسورة عبس وتلاحظون أن هذه السورة سميت بالفعل عبس وهذا يعني أن بعض سور القرآن وهو الأكثر أو أن أكثر سور القرآن جاءت بالدلالة لعى الاسم فتسمى السور بالاسم، وأحيانا سميت بالفعل كما هنا في سورة عبس وكذلك فصلت) وهكذا لكن هذا قليل بالنسبة لسور القرآن الكريمو العلم عند الله تعالى
التعريف بالسورة
سورة عبس وهي سورة مكية، ويدل على ذلك صدر السورة وما ورد فيها من أسباب النزول، قال من مقاصد السورة تذكير الكافرين المستغنين عن ربهم ببراهين البعث
تجدون أن هذه السورة الجليلة العظيمة بينها تقارب في المقصود فهي تتحدث عن براهين البعث وتتحدث عن أحوال الناس يوم القيامة لأن هذا كان مناسباً أيضًا لمن كان يعرض عن القرآن الكريم في بادئ الأمر بأن يؤخذ بجانب الوعيد والترغيب والترهيب وكذلك المؤمنون يحتاجون إلى هذا فالإنسان يحتاج إلى ما يقنع عقله وإلى ما يمتع عاطفته وإلى ترغيب وترهيب وإلى وعد ووعيد وهذا كثر في السور المكية قالوا (تذكير الكافرين المستغنين عن ربهم ببراهين البعث) ولذلك قال الله ﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ﴾ تأمل ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ﴾ فهذا أيضًا فيه إثبات النشور، وأيضاً ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّا فَأَنۢبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَآئِقَ غُلْبًا وَفَـٰكِهَةً وَأَبًّا﴾ واحياء الأرض بعد موتها أيضًا هذا فيه دليل على البعث ثم جاء (﴿فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ﴾........أخيه ) وهذا حديث عن هذا اليوم هكذا مضت السورة الكريمة وفي صدرها حديث عن طرف مما وقع لنبينا ص مع عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه من حرص النبي على أن يبلغ الدعوة لصناديد المشركين ومع ذلك عتب الله عز وجل عليه إذ كان هناك إعراض عن عبد الله ابن أم مكتوم نظرة من الرسول ص أن هناك أوقاتا يمكن له أن يفيده فيها ولكن مع ذلك قال الله له ما قال في هذه السورة الكريمة الجليلة. نعم
......
تعليق الشيخ حفظه الله
ﵛعَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١ أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣ أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤ أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ ٥ ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ﴾ ٦ وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧ﵚ
قال الله سبحانه وتعالى (عبس وتولى) من المراد بقوله (عبس وتولى) هو رسول الله ص في قول عامة أهل التفسير، ولم يخاطبه الله عز وجل بذلك فلم يقل عبست وتوليت وهذا من لطف الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وحلمه عليه، وإحسانه له فلم يخاطبه ولم يواجهة بذلك، وإنما قال عبس وتولى وكأنه حديث عن غائب صلوات الله وتسليماته الله عليه ومع ذلك عاتب الله عليه ليوجهة فيما يستقبل من الأيام فقال (عبس وتولى) قالوا إذن رسول الله وُجِّه وأعرض (أن جاءه الأعمى ) ورسول الله ص لما فعل ذلك وقإذاً وجهة، من المعلوم أن الأعمى لا يراه، ولا يعلم هذا الذي وقع منه لكن ربي يعلم سبحانه وتعالى، لكن ربي يعلم سبحانه وتعالى وقوله (أن جاءه الأعمى ) أي لأجل ﴿أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ وَمَا﴾ المراد بالأعمى من المراد بالأعمى هنا.؟ هو عبد الله ابن أم مكتوم باتفاق أهل التفسير كما نقل غير واحد وقد ورد في سبب نزول الآيات أن نبينا صلى الله عليه وسلم قد جاءه عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه يستفتيه ويريد منه أن يعلمه بعض أمور دينه والنبي صلى الله عليه وسلم قد جلس إليه بعض صناديد المشركين كان يأمل صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا بالله وهو يعرض عليهم الدعوة فوجد أن هذا الوقت ليس الوقت المناسب لاسئلة أو للإجابة عن ابن أم مكتوم أو عن تعليمه فوقع منه صلى الله عليه وسلم ما وقع حرصاً منه على الدعوة فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يضن بوقته من أجل نفسه، وإنما كان حريصاً على تبليغ دعوة ربه فعبد الله ابن أم مكتوم رجل مسلم ومؤمن بالله وأما هؤلاء فإنهم كافرون معرضون عن الله فأراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدخل هؤلاء في دين الله لا سيما أنَّهم كبار في قومهم فإذا أسلموا أسلم وراءهم خلق كثير هكذا ظن النبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك عاتب الله سبحانه وتعالى عليه فكيف بمن يفرط في الدعوة دون عذر أو حاجة أو سبب مقنع فليتعظ أهل الدعوة إلى الله بهذه الآيات الجليلة فهي عبرة وعظة لكل داع إلى الله سبحانه وتعالى فيها دعوة صادقة إلى أن يقبل المؤمن وأن يقبل الداعي إلى الله على من يدعوهم إلى الله لاسيما من أقبلوا عليه لاسيما من طلبوا دعوته وكذلك طالب العلم إذا أقبل على المعلم أن يقابله بالحسنى وبالترحاب ولذلك من وصية نبي الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بطلاب العلم (مرحبًا بطالب العلم) — يُراجع مصدر نسبة العبارة إلى النبي ﷺ قبل اعتمادها حديثًا فهذه وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال (عبس وتولى...الأعمى ) إذن يمكننا أن نقول إن الأعمى هنا مبهم من مبهمات القرآن وجاء بيانه، وهو أنه عبد الله ابن أم مكتوم وذكر الأعمى هنا له مغزى فمن ذلك والله أعلم فإنَّ الأعمى ممن يجب أن تراعى حاله وأن يرفق به يعني بأن جاءك الأعمى فأنت تعبث أو تتولى أو تعرض عنه، فهو ممن شأنه أن يرفق به وأن يتلطف بحاله فقد جاءك وهو حريص وهو طالب وراغب فليُقبل عليه (﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ﴾ ) أي جاء يسترشده وكان أعمى جاء والرسول ص منشغل بأكابر المشركين أملاً في هدايتهم ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ﴾ ما يعلمك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لعل هذا الأعمى يتطهر من ذنوبه ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰٓ﴾ أو يتعظ بما يسمع منك من المواعظ فينتفع بها فهذا الذي يدعى إلى الله قد يزكى بأن يتطهر من ذنوبه أو يتذكر وهذا التذكر وهذا الوعظ ينفعه وينتفع به في علمه وفي عمله (أما من استغنى.........تصدى ) فأنت له تتصدى وتقبل عليه فأنت تتعرض له وتقبل إليه (وما عليك ﴿إِلَّا﴾ يزكى ) يعني لا يضيرك هؤلاء المعرضون لن يحاسبك الله عز وجل عن اعراضهم
ﵛوَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ ١٠ كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١ فَمَن ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ فِى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍۭ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍۭ بَرَرَةٍ﴾ ١٢ فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣ مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ ١٤ﵚ
(وأما من جاءك يسعى....تلهى.) وهذا فيه ثناء كبير على عبد الله ابن أم مكتوم رضي الله عنه لأنّّ الله قال (وهو يخشى) فهذا وصف جليل له (فأنت عنه تلهى) فأنت عنه تلهى يعني تتشاغل عنه بغيره من أكابر المشركين (كلا) ليس الأمر كذلك إنها موعظة وتذكير لمن يؤمن وهذا معنى قوله (إنها تذكرة) وقد استفاد العلماء من ذلك أن الإنسان لا يترك المصلحة المحققة لمصلحة متوهمة، فهؤلاء المشركون أراد النبي ﷺ أن يدعوهم إلى الله ورغب في ذلك لكن هذه المصلحة لم تكن متيقنة كانت متوهمة أو متوقعة وأما المصلحة الناتجة عن دعوة عبد الله ابن أم مكتوم فهي مصلحة محققة لأنَّه جاء مقبلاً وفيه أيضًا أن الإنسان لا يترك ما هو معلوم إلى ما هو موهوم أو مظنون ذكر ذلك بعض العلماء.
قال الله سبحانه ﵛوَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ ٨ وَهُوَ يَخۡشَىٰ ٩ فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ ١٠ كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ ١١ فَمَن ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ فِى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍۭ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍۭ بَرَرَةٍ﴾ ١٢ فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣ مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ ١٤ﵚ
ﵛفَمَن ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ فِى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍۭ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ كِرَامٍۭ بَرَرَةٍ﴾ ١٢ فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ ١٣ مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ ١٤ بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ ١٥ كِرَامِۭ بَرَرَةٖ ١٦ﵚ ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ فِى صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾ يعني هذا القرآن في صحف مكرمة أي عند الملائكة مرفوعة مطهرة في مكان عال، قال الله سبحانه وتعالى (بأيدي سفرة ) أي بأيدي رسل من الملائكة (كرام بررة) فهنا فسروا بأيدي سفرة وهم الملائكة وهذا قول الجماهير وبناءً عليه قوله ﴿كِرَامٍۭ بَرَرَةٍ﴾ هذا من تتمة أوصافهم فهم كرام عند ربهم (برره) كثيري فعل الخير والطاعاات ورب العزة لما وصف عباده المؤمنين وصفهم بالأبرار ولما وصف الملائكة وصفهم بالبررة وبعضهم جعل هذا في أصحاب النبي ﷺ وقد جاء في السنة (الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة) فهذا يشعر بأن المراد بهم الملائكة أخذا من الحديث وإن لم يكن نصاً في الآية والعلم عند الله
ﵛقُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ ١٧ ﴿مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ﴾ ١٨ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ١٩ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ٢٠ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ ٢١ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ ٢٢ﵚ
قال الله عز وجل (قتل الإنسان ما أكفره.....فأقبره) هنا في قوله كرام برره لأنَّه جاء التعبير ببررة كما قلت وجاء في المتقين بالأبرار وجه التفريق بينهم والعلم عند الله أن أبرار على وزن أفعال وهو جمع قلة وأما بررة على وزن فعلة وهذا من جموع الكثرة فقالوا لأن البر في الملائكة كثير وأما في الناس فإنَّ الكفار أكثر، فناسب هذا أن يوصف المؤمنون بالبشر بالأبرار وأن يوصف الأبرار من الملائكة بالبررة هذا وجه بعض العلماء والعلم عند الله تبارك وتعالى
هنا قال ﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ﴾ ﴿قُتِلَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَآ أَكْفَرَهُۥ مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ﴾ (﴿مِنْ أَىِّ﴾ شيء خلقه....................أنشره) هذه الآيات الكريمة من أعظم الآيات التي تجتث الكبر من صدور الخلق، أن يتذكر الإنسان أصله وفصله ومنشأه ومبدأه قال لله (قتل الإنسان ما أكفره ) ما الذي يجعل الإنسان يكفر أنسيَ خلقه؟ أنسيَ أصله؟ — يُراجع التسجيل للتأكد من صيغة الاستفهام المقصودة ( ﴿مِنْ أَىِّ شَىْءٍ خَلَقَهُۥ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ﴾ ) ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقْبَرَهُۥ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ﴾
ثم إن أهل التفسير اختلفوا في قوله (ثم السبيل يسره ) فمن نظر إلى سياق الآيات يجد أن الحديث عن بداية ﴿خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ ثم بعد ذلك فقدره ثم بعد ذلك فأماته فيكون معنى ثم السبيل يسره يعني أخرجه من بطن أمه يعني يسر سبيل خروجه من بطن أمه ولذلك قالوا ثم يسر له بعد هذه الأطوار الخروج من بطن أمه ) وأما الآخرون الذين ينظرون إلى الآية في ضوء الآيات الأخرى المشابهة فيقولون إن هذه الآية كقوله ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ أو كقوله ﴿إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ فيكون معنى ثم السبيل يسره يعني بين له طريق الخير وطريق الشر ولذلك وقع بين المفسرين اختلاف في قوله ثم السبيل يسره والقولان محتملان لكنهم رجحوا هنا الخروج من بطن أمه، أخذاً بسياق الآيات نفسها والعلم عند الله تبارك وتعالى ( ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ ) وفيه إثبات النشور
ﵛكَلَّا لَمَّا يَقۡضِ مَآ أَمَرَهُۥ ٢٣ فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤ أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَآءَ صَبّٗا ٢٥ ﴿ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلْأَرْضَ شَقًّا﴾ ٢٦ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا ٢٧ وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا ٢٨ وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا ٢٩ وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا ٣٠ وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا ٣١ﵚ
﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُۥ﴾ قالوا هنا ليس الأمر كما يتوهم هذا الكافر أنه أدى ما عليه لربه من حق، فهو لم يؤدِّ ما أوجب الله عليه من الفرائض (لم يقض ما أمره ) لم يؤد ما أوجب الله عليه من الفرائض ثم قال ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَـٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبًّا﴾ فانظر رحمك الله هذا تذكير بخلق الإنسان وبالإنعام عليه بالنبات والطعام والشراب وما إلى ذلك (أنا صببنا الماء صبا..........غلبا) قوله سبحانه ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ قالوا وقتا رطباً ليكون علفاً لدوابهم وكذلك قوله سبحانه وتعالى ﴿وَحَدَآئِقَ غُلْبًا﴾ قال ﴿وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَآئِقَ غُلْبًا﴾ فغلباً معناها كثيراً لذلك قالوا (غلباً بساتين كثيرة الأشجار ) وفاكهة وأبا ما المراد الأب؟ ما ترعاه البهائم، وأما ما ورد بأن بعض الصحب الكرام كعمر رضي الله عنه ما الأب ثم قال والله إن هذا هو التكلف يقال إن تفسير كلمة الأب وهو ما تعرفه العرب؟ وإنما التكلف ليس في تفسير الكلمة وإنما في البحث عن شيء وراء الكلمة كأن يقال ﴿مِنْ أَىِّ﴾ نوع ومن أي لون وعلى أي شكل وأما تفسير المراد ومعرفة بيان غريب كلمات القرآن فهذا لا مانع منه ولا حرج فيه كما سبق بيانه في مقدمة الحديث عن كتاب تحفة الأريب.
ﵛمَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٢ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ ٣٣ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ ٣٤ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧ﵚ
قال الله سبحانه وتعالى ( ﴿مَّتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ﴾ أي التي تصخ الأذان وهي النفخة الثانية وهذا من أوجه التناسب بين سورة عبس وسورة النازعات (يوم يفر المرء من أخيه....وبنيه) ومن الجليل في البحث والعلم عند الله أن ينظر في أوصاف يوم القيامة وفي مشاهد يوم القيامة التي وقعت في السور والاختلاف بينها بحسب مقاصد السور ففي سورة النازاعات (إذا جاءت الطامة الكبرى) وهنا (إذا جاءت الصاخة ) وهناك تأتي بعض مواقف وهنا تأتي مواقف أخرى وهذا باب عظيم جداً يحتاج إلى مزيد من التدبر ويفتح الله عز وجل لعباده ما يفتح فنسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتدبرين لكتابه قال الله سبحانه (يوم يفر المرء من أخيه.............بنيه) ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هنا بدأ بالأخ من باب الترقي فبدأ بالأخ ثم الأم والأب ثم الصاحبة والبنين (لكل امريء منهم.......) كما H0
ﵛ وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ مُّسۡفِرَةٞ ٣٨ ضَاحِكَةٞ مُّسۡتَبۡشِرَةٞ ٣٩ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ ٤٠ تَرۡهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَفَرَةُ ٱلْفَجَرَةُ ٤٢ﵚ
(وجوه يومئذ مسفرة..........) جعلنا الله منهم بمنه وكرمه ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ غبار (ترهقها قترة) تغشاها ظلمة ( أولئك هم الكفرة الفجرة ) قال بعضهم وصفهم بالكفرة والفجرة فذكر لهم في الجزاء الغبرة والقترة، وهنا كفرة وفجرة وهناك في شأن الملائكة كرام بررة فشتات شتان ما بين وصف هؤلاء ووصف أولئك والعلم عند الله تبارك وتعال.
من فوائد الآيات
1- عتاب الله نبيه في شأن عبد الله ابن أم مكتوم دل على أن القرآن من عند الله ولذلك هذه الآيات التي لو كان رسول الله ص كاتماً شيئًا من القرآن لكتم هذه الآيات، فكيف لو كان القرآن من عند نبينا لو كان القرآن من تلقاء نفسه ما عتب على نفسه لكن هذا كلام الله وبلغه الرسول ص ولم يكتم منه شيئًا ولم يكتم الرسول منه شيئًا ص فهذا من دلائل صدقه وأن هذا القرآن من عند الله وأن القرآن ليس فيه مجاملات ولا محاباة وفيه تعليم للعباد.
2- الاهتمام بتعليم طالب العلم والمسترشد وهذا واضح جداً في قول الله (وأما من جاءك يسعى..) والنبي ص ليس العتاب متوجهاً إليه في أنه حرص على دعوة المشركين وإنما العتاب توجه إليه والعلم عند الله في اعراضه عمن أقبل عليه الصلاة والسلام وإلا فإنَّ حرصه ص محمود وجليل وعظيم وإن كان رب العباد قد خفف عنه ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾ صلى الله عليه وسلم
3- شدة أهوال يوم القيامة حيث لا ينشغل المرء إلا بنفسه حتى الأنبياء يقولون نفسي
شدة أهوال يوم القيامة وهذا واضح جداً (يوم يفر المرء من أخيه...........) بهذا نكون بفضل الله وتوفيقه قد انتهينا من تفسير سورة عبس ونسأل الله الإعانة والتوفيق والسداد ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال وأن يبارك لنا في القرآن الكريم ونكتفي بهذا القدر وهذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)