سورة النازعات
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
التعريف بالسورة
سورة النازعات - مَكيّة -
مقاصد السورة
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ) التذكير بالله واليوم الآخر.
تعليق الشيخ حفظه الله:
نعم هذه السورة تسمى بسورة النازعات وذلك أنه في صدرها وفي أولها ﴿وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقًا﴾ فهذا مناسب لهذا الاسم وهذه السورة الجليلة كما قالوا سورة مكية وهي كذلك وأيضًا من مقاصدها (التذكير بالله واليوم الآخر) وهذا واضح من السورة الجليلة فالسورة تحدثنا عن اليوم الآخر، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ﴾ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ ﴿أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌ﴾ وكذلك ردت على منكري البعث ﴿يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَافِرَةِ﴾ ... ﴿فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ﴾ فيها دلائل على إثبات البعث والنشور ( أءنتم أشد خلقا من السماء بناها )إلى آخر الآيات ثم حديث عن يوم القيامة وسُمِّي فيها يوم القيامة بالطامة الكبرى ﴿فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ﴾ ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا سَعَىٰ﴾ إلى أن قال الله في ختامها ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا﴾ ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَىٰهَآ﴾ ... ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَىٰهَا﴾ فالسورة كلها تدور حول التذكير بالله سبحانه وتعالى واليوم الآخر وتتحدث أيضًا عن بعض دلائل البعث وأنت ترى أن هناك صلة وثيقة كبيرة، بين هذه السورة وبين سورة النبأ فإذا كانت سورة النبأ قد ختمت بقوله ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ فما بداية هذا النظر عند الموت،ولذلك جاء (والنازعات غرقا.....نشطا) ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يأتي النعيم أو العذاب بداية بالقبض – بقبض الروح) ولذلك بعدها والنازعات غرقا وسيأتي أن كثيرًا من العلماء جعلوا والنازعات غرقا من أوصاف الملائكة التي تنزع أرواح الكفار، والناشطات نشطا أيضًا من أوصاف الملائكة التي تستل أرواح المؤمنين بسهولة ويسر، فهذا مناسب لختام السورة، ثم أيضًا في الختام من سورة النازعات ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا﴾ ... ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَىٰهَا﴾ وهناك (إنا أنذرناكم) فربنا أنذرنا وجعل من مهام الرسول صلى الله عليه وسلم الإنذار أيضًا وأيضاً هناك ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَىٰهَا﴾ وهناك قال ﴿إِنَّآ أَنذَرْنَـٰكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ وهكذا فالسورتان تتلاحمان وتتصلان بفضل من الله سبحانه وتعالى وتوفيقه.
تعليق الشيخ حفظه الله:
﴿وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقًا وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطًا وَٱلسَّـٰبِحَـٰتِ سَبْحًا فَٱلسَّـٰبِقَـٰتِ سَبْقًا فَٱلْمُدَبِّرَٰتِ أَمْرًا﴾ ٥ﵚ
نعم قال الله سبحانه وتعالى (والنازعات غرقا.......فالمدبرات أمرا) والنازعات غرقا : هذا أيضًا قسم من الله سبحانه وتعالى فكما أقسم الله في صدر سورة المرسلات بالمرسلات عرفا أقسم هنا بالنازعات غرقا وهذه أوصاف لموصوفات اختلف أهل العلم في هذه الموصوفات ما المراد بالنازعات غرقا وما المراد بالناشطات نشطاً؟
والأكثرون على أنهم الملائكة، فقالوا أي هي الملائكة النازعات غرقًا والملائكة الناشطات نشطا والملائكة السابحات سبحا...إلخ الآيات ثم جعلوا هذا لبعض أنواع من الملائكة فقالوا (والنازعات غرقا) أي أقسم الله من ملائكة التي تجذب أرواح الكفار بشدة وعنف فهذا معنى والنازعات) تنزعها بشدة (غرقا) تغرق فيها ﴿وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقًا﴾ ﴿وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطًا﴾ أي تستل أرواح المؤمنين بيسر وسهولة ثم قال والسابحات سبحا أي الملائكة التي تسبح ﴿مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ بأمر الله والسباحة كما تكون في الماء تكون بشيء من السهولة حتى لا يقع الإنسان في الغرق فهذا الأصل في السباحة
ثم قال (( فالسابقات سبقا) أي تسبق بعضها في أداء أمر الله أو تستبق إلى أمر الله، قال (فالمدبرات أمرا ) أي فالمنفذات أمر الله فيما أمر الملائكة أن يقوموا به
قالوا وأقسم بالملائكة التي تنفذ ما أمر الله به من قضائه مثل الملائكة الموكلين باعمال العباد) إذا هذه أقسام أقسم الله عز وجل بها أقسم بهذه الأقسام على ماذا؟ أين جواب القسم ذهب كثيرون إلى أنه مقدر والتقدير :: ليبعثنكم الله عز وجل للحساب وأنت ترى أخي الكريم، أننا في مواضع كثيرة من سور القرآن الكريم كان جواب القسم دلالة على صدق البعث وأن البعث واقع وأن البعث حق وأحياناً يذكر وأحيانا يقدر وهذا يدل على أن هذه القضية قضية عظيمة وهي من القضايا الكلية التي عني بها القرآن الكريم ولذلك بإمكاننا أن نقول إنها من المقاصد الكبرى للقرآن الكريم، فهناك مقاصد كبرى للقرآن الكريم منها :: البعث، وإذا كنا نقرر هذا فإننا نقول إن المقصود الكلي الأكبر هو الدعوة إلى عبادة الله والدعوة إلى عبادة الله تستلزم معرفة الطريق الموصل إلى الله فمعرفة المدعو إليه وهو الله ومعرفة الطريق الذي يوصل إلى الله ثم الباعث على ذلك فالوعد والوعيد والجزاء ولذلك كثر هذا في القرآن الكريم
ﵛيَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦ تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧ قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨ أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ ٩ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌ يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَافِرَةِ أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا نَّخِرَةً﴾ لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ ١١ﵚ
وهنا قال (يوم ترجف الراجفة......الرادفة )) وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي في الناس يقول هذا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس اذكر الله قد جاءت الراجفه تتبعها الرادفة فهذا من باب التذكير بمثل هذا
ولذلك قالوا في قوله سبحانه ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ﴾ ::: أي يوم تهتز الأرض عند النفخة الأولى ) إذن ما المراد بالراجفة النفخة الأولى (تتبعها الرادفة ) ما الرادفة؟ النفخة الثانية وهذا قول الأكثرين
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ خائفة ﴿أَبْصَـٰرُهَا خَـٰشِعَةٌ﴾ ذليلة (يقولون......... في الحافره) يقولون ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يقولون هذا؟ يقولون هذا في الدنيا إذن قوله سبحانه ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ هذا يتعلق بقوله ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ﴾ وهذا يكون في يوم القيامة النفخة الأولى والثانية في يوم القيامة، وأما قوله يقولون أي كان يقولون في الدنيا ﴿أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَافِرَةِ﴾ ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا نَّخِرَةً﴾ ﴿أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى ٱلْحَافِرَةِ﴾ أي إلى الحياة بعد أن متنا وهذا المراد بقوله ( في الحافرة ) ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَـٰمًا نَّخِرَةً﴾ بالية مفتتة
ﵛقَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢ فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣ فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤ هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ١٥ إِذۡ ﴿نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ ١٦ﵚ
﴿قَالُوا۟ تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ ... ﴿فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ﴾ وما معنى قوله سبحانه وتعالى فإذا هم بالساهرة :: قالوا أي فإذا الجميع أحياء على وجه الأرض، فالساهرة المراد بها وجه الأرض أي فإذا هم على وجه الأرض بعد أن كانوا في باطن الأرض كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ﴾ قال الله ﴿فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ﴾
وقوله ﴿فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ وَٰحِدَةٌ﴾ فهو كما قال ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍۭ بِٱلْبَصَرِ﴾ فهذا كثير في القرآن الكريم تقرير لهذا
قال ﴿هَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ﴾ ﴿إِذْ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ حينئذ ذكرنا الله بطرف من قصة موسى ليبين أنه سبحانه وتعالى القادر المقتدر وإنه قد أهلك الأمم السابقة الذين كذبوا بآيات الله والذين كذبوا بالبعث فلنحذر من أن نلحق بهم أو أن نكون مثلهم
من فوائد الآيات
1-قبض روح الكافر بشدة وعنف وقبض روح المؤمن برفق ولين
وهذا في قوله ﴿وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقًا﴾ ﴿وَٱلنَّـٰشِطَـٰتِ نَشْطًا﴾ وقد جاء بيان ذلك في سنة النبي كما في حديث البراء رضي الله عنه وهو معروف معلوم.
تعليق الشيخ حفظه الله:
ﵛٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧ فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ١٩ فَأَرَىٰهُ ٱلۡأٓيَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢٠ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١ ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣ فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٤ فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَٱلْأُولَىٰٓ ٢٥ﵚ
مع أنَّ الدعوة قد بلغتهم ومع أن الرسل قد جاءتهم ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ﴾ ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ بهذا الأسلوب اللين كما قال الله ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ ولذلك يمكننا نفسر هذه الآية في سورة طه بما جاء هنا في سورة النازعات القول اللين :: أن يقولا له ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ﴾ ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ بهذا العرض المهذب الجليل المبارك ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ﴾ إلى أن تتطهر من الكفر والمعاصي ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ فاراه الآية الكبرى) كاليد والعصا وبهذا فُسرت الآية الكبرى ( ثم أدبر حتى الأولى ) ما المراد بالآخرة والأولى قالوا هنا في التفسير :: فأخذه الله في الدنيا بالغرق في البحر وعاقبه في الآخرة بإدخاله في أشد العذاب إذا فسر قوله (نكال الآخرة ) بالآخرة التي هي في يوم القيامة والمراد بذلك أي أنه يعاقب يوم القيامة بإدخاله في أشد العذاب كما قال الله ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ﴾ وأما قوله (والأولى) أي في الدنيا وقد وقع له ذلك في الغرق بأن أغرقه الله سبحانه وتعالى كما قال الله ﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً﴾ هذا قول وجيه في تفسير قوله نكال الآخرة والأولى أي عقوبة الأخرى والأولى وقال بعض المفسرين أي كالكلمة الآخرة والكلمة الأولى يعني عاقبه الله بكلمتين وقال أنه قال أنا ربكم الاعلى وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى﴾ فعاقبه الله بهذه وبتلك، وقال بعضهم نكال الآخرة :: بكفره وبمعصيته
لكن على كل ما ذكروه هنا من أن المراد بنكال الآخرة عذاب الآخرة وان الأولى العذاب الذي وقع له في الدنيا بالغرق أقرب والله أعلم
ﵛإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦ ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧ رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا ٢٨ وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩ وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰٓ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ ۚ بَنَىٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَىٰهَا وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَىٰهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَىٰهَا مَتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ﴾ ٣٠ أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١ وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا ٣٢ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٣ﵚ
﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰٓ﴾ أن في ذلك من الذي يعتبر ومن الذي يتذكر ويتأمل هو من يخشى الله سبحانه وتعالى وقوله (لعبرة) فالإنسان يعتبر ولذلك قال الله في شأن قصص القرآن ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ يعني يعبر الإنسان مما علم إلى ما لم يعلم أو يعبر الإنسان مما وقع إلى ما ينتظر بعد ذلك فهذا عبور ينتقل الإنسان به من المشاهد إلى الغائب قال الله سبحانه وتعالى (﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ﴾ بناها........ضحاها....دحاها) أيضًا هذه دلائل على إثبات البعث والنشور تقدم مراراً أنه من دلائل البعث ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ كما قال الله ﴿لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ﴾ لذلك قال هنا ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ ۚ بَنَىٰهَا﴾ ثم بين بعض ما يتعلق بالسماء (بناها....ضحاها) والأرض بعد ذلك.
قالوا وأغطش ليلها أظلم ليلها إذا ذهبت شمسها، قالوا (والأرض بعد ذلك دحاها )قال هنا (والأرض بعد ذلك ) جمع العلماء بين هذه الآية وبين الآيات الأخرى كقوله (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا..) فقالوا إن خلق الأرض كان أولًا ثم كان بعد ذلك السماء ثم كان بعد ذلك جاء دحو الأرض فقوله (والأرض بعد ذلك ) يتعلق بالدحو أي الدحو هو الذي تأخر بعد ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ لا أصل خلق الأرض وثَمَّة أقوال أخرى في هذا قال الله ﴿وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ﴾ قال بعضهم تفسير دحاها ما جاء بعد ذلك في قوله ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَىٰهَا﴾ ... ﴿مَّتَـٰعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَـٰمِكُمْ﴾
ﵛفَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٣٤ يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥ وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ٣٧ وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٣٨ فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٣٩ وَأَمَّا مَنۡ ﴿خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ ٤٠ فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ ٤١ﵚ
﴿فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ﴾: قالوا أي النفخة الثانية التي تغمر كل شيء لهولها فمعنى الطامة التي تطم وتعم والتي تغمر كل شيء، وهي يوم القيامة (فإذا جاءت الطامة...يوم يتذكر الإنسان......يرى( وفي موضع آخر قال الله ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ فهي تظهر لهؤلاء الغاوين وتتلقفهم قال الله (فأما من طغى ) وتأمل في سورة النبأ ﴿لِّلطَّـٰغِينَ مَـَٔابًا﴾ وهنا ﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ وهنا فأما من طغى فهذا لبيان جزاء الطاغين وأن هذا الجزاء جزاء عدل فهم قد طغوا ولذلك استحقوا هذا العذاب ﴿وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا﴾ ﴿فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾
(وأما من خاف مقام ربه) قالوا هنا :: من خاف قيامه بين يدي ربه وكف نفسه عن اتباع ما تهواه مما حرمه الله فإنَّ الجنة هي مستقره الذي يأوي إليه وتقدم أن قوله مقام ربه فيه احتمالان فيه هذا أي قيامه بين يدي ربه والمعنى الثاني :: قيام الله عليه ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ﴾
قال ﴿وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ فيه بيان أهمية نهي النفس عن الهوى فالإنسان يتبع مولاه ولا يطيع هواه قال الله ﴿فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾
ﵛيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَا ٤٢ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ ٤٣ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ ٤٤ ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن﴾ يَخۡشَىٰهَا ٤٥ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا ٤٦ﵚ
﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ تقع الساعة (فيم أنت من ذكراها ) ما معنى فيم أنت من ذكراها يعني ليس لك علم بها حتى تذكرها لهم يعني أنت لا تعلم وقت الساعة نعم بلغتك بعض علاماتها لكنك لا تعلم وقتها بالتحديد قال الله (فيم أنت..) وليس من شأنك ذلك وإنما شأنك الاستعداد لها، وهناك قول آخر يرى أن قوله فيم يعني فيم هذا السؤال الذي سألوه ثم (أنت من ذكراها ) يعني أنت من علاماتها فالرسول ص من علامات الساعة ويستدلون بحديث النبي «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ»، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى
﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ﴾ وذكر من يخشاها مع أنه منذر للناس كلهم لكن الناس الذين ينتفعون بإنذاره هم من يخشونها لذلك قالوا هنا (﴿أَنَّمَا﴾ أنت منذر من يخشى الساعة لأن هذا الذي ينتفع بإنذاره)
﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَىٰهَا﴾ أي في حياتهم، الدنيا إلا عشية أو ضحاها أي عشية يوم واحد أو ضحاها
وقوله (أو ضحاها) عاد إلى العشية مع أنَّ العشية لا ضحى لها لكن لما كانت العشية في اليوم فكذلك الضحى في اليوم فالمراد به ما هو ملابس له فأحيانا يعود الضمير على الشيء أو ما هو مصاحب أو ملابس له والعلم عند الله تبارك وتعالى.
من فوائد الآيات
1-وجوب الرفق عند خطاب المدعو، وهذا واضح في قوله سبحانه ﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ﴾ ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾ كما قال ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ ومعروف أن الإنسان لا يقبل من جاءه بعنف وإنما يقبل الأسلوب الذي يأتيه عن طريق الرفق ولذلك أمرنا بهذا وقد قال الله ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾
2-الخوف من الله والكف عن الهوى من أسباب دخول الجنة وهذا واضح في قوله ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ ﴿فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ﴾
1- علم الساعة من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَىٰهَآ﴾ ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ﴾
2- بيان الله لتفاصيل ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ كما قال الله ﴿ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ ۚ بَنَىٰهَا﴾ إلخ الآيات الكريمة وبهذا نكون بفضل الله وتوفيقه قد انتهينا من التعليق على تفسير سورة النازعات لننتقل إلى تفسير سورة عبس.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)