سورة القدر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
مقاصد السورة
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): بيان فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
التعريف بالسورة
سورة القدر سورة مكية، قالوا من مقاصد السورة بيان فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ : سورة القدر سميت بسورة القدر وقد تكررت فيها كلمة القدر (إنا أنزلناه في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾...شهر ) فهي سورة القدر، وهي سورة مكية والحقيقة أن هذه السورة من السور المختلف فيها اختلافاً كثيراً فمن قائل بمكيتها ومن قائل بمدنيتها والأدلة في ذلك محتملة والعلم عند الله ومنهم من التفت للمعنى فقال إن الحديث عن فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ يناسبها أن يكون مع تشريع صيام شهر رمضان وفضائل رمضان والصيام وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ كان في المدينة فرجحوا من أجل ذلك مدنية السورة، لكن هذا ليس بلازم. لأن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لها فضل إذ نزل القرآن فيها سابقاً فهذا وحده ليس بكافٍ في هذا لكن قيل بهذا، ومعتمد القول بمكيتها باعتبار أنه ورد هذا في بعض الروايات التي فيها تسمية السور المكية وإن ورد خلاف ذلك في رواية أخرى عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما.
نقل من المختصر وبيانُه
قالوا من مقاصد السورة (بيان فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾) بل إن شئت فقل إن السورة كلها خالصة لهذا الحديث فالأمر كذلك واضح فأحياناً تكون السورة كلها تدور حول حدث واحد من أولها إلى آخرها لاسيما السور القصيرة ويكون الأمر فيها واضحاً جلياً لكننا نضيف إليه بيان فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ والقرآن الذي نزل فيها لأن الحديث فيها عن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وعن القرآن الذي نزل فيها بدليل تصدير السورة بقوله ( ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ ) فهذا للدلالة على شرفه وعلى فضل تلك الليلة التي نزل فيها هذا القرآن العظيم.
تعليق الشيخ حفظه الله :
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ هذا الضمير إنا أنزلناه؟ علامَ يعود؟ يعود على القرآن الكريم. كما قالوا هنا (إنا أنزلنا القرآن جملة إلى السماء الدنيا) وهذا معناه أن الضمير قد يعود على غير مذكور لكن بقرينة السياق فنحن نعلم أن المتحدث عنه هو القرآن الكريم وإن لم يسبق ذكره في الآيات وهنا قالوا ( إنا أنزلنا القرآن...رمضان)
وهذا منهم جمع طيب بين أقوال متعددة لأننا نجد أن القرآن الكريم نزل بحسب الحوادث والوقائع فالقرآن الكريم نزل مفرقاً ومنجماً وحينئذ قد يرد إشكال، كيف نقول إن القرآن نزل منجما ومفرقاً وأنتم تقولون هناك سور مكية وهناك سور مدنية وما إلى ذلك وهنا الآية تقول ( إنا أنزلناه في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾) فيكون الجواب عن ذلك بأحد جوابين :
1-الجواب الأول : فالمراد بالنزول هنا نزول القرآن جملة واحدة وذلك أن القرآن نزل جملة واحدة – كله – نزل القرآن كله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا – والله أعلم بموضعه منها – لكن قد ورد بذلك الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما وصحَّ عنه، ومثله لا يقال من قبيل الرأي، فلذا له حكم الرفع ولا يقال إنه أخذه من بني إسرائيل لأن هذا من الأخبار الإسلامية المحضة التي لا تتلقى عن أهل الكتاب، إذن هذا قول
2- القول الثاني معنى قوله إنا أنزلنا يعني إنا أنزلنا أوله في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ المراد أول ما نزل من القرآن – كان في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ لذلك انظر إلى كلامهم ( إنا أنزلنا....الدنيا ) هذا معنى وهذا وجه ( كما ابتدأنا انزاله) اللي هو أول ما نزل ( كما ابتدأنا....رمضان) وعرفنا من قولهم من شهر رمضان أن ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ في شهر رمضان وهو قول جماهير أهل العلم وبناءً عليه فقولهم ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ﴾...يتناسب مع هذه الآية ( إنا أنزلناه في ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾) فهو نزل في هذه الليلة، وهي ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وأيضاً هي الليلة المرادة في قوله ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةٍ مُّبَـٰرَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾ في صدر سورة الدخان،
تحليل مقارن وربط بين السور
أيضاً هذا يلفت أنظارنا إلى شيء إلى وجود صلة وثيقة بين سورة القدر وسورة العلق، فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (إنا أنزلناه) أول ما نزل من القرآن كان ﴿فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ﴾ أول ما نزل؟ ( ﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ ) فيكون هذا من وجه المناسبة والعلم عند الله تبارك وتعالى ( ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَـٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ﴾ ) القدر أي الشرف والعظمة والجلال والمكانة، وأيضاً القدر : من معاني القدر التقدير قالوا (لأنها ليلة يقدر فيها ما يكون في أثناء السنة) كما قال ( ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾...من عندنا ) فهذا معنى ثاني في معنى القدر والمعنى الثالث ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ من القدر أو من القدر الذي هو بمعنى الضيق ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ﴾ يعني ضيق عليه رزقه ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَـٰنَنِ﴾ ويكون المعنى يعني ليلة تضيق فيها السماوات من زحمة الملائكة وكثرتهم كما وردت بذلك الآثار بل الأحاديث الثابتة عنه عليه الصلاة والسلام لكثرة الملائكة الموجودين في تلك الليلة المباركة
(وما أدراك ما ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾) ولم يقل وما أدراك ما هي؟فأعاد ذكرها،
ثم قال (﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾) ولم يقل (هي) (خير من ألف شهر ) للدلالة على عظمة هذه الليلة، قالوا ( هذه الليلة ليلة عظيمة، فهي خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ لمن قامها إيمانا واحتسابا) وكلامهم هذا يشعر أن أفضل ما يكون في الليلة القيام وهذا ورد به النص ( من قام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ إيمانا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ) قاله نبيكم صلى الله عليه وسلم وبعض العلماء يعمم فيقول : العمل الصالح فيها خير من العمل الصالح في غيرها بهذه المثابة، أفضل من العمل في غيرها بأكثر من ألف شهر لأنّّ الله قال خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ وبعضهم يقول : العبادة الفضلى في هذه الليلة هي عبادة الصلاة وما يتعلق بها من الدعاء وقراءة القرآن ونحو ذلك
قال (تنزل الملائكة والروح فيها ) فسَّروا الروح بجبريل، وعليه الأكثرون (بإذن ربهم..أمر) قالوا: يعني (بكل أمر) فمعناه كل أمر أمرهم الله عز وجل به ﴿سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ﴾ قالوا (بكل أمر قضاه الله في تلك السنة....مما يقدره الله ) ويشهد لذلك ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾
(سلام هي) قالوا يعني : هذه الليلة المباركة هي خير كلها ) ولذلك قوله سلام هي : سلام خبر مقدم وهي مبتدأ مؤخر فالمعنى ما هي إلا سلام فلذلك تقديم كلمة سلام لتدل على الحصر يعني هذه الليلة كلها سلام وسلامة (سلام هي حتى مطلع الفجر ) يعني نهايتها بطلوع الفجر، ولذلك قالوا من أدرك منها ولو جزءاً كان له نصيب من خيرها وهي تبدأ ببداية الليل وهو المغرب فصلاة المغرب وصلاة العشاء، كل ذلك فيه خير وبركة في هذه الليلة نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لقيام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.
1-فضل ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ على سائر ليالي العام
وهذا واضح في قوله ( لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) وهذا من رحمة الله بهذه الأمة فالأمة وإن تقاصرت أعمارها وقلَّت سنوات حياتها إلا أنَّ الله قد عوَّضها بهذه الخيرات والبركات وبهذا نكون قد انتهينا من التعليق على تفسير سورة القدر وننتقل إلى تفسير سورة البينة.