سورة الزلزلة إلى الناس — الجزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
تعليق الشيخ حفظه الله:
نعم سورة الزلزلة قالوا سورة مدنية وهذا على الراجح وإن وقع اختلاف في شأنها ومن مقاصدها (التذكير بأهوال القيامة ودقة الحساب فيها )وهذا واضح جداً في السورة الكريمة، فالسورة كلها قامت على الزلزلة وعلى ذكر الزلزلة وأهوال القيامة ودقة الحساب وذلك في قوله (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾ ) (ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)
تعليق الشيخ حفظه الله:
نعم.قال الله ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (الزلزلة: 1) قالوا هنا (إذا حركت الأرض التحريك الشديد الذي يحدث لها يوم القيامة) وقد أخبرنا الله عن هذه الزلزلة في قوله سبحانه وتعالى في صدر سورة الحج ( يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ﴿ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَىْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾...........شديد) وهنا قال ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ (الزلزلة: 1) تأمل لم يقل إذا زلزلت الأرض زلزالاً : الزلزال يدل على التأكيد وإنما هنا جاء التعبير (زلزالها) أي الزلزال الذي يكون لها، لائقاً بشأنها مما قدره الله عليها ولذلك قالوا (إذا حركت الأرض التحريك الشديد) زلزالها الذي يكون لها ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (الزلزلة: 2)ولم يقل وأخرجت أثقالها ولكن إعادة كلمة الأرض ﴿وَأَخْرَجَتِ ٱلْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (الزلزلة: 2) قالوا (ما في بطنها من الموتى وغيرهم ) إذن قوله أثقالها ما في بطنها من الثقل وبعضهم يقول : من الثَقَل والمراد بها الكنوز ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم (تقيء الأرض أفلاذ أكبادها) أمثال الأسطوان من الذهب والفضة ) قال (﴿وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا﴾ ) يقول متحيراً ما شأن الأرض تضطرب وتتحرك ( ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾) ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (الزلزلة: 4) تحدث الأرض أخبارها قال بعضهم يعني بأخبارها، قالوا هنا ( تخبر الأرض بما عمل عليها من خير وشر) وقال لقد ورد في حديث عند الترمذي بأن الرسول ص قال أتدرون ما أخبارها؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال أن تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شر ) ولكن هذا الحديث فيه كلام، وهو وإن كان حكم عليه الترمذي بالحسن أو بالصحة وقال حسن غريب صحيح وقال الحاكم صحيح الإسناد لكن تعقبه الذهبي بأن فيه يحيى بن أبي سليمان قال منكر الحديث لكن على كل المعنى صحيح، تحدث الأرض أخبارها قال ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (الزلزلة: 4) قالوا هنا (لأن الله أعلمها وأخبرها بذلك) هذا فيه أن أصحاب المختصر هنا اختاروا أن الباء في قوله (بأن) سببية أي لأن ربك أوحى لها لماذا تحدث الأرض أخبارها؟. لأن ربك أوحى لها، ومعنى أوحى لها أي أذن لها لذلك تعدت ب (لها ) ولم يقل بأن ربك أوحى إليها وإنما قال ( أوحى لها ) أي أذن لها وقال بعضهم قوله (بأن ربك) هذا بدل من قوله أخبارها لأن أصل المعنى تحدث بأخبارها لأن ربك أوحى لها فهو تفسير للأخبار يعني تحدث بماذا؟ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا هذا الذي تحدث به ـ، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا﴾) يخرج الناس من موقف الحساب فرقاً ليشاهدوا أعمالهم قال (﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا۟ أَعْمَـٰلَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ﴾) (﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ) وقد H0...خيراً يره ) قالوا الذرة وزن نملة صغيرة من أعمال الخير أو الشر يره كذلك.
من فوائد الآيات
1-شهادة الأرض على أعمال بني آدم وهذا في قوله ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ (الزلزلة: 4) لاسيما مع الحديث الذي ورد في ذلك وإن كان فيه ما تقدم وبهذا نكون قد انتهينا من التعليق على تفسير سورة الزلزلة لننتقل إلى تفسير سورة العاديات.
سورة العاديات
سورة العاديات - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ) تحذير الإنسان من الجحود والطمع بتذكيره بالآخرة.
تعليق الشيخ حفظه الله:
سورة العاديات سورة مكية وهذا على مذهب الجمهور أيضاً، قالوا من مقاصد السورة (تحذير الإنسان من الجحود والطمع بتذكيره بالآخرة.) وهذا مناسب لكلمة العاديات، فالعاديات تدل على العدو والسرعة وأيضًا قد تؤدي إلى الإنسان بالاعتداء وكثير من الناس عنده جحود وعنده طمع فجاءت السورة لتذكر الإنسان بذلك ( إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ....لشديد) ثم ذكرته بالآخرة لئلا يغتر بالدنيا ونعيمها ( أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ.....لخبير ) نعم.
...
قراءة الطالب الآيات مع تفسيرها من المختصر ::
تعليق الشيخ حفظه الله:
تحليل مقارن وربط بين السور
نعم. قال الله سبحانه وتعالى ( والعاديات ضبحا) هذه السورة إحدى السور التي افتتحها الله عز وجل بالقسم، وهنا قسم بالعاديات ضبحا وهو قسم بوصف لموصوف وتقدم مراراً أن الأقسام التي تأتي لأوصاف تكون لموصوفات فإنَّ كثيراً منها يختلف أهل العلم في تحديد هذا الموصوف فلذلك بعضهم جعل العاديات وصفاً للخيول وبعضهم جعلها وصفاً للإبل فهما قولان ومنهم من قال أنتم تقولون السورة مكية والمناسب لذلك ليس ذكر الخيول فإنَّ الخيول ﴿أَنَّمَا﴾ يظهر أمرها في الجهاد وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ كان بالمدينة وإنما الذي يكون بمكة الإبل كما يكون حال الحجاج بمنى وحين يركبون الإبل ويتنقلون من مكان إلى مكان، وقال آخرون ليس هذا بلازم، فإنَّ الحروب معروفة عند الناس من القدم وليس من الإسلام فحسب بل قبل ذلك فالفرق أن الإسلام أدب ذلك وقعده وجعل له ضوابط وأصول على كل حال فهنا قالوا (والعاديات ضبحا) (أقسم الله بالخيل التي تجري حتى يسمع لنفسها صوت من شدة الجري ) هذا معنى الضبح، هو: إحداث الصوت عند الجري الشديد والعدو وهذا معنى العاديات
(فالموريات قدحا) أي وأقسم بالخيل التي توقد بحوافرها النار إذا لامست بها الصخور لشدة وقعها عليها)
وهذا يكون عند الاصطكاك والضرب فتوري بحوافرها هذه النار وهذا معنى القدح، وأصل القدح الاستخراج ومنه قولهم (قدح زناد فكره فاستخرج بواطن ما فيه) ومنهم قولهم قدح عينه إذا استخرج ما فيها من فساد فكذلك هنا قالوا فالموريات قدحا (فالمغيرات صبحا) وأقسم بالخيل التي تغير على الأعداء وقت الصباح (فأثرن به نقعا) فحركن بجريهن غباراً لأن هذا الذي يكون عند جريهن الجري الشديد (فوسطن به جمعا) توسطن بفوارسهن جمعاً من الأعداء من العلماء من يجعل هذا كله للإبل وأنها تتحرك بهذا عند ذهابها إلى منى وإلى عرفة وما إلى ذلك..قال الله سبحانه وتعالى ( إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ ) تأمل وجه العلاقة بين المقسم به والمقسم عليه فالمقسم به العاديات ضبحا فالموريات قدحا حركات شديدة وعدو وتراب يثار إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ ( ليست عنده القناعة والرضا وإنما عنده الجحود) عنده الجحود وعنده التسرع ويترتب على ذلك ما يثيره من تراب ومن ارتعاد ومن فتن (﴿وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ﴾ ذلك لشهيد وإنه لحب الخير لشديد) ﴿وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ﴾ ذلك من هو : قالوا هنا ﴿وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ﴾ منعه للخير لشاهد لا يستطيع إنكار ذلك لوضوحه -جعلوا الضمير يعود على الإنسان وهو الراجح – لأن بعضهم يقول يعود على الله يعني ربنا شاهد عليه لكن الأقرب أنه يعود على الإنسان لم؟ لأن الضمير بعد ذلك ( وإنه لحب الخير لشديد) هذا عائد على الإنسان قطعاً وهناك قاعدة تفسيرية :: توحيد مرجع الضمائر أولى من تفريقها فكلها تعود على الإنسان وعلى ذلك ما معنى ﴿وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي شهيد لحاله أي حاله يشهد نعم الله تترى ومع ذلك يقابلها بالجحود والإعراض والصد ﴿عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ﴾ حذر الله فقال ( إفلا يعلم...الصدور ) أجهل هذا الإنسان وعمي عن الحقائق وأعرض فلا ﴿يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى ٱلْقُبُورِ﴾، بعث الله ما في القبور من الأموات وأخرجهم من الأرض للحساب والجزاء، أن الأمر لم يكن كما كان يتوقع، كما قال الله في سورة الانفطار وإذا القبور بعثرت ) قال ﴿وَحُصِّلَ مَا فِى ٱلصُّدُورِ﴾ تعبير عظيم جداً قالوا (وأبرز وبين ما في القلوب) هذا معنى حصل – وأصل المادة مادة التحصيل : قالوا تطلق على إخراج اللب من القشر، لأن هذا يكون معه التمييز حينما تميز هذا عن ذاك فمعنى _حصل ما في الصدور – يعني ميز ما في الصدر هذا كان مخلصًا فيه هذا كان مرائيًا فيه – هذا كان معجباً به وما إلى ذلك وهذا فيه أن النيات تكون حاضرة واضحة يوم القيامة كما قال الله ﴿يَوْمَ تُبْلَى ٱلسَّرَآئِرُ﴾ قال ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌۢ﴾ قالوا هنا في التفسير وأحسنوا ( وسيجازيهم على ذلك ) وقد تقدم أن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أخبر أنه بكل شيء عليم، محيط، خبير، بصير، فيكون من لوازم ذلك وسيحاسب العباد على أعمالهم.نعم
من فوائد الآيات...
1-الإنسان مجبول على حب المال نعم وهذا في قوله ﴿وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ وأيضاً كما قال الله في سورة الفجر ( تحبون المال حباً جماً ) وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة العاديات لننتقل إلى تفسير سورة القارعة.
سورة القارعة
سورة القارعة - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): قرع القلوب لاستحضار هول القيامة وأحوال الناس في موازينها.
تعليق الشيخ حفظه الله:
سورة القارعة سورة مكية وقد نقل الاتفاق على هذا فهي سورة مكية بوضوح واسمها القارعة والقارعة اسم من أسماء يوم القيامة فعندنا سور -عندنا سور- سميت بأسماء يوم القيامة منها القارعة ومنها الحاقة ومنها غير ذلك ولذلك المطلوب منكم أن تذكروا لنا أسماء السور التي سميت باسم من أسماء يوم القيامة :
ما أسماء السور التي أريد بهذا الاسم يوم القيامة؟ قالوا (القارعة مكية – هذا واضح من مقاصد السورة (قرع القلوب لاستحضار هول القيامة وأحوال الناس في موازينها) قولهم قرع القلوب هذا أخذوه من كلمة القارعة، وتقدم في غير ما موضع أن عدداً من العلماء قد نصوا على أن اسم السورة ينبيء عن مقصودها فالسورة اسمها القارعة إذ هي تتحدث عما يقرع القلوب بالأهوال، ولذلك قيل لها (﴿ٱلْقَارِعَةُ مَا ٱلْقَارِعَةُ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْقَارِعَةُ﴾ )فهي سورة تتحدث عن هول القلوب لاستحضار هول القيامة وأحوال الناس في موازينها ولذلك ذكرت أقسام الناس ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ﴾ ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ﴾ نعم.
تعليق الشيخ حفظه الله :
القارعة هكذا أول آية (القارعة) ولذلك بعض الأئمة وبعض العلماء يذكرون في تراجمهم كان الواحد منهم يبدأ بسورة القارعة في ليلته، فينتهي الليل وهو لما ينتهي من السورة! لكن كانت قلوبهم حاضرة وكانت الخشية واضحة فنسأل الله أن يسترنا وأن يهدينا وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يرزقنا خشيته وأن يرزقنا حب القرآن وفهم القرآن والعمل بالقرآن.
(القارعة ما القارعة ) ما قال القارعة ما هي؟ أعاد الكلمة فتقرع الآذان الآن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تقرع القيامة بأهوالها الأنام يوم القيامة ثم قال (وما أدراك ما القارعة ﴿يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ﴾) المبثوث المنتشر هنا وهناك ﴿وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ﴾ قالوا :: مثل الصوف المنفوش في خفة سيرها وحركتها، إذن ما معنى المنفوش يعني ينفش باليد للدلالة على خفته كما قال (ويوم نسير الجبال وقال(وبست الجبال بسا) وقال ﴿فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا﴾ وبعضهم قال (المنفوش: الملوَّن) المصبوغ لأن الجبال جعلها الله ألوانا كما قال الله (﴿وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌۢ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ )إلأخ الآية فهذا يدل على وجود ألوان فيها وهذا قول ثان في الآية.
قال ( فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ ) رجحت، نسأل الله أن يثقل موازيننا –(فهو في عيشة راضية ) العيشة راضية فكيف بمن فيها – قال ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٌ﴾ قالوا (فمسكنه ومستقره يوم القيامة هو جهنم)
خلاصة وتثبيت الفكرة
إذن أمه لأن الأم مقصد الإنسان ولذلك سميت الأم أماً لأن أولادها يقصدونها، ويتجهون إليها فمعناه مقصوده وتوجُّهه إلى جهنم وسماها الله بهاوية لأن من فيها يهوي ويسقط قال (وما أدراك ما هيه نار حامية) وما أدراك ماهيه الهاء في كلمة هيه في آخرها هاء السكت.وما أدراك ماهيه نار حامية) أي هي نار حامية لكن جاءت المفاجأة نار حامية نسأل الله السلامة. بهذا نكون قد فرغنا من التعليق على سورة القارعة وننتقل إلى تفسير سورة التكاثر.
سورة التكاثر
سورة التكاثر - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): تذكير المتكاثرين واللاهين بالدنيا بالقبور والحساب.
تعليق الشيخ حفظه الله :
سورة التكاثر – سورة مكية وهذا ما عليه الجمهور أيضًا – من مقاصد السورة ( تذكير المتكاثرين واللاهين بالقبور والحساب) وهذا واضح من بداية السورة (ألهاكم التكاثر) ومن اسمها فاسمها التكاثر.إذن السورة الكريمة تحذر المتكاثرين من هذا التكاثر وأنه لا ينبغي أن يشغلهم عن ذكر الله وعن طاعة الله (ألهاكم التكاثر ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾) فهذه سورة التكاثر وفي آخرها (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم ) فهذا التكاثر سيكون عن التساؤل ومن علم أن التكاثر سيكون عنه التساؤل فإنه سيخاف أن يضله عن سبيل الله.
تعليق الشيخ حفظه الله :
قال الله (ألهاكم التكاثر) هكذا بأسلوب الخبر، ألهاكم التكاثر ) شغلكم التكاثر ومن نبهك وذكرك فقد أحسن إليك (ألهاكم التكاثر ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾) تحذير من أن يستمر الإنسان في اشتغاله بتكاثره من الأموال والأولاد إلى أن يدخل القبر والتعبير بقوله (حتى زرتم ) للدلالة أن القبر ليس نهاية المطاف ولذلك يخطئ مَنْ يقول حين يموت إنسان – القبر مثواه الأخير – فالقبر ليس المثوى الأخير – وإنما هي دار ينتقل منها إلى غيرها – فبذلك قرأ بعضهم الآية فقال :: ما الزائر بمقيم ما الزائر بمقيم وهناك قول في قوله سبحانه (﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾) يعني وصل بكم التفاخر والتكاثر إلى أن تفاخرتم بالمقابر!، وهذا شائع في هذه الأيام فالتفاخر بالمقابر والتفاخر بالمساكن والتفاخر بالأموال والأطيان والأولاد وغير ذلك، ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذا أسلوب ردع وزجر لذلك قال (﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن﴾ يشغلكم التفاخر بها عن طاعة الله سوف تعلمون عاقبة ذلك الانشغال ثم سوف تعلمون عاقبته ) ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ﴾ لا تظن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم أن قوله :: (لترون الجحيم) جواب لو – هذا خطأ – ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ جواب لو مقدر وقوله (لترون) جواب لقسم أي والله لترون لذلك اختار عدد من العلماء الوقف على كلمة اليقين :: فنقول (﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ﴾ ) بعدها نقول (لترون الجحيم) ما معنى الكلام لو تعلمون علم اليقين انظر ماذا قالوا هنا في المختصر وأحسنوا قال ( لما انشغلتم بالتفاخر بالأموال والأولاد) إذن لو تعلمون علم اليقين وترك لك الجواب فيمكن أن تقول :: لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر، لو تعلمون علم اليقين لما انشغلتم بالتفاخر بالأموال والأولاد، لو تعلمون علم اليقين لبادرتم بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى ثم قال ( لترون الجحيم) فدخول النون المؤكدة دلالة على القسم وكذا اللام (لترون) أي والله لترون الجحيم وهذا في حق من كان على المعصية والكفر، كما قال الله سبحانه ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ﴾ قال _(ثم لترونها عين اليقين )فهذا ليس علم فقط بل يتحول إلى عين. فهي مراحل في الترقي ( ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) فختام الآية مناسبة لصدر السورة – فصدر السورة ألهاكم التكاثر وهذا من النعيم فالأموال والأولاد هذه نعمة ونعيم لكن سيُسأل الإنسان عنها (( ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) ولا يخفى عليكم ما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم حينما خرج النبي وقد أخرجه من بيته الجوع ووجد أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وسألهما ما أخرجكما فقال ما أخرجنا إلا الجوع فقال وأنا والله ما أخرجني إلا هذا وأتوا إلى هذا الأنصاري واطعمهم ثم قال لهم النبي والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم، أخرجني من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصبتم من هذا النعيم، فكيف بالنعم الكبيرة التي لا تعد ولا تحصى والتي يمن الله عز وجل بها علينا ولذلك قولهم عما أنعم به عليكم من الصحة والغنى وغيرهما للتعميم لأن النعيم يدخل فيه الصحة ويدخل فيه الغنى ويدخل فيه كل أبواب النعيم حتى أن بعضهم قال : الماء البارد فالماء البارد نعمة عظيمة إلى غير ذلك من النعم نسأل الله أن نكون من الشاكرين لنعمه سبحانه وبحمده.
من فوائد الآيات :
1-خطر التفاخر والتباهي بالأموال والأولاد : وذلك في قوله (ألهاكم التكاثر) ونظير ذلك ما جاء في سورة الحديد (اعلموا أنما ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ لعب ولهو......والأولاد) الآية
2-القبر مكان زيارة سرعان ما ينتقل منه الناس إلى الدار الآخرة وهذا واضح في قوله (﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ﴾) –
3- يوم القيامة يُسأل الناس عن النعيم الذي أنعم الله به عليهم في الدنيا: (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) نسأل الله أن يثبتنا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وأن يرشدنا إلى الثواب والهدى وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على سورة التكاثر وننتقل إلى تفسير سورة العصر.
سـورة العصر
سورة العصر - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): أسباب النجاة من الخسارة.
تعليق الشيخ حفظه الله :
سورة العصر – سورة مكية – وهذا أيضًا على قول الجمهور واسمها سورة العصر، وهي إحدى السور التي سميت بجزء من الزمان وتقدم معنا سورة الفجر والضحى وهنا قال (﴿وَٱلْعَصْرِ﴾).قالوا من مقاصد السورة ( أسباب النجاة من الخسارة) وهذه السورة سورة مباركة جليلة ولذلك ورد عن الإمام الشافعي رحمة الله لو ما أنزل الله على الناس أو على الأمة إلا هذه السورة لكفتهم – يعني كانت حجة قائمة لأنَّها رسمت لهم الطريق (_ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ إلا الذين ءامنوا وعملوا........الصبر) فهذا استثناء لذلك قالوا أسباب النجاة من الخسارة وقد ورد أن بعض الصحب الكرام إذا فارق بعضهم بعضاً يتلو هذه السورة وإسناده جوده عدد من المحققين وهذا يدل على هذا المعنى الجليل وأنها سورة حقيقة بالعمل بها، فهي يعمل بها وتحفظ أسباب النجاة من الخسارة (إلا) وهذا واضح في الاستثناء.
تعليق الشيخ حفظه الله:
هذه السورة الجليلة إحدى السور التي افتتحها الله سبحانه فقال (﴿وَٱلْعَصْرِ﴾) وجواب القسم ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ﴾ ﴿وَٱلْعَصْرِ﴾ هنا قالوا أقسم سبحانه بوقت العصر والعلماء لهم أقوال عديدة في المراد بالعصر فقيل المراد به مطلق الزمان ﴿وَقِيلَ﴾ المراد به: صلاة العصر ﴿وَقِيلَ﴾ المراد به عصر النبوة إلى غير ذلك من الأقوال
(إن الإنسان لفي خسر ) إن كل إنسان لفي خسر بدليل الاستثناء ( إلا الذين ءامنوا وعملوا...) وبين الله أن الإنسان في نقصان وهلاك إلا من استثناهم الله تعالى وهم الذين جمعوا أربعة أوصاف
الوصف الأول :: الإيمان قالوا والإيمان يلزمه علم قال الله (فاعلم أنه لا إله إلا الله) إذن العلم وهذا العلم يؤدي إلى الإيمان، ( ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾) ثانياً العمل الصالح (وتواصوا بالحق ) وهذا يفيد الدعوة إلى الله ( وتواصوا بالصبر) الصبر على الأذى فيها ولذلك قالوا إن أسباب النجاة هذه الأسباب الأربعة :: العلم والعمل والدعوة والصبر على الأذى في الله سبحانه وتعالى.
ومع أن التواصي بالحق من العمل الصالح إلا أن الله أفرده بالذكر ومع أن التواصي بالصبر من التواصي بالحق إلا أن الله أفرده بالذكر وهذا تنويهاً بشأن هذا التواصي وهذا التواصي وكرر كلمة (وتواصوا) للدلالة على فضل التواصي وتأملوا رحمكم الله ما جاء في سورة البلد وفيها اقتحام العقبة وفيها ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ قال ﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ ووالله ثم والله ما أحوجنا إلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة لاسيما في أزمنة الغربة وحينما يبتلى الإنسان ويجد من فتن الشهوات وفتن الشبهات ما الله به عليم فما أحوجنا إلى أن يثبت بعضنا بعضا وإلى أن نتواصى دوما ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وبالحق وأن نتواصى بالصبر وبالمرحمة ونسأل الله سبحانه أن يجعلنا من هؤلاء الفائزين الناجين.
من فوائد الآيات :
1-خسران من لم يتصفوا بالإيمان وعمل الصالحات والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. : وهذا واضح من قوله ( إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَفِى خُسْرٍ....وتواصوا بالصبر ) بعد هذا ننتقل إلى تفسير سورة الهمزة.نعم
سورة الهمزة
سورة مكية - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ) التحذير من الاستهزاء بالمؤمنين اغترارًا بكثرة المال.
تعليق الشيخ حفظه الله :
سورة الهمزة سورة مكية وقد نقل الاتفاق على هذا. قالوا ((مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ) التحذير من الاستهزاء بالمؤمنين اغترارًا بكثرة المال ) فالسورة الكريمة تحذر من الاستهزاء بالمؤمنين اغترارًا بكثرة المال ولذلك بدأ الله السورة بقوله ( وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ ) ونظيرتها في هذا سورة (المطففين) وتلحظ أخي الكريم أن سورة المطففين أيضًا فيها ذكر السخرية والاستهزاء بالمؤمنين (﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا۟ وَلَا تَحْزَنُوا۟ وَأَبْشِرُوا۟ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أجرموا كانوا ) فيها استهزاء الكفار بالمؤمنين وذلك قوله ( إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ كَانُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا۟ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ) ولذلك من لطيف ما يذكر في باب المناسبات أن السورة المتفقة في الافتتاح بينها تناسب في الموضوعات والمقاصد حتى وإن تباعدت في الترتيب، قالوا هنا التحذير من الاستهزاء بالمؤمنين اغترارًا بكثرة المال ) وهذا في قوله ﴿ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُۥ﴾
تعليق الشيخ حفظه الله :
افتتح الله السورة بقوله ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ وتقدم أن نظيرتها في هذا سورة المطففين ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ قالوا هنا (وبال وشدة عذاب لكثير الاغتياب للناس والطعن فيهم) وتقدم أن الويل معناه الوبال الشديد أو أنه هو واد في جهنم وقد ورد في ذلك حديث لكنّ فيه مقالاً وضعفاً. (ويل لكل همزة) همزة على وزن فُعَلَة وكذلك(لمزة) على وزن فُعَلَة وهي أيضًا داخلة في صيغ المبالغة وهذا مناسب والله تعالى أعلم مناسب للجزاء فهو هنا (الحطمة) و (لمزة) فهو لمزة وجزاؤه الحطمة التي تحطمه وتقضي عليه فالجزاء من جنس العمل.كما يذكر أيضًا في الجزاء من جنس العمل ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ قالوا (لكثير الاغتياب للناس والطعن فيهم)
والعلماء في التفريق بين الهمزة واللمزة : أقوال كثيرة في التفريق بين الهمز واللمز والجمع بينهم العيب،فالهمزة واللمزة يغتابان الناس ويعيبان الناس لكن بعضهم جعل الغيب قد يكون ظاهراً وقد يكون في خفاء وقد يكون باللسان وقد يكون بالأفعال أو بالحركات ولعله من أقرب ما يقال في التفريق بينهما والعلم عند الله أن الهمز :: أقرب للخفاء، فتستطيع أن تقول إنه العيب في الغيب ولذلك ربنا لما ذكر وسوسة الشياطين قال ( ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ ) ولم يقل (لمزات الشياطين) والشيطان وسوسته خفية وأما اللمز فذكر في القرآن في العيب الظاهر ( فيما يظهر ) ﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِى ٱلصَّدَقَـٰتِ﴾ وهم كانوا يعيبون رسول الله ويقولون اتق الله أو اعدل يا محمد، وما إلى ذلك فهذا أقرب وإن كان بعضهم يجعل الهمز يكون باليد واللمز يكون باللسان إلى غير ذلك مما قيل ومنهم من عكس،قال ( ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُۥ ) والقراءة الأخرى ( جمّع مالا وعدده) عدده يحصيه لا هم له إلا العد وجمع المال ﴿ٱلَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُۥ﴾ لاغتراره بالمال ظن أن المال سيخلده وسينجيه فنسي الموت (كلا لينبذن في الحطمة ) ليطرحن فيها ( ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ﴾ ) (نار الله الموقدة )وتأمل هنا التعبير القرآني تقرأ هنا ( ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحُطَمَةُ نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ﴾ ) فتأتي المفاجأة (نار الله الموقدة) ولم يقل (هي نار الله ) وإنما قال ( نار الله ) كما قال هناك وتقدم قريباً في القارعة (وما أدراك ماهية نار حامية) ولذلك ليس من الحسن أن يقرأ القارئ والعلم عند الله (وما أدراك ما الحطمة )| ثم يقول ( الحطمة نار الله الموقدة ) ما يحتاج الأمر إلى هذا، لأن الحذف مراد، وكذلك ماذا يصنع في سورة القارعة (وما أدراك ما هية ) (هيه نار حامية) فالهاء هاء السكت تدل على السكت والأصل أنه إذا وصل لا يذكرها حينئذ خالف الرسم.
فوقع في إشكال فالأولى في ذلك أن يقف على رأس الآية وهذا أضبط للمعنى، ولبلاغة القرآن الكريم ( ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلْأَفْـِٔدَةِ ) التي تنفذ من أجسام الناس إلى قلوبهم، عذاب إلى القلب يصل إلى القلب نسأل الله السلامة ( إنها عليهم مؤصدة) إنها على المعذبين مغلقة مطبقة، (في عمد ممدة ) والقراءة الأخرى وهي متواترة أيضًا في (عُمد ممدة ) أي بعمد ممتدة طويلة حتى لا يخرج منها، فهي مطبقة وعليها أوتاد الأطباق التي تسد عليهم سداً يعني لا مجال للخروج ولا مجال لدخول الرَوحِ عليهم فلا يستفيدون من رَوحٍ يدخل ﴿عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ﴾ منها وهذا من شأن الكفار سلمنا الله وإياكم من شر النار.وقوله أيضًا (في عمد ممدة ) هذا وصف للنار (إنها عليهم مؤصدة ) حال كونها ( في عمد ممدة) وبعضهم يقول (هم) (في عمد ممدة ) لأنهم مقيدون في الأغلال والسلاسل
نقل من المختصر وبيانُه
قالوا هنا من الفوائد: تحريم الهمز واللمز في الناس وهذا واضح من قوله ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ نسأل الله السلامة وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة الهمزة وننتقل إلى تفسير سورة الفيل.
سورة الفيل
سورة مكية - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): بيان قدرة الله وبطشه للكائدين لبيته المحرم.
تعليق الشيخ حفظه الله :
سورة الفيل سميت هذه السورة الكريمة بهذا الحيوان المعروف الذي يقال له الفيل وكم فيه من آية وعبرة سورة الفيل وفي صدرها (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ) قالوا سورة مكية وهذا باتفاق فالسورة مكية قالوا (من مقاصد السورة بيان قدرة الله وبطشه للكائدين لبيته المحرم.) وهذا واضح فهذه السورة الكريمة تتحدث عما جرى لأهل مكة وللبلد الحرام من حفظ الله عز وجل للبيت الحرام ولأهله حينما أراد جيش أبرهة وقد جاؤوا من الحبشة وأرادوا هدم البيت فلم يمكنهم الله عز وجل من ذلك بل فعل بهم ما ذكر الله في هذه السورة الجليلة العظيمة وفي هذا امتنان على قريش وعلى أهل مكة فكان هذا من ارهاصات النبوة فكان هذا تمهيداً وتوطئة لبيان أن هذا البلد سيظهر فيه نبي يحق الله عز وجل به الحق ويكون عوناً على اظهار الحق ودلالة الناس عليه، ولذلك قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ولد في هذا العام عام الفيل، ولذلك لانقول إن قصة أبرهة هي سبب نزول السورة لأن سبب النزول عند علماء القرآن يقول العلماء :: ما نزلت الآية متحدثة عنه أيام وقوعه أيام نزول القرآن -حدث موقف وسُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤال فأنزل الله الآيات أو حدثت حادثة فأنزل الله الآيات هذه إخبار عما سبق كالإخبار عن الأنبياء السابقين وهذه القصة وقعت قبل بعثة النبي ﷺ بأربعين سنة ولذلك لا يقال أنه لها سبب نزول ولذلك خالف السيوطي في ذلك الواحدي والكلام في ذلك معروف في باب أسباب النزول من علوم القرآن الكريم نعم.
تعليق الشيخ حفظه الله :
نعم (ألم تر كيف فعل ربك ) هذه السورة الكريمة إحدى السور الكريمة التي افتتح الله بالاستفهام (ألم تر ) وتقدم معنا قريباً سورة الشرح (ألم نشرح لك صدرك ) وأيضًا سيأتينا ( ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ﴾ ) فالسورة الكريمة افتتحها الله بالاستفهام (الهمزة) وقوله ( ألم ) تقدم أنه استفهام تقريري،) ألم تر ) وقوله تر :: بمعنى تعلم قالوا هنا (ألم تعلم ) لماذا لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في عام ولادته فإذا أخبرنا الله عن أخبار سابقة فيكون المراد بمعنى الرؤية : العلم (﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِى تَضْلِيلٍ﴾ ) تدبيرهم السيء إذ أرادوا هدم الكعبة – جعله الله عز وجل في ضلال في ضياع في ذهاب، لم يجنوا ما أرادوا بل هلكوا أهلكهم الله (﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ ) الأبابيل يعني أتتهم جماعات متتابعة (﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ ) هذه الطير الأبابيل أهلكهم الله عز وجل بها وقضى عليهم مع أنهم اتوا في قوة وعدد وعتاد، ولم يكن هناك أحد يقف لهم ويتصدى لهم وتُركوا وشأنهم ولكن الله عز وجل حفظ بيته وحماه، قال ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾ والسجيل طين متحجر وهذا عليه الأكثرون ومنهم من قال (مدون في سجيل في كتاب معروف أن هذه الحجارة ستهلك فلان وستصيب فلاناً ) وقال بعضهم كان يرمى بها الرأس فتخرج من أسفله وتقضي عليه، (فجعلهم كعصف مأكول) كورق زرع أكلته الدواب وداسته فقضي عليهم وهذا لعظيم قدرته سبحانه ومعروف أن القصة مشهورة في مثل ذلك، والعلم عند الله تبارك وتعالى، من فوائد الآيات :: دفاع الله عن بيته الحرام، فهو حفظ بيته بهذه الواقعة والحادثة وهذا من الأمن الذي قضاه الله له وهذا يشعرنا بوجه المناسبة بين هذه السورة والسورة التي ستأتينا وهي سورة قريش (وءامنهم من خوف) نعم. بعد هذا ننتقل إلى تفسير سورة قريش.
من فوائد الآيات
دفاع الله عن بيته الحرام وهذا من الأمن الذي قضاه الله له
سورة قريش
سورة مكية - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ) بيان نعمة الله على قريش وحقه عليهم.
تعليق الشيخ حفظه الله :
سورة قريش سورة مكية وهذا بإجماع باتفاق، وسميت بقريش وفي أولها (لإيلف قريش) لأن السورة تذكير لقريش بنعم الله عز وجل عليهم وبيان أنه كان ينبغي لهم أن يبادروا بالإيمان وأن يشكروا نعم الله عز وجل عليهم، (﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا۟﴾ نعمة ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا۟ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ ) قالوا من مقاصد السورة بيان نعمة الله على قريش وحقه عليهم.
وواضح جداً أن السورة مناسبة غاية المناسبة لسورة الفيل، حتى أن بعض العلماء قال إن السورتين بمثابة سورة واحدة وقال بعضهم إن التعليل الموجود في قوله (لإيلف قريش) يتعلق بقوله (فجعلهم كعصف مأكول ) لِمَ؟ (لإيلف قريش) وهذا تعلق ليس معنوياً فقط، ﴿أَنَّمَا﴾ تعلق معنوي ولفظي، وهذا غير مشهور أو معروف أو قليل جداً في القرآن الكريم فلا يوجد له أمثلة كثيرة في القرآن مما ذكروا في ذلك ( في آخر الأحقاف ) (﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ ) وقال بعدها ( ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ )قال بعضهم هذا مناسب لآخرها ولكن الأصل أن كل سورة مستقلة لذلك بعضهم لم يجعل اللام في قوله (لإيلف قريش) تتعلق بآخر الفيل وإنما تتعلق بمقدر (أي اعجبوا ) ﴿لِإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ﴾ أو تتعلق بقوله ( فَلْيَعْبُدُوا۟ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ ) على ما قيل في ذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى.
تعليق الشيخ حفظه الله
قال الله (لإيلف قريش) أي من (أجل ايلاف قريش وتأليفهم قال هنا ( لأجل عادة قريش وإلفهم ) الفهم وهذا بدل من قوله (لإيلاف قريش ) (رحلة الشتاء والصيف ) وكانت رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام آمنين (فليعبدوا رب هذا البيت ) كثير من المفسرين يقولون إن قوله ( ﴿لِإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ﴾ ) متعلق بقوله (فليعبدوا ) ودخلت الفاء كأن هنا مقدراً يعني إن لم تعبد قريش رب هذا البيت لشيء من نعمه الكثيرة فلتعبده لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، هكذا يعني نعم الله عليهم كثيرة ومنها ما امتنن عليهم بهاتين الرحلتين وكانوا يذهبون إليها ويرجعون بالخير الكثير فكانوا آمنين بهذا ( ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ )
وهنا قال (فليعبدوا رب هذا البيت) وقوله هذا البيت مذكر أيضًا أو تناسب واضح لما جاء في سورة الفيل وكيف أن الله حفظ هذا البيت فرب هذا البيت حقيق بأن يعبد فهو الحافظ الحفيظ (﴿ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ﴾ ) فمع وجود الخوف ووجود الجوع وغيرهم يُتخطف كما قال الله سبحانه ( أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجْبَىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ لَّدُنَّا ) إلى غير ذلك مما ورد في هذا ومع ذلك فإنهم أعرضوا إلا من رحم الله سبحانه وتعالى
من فوائد الآيات
أهمية الأمن في الإسلام
وهذا واضح في قوله (وءامنهم من خوف) فمن النعم العظيمة والجليلة (الأمن) بل إن الإنسان إذا كان خائفاً، فإنه لا ينعم بطعام ولا بشراب ولا بشيء فنعمة الأمن نعمة عظيمة نسأل الله أن يرزقنا الأمن والإيمان والسلامة والإسلام. وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة قريش لننتقل إلى تفسير سورة الماعون.
سورة الماعون
سورة مكية - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): بيان صفات المكذبين بالدين.
تعليق الشيخ حفظه الله :
سورة الماعون سورة مكية على قول الأكثرين وهي كذلك، قالوا من مقاصد السورة ( بيان صفات المكذبين بالدين ) لذلك إذا تأملت السورة الكريمة ﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ﴾ فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ...إلخ الآيات هي أوصاف لهذا المكذب بالدين فالسورة تتحدث عن صفات المكذبين بالدين لنحذر من أن نسلك مسالكهم وأن نقتفي آثارهم، نعم.
تعليق الشيخ حفظه الله
نعم (أرءيت الذي يكذب الدين) هذه السورة الكريمة إحدى السور التي افتتحها الله عز وجل بالاستفهام كما رأينا (_ أرءيت ) (أرءيت الذي) يعني هل عرفت الذي يكذب بالجزاء يوم القيامة ولك أن تقول إن أرءيت تنصب مفعولين يعني (أرءيت الذي يكذب بالدين ) من هو؟ هذا هو التقدير وقوله ( بالدين) فسَّروه هنا :: بالجزاء ويمكن أن يقال الإسلام يعني أرءيت الذي يكذب بالإسلام ما صفاته أو أرءيت الذي يكذب بالجزاء ما صفاته؟
فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ إن سألت وأردت أن تعرف ﴿فَذَٰلِكَ ٱلَّذِى يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ﴾ يعني يدفع اليتيم دفعاً شديداً فمعناه أنه ليس عنده رفق بالخلق ولا إحسان إليهم ( ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ ٱلْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ﴾ ) وهذا واضح أيضًا في هذه الآية (فويل للمصلين ) وليس عنده تعظيم لأمر الله وقد تقدم من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ المطلوب من العبد أمران عظيمان :: تعظيم أوامر الله والإحسان إلى خلق الله وهذا المكذب لا يفعل هذا ولا ذاك هنا قال ( فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) فهنا ذم المصلون بهذا الوصف الذي قيد به لذلك لا نقول ( فويل للمصلين ) ثم نقطع القراءة وإنما تكمل وانظر ماذا قلت (لا تقطع القراءة ) وأما الوقف فالأمر يسير لأن عدداً من العلماء المحققين يقولون :: لا حرج إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ فويل للمصلين ووقفنا على رأس الآية لكننا لا نقطع القراءة وإنما نكمل القراءة فالخطأ أن نقول فويل للمصلين ونقطع القراءة ثم ننصرف، حينئذ غير المعنى أما إذا قال ( فويل للمصلين ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ ) فهو لا يزال في ذكر الأوصاف وإن اختار بعض القراء الوصل وإن اختار بعضهم الوقف ثم الوصل بأن يقف على رأس الآية ثم بعد ذلك يكمل من أجل إيضاح المعنى والأمر في ذلك واسع وبعض العلماء اختار معنى آخر وهو أن المراد بالمصلين هنا :: الكفار! وليس المراد بهم أهل الإسلام أصلاً وإنما ذكرت صفة(المصلين ) على سبيل التهكم بهم، يعني الذين يدعون أنهم يصلون وهم في الحقيقة ليسوا بالمصلين لأن هذا المناسب للمكذب بالدين والعلم عند الله. قال ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ الشاهد أن هذا فيه ذم من يسهو عن صلاته وقد قال بعضهم من رحمة الله أنه قال أنه قال(عن صلاتهم ساهون ) ولم يقل في صلاتهم ساهون يعني عن صلاتهم لاهون بأن يتكاسلوا عنها أو يأخروها عن وقتها فكيف بمن تركها جملة وتفصيلاً ( ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ ) نعوذ بالله من الرياء، ٱلَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ بأعمالهم وصلاتهم ولا يخلصون العمل لله، (ويمنعون الماعون) الماعون قالوا :: إعانة غيرهم بما لا ضرر في الإعانة به يعني بالشيء، اليسير الذي يحتاجه الإنسان من صاحبه أو من جاره مما لا ضرر به على الإنسان ومع ذلك فإنَّه يضن به فهو بما هو أعلى منه أكثر ضنا وبخلاً والعلم عند الله تبارك وتعالى.
من فوائد الآيات :
الرياء أحد أمراض القلوب وهو يبطل العمل.
نعم وهذا في قوله ( الذين هم يراءون) فالإنسان إذا صلى أو عمل عملاً ينبغي عليه أن يخلص فيه لله نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص ونعوذ بالله من أن نشرك به شيئًا نعلمه ونستغفره لما لا نعلمه وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على سورة الماعون وننتقل إلى سورة الكوثر.
سورة الكوثر
سورة مكية - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): بيان نعمة الله على نبيه بالخير الكثير والدفاع عنه.
تعليق الشيخ حفظه الله :
نعم هذه السورة الجليلة يقال لها سورة الكوثر، سورة الكوثر قالوا إن هذه السورة سورة مكية، وقولهم مكية هذا نقله بعضهم أو نسبه بعضهم إلى الأكثرين من المفسرين والحقيقة أن سورة الكوثر من السور التي وقع فيها اختلاف كثير لأهل العلم وقد رجح بعض المحققين مدنيتها، رجح عدد من المحققين مدنيتها استدلالاً بحديث أنس رضي الله عنه عند مسلم حينما أغفى النبي ﷺ اغفاءة ثم قال (أنزلت علي آنفاً سورة ثم قرأ ﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾) وهذا عند مسلم وهذا كان في المدينة النبوية فدل على مدنية السورة المباركة، لكن بعضهم جعلها مكية باعتبار أن السورة المكية لها سبب نزول كما جاء في بعض الروايات ودعواهم أن النبي ﷺ مبتور وأنَّه لا يكون له ولد وما إلى ذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى لكن على كل رجح أنها مدنية بدليل حديث أنس وهو أصح من حيث الثبوت، قالوا من مقاصد السورة (بيان منه الله على نبيه ص بالخير الكثير والدفاع عنه ) ص وهذا واضح فالسورة أيضًا من السور التي فيها بيان منه الله على نبيه وتقدم معنا سورة الضحى وسورة الشرح، فعندنا هذه السور الثلاث سورة الضحى وسورة الشرح وسورة الكوثر تستطيع أن تقول إنها موجهة بالدرجة الأولى لبيان منه الله على نبيه محمد ص ولا شك أن من كان أتبع لرسول الله ص ومن كان موافقاً لرسول الله وسائراً على درب رسول الله فإنَّ له من ذلك نصيباً وحظاً والعلم عند الله تبارك وتعالى.
تعليق الشيخ حفظه الله :
نعم (إنا أعطيناك الكوثر) هكذا بدأ الله عز وجل السورة الجليلة، بالأسلوب المؤكد إنا أعطيناك فهو عطاء محقق وسيكون لا شك وقد فسر النبي ﷺ الكوثر فقال ( نهر وعدنيه الله عز وجل ) ولذلك فسر الكوثر بهذا النهر في الجنة، وفسر بالحوض وقالوا هنا الخير الكثير إنا آتيناك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الخير الكثير ومنه نهر الكوثر في الجنة وهذا جميل منهم وجليل لأنه قد ثبت عن الحبر ابن عباس رضي الله عنهما، أن الكوثر : هو الخير الكثير وتدل عليه مادة الكوثر فإنها على وزن فوعل من الكثرة وقالوا إن تفسير النبي ﷺ لا يقصد منه الحصر وهذا معنى جميل في أصول التفسير وهو أن النبي ﷺ قد يفسر الآية بالمثال فقالوا إنا أعطيناك الكوثر ومنه النهر في الجنة وأعطاه غير ذلك أيضًا فيكون هذا من باب التفسير بالمثال ومنه قول النبي ( ﴿إِلَّا﴾ إن القوة الرمي «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» ) في قوله ( وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قُوَّةٍ ) ولا شك أن القوة أشمل من هذا فيكون هذا من التفسير بالمثال والعلم عند الله (فصل لربك وانحر ) يعني أنعم عليك فاشكر ربك وهذا فيه أن التشريف يتبعه تكليف فكما أنعم الله عليك فاشكر ربك ومن أعظم أبواب الشكر الصلاة لله سبحانه وتعالى (فصل لربك*) تأمل هنا المقارنة وتأمل هنا المقابلة بين سورة الكوثر وسورة الماعون ففي سورة الماعون ( ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ) وهنا قال ( فصل ) وهناك قال (الذين هم يراءون ) وهنا قال (لربك ) وهنا قال (وانحر ) وهناك قال ( ويمنعون الماعون ) وأيضاً (ولا يحض على طعام المسكين ) فالسورة في مقابلة السورة الأخرى التي سبقت ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ أي إن مبغضك هو الأبتر المقطوع، وقد قال بعضهم إن محمدًا لا فيكون له ولد ويموت أولاده فقال الله إن مبغضك هو الأبتر فالنبي ص وإن مات أولاده ولكن بقي ذكره ورفع الله له ذكره ونصر دينه وجعل له القبول الحسن ودخل الناس ﴿فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ بفضل الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾
(إن مبغضك هو الأبتر ) وهذا فيه أن كل من اتبع النبي ﷺ فإنَّ الله ناصره، وإن الله عز وجل مدافع عنه فمن أبغض عباد الله وأولياء الله والمتبعين لرسول الله ص فإنه مقطوع مبتور أيضاً. نعم
من فوائد الآيات :
مقابلة النعم بالشكر يزيدها: وهذا في قوله سبحانه (فصل لربك وانحر ) قابل النعم بالشكر
كرامة النبي ﷺ على ربه وحفظه له وتشريفه له في الدنيا والآخرة: وهذا واضح ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ وتأمل التعبير القرآني ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ لم يقل إن شانئك أبتر بل جاء بأسلوب القصر إِنَّ شَانِئَكَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْأَبْتَرُ ويمكن أن يقال هو قصر قلب لأنهم قالوا هو أبتر فقال الله ليس أنت أبتر بل إِنَّ شَانِئَكَ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْأَبْتَرُ
وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة الكوثر لننتقل إلى تفسير سورة الكافرون.
سورة الكافرون
سورة مكية - مكية -
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): البراءة من الكفر وأهله.
تعليق الشيخ حفظه الله :
سورة الكافرين أو سورة الكافرون على الحكاية، سورة الكافرون – سورة مكية،وهذا قول الجمهور ثم قالوا من مقاصد السورة (البراءة من الكفر وأهله) وهذا واضح فالسورة فيها براءة من الكفر وأهله ولذلك جاء فيها ( ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾......ولي دين) وقد كان النبي ﷺ يكثر من قراءة هذه السورة ومعها قرينتها سورة الإخلاص فقد كان النبي ﷺ يقرأ بهما في مواضع عديدة كما قرأ بهما في سنة الفجر وسنة المغرب البعدية وكان يقرأ بهما في ركعتي الطواف إلى غير ذلك وكذلك ثبت أنه قرأ بهما قبل نومه فقد كان يقرن بينهما لأنهما سورتان تدعوان إلى الإخلاص والبراءة من الشرك وأهله، وقال بعضهم سورة الإخلاص فيها تحقيق الإخلاص بالاعتقاد والقول وسورة الكافرين بالعمل ( ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾) نعم
تعليق الشيخ حفظه الله :
نعم. حضرني الآن حديث النبي ﷺ في قراءة السورة الكافرون قبل النوم وأنه قال ثم نم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك فهذا والعلم عند الله يضم إلى النصوص الواردة في بيان مقاصد سور القرآن من السنة النبوية فهناك إلماحات وإضاءات نبوية أشارت إلى مقاصد السورة كما في شأن سورة الإخلاص وشأن سورة الفاتحة فيضم إليها هذا والعلم عند الله قال تعالى ( ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ ) كما جاء في سورة الجن وكما سيأتي في سورة (الاخلاص ) ﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ برب الفلق ) ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ ومع أن القرآن كله قد أمر النبي ﷺ بتبليغه إلا أنه في بعض المواضع يأتي الأمر صراحة بفعل الأمر (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ) للدلالة على أهمية ما أمر النبي ﷺ أن يبلغه لأمته (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكافرون ) وهنا أمر الله النبي ﷺ أن يقول لهم يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكافرون وذلك أن المشركين أو الكافرين حاولوا مع النبي ﷺ أن يلين لهم، وأن يكون موافقاً لهم وأن يكون مداهنا لهم فيعبدون إلهه ويعبد إلههم وحينئذٍ لا مجال للمجاملة ولا المداهنة فجاء الإعلان بل أعلن وقال (يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكافرون )مع أن الأصل في خطاب النبي ﷺ لهم أنه كان يتلطف بهم وكان يرفق بهم لكنَّ المقام هنا مقام بيان، وإيضاح ليس مقام مداهنة (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكافرون..)إلخ الآيات من أهل العلم قال هذا على سبيل التأكيد، لأنه حدث هنا تكرار قالوا هذا على سبيل التأكيد ومنهم من جعل بعضه للحال وبعضه للاستقبال هنا قالوا ( لا أعبد في الحال ولا في المستقبل ) وبعضهم قال (لا أعبد ما تعبدون ) حالاً ( ولا أنا عابد ) مستقبلاً فجعل لا أعبد :: حالاً، ولا أنا (عابد) أي في الاستقبال ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك وبعضهم جعل ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَآ أَنتُمْ﴾ عَٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ قالوا ما هنا موصولة لا أعبد الذي ﴿تَعْبُدُونَ وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ﴾ الذي ﴿أَعْبُدُ وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ قالوا ما مصدرية أي ولا أنا عابد عبادتكم ولا أنتم عابدون عبادتي فكان في هذا نفي للعبادة وأيضاً لتلك الأصنام واثبات أنه يعبد الله وأنه يستمر على عبادته لله سبحانه وتعالى وقوله ( ولا أنا عابد ) ولا لا ﴿أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ قال بعضهم هذا فيه جليل في الخطاب أي ولا أنا عابد :: ما قال ولا أنا عابد :: لا يكون مني هذا ولا يقع مني هذا – ما عبدتم – وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ :: لأنه وقع منهم عبادة شركية ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ وقال قبلها ( ولا أنتم عابدون ما أعبد) تأمل ( ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ ) أي ما تعبدون الآن ( وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ ) هذا في الماضي لأن هناك من الصحابة من أسلم فصار يعبد ربه كما يعبد النبي ﷺ فهو أخبرهم عن الماضي وأما المستقبل فمنهم من يتحول إلى الإيمان، ومن أهل العلم من أجاب على هذا الإشكال :: أن هذا في قوم معينين، وإلا فهناك من دخل في دين الله ثم قال ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ ) أي لكم دينكم الذي ابتدعتموه لأنفسكم ولي ديني الذي أنزله الله عز وجل علي وليس في الآية الكريمة اباحة الكفر أو الدلالة أن من شاء فليكفر ثم لايحاسب، بل إن قوله ( ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ) هذا على سبيل التهديد والوعيد كما هو معروف ( فمن شاء فليؤمن ) ثم يحاسب، كقوله ( اعملوا ما شئتم ) كذلك قوله (لكم دينكم ولي دين ) هذا في باب المتاركة وأيضاً ( لكم دينكم ) قال بعضهم لكم جزاءكم ولي جزاءي وحينئذ فلا إشكال وإلا فالسورة الكريمة فيها كلام كثير لا سيما في أسرار التكرار فيها والعلم عند الله تبارك وتعالى.
من فوائد الآيات :
المفاصلة مع الكفار: وهذا واضح من أول السورة إلى خاتمتها فهي براءة من الشرك وأهله بعد هذا ننتقل إلى تفسير سورة النصر.
سورة النصر
سورة النصر: سورة مدنية
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر وختام الرسالة.
تعليق الشيخ حفظه الله :
سورة النصر سورة مدنية وهذا باتفاق بل قد قيل أنها آخر سورة نزلت من القرآن وقد ثبت هذا عن ابن عباس كما في مسلم أنها آخر سورة نزلت جميعاً، أي نزلت من أولها إلى آخرها لأن السورة مرتبط أولها بأخرها وأخرها بأولها فهي شرط وجواب شرط ولذلك وقع خلاف بين العلماء في آخر سور القرآن نزولاً ومما رجح هذه السورة الكريمة، على كل حال هي من آخر ما نزل إن لم تكن آخر ما نزل من القرآن الكريم.
مقاصد السورة
من مقاصد السورة: بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر وختام الرسالة.
ولذلك من أسماء السورة تسمى بسورة التوديع وهذا ما تفطن إليه الحبر ابن عباس رضي الله عنهما، حين قال هذا أجل رسول الله نعاه الله عز وجل إليه لأنّّ الله قال ( فسبح بحمد ربك واستغفره ) وهذا معناه أن نصر الله قد جاء وأن الرسالة قد تمت وقد أديت ما عليك فحينئذ اقترب من ربك بالتسبيح والحمد فإنه يشعر الاستغفار عند الختام فدل على قرب أجل رسول الله ص.
تعليق الشيخ حفظه الله :
نعم ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ من أهل العلم من يجعل إذا على بابها فتكون لما يُستقبل من الزمان إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ فلازم هذا أن السورة نزلت قبل فتح مكة فقالوا كيف تكون آخر سورة من القرآن، ووقع حينئذ إشكال؟ لذلك بعضهم من فسر إذا بمعنى إذ جاء نصر الله ومنهم من أقامها على بابها على كل حال فالآية الكريمة فيها بشارة أنّّ الله سينصر رسوله نصراً مؤزراً سيأتيه والجمهور على أن المراد بالفتح فتح مكة، وتأمل إضافة النصر إلى ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ جاء نصر وهو نصر عظيم وجليل ﴿وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ أي وفداً بعد وفد ولذلك دخل الناس في دين الله أفواجًا ماذا عليك يا رسول الله؟ أعلم أن هذا دلالة على قرب انتهاء المهمة التي بعثت بها، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾ ولم يقل واستغفره إنه كان غفارا وإنما قال ( توابا) ولذا قال بعضهم أن التقدير واستغفره وتب إليه إنه كان غفاراً وتواباً فجعل هذا من الاحتباك والعلم عند الله على كل استفاد العلماء من ذلك قرب أجل النبي ﷺ وكان هذا من قبيل الاستنباط لأنه لم يتقدم ذكر ذنب وإنما فيه ذكر نصر فيستغفر الله من ماذا؟ ما الذي ذكر هنا فهذا يدل على أن الأعمال تختم بالاستغفار كما في قوله (وبالأسحار هم يستغفرون ) فاستفادوا هذا من هذا وهذا من لطيف العلم ودقيق الاستنباط في الآيات القرآنية ( فسبح بحمد ربك..) نعم
من فوائد الآيات :
مقابلة النعم بالشكر
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾ وهذه نعم كثيرة وعظيمة إذن تقابلها بماذا؟ تقابلها بالشكر لله لذلك بعض العلماء فسر (فسبح بحمد ربك ) أي فصل لربك صلاة الشكر ولذلك وقع اختلاف بينهم في صلاة الشكر بناءً على تفسير الآية الكريمة - وعلى ما جاء في صلاة النبي ﷺ في حديث أم هانيء رضي الله عنها في أنه صلى عام الفتح ثماني ركعات ضحى فهل صلاها على أنها صلاة الضحى أو أنها صلاة الشكر كلام لأهل العلم على كل مما استفيد من هذه السورة ما يتعلق بهذه المسألة والعلم عند الله، وسورة النصر فيها كلام كثير لكن هذا ما يناسب هذا المقام، وسامحونا سنكمل بقية السور حتى نفرغ من تتمة الكتاب ونسأل الله الإعانة والتوفيق فننتقل إلى تفسير سورة المسد.
....
سورة المسد
سورة المسد: سورة مكية
(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): بيان خسارة أبي لهب وزوجه.
تعليق الشيخ حفظه الله :