سورة الحشر
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
ســــــورة الحشر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعدُ، فنواصل القراءة بفضل الله وتوفيقه في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم ومع سورة الحشر.
التعريف بالسورة
سورة الحشر - مدنية-
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] إظهار قوة الله وعزته في توهين اليهود والمنافقين، وإظهار تفرقهم، في مقابل إظهار تآلف المؤمنين.
قال الشيخ حفظه الله
سورة الحشر سورة مدنية، وهذا واضح وجلي. فالسورة الكريمة تسمى بسورة الحشر، وهي تحدثنا عن اليهود. وما وقع لبني النضير من أمر الإجلاء إذ أجلاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب غدرهم وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ وقع بالمدينة. وكذلك السورة الكريمة تحدثت عن اليهود أهل الكتاب، وتحدثت عن المنافقين. وهذا كله في المدينة النبوية بعد هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. لذلك السورة مدنية ولا إشكال في ذلك ولا خلاف.
· وهذه السورة سورة الحشر إحدى المسبحات التي افتتحها الله عز وجل بقوله ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الحشر: 1) وتقدم في صدر سورة الحديد أنّها أيضًا إحدى المسبحات، وطرحنا عليكم سؤالاً هو ما المسبحات؟ وجواب ذلك: أن المسبحات سبع، وأولها بحسب الترتيب المصحفي سورة الإسراء؛ لأنّ أولها ﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا﴾ (الإسراء: 1) فبعضهم لا يعدها أو ينسى ذكرها مع أنها من المسبحات لأنَّها جاءت بذكر التسبيح ثم بعد ذلك الحديد، ثم سورة الحشر ثم الصف ثم الجمعة ثم التغابن ثم الأعلى فجاءت بصيغة الماضي والمضارع والأمر والمصدر كل هذا في تسبيح الله سبحانه وتعالى.
وتلاحظون أنّ سورة المجادلة جاءت بين مسبحتين؛ وذلك أنّ المجادلة لا تنفصل عنهما. هي حديث عن علم الله - سبحانه وتعالى -الشامل وسورة الحديد قررت بعض صفات الله، وسورة الحشر أيضًا ذكرت كثيراً من أسماء الله الحسنى في ختامها فكأنّ السور كلها تتحدث عن تنزيه الله - سبحانه وتعالى -عن النقائص لكن جاء بعد سورة الحديد ذِكرُ سورة المجادلة لأنّ معرفة العبد بعلم الله الواسع يدعوه إلى مراقبة الله سبحانه وتعالى. وأيضاً كانت دعوة لمعرفة طبيعة أهل الكتاب من الغدر ونقض العهود وأيضاً طبيعة المنافقين.
ثم بعد ذلك جاء التفصيل في سورة الحشر. فبعد أن ذكر الله طرفاً عن أقوال المنافقين ومناجاة المنافقين وما يقع من اليهود أيضًا مناجاة اليهود، ذكر الله - سبحانه وتعالى -بعد ذلك حديثاً عنهم بشيء من الاستفاضة في سورة الحشر. ولذلك قالوا هنا من مقاصد السورة : (إظهار قوة الله وعزته في توهين اليهود والمنافقين وإظهار تفرقهم في مقابل إظهار تآلف المؤمنين.)
ففي السورة الكريمة إظهار قوة الله وعزته، فإذا كانت سورة المجادِلة أو المجادَلة تتحدث عن إظهار علم الله الشامل فهذه تتحدث عن إظهار قوة الله - سبحانه وتعالى - ولذلك جاء في السورة الكريمة ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا۟ ۖ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا۟ ۖ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ﴾ (الحشر: 2) إلى آخر الآيات الكريمة وفيه : إظهار تفرقهم أيضًا ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ (الحشر: 14) وفي الجانب الآخر : فيها إظهار تآلف المؤمنين وما هم عليه من تكاتف وتسامح وإيمان بالله وبرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والذي يدفعهم إلى ذلك القرآن الكريم الذي تخشع له القلوب ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُۥ خَـٰشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: 21) ولعل مزيدًا من البيان يأتينا بإذن الله تعالى في ذلك في أثناء التفسير وربط موضوعاتها ونسأل الله الإعانة والتوفيق.
قال الشيخ حفظه الله
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الحشر: 1)
عظَّمَ الله ونزَّهَه عما لا يليق به وعرفنا أنّ التسبيح تنزيه الله - سبحانه وتعالى -عن كل نقص وإبعاده كل سوء عنه - سبحانه وتعالى –
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا۟ ۖ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا۟ ۖ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُوا۟ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (الحشر: 2)
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ (الحشر: 2) ما المراد بقوله ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ؟ من هم؟ المراد بهم يهود بني النضير ﴿مِن دِيَـٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ﴾ (الحشر: 2) إذاً هذا يدل على أنّ هناك حشراً آخر، ولذلك قالوا هذا هو أول الحشر حينما جُمِّعُوا وأُخِرجوا وأجلوا من المدينة النبوية لنقضهم العهد، وقال هنا في المختصر (بعد نقضهم عهدهم وصيرورتهم مع المشركين عليه) وهناك بعد ذلك حشر يليه حشر بعد ذلك، ومن ذلك أيضًا ما يكون من النار التي تحشر الناس ويكون هذا من علامات الساعة الكبرى. ثم بعد ذلك يكون هناك الحشر في الآخرة : جمع الناس في أرض المحشر ثم حشرهم إلى الجنة أو إلى النار لذلك نص القرطبي : (على أنّ هناك حشرين في الدنيا وهناك حشران في الآخرة)، والأمر يحتمل ما هو أكثر بتتبع النصوص الواردة في ذلك.
﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ﴾ (الحشر: 2) هو من هو؟ يعني : ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، فهذا يبين لك أنّ الله يحدثنا في هذه الآيات عن بعض مظاهر قدرة الله وقوته، هناك ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ﴾ فعُرِفَ من بداية السورة أنّ الحديث عن علم الله. وهنا قال ﴿هُوَ ٱلَّذِىٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ مِن دِيَـٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا۟ ۖ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (الحشر: 2) تأمل ولم يقل (وظنوا أنّ حصونهم مانعتهم من الله ) ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (الحشر: 2) لذلك بعضهم يقول : أصل الكلام حصونهم مانعتهم، لكن قال ﴿مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم﴾ (الحشر: 2) قدم ما حقه التأخير، يعني خبر ومبتدأ كأن المعنى : ( وظنوا أنهم لا يمنعهم إلا الحصون ) فهم يرون أن تلك الحصون هي المانعة، وهكذا دوماً اليهود يتحصنون بهذه الحصون ويظنون أنها هي المانعة لهم.
قال الله ﴿فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا۟ ۖ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ﴾ (الحشر: 2) والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال «نُصِرْتُ بالرعب مسيرة شهر» والقراءة الأخرى «يُخَرِّبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ» (الحشر: 2) وأيدي المؤمنين، هم لا يريدون للمؤمنين أن يستفيدوا من هذه البيوت فيخربونها قدر استطاعتهم، وبأيدي المؤمنين في ظاهرها في الخارج. هكذا وصل بهم الأمر إلى أن يُخرِّب الإنسان داره بنفسه.
قال ﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (الحشر: 2) وقد اُستفيد منه الأخذ بالقياس والاعتبار ﴿فَٱعْتَبِرُوا۟ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ (الحشر: 2) يعني هذه القصة ذكرها الله لكم لتأخذوا منها العبرة لتقيسوا عليها فهذا من دلائل ثبوت القياس في النصوص الشرعية وفي الآيات القرآنية.
﴿وَلَوْلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ﴾
﴿وَلَوْلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ (الحشر: 3) أي : بالقتل والسبي لكنّه كتب عليهم الجلاء فخرجوا إلى أرض الشام، وهنا قوله سبحانه (وَلَوۡلَآ) حرف امتناع لوجود ﴿وَلَوْلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ (الحشر: 3) لماذا لم يعذبهم بالقتل والسبي؟ لأنّ الله قد كتب عليهم الجلاء ﴿وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ﴾ ما السبب؟ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (الحشر: 4).
وتأمل ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟﴾ (الحشر: 4) مناسب لقوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: 20) في سورة المجادلة، فربنا ذكر الذين يحادون الله ورسوله ثم جاء تفصيل بحال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: 20) نريد يا ربنا بعض مظاهر هذا الإذلال، فذكر الله لنا سورة الحشر وذكر لنا ما وقع لبني النضير من إجلاء، فهذا مظهر من مظاهر ما ذكره الله - سبحانه وتعالى -إجمالاً هناك ليكون هذا بمثابة التطبيق العملي لإثبات مظاهر قدرة الله وقوته - سبحانه وتعالى -كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى بعد ذلك.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• قد يعلو أهل الباطل حتَّى يُظن أنهم لن ينهزموا، فتأتي هزيمتهم من حيث لا يتوقعون.
• من قدر الله في الناس دفع المصائب بوقوع ما دونها من المصائب.
قال الشيخ حفظه الله
• قد يعلو أهل الباطل حتَّى يُظن أنهم لن ينهزموا، فتأتي هزيمتهم من حيث لا يتوقعون : كما قال ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا۟ ۖ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا۟﴾ (الحشر: 2)
• من قدر الله في الناس دفع المصائب بوقوع ما دونها من المصائب.
(
قال الشيخ حفظه اللهوَلَوۡلَآ ﴿أَن كَتَبَ ٱللَّهُ﴾ ﴿عَلَيْهِمُ ٱلْجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ﴾) فدُفع عنهم القتل والخزي بالسبي بماذا؟ بالجلاء. فنسأل الله - سبحانه وتعالى -أن يعفو عنا وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. هذا والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (الحشر: 4)
نعم. قال الله سبحانه وتعالى ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ ۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (الحشر: 4) ذلك الذي كتبه الله - سبحانه وتعالى - عليهم من الجلاء بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، فعُلِمَ من ذلك أنّ مشاقة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - سبب في حلول الهلاك لأصحابها. ﴿وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (الحشر: 4) وهذا مناسب لما تقدم في سورة المجادلة في قول الله – سبحانه - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: 20) [المجادلة: 20]، فهناك قال ﴿يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ﴾ (المجادلة: 20) وهنا قال ﴿شَآقُّوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ (الحشر: 4) والمشاقة والمحادة من جنسٍ واحد أو قريب.
قال الله - سبحانه - ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (الحشر: 5) يزيل الله - سبحانه وتعالى - بذلك شبهة، وهي كيف يقطع المسلمون بعض النخيل الذي كان لبني النضير، أوليس الإسلام يدعو إلى الإصلاح؟ أوليس الإسلام يُحَذِّر من الفساد؟ وهل قطع النخل إلا فساد؟ فيأتي الجواب ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ (الحشر: 5) واللينة:- هي النخلة. وقال بعضهم الكريم من النخل، وقال بعضهم النخل : ليس نَخَل العجوة؛ على كل حال فـ (اللينة ) : نوع من أنواع النخل، ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (الحشر: 5) أي أنتم ما فعلتم شيئًا من ذلك إلا بأمر الله -سبحانه وتعالى - فهو الذي أمركم بذلك لحكمة، قال ﴿وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ أيضًا : وليذل الله - سبحانه وتعالى - بذلك الفاسقين، حينما يرون معالم تقدمهم وقوتهم ونعيمهم وأكلهم وقد قُطِّع أمامهم فيكون في ذلك إذلال ومهانة، وهذا فيه أنّه قد تُرتكب مفسدة قليلة، أو تُغتفر المفسدة القليلة من أجل تحقيق مصلحة عظيمة وكبيرة.
وحينئذٍ لا تكون فساداً؛ لأنَّها ﴿أَنَّمَا﴾ وقعت بحكمة، قال ﴿فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (الحشر: 5).
(وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ٦ مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ ۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا﴾ ﴿نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ ٧ )
﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾ (الحشر: 6) قالوا هنا في المختصر (والذي رده الله على رسوله من أموال بني النضير) فالآيات لا تزال تتحدث عما وقع لبني النضير، وقد أجلى الله عز وجل بني النضير ونصر رسوله -صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين دونما قتال، فبعد هذا الحصار وقع منهم الجلاء دون أن يحدث اقتتال وتلاحم، وبناء عليه فهذا هو معنى الفيء؛ ولذلك هناك فرق بين الغنيمة وبين الفيء
والغنيمة : جاء ذكرها وبيان كيفية تقسيمها، في سورة الأنفال ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الأنفال: 41) وأما هنا فقال الله : ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الحشر: 7) فالفيء يكون من غير قتال يحقق المسلمون هذا بسبب هروب الكافرين، وتخليهم عن القتال، فيسلم الله عباده المؤمنين وحينئذ يكون لهم الفيء إذا كان بغير قتال؛ أمّا إذا كان بمواجهة وقتال فيقال له غنيمة وهما يختلفان في التقسيم :
فالفيء حق مستحق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم - فهو ملك للرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنّه جرى بدون قتال، فلم يتعب فيه أحدٌ من المسلمين وإنما كان منه وتفضلاً من الله - سبحانه وتعالى – ويعطي منه الرسول صلى الله عليه وسلم لأقاربه من أهل بيته وقد ذكر بعضهم أنّ هذا تعويضاً لهم عن أخذ الصدقات، والزكوات فإنها لا تحل لآل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم –
فـــ آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تحل لهم هذه الصدقات وهي كما H0.
وأمّا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنَّ الفيءَ يُصرَف في مصالح المسلمين، ولذلك عمَّم الله سبحانه وتعالى هنا قال ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7).
قال هنا ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ (الحشر: 6) الإيجاف قال في المختصر (فما أسرعتم في طلبه مما تركبونه خيلًا ولا إبلًا، ولا أصابتكم فيه مشقة ) ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ (الحشر: 6) لأنّ الأمر كما قال الله - سبحانه وتعالى - في أول الآيات ﴿وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحشر: 2) فحينئذٍ وقع منهم الهلع والفزع، وخرجوا وتركوا المدينة النبوية، فكان هذا نصراً من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم -دون أن يصاب المؤمنون بأذى، ودون أن يتعرضوا لقتال فكان فيئاً بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه.
وقال هنا ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ (الحشر: 7) فَفُهِم هنا أنّ المراد ﴿وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ أقارب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهنا قالوا في المختصر : (فلله يجعله للرسول مُلكًا) يعني للرسول أن يتملكه. ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفيد منه ويجعل لنفسه نفقة سنته - صلى الله عليه وآله وسلم - كما هو معروف في أموال بني النضير قال في المختصر (ولذوي قرابته من بني هاشم وبني المطلب ) يعني أيضًا هذا لذوي القرابة، أي : من أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بني هاشم وبني المطلب، وذلك أنّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال «﴿أَنَّمَا﴾ بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد» وبنو المطلب غير بني عبدالمطلب؛ فبنو المطلب أعمام بني عبد المطلب، فعبد مناف له من الأولاد هاشم وله من الأولاد أيضًا المطلب، وله عبد شمس ونوفل، فـ هاشم والمطلب كان بينهما ما بينهما من المؤازرة، ولذلك وقفوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى جواره في مسألة الصحيفة وفي مسألة المقاطعة التي قوطع فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه. فH0.
ولذلك قوله هنا في المختصر (من بني هاشم وبني المطلب) لا ما كان من بني عبد شمس ونوفل. ولذلك لما سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه وجبير بن مطعم رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وجه تفريقه (وعثمان من بني عبد شمس) وبين ما يكون من بني المطلب يعني أعطاهم ولم يُعطِ عثمان - رضي الله عنه - فH1.
قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7) يعني كي لا يقتصر تداول المال على الأغنياء دون الفقراء، وهذا معناه أنّ الأصل ألّا يكون المال مقصوراً على الأغنياء، وإنّما يُتَدَاول هذا المال، ولذلك أوجب الله - سبحانه وتعالى - الزكاة في أموال الأغنياء حتى ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الفقراء منه بنصيب.
ثم قال ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ (الحشر: 7) الأصل أنّ الإيتاء : معناه الإعطاء، فمعنى ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ (الحشر: 7) قالوا هنا في المختصر ( وما أعطاكم الرسول من أموال الفيء فخذوه -﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون- وما نهاكم عنه فانتهوا ) هذا هو الأصل في المعنى.
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (الحشر: 7) ما أعطاكم الرسول من أموال الفيء فخذوه، ﴿وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ (الحشر: 7) نهاكم عنه فانتهوا، ولا تأخذوا إلاّ ما أذِنَ لكم فيه - صلى الله عليه وسلم - ثم اُستفيد من ذلك ما هو أعمّ وأشمل.
· فصار معنى ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ﴾ (الحشر: 7) يشمل الإعطاء المادي، وكذلك إعطاء الأوامر وشهد لهذا قوله ﴿وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ (الحشر: 7) فإنّ مقابلة النهي هو الأمر، فصار ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ﴾ (الحشر: 7) بمعنى : وما أمركم الرسول به فخذوه، إذاً يشمل الإيتاء : الإعطاء، ويشمل إعطاء الأوامر، يعني : ما أتاكم الرسول من أموال وما أتاكم الرسول من أوامر فاقبلوه، وبهذا الفهم فهم الصحب الكرام ومن تبعهم بإحسان وسار على ذلك الأئمة.
· ولذلك اُستدل بهذه الآية على وجوب طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك الحديث المعروف الذي أخرجه الشيخان في قول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه – «لعن الله الواشمات والمستوشمات» الحديث وفيه: «المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله» فجاءت له امرأة من بني أسد يقال لها أمّ يعقوب، فقالت له لقد بلغني أنك تلعن كذا وكذا، فقال وما لي ألعن؟ من لعنهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في كتاب الله. فقالت لقد قرأت ما بين اللوحين فلم أجد ذلك. يعني أين هذا في القرآن؟ فقال: أما إنك لو قرأتِه لقد وجدتِه. وذلك في قوله ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ (الحشر: 7) فكان هذا من فقهه وحسن استدلاله وفهمه رضي الله عنه.
قال الله ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (الحشر: 7) وهذا فيه أنّ الآية قد ترد في موضع؛ لكننا نستفيد من عموم لفظها. ولذلك قال أهل العلم : إنّ العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
فحينئذٍ يُستفاد من عموم لفظها ما هو أشمل وأعمّ من السبب الذي وردت فيه أو عليه.
﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ (الحشر: 8)
قال الله ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا﴾ (الحشر: 8) قالوا هنا في التفسير (ويصرف جزء من هذا المال للفقراء ) يعني أيضًا كما تقدم : أنّ الفيء مستحق لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال عمر رضي الله عنه (فكانت هذه خاصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -) والرسول يُعطى ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من أقاربه، وأيضاً يجعلها في الكراع، وفي سبيل الله وفي أبواب مصالح المسلمين، ثم بعد الرسول تُصرَف في مصارف المسلمين أو مصالح المسلمين : ومنها إعطاء الفقراء. ومن أجَلِّ الفقراء الذين يستحقون ذلك : أولئك الذين هاجروا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وناصروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
· فذكر الله عز وجل أصنافاً يستحقون ذلك وقسم الناس إلى ثلاثة أقسام : القسم الأول : قسم المهاجرين، والقسم الثاني : قسم الأنصار، والقسم الثالث : من يجيء بعدهم
· فقال ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ﴾ (الحشر: 8) فبدأ بالمهاجرين، وبهذا استدل كثيرٌ من أهل العلم على أنّ المهاجرين أفضل من الأنصار، فالهجرة أعلى منزلة وقدراً؛ وذلك أن الهجرة فيها : هجرة وفيها نصرة؛ لأنه ما من مهاجر إلا وقد جمع بين الهجرة والنصرة؛ بخلاف الأنصار فإنَّ لهم النصرة؛ وأمّا الهجرة فهي خاصة بالمهاجرين، ولذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال «لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار» يعني هذا الذي يجعله فيكون على أن يكون من المهاجرين بل هو إمامهم صلى الله عليه وسلم.
ولذلك قال الله سبحانه ﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ﴾ (الحشر: 8) قال (وينصرون الله ورسوله) هذا في حق مَنْ؟ في حق المهاجرين، إذاً هم أيضًا أنصار جمعوا بين الهجرة والنصرة، فبدأ الله بهم.
وكذلك في المواضع الأخرى التي جاء الاقتران بين المهاجرين والأنصار قدم المهاجرين فقال ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِىِّ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ﴾ (التوبة: 117) ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ (التوبة: 100) [التوبة: 100] فقدم الله المهاجرين في الذكر في هذه المواضع دلالة على شرف قدرهم، وعظيم منزلتهم عند الله - سبحانه وتعالى - ثم قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ (الحشر: 8) أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ ﴿وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا﴾ - فهم أصحاب إخلاص، وغاية عظيمة يَبْتَغُونَ فَضْلًا ﴿إِلَّا بَلَـٰغًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَـٰلَـٰتِهِۦ ۚ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ وَرِضْوَٰنًا.
ثم قال جل ذكره ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (الحشر: 9) فأثنى على مَنْ؟ أثنى على الأنصار.
﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا۟﴾ (الحشر: 9) قال هنا في المختصر (والأنصار الذين نزلوا المدينة ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ المهاجرين، واختاروا الإيمان بالله وبرسوله)
﴿تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (الحشر: 9) بعضهم يقول : تبوأوا الدار والإيمان، فجعلوا تبوأوا بمعنى سكنوا الدار وسكن الإيمان في قلوبهم، فكأن الإيمان سكن في القلوب، كما أنهم سكنوا في الدور.
﴿تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (الحشر: 9) وبعضهم يقدِّر قبل الإيمان تقديراً فيقول مثلاً : والذين تبوأوا الدار وأخلصوا الإيمان. أو يضمن التبوؤ هنا بعض المعاني اللائقة بالسياق.
فهناك أقوال كثيرة أو متعددة وتقديرات متعددة في الاقتران بين (الإيمان وبين الدار ) والذين تبوأوا الدار.
والمراد بالدار هنا، ما المراد بالدار؟ المراد بها المدينة النبوية. مدينة الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (الحشر: 9) وهذا معنى جميل وصفة جليلة، لا يحسنون فحسب ﴿أَنَّمَا﴾ يحسنون ويحبون. والحب إيمان، فالحب والبغض من الإيمان، الحب في الله والبغض في الله. ولذلك H0. أحرى كما هو معلوم.
قال ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا۟﴾ (الحشر: 9) ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ﴾ غيظاً ولا حسداً على المهاجرين في سبيل ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ما أُعطوا شيئًا من الفيء، ولم يعطوا هم، يعني إذا أعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - المهاجرين شيئًا ولم يُعطِ الأنصار لم يجدوا في صدورهم من ذلك، ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ﴾ حرجاً من حسدٍ أو حقد، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9) وهذه الصفة عزيزة ونبيلة. وهي صفة الإيثار أن يؤثر غيره على نفسه في أمور الدنيا فيما يتعلق بالمال، وفيما يتعلق بالمتعلقات الدنيوية، حتى إنّ الواحد منهم كان يقول لصاحبه لي زوجتان، انظر أعجبهما إليك فأطلقها، كما جرى من سعد بن الربيع - رضي الله عنهما - مع عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه – في أحاديث ثابتة وصحيحة، وما قصة الأنصاري؟ سبب نزول الآية عنّا ببعيدة، حينما H1.
الشاهد من ذلك أنّ هذا كله يدل على أنّ الأنصار - رضي الله عنهم - كان عندهم ما عندهم من الصفات الجليلة والعظيمة من الإيثار. ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9) هذه صفة عظيمة أن يوقى الإنسان شُحَّ نفسه، لأنّ الشح يحمل الإنسان على الأخلاق الدنيئة ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9) ولذلك ورد أنّ عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه كان يشرب من ماء زمزم ويقول «اللهم قني شح نفسي» ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِۦ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).نعم
مِنْ فَوَائِدِ الآيات
• فِعلُ ما يُظنُّ أنَّه مفسدة لتحقيق مصلحة عظمى لا يدخل في باب الفساد في الأرض.
• من محاسن الإسلام مراعاة ذي الحاجة للمال، فَصَرَفَ الفيء لهم دون الأغنياء المكتفين بما عندهم.
• الإيثار منقبة عظيمة من مناقب الإسلام ظهرت في الأنصار أحسن ظهور.
.قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيات ]
• فِعلُ ما يُظنُّ أنَّه مفسدة لتحقيق مصلحة عظمى لا يدخل في باب الفساد في الأرض : وهذا مأخوذ من قوله ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ ٱللَّهِ وَلِيُخْزِىَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ (الحشر: 5)
• من محاسن الإسلام مراعاة ذي الحاجة للمال، فَصَرَفَ الفيء لهم دون الأغنياء المكتفين بما عندهم : فيُعطى ذوو الحاجة ﴿كَىْ لَا يَكُونَ دُولَةًۢ بَيْنَ ٱلْأَغْنِيَآءِ مِنكُمْ﴾ (الحشر: 7)
• الإيثار منقبة عظيمة من مناقب الإسلام ظهرت في الأنصار أحسن ظهور.: وقد فرق العلماء بين الإيثار في باب الدنيا وبين الإيثار في القربات، فالأصل فيه أنه مكروه. وإن كان لذلك تفصيل كبير. كما هو معلوم في الفقه والله أعلم.
قال الشيخ حفظه الله
﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10)
هذا هو القسم الثالث: فمن لم يكن مهاجراً ولا أنصارياً فحسبه أن يكون محباً لهؤلاء وأولئك. وأن يكون ممن يدعو لهم ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10) ولذلك قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: «أُمِروا بالاستغفار لهم فسبُّوهم»، يعني المؤمنون أُمرِوا بأن يستغفروا لمن سبقهم من أهل الإيمان، ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ فسبوهم، كما وقع من الشيعة ومن سار على منوالهم، من طعنهم في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم -
ولذلك ذهب فريق من أهل العلم إلى أنّ الآية الكريمة تدل : - على أنّ من سب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يستحق شيئًا من الفيء، ولا يُعطى منه شيء؛ لأنه لا حظ له في الأقسام الثلاثة، فهو ليس من المهاجرين ولا من الأنصار، ولا ممن استغفر لهم ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ (الحشر: 10) فضل السبق في الإيمان، وتذكر السابقين.
﴿وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ (الحشر: 10) قالوا في المختصر أي : (لا تجعل في قلوبنا ضغينة وحقداً لأحد من المؤمنين) وهذه نعمة عظيمة أن يسلم صدر المرء من الغلِّ والحقد، وأن يحب الخير للمسلمين، وأن يحب أولياء الله الصالحين، وأن يُثنِيَ على السابقين المؤمنين، وأن يدعو لهم ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا﴾ (الحشر: 10) وبدأوا بأنفسهم كما هي سنة، فإنَّ المرء إذا دعا بدأ بنفسه كما كان يصنع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ يَقُولُونَ لِإِخْوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (الحشر: 11)
تحليل مقارن وربط بين السور
يبين الله - سبحانه وتعالى حال هؤلاء المنافقين -، وتقدم أنّ السورة سورة مدنية، ولذلك جرى فيها حديث عن النفاق، كما وقع أيضًا في سورة المجادلة، وهذا من أوجه التشابه بين السورتين أيضًا هناك جاء ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ﴾ (المجادلة: 14) [المجادلة: 14] وهنا قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُوا۟ يَقُولُونَ لِإِخْوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ (الحشر: 11) من يهود بني النضير، ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا﴾ (الحشر: 11) يعني لا نطيع أحداً يريد أن يمنعنا من الخروج معكم، نحن معكم وبكم هكذا يقولون؛ لكن حينما تأتي الواقعة ويجِدُّ الأمر فإنهم معروفون بالتخاذل قالوا ﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (الحشر: 11).
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا۟ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا۟ لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلْأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ (الحشر: 12)
﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا۟ لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ (الحشر: 12) حينما يُخرِج المسلمون هؤلاء اليهود فلن يخرج المنافقون معهم، إذاً ما قالوه ما هو إلا كلام، ﴿وَلَئِن قُوتِلُوا۟ لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلْأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ (الحشر: 12) قالوا هنا في المختصر
(لئن أخرج المسلمون اليهود لا يخرجون معهم، وإن قاتلوهم لا ينصروهم ولا يعينوهم، ليهربُنّ فرارًا منهم ثم لا يُنْصَر المنافقون بعد ذلك، بل يذلّهم الله ويخزيهم)
قوله هنا ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ يعني ولئن أرادوا نصرهم، لأنه قد يقول قائل : قال هنا ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ وبعدها قال ﴿لَا يُنصَرُونَ﴾ (الحشر: 12)، فمعنى ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ أنهم أرادوا نصرتهم أو بدأوا في نصرتهم لا تتم لهم.
إذاً ليس معنا ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ﴾ يعني تم النصر لهم لأنه لم يتم؛ ﴿أَنَّمَا﴾ هو بداية الأمر، أرادوا نصرتهم.
﴿لَيُوَلُّنَّ ٱلْأَدْبَـٰرَ﴾ (الحشر: 12)يعني لا يستمرون ولا يثبتون! بل يتخاذلون ويتقهقرون، ويقع منهم الهرب، ﴿ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ (الحشر: 12).
﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ (الحشر: 13)
﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ (الحشر: 13) لأنهم لا ينظرون إلا إلى الظاهر، ولا يفكرون إلا فيما هو أمامهم؛ وأما ما خفي عنهم واستتر فإنهم لا يثقون فيه. فالله غيب لهم لذلك لا يخافون منه؛ وأما المؤمنون فإنهم يرونهم فلذلك يهلعون ويخافون، فقال ﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِى صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ (الحشر: 13)
﴿لَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍۭ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر: 14)
﴿لَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ (الحشر: 14) وهذا لجُبْنِهم، ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍۭ﴾ (الحشر: 14) من وراء جدران ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ (الحشر: 14) تحسبهم على صف واحد، وعلى كلمة واحدة، لكن قلوبهم شتى وهذا يعني أن المظهر قد يكون على شيء وأن المخبر قد يكون على شيء آخر، فقد يُرَى مجموعة من الناس فيُظَنُّ أنهم على قلب واحد، وعلى قلب رجل واحد وهم ليسوا كذلك، ولذلك الاتفاق الحقيقي اتفاق القلوب. ولربما تباعدت الأبدان لكن تقاربت القلوب. وربما تقاربت الأبدان وتباعدت القلوب يحن الإنسان إلى مَن كان موافقا له. ولو كان بعيدا عنه؛ بل ولو كان ميتا. ولو كان مفارقا للحياة.
فقال ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ (الحشر: 14)
﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الحشر: 15)
﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (الحشر: 15) أيضاً، عدة أمثلة، أو عدة أمثال في هذه السورة الجليلة :- ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (الحشر: 15) فسروا هنا في المختصر فقالوا (كمثل الذين من قبلهم من مشركي مكة في زمن قريب، فذاقوا سوء عاقبة كفرهم، فَقُتِل من قُتِل وأسِر من أسِر منهم يوم بدر، ولهم في الآخرة عذاب موجع)
يعني ما وقع لهم في بدر يعني لماذا لا يتعظ بنو النضير؛ أما عرفوا ما وقع للمشركين في بدر؟ كان ينبغي أن يتعظوا ويعتبروا وأن يعلموا أنّ دين محمد - صلى الله عليه وسلم – حقٌ ﴿ذَاقُوا۟ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الحشر: 15)
﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ﴾ (الحشر: 16) قال في المختصر (مَثَلُهم في سماعهم من المنافقين كمثل الشيطان حين زيّن للإنسان أن يكفر، فلما كفر بسبب تزيينه الكفر له قال: إني بريء منك لما كفرت، إني أخاف الله رب الخلائق) ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَـٰنِ ٱكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّنكَ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الحشر: 16) هنا ترد قصة مشهورة من أنّ هذا الشيطان الذي أغرَّ ذلك العابد حينما ترك إخوة الفتاة أختهم عنده ولم يزل به حتى زنا بها ثم قتلها، ثم عبد صنماً وما إلى ذلك، وهذه القصة ليست مرفوعة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وإنما هي من قبيل الإسرائيليات، وعلى كل فهي قصة تقريبية لفهم الآية؛ والعبرة بعموم الألفاظ، لكنها ليست سببًا لنزول الآية أصلاً، فلا تورد على أنها سبب فضلاً عن أنّها لا تصح مرفوعة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكنها تُذكر من باب الاستئناس لا من باب الاستدلال والعلم عند الله تعالى. نعم.
مِنْ فَوَائِدِ الآيات
• رابطة الإيمان لا تتأثر بتطاول الزمان وتغير المكان.
• صداقة المنافقين لليهود وغيرهم صداقة وهمية تتلاشى عند الشدائد.
• اليهود جبناء لا يواجهون في القتال، ولو قاتلوا فإنهم يتحصنون بِقُرَاهم وأسلحتهم.
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات
• رابطة الإيمان لا تتأثر بتطاول الزمان وتغير المكان : وهذا واضح، فكما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنّ المؤمنين متقاربون حتى وإن كانت أماكنهم متباعدة بخلاف أهل الكفر ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ﴾ (الحشر: 14) وأيضاً رابطة الإيمان لا تتأثر بتطاول الزمان، ولذلك يقولون ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾ (الحشر: 10)ولو كان بعد قرون، ولو كانوا سبقوهم بقرون.
• صداقة المنافقين لليهود وغيرهم صداقة وهمية تتلاشى عند الشدائد : يعني في الواقع العملي يفرون. ولذلك ربنا قال ﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ ٱلْأَدْبَـٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ (الحشر: 12) وهؤلاء المنافقون نفاقهم نفاق عقدي، يعني أنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، في كثير من الآيات أو عموم الآيات التي ترد في شأن موالاة أولئك المنافقين لليهود، وأنهم يظهرون للمؤمنين شيئًا ويبطنون خلافه. فهذا نفاق عقدي وهو الذي قال الله فيه ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (النساء: 145).
• اليهود جبناء لا يواجهون في القتال، ولو قاتلوا فإنهم يتحصنون بِقُرَاهم وأسلحتهم : وهذا أمر معروف على مر الدهور وكرِّ العصور. قال الله ﴿لَا يُقَـٰتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍۭ﴾ (الحشر: 14).نعم.
قال الشيخ حفظه الله
نعم قال الله ﴿فَكَانَ عَـٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِى ٱلنَّارِ خَـٰلِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الحشر: 17) ثم جاء النداء لأهل الإيمان:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18)
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ (الحشر: 18) فأمر الله ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ في الآية مرتين، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18) ثم قال ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ وفي ذلك أقوال كثيرة في توجيه هذا التكرار ومما قيل فيه مما يناسب المقام :-
أنّ من معاني ذلك: الاستمرار على تقوى الله، فأنت مأمور بتقوى الله ومأمور بالاستمرار على تقوى الله، وأيضاً اتقوا الله باجتناب المعاصي ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ بفعل الأوامر، اتقوا الله فيما مضى بالتوبة إلى الله ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ فيما يُستقبل بمراقبة الله.
وهنا قال ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18) فيه وجوب محاسبة النفس. ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18) يعني يجب على كل نفس أن تنظر ما قدمت لغد، فينبغي للمرء أن يحاسبَ نفسه محاسبة الشريك الشحيح لشريكه. ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18)
﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (الحشر: 19)
﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ﴾ (الحشر: 19) وكيف يكون نسيان رب العزة؟ يكون بترك امتثال أمره واجتناب نهيه فأنساهم أنفسهم (أنساهم أنفسهم ) : اشتغلوا بما يضرها ولم يشتغلوا بما ينفعها، فصاروا كالناسي لنفسه. لأن من أهمل نفسه وجعلها ترتع في مراتع المعصية، ومواقع الهلاك فهو ناس لنفسه غير ذاكر لها.
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (الحشر: 19) قالوا هنا في المختصر (هم الخارجون عن طاعة الله) وهذا معنى الفسوق، إذاً الفسوق معناه الخروج عن طاعة الله، ثم قد يكون فسقاً أكبر مخرجاً من الملة وقد يكون فسقاً دون فسق. قد تقدم معنا في قول الله - سبحانه وتعالى - في سورة الزخرف. ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ (الزخرف: 54) وهذا في الفسق الأكبر.
قال الله ﴿لَا يَسْتَوِىٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۚ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ (الحشر: 20)
﴿لَا يَسْتَوِىٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ﴾ (الحشر: 20) ثم قال ﴿أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ (الحشر: 20) جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
وبدأ ﴿لَا يَسْتَوِىٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ﴾ (الحشر: 20) لمناسبته لما سبق، فقبله ﴿وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (الحشر: 19) وهؤلاء أصحاب النار، فقُدِّموا في الذكر، وهكذا في التقديم والتأخير في القرآن تكون هناك مناسبات، منها مناسبات تتعلق بالسياق أو بالسباق.
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُۥ خَـٰشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: 21)
﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُۥ خَـٰشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ (الحشر: 21) وهذا معناه أنّه ينبغي للإنسان الذي رُزِقَ العقل والنفس والروح أن يرِقَ قلبُه وأن يخشع عند سماع القرآن الكريم، ﴿خَـٰشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ۚ وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: 21) فمن فوائد الأمثال القرآنية التفكر.
وهذا واضح من نص الآية ﴿وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر: 21) وقال ﴿وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 43) [العنكبوت: 43]، فهي أمثال يضربها الله - سبحانه وتعالى - من أجل التفكر والاعتبار والاتعاظ، وتكون في هذه الأمثال صورة واضحة جلية تقرب المعقول بصورة محسوسة معروفة كأنها مشاهدة مرئية.
ثم قال الله
(﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ٢٢ ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
تقدَّم أنّ السورة الكريمة فيها إظهار عزة الله، وقدرته على نصرة أوليائه، وعلى إهلاك أعدائه فمن ذلك أن يتعرف المسلم على بعض أسماء الله وصفاته، لذلك ختم - سبحانه وتعالى - سورة الحشر بذلك، وأنت ترى أُخَيَّ الكريم : أنّ خواتيم سورة الحشر قد حوت أموراً عظيمة جليلة من شأنها أن يُحْيِيَ الله بها قلوب العباد، منها التأمل في الأمثال القرآنية، ومنها القرآن، ومنها استحضار أسماء الله الحسنى وهذه أمور عظيمة جليلة. يحيا بها القلب، يحيا بها القلب. وينجلي عنه الصدأ. ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۖ هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الحشر: 22) والكلام عن هذه الأسماء كلام عظيم وثمين وجليل ومبارك، والكلام عن أسماء الله الحسنى جنة، من عاشها عاش في جنة نسأل الله ﴿إِلَّا﴾ يحرمنا فضلها، وقد تقدم بفضل الله تعالى في بعض الدروس وما زال بفضل الله حديث مختصر عن أسماء الله الحسنى،
لكن مما يُذكر في هذا المقام قول الله - سبحانه وتعالى - ﴿ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ﴾ (الحشر: 23) فهو الملك سبحانه وتعالى. ولكن لما كان ملوك الدنيا قد يُخاف من بطشهم وقد يُخاف من ظلمهم، وقد يظلم الملك في الظاهر، وقد يظلم في الخفاء فجاء هنا أسلوب احتراز كما ذكر بعض العلماء بقوله ﴿ٱلْقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ﴾ (الحشر: 23) يعني هو المنزه عن النقائص فلا يظلم، وهو ﴿ٱلسَّلَـٰمُ﴾ أيضًا السالم من النقائص والعيوب، وكأن في قوله ﴿ٱلسَّلَـٰمُ﴾ السلامة من ظلم الخلق ظاهرًا و﴿ٱلْقُدُّوسُ﴾ السلامة من ظلم الخلق باطنًا فهو لا يظلم أحداً لا في ظاهر ولا في باطن، وهو المنزه عن الآفات والعيوب والنقائص - سبحانه وتعالى -، ومن معاني السلام : يعني أنه منه السلامة، فهو السالم ومنه السلام (اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيِّنا ربنا بالسلام ) ﴿ٱلْمُؤْمِنُ ٱلْمُهَيْمِنُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ﴾ (الحشر: 23)
فسروا هنا في المختصر السلام والمؤمن ( بالسالم من كل عيب، بالمصدق رسله بالآيات الباهرة) وهو القول المشهور في تفسير المؤمن ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ ٱلْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الحشر: 23) قالوا في المختصر الجبار (الذي قهر بجبروته كل شيء ) سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى هو الجبار من معاني الجبار: العالي على خلقه، القوي القاهر، وأيضاً من معانيه : الذي يجبر الضعيف، ويجبر الكسير ويعطيه ويلطف به سبحانه وتعالى.
﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الحشر: 24)
هو الله ﴿ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِئُ ٱلْمُصَوِّرُ﴾ (الحشر: 24) هنا جمع بين الخالق والبارئ والمصور، فقيل إذا اجتمعت هذه الثلاثة، كان المراد بالخالق : المقدِّر، والبارئ : الموجد، والمصور : الذي يوجد على هيئة وصورة. إذاً هو الذي قدر الخلق يعني قدر، وهو الذي برأ : يعني أوجد، وهو الذي صور : هو الذي هيأ وشكَّل - سبحانه وتعالى - لذلك قرن بين هذه الأسماء الثلاث. ﴿لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الحشر: 24) وتجد أنّ اسم الله العزيز قد تكرر، تكرر في ﴿ٱلْعَزِيزُ ٱلْجَبَّارُ﴾ (الحشر: 23) وتكرر هنا ﴿وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الحشر: 24) وهذا مناسب لمقصود السورة الكريمة من إظهار عزة الله، سبحانه وبحمده. نعم
مِنْ فَوَائِدِ الآيات
• من علامات توفيق الله للمؤمن أنَّه يحاسب نفسه في الدنيا قبل حسابها يوم القيامة.
• في تذكير العباد بشدة أثر القرآن على الجبل العظيم؛ تنبيه على أنهم أحق بهذا التأثر لما فيهم من الضعف.
• أشارت الأسماء (الخالق، البارئ، المصور) إلى مراحل تكوين المخلوق من التقدير له، ثم إيجاده، ثم جعل صورة خاصة به له، وبذكر أحدها مفردًا فإنه يدل على البقية.
قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيات ]
• من علامات توفيق الله للمؤمن أنَّه يحاسب نفسه في الدنيا قبل حسابها يوم القيامة: ومن أطال حسابه في الدنيا خف عليه الحساب يوم القيامة، وهذا في قوله ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (الحشر: 18)
• في تذكير العباد بشدة أثر القرآن على الجبل العظيم؛ تنبيه على أنهم أحق بهذا التأثر لما فيهم من الضعف: نعم. فإذا كان الجبل يتأثر فكيف بالمخلوق الضعيف، وهذا في قوله ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ عَلَىٰ جَبَلٍ﴾ (الحشر: 21) وجاء أيضًا ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ (الرعد: 31) أي لكان هذا القرآن.
• أشارت الأسماء (الخالق، البارئ، المصور) إلى مراحل تكوين المخلوق من التقدير له، ثم إيجاده، ثم جعل صورة خاصة به له، وبذكر أحدها مفردًا فإنه يدل على البقية.
وهذا معنى ثم (إيجاده) وهذا في قول البارئ، ثم (جعل له صورة خاصة به) وذلك في قوله المصور (وبذكر أحدها مفردا فإنه يدل على البقية) يعني إذا جاءت كلمة المصور وحدها أو البارئ وحدها أو الخالق وحدها شملت هذه المعاني الثلاثة. والعلم عند الله تعالى.
وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة الحشر ونسأل الله الإخلاص والسداد والتوفيق والقبول وننتقل بإذن الله تعالى إلى تفسير سورة الممتحنة.