مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المجادلة

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 372 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بالسورة

سُورَة المُجَادلةِ - مَدَنيّة -

[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] إظهار علم الله الشامل وإحاطته البالغة، تربيةً لمراقبته، وتحذيراً من مخالفته.

قال الشيخ حفظه الله

نعم. سورة المجادَلة أو سورة المجادِلة، أما «المجادَلة» فهي مصدر، وأمّا (المجادِلة ) فهي اسم فاعل باعتبار المرأة المجادِلة؛ إذن سورة المجادِلة هي السورة التي تتحدث عن المرأة التي وقع منها الجدال في قوله سبحانه ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ (المجادلة: 1) وما وقع منها يسمى ماذا؟ يسمى مجادَلة بالمصدر. فلذلك جاء اسم السورة على الوجهين. قالوا السورة مدنية وهي كذلك، فهي سورة مدنية، وسياق الآيات وبعض ما ورد فيها من أسباب النزول يدل على هذا المعنى، ومنه صدر السورة فقوله ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1) نزلت في شأن خولة بنت ثعلبة، وفي بعض الروايات خويلة بنت ثعلبة حينما شكت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما وقع من زوجها أوس بن الصامت - رضي الله عنه - في أنّه ظاهر منها بعدما كبرت سنها وبعدما وهن عظمها وقالت ونثرت له بطني إلى غير ذلك، ثم ظاهر منها فحينئذٍ نزلت الآيات الكريمة ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ (المجادلة: 1) وبيَّن الله سبحانه وتعالى أحكام الظهار، وهذا كان في المدينة النبوية هذا يدل على هجرة النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم –

وأيضاً ما جاء بعدُ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُوا۟ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ (المجادلة: 8) إلى آخر الآيات هذا كلام عن المنافقين، وهذا يناسبه أيضًا ما يتعلق بالمدينة النبوية، وأيضاً ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾ (المجادلة: 12) إلى غير ذلك، فالسورة مدنية وهذا واضح.

طيب مقاصد السورة، قالوا من مقاصد السورة ( إظهار علم الله الشامل وإحاطته البالغة، تربيةً لمراقبته، وتحذيرًا من مخالفته) نعم. السورة الكريمة تتحدث عن علم الله الشامل لكل شيء. لكن إن شئت فقل إنّ هذه السورة تذكر لنا بعض النماذج والأمثلة التطبيقية التي تدل على سعة علم الله - سبحانه وتعالى - وهذا ظاهر من أول آية ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ (المجادلة: 1) وهذا له صلة بسورة الحديد.

ففي سورة الحديد حيث ذكر الله - سبحانه وتعالى -بعض صفاته وكان من الصفات التي وصف الله بها نفسه أنّه بكل شيء عليم وأنّه يعلم في السماوات وأنّه عليم بذات الصدور، وغير ذلك مما ذكر الله سبحانه وتعالى (وهو معكم أينما كنتم) ثم جاء التفصيل في سورة المجادلة ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟ ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: 7) حديث عن علم الله وأيضاً النجوى فالنجوى حديث السر، وهذا الحديث الذي يجري في السر له آداب، ويحملك على العمل بتلك الآداب.يقينك في أنّ الله عليم بكل شيء ففيه ذكر من يُنَاجي مناجاة طيبة مقبولة ومَنْ تقع منه المناجاة الخبيثة.

وفيه تحذير من أفعال المنافقين، تحذير للمنافقين من أن يستمروا على نفاقهم؛ فإنَّ الله مطلع على ما في صدورهم.

فيه أيضًا حث المؤمن على الانتماء لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك جاء في ختام السورة الكريمة الحديث عن قضية الولاء والبراء ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ إلى آخر الآية الكريمة، وهكذا فهي سورة جليلة عظيمة تتحدث عن علم الله الشامل وعن موالاة الله وموالاة النبي - صلى الله عليه وسلم – والمؤمنين، والتحذير من النفاق وموالاة أهل الكفر ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (المجادلة: 14) ففيه أيضًا ذكر ما يتعلق بالولاء والبراء. والعلم عند الله تبارك وتعالى.

تحليل مقارن وربط بين السور

ومن خصائص هذه السورة الجليلة أنه لا تخلو آية منها من ذكر اسم الله ( الله ) فكل آية في السورة الكريمة فيها اسم الله عز وجل مرة أو أكثر، ما خلت آية من آيات السورة الكريمة من ذكر اسم الله سبحانه وتعالى تصريحًا وجاء اسم الله، وذلك لأنّ كلمة الله تربي المهابة وهي مناسبة أيضًا لتشريع الأحكام. وأيضاً مما جاء في السورة الكريمة تفصيل الأحكام في قضية الظهار، ولا يوجد تفصيل للظهار في أحكام القرآن إلا في هذه الآيات. نعم، ورد ذكر لكلمة الظهار لكن تفصيل أحكام الظهار ﴿أَنَّمَا﴾ ورد في هذه السورة الكريمة، سورة المجادلة. نعم

قال الشيخ حفظه الله

﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1)

تقدم أنّ هذه المرأة التي جاءت تجادل ﴿فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ هي : خولة بنت ثعلبة - رضي الله عنها - وأنّ زوجها هو أوس بن الصامت - رضي الله عنه - كما دلَّت على ذلك رواية سبب نزولها، ولذلك تُذكَر هذه الآية الكريمة فيما يسمى في علوم القرآن بعلم (مبهمات القرآن ) فهناك أسماء وردت في القرآن الكريم كلمات مبهمة؛ لكن جاء بيانها أو ربما يجيء بيانها في موضع آخر من القرآن، وربما يجيء في سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو في الآثار ونحو ذلك. فيقال لهذا مبهم من مبهمات القرآن الكريم، ومن الأمثلة عليها هذه الآية، ومن الأمثلة على ما هو مشهور في هذا الباب ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ﴾ (الكهف: 60) وفتاه هو : يوشع بن نون، وكذلك ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ (الكهف: 65) هو الخضر - عليه السلام - عُرِفَ هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،لكن بعض الناس غالى في هذا الباب وأراد أن يسميَ كل ما ورد في القرآن الكريم من أسماء لحيوانات وطيور وأتى بروايات لا تثبت وما إلى ذلك فتكلَّفوا؛ ولقد ثبت عن أمِّنا عائشة - رضي الله عنها – «تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، إنّ المرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه أو تجادله في زوجها وأنا في ناحية البيت أو الحجرة وإنّه ليخفى عليَّ بعضُ حديثها ) خفي عليها بعض الكلام الذي تردده هذه المرأة». وهي تجادل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والله يبيِّن أنه قد سمع سبحانه وبحمده ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا﴾ (المجادلة: 1) لذلك تقدم أنّ السورة الكريمة تتحدث عن سمع الله وعلم الله الشامل، وإحاطته البالغة ولذلك ختم الله الآية ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1) وتأملوا - رحمكم الله - إلى هذه الآية في صدر السورة، ﴿قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ﴾ (المجادلة: 1) جاء ذكر الله ﴿وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ﴾ (المجادلة: 1) تكرر اسم الله أربع مرات صراحة، والسميع هو الله والبصير هو الله ولم يقل ( قَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّتِى تُجَـٰدِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِىٓ إِلَى ٱللَّهِ وهو يسمع تحاوركما وهو سميع بصير )

﴿وَٱللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَآ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة: 1) هذا التصريح يدل على عِظَمِ المقام؛ وأنّ الله حقيقٌ بأن يُرَاقب - سبحانه وتعالى –

﴿ٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ﴾ (المجادلة: 2) وهذا أمرٌ معروف، أن المرأة التي تظاهر منها وهي زوجتك ليست بأمك لأنَّها لو كانت أُمَّا لك ما جاز لك أن تتزوجها ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَٰجَكُمُ ٱلَّـٰٓـِٔى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ﴾ (الأحزاب: 4) [الأحزاب: 4]، ولذلك قُلتُ إنّ ذكر الظهار جاء في موضع آخر جاء في سورة الأحزاب، لكن لم يأت حكمه وإنما جاء التفصيل في حُكمِه وفي كفارته هنا في سورة المجادلة. وهذا فيه بيان أنّ الظهار خطأٌ كبير؛ لأنّه مخالف للحقيقة والواقع. فكيف تدَّعي أنها أمك أو أنّك تحرِّمها كأمك وأنت ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ قد تزوجتها وتريد أن تبقى على ذمتك، أو تبقى زوجة لك.

قال ﴿إِنْ أُمَّهَـٰتُهُمْ إِلَّا ٱلَّـٰٓـِٔى وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (المجادلة: 2) هذا فيه أنّ الظهار ما حكمه؟ حرام؛ فإذا كنا نقول أنّ الطلاق حكمه يختلف باختلاف الحال، ونص عدد من العلماء على أنّ الأحكام الشرعية تكتنفه، فقد يكون واجباً أو محرماً أو مكروهاً أو مباحاً أو مستحباً؛ فإنَّ الظهار حرام لأنه مخالف للحقيقة أو منكر من القول وزور، ولذلك خطَّأَ العلماء من زعم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم – ظَاهَرَ؛ بل قالوا هذا خطأ. وإنما الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - طلق وإلى لكنه لم يظاهر؛ لأنّ الظهار منكر من القول وزور، والرسول لم يقع منه ذلك

﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (المجادلة: 2) ومع كونه ﴿مُنكَرًا مِّنَ ٱلْقَوْلِ وَزُورًا﴾ إلا أن الله رتب عليه الأحكام من هذا : - أنّ الطلاق لا يقع به، فالظهار ليس طلاقاً، ولذلك المرأة جاءت تشكو إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنَّها فهمت أنه حينما ظاهرها فقد فارقها أو صارت منه بمثابة مطلقة، لكن الشرع جاء بأنّ الظهار ليس طلاقاً لكن تترتب عليه الكفارة، وهذا فيه أنّه هناك فرق بين أن يحكم على الشيء وبين أن تكون له عقوبة أو كفارة. فلا يلزم من كون شيء محرَّمًا أو بدعةً ألَّا يترتب عليه أثر من كفارة ونحوه.

وبهذا رد الجمهور على مسألة الطلاق البدعي. وقالوا : إنّ الطلاق واقع مع أنه بدعي، فقالوا : هذا لا يمنعه من وقوعه وإن كانت المسألة يعني موضوعها الفقه والدراسة الفقهية كما هو معلوم.

قال ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ۚ ذَٰلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: 3)

قال الله عز وجل ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ (المجادلة: 3) أيضًا قوله ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟﴾ (المجادلة: 3) هذا فيه كلام كثير وطويل لأهل العلم وآراء متعددة، لكنهم اختاروا هنا وجهاً وله وجه والعلم عند الله. قالوا في المختصر (والذين يقولون هذا القول الفظيع) يعني يقول أنتِ عليّ كظهر أمي، وألحق العلماء بذلك، أن يذكر أيضًا الأخت مثلاً كأن يقول أنتِ عليَّ كظهر أختي، وهي من المحرمات تحريمًا مؤبدًا قالوا في المختصر (والذين يقولون هذا القول الفظيع ثم يريدون جماع من ظاهروا منهن) إذاً ما معنى ثم يعودون لما قالوا؟ يعني عود الجماع ممن ظاهروا منهن مع أنّه قال أنت علي كظهر أمي، قال ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ (المجادلة: 3) يعني ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ الجماع أو المسيس ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (المجادلة: 4) إذن لا بد من التتابع هنا ويصار إلى الصيام عند عدم وجود الرقبة كما هو حاصل الآن ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (المجادلة: 4) هذا فيه أيضًا أنّه لا يتجه إلى إطعام ستين مسكيناً إلا عند العجز عن الصيام، ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (المجادلة: 4) وهنا لم يقل (من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتماسا ) لذلك ورد خلاف بين العلماء بسبب ذلك : هل إذا انتقل من الصوم لعجزه عنه إلى الإطعام فلا يسوغ له أن يجامع امرأته إلا بعد الإطعام (بعد إطعام ستين مسكيناً )، لذا قال فريق من أهل العلم قالوا : لأنّه قد استغنى عن ذكره من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يتماسا، بما ذكر قبله مرتين ومنهم من قال : بل لا يشترط في ذلك لأنّ الله لم يقيد هنا وإنما قال ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (المجادلة: 4).

قال الله ﴿ذَٰلِكَ لِتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المجادلة: 4) تأملوا والآية التي بعدها قال ﴿وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (المجادلة: 5) هذه الآية قال (أليم ) والثانية قال (مهين ) وهذا والله أعلم مناسب للمقام؛ فالأولى ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المجادلة: 4) فالكافر الذي لا يتقي الله في حدوده، والذي يكفر بالله له عذاب أليم؛ أما الآية الثانية التي جاءت بعده فهي حديث عن الذين يحادون الله ورسوله، وهذا الذي يحاد الله ورسوله يجعل نفسه في حد، ويجعل ربه ورسوله في حد. قال ﴿وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (المجادلة: 5) هذا عذابه مهين، (مهين ) يذله الله - سبحانه وتعالى -ويهينه. فلذلك جاء الختام مناسباً للبدء فكان الجزاء من جنس العمل.

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ ۚ أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المجادلة: 6) وهذه آية عظيمة جليلة ﴿أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (المجادلة: 6) فكم عملنا من أعمال، وكم وقعت منا من خطايا ولكننا ننسى والله قال ﴿أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المجادلة: 6).

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• لُطْف الله بالمستضعفين من عباده من حيث إجابة دعائهم ونصرتهم.

• من رحمة الله بعباده تنوع كفارة الظهار حسب الاستطاعة ليخرج العبد من الحرج.

• في ختم آيات الظهار يذكر الكافرين؛ إشارة إلى أنه من أعمالهم، ثم ناسب أن يورد بعض أحوال الكافرين.

قال الشيخ حفظه الله

• لُطْف الله بالمستضعفين من عباده من حيث إجابة دعائهم ونصرتهم : وهذا واضح؛ لأنّ الله استجاب لهذه المرأة التي جاءت تشكو زوجها فتنزل الآيات رحمة ورأفة بعباده - سبحانه وتعالى.

• من رحمة الله بعباده تنوع كفارة الظهار حسب الاستطاعة ليخرج العبد من الحرج : لذا قال (فمن لم يجد ) ( فمن لم يستطع ).

• في ختم آيات الظهار يذكر الكافرين؛ إشارة إلى أنه من أعمالهم، ثم ناسب أن يورد بعض أحوال الكافرين : يعني حينما يذكر الله الكافرين لا يلزم من هذا أن الظهار كفر فالظهار ليس كفراً، الظهار معصية، منكر من القول وزور؛ لكنه ليس كفراً، لكن حينما يُذكر الكافرون دلالة على أنّ هذا من أعمالهم فتجنبوا أعمالهم. ولا تكونوا أمثالهم. نعم

قال الشيخ حفظه الله

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟ ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: 7)

تقدم معنا في سورة الحديد قوله ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (الحديد: 4) [الحديد: 4]، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك إن هذه المعية فُسِرَت بالعلم واستدلوا بآية سورة المجادلة وقالوا بدأ بالعلم وختم بالعلم هذا مناسب للمقام ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ﴾ (المجادلة: 7) وفي الختام ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (المجادلة: 7) الله - سبحانه وتعالى -عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء من أحوال العباد ولا من أقوالهم ولا من أفعالهم - سبحانه وتعالى - وفي هذا بيان وجوب مراقبة الله - سبحانه وتعالى - وأنّ الله مطلع على أعمالنا سامع لأقوالنا لا يخفى عليه شيء من أمورنا. قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (المجادلة: 7) يعني هذا العلم فيتبعه أيضًا حساب العباد ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (المجادلة: 7) ولذلك إذا أخبرنا الله بأنّه بكل شيء عليم أو بما نعمل خبير فالمراد من ذلك إثبات الصفة وأيضاً تعليمنا مراقبة الله.

ولذلك في آخر الآيات هنا في هذه الصفحة ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: 11) قالوا هنا في التفسير : - وأحسنوا - ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: 11) (لا يخفى عليه ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ شيء، وسيجازيكم عليها) إذاً حينما تجد في بعض الآيات الكريمة : ( إثبات أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ، إن الله بكل شيء محيط، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلْمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ ) أي وسيجازينا على ذلك. إذاً فيه أيضًا إعلام العباد أنّ الله محاسب العباد.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُوا۟ عَنِ ٱلنَّجْوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَيَتَنَـٰجَوْنَ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ (المجادلة: 8) إذاً هؤلاء نهوا عن النجوى والنجوى المنهي عنها : هي النجوى بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.

ولذا جاء بعده في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا تَنَـٰجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ﴾ (المجادلة: 9) إذاً النجوى ليست كلها ممنوعة، النجوى هي الحديث في السر، الحديث السري ليس كله ممنوعًا؛ فإذا تناجى المؤمنون فيما بينهم للوصول إلى الحق وإحقاق الحق والبر والتقوى هذا لا مانع منه وهو حسن؛ وإنما الممنوع هو التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - مع مراعاة آداب المناجاة كما جاء في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم – «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الْآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»، فهذا أيضًا من آداب المناجاة حتى لا يقع في صدره حرج أو يظن أنهم يتحدثون عنه ولذلك قال ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجْوَىٰ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ لِيَحْزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْـًٔا إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (المجادلة: 10).

قوله سبحانه ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ﴾ (المجادلة: 8) ما تحيتهم التي كانوا يحيون بها رسول الله؟ - صلى الله عليه وسلم - قولهم: «السام عليك»، يعني: الموت عليك معروفون بهذا التغيير والتحريف، فيقولون : «السام عليك» يقصدون الهلاك والموت عليك. ولما سمعتهم أمنا عائشة - رضي الله عنها - قالت : «بل عليكم السام واللعنة» فH0.

﴿وَيَقُولُونَ فِىٓ أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ (المجادلة: 8) (ولولا ) هنا بمعنى : هلا ﴿يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ۖ فَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (المجادلة: 8) يعني لو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - صادقاً في دعواه أنه نبي كما قالوا هنا في المختصر ( لعذبنا الله بما نقول فيه ) فلماذا يستعجلون؟ سيأتيهم العذاب، يعني هم يستعجلون به والله - سبحانه وتعالى -مطلع على أفعالهم.

ثم قال الله - سبحانه وتعالى -بعد ذلك في الآيات : ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المجادلة: 12) تأملوا هنا النداءات للمؤمنين، وهذا من مظاهر السور المدنية. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟﴾ تكرر هذا في السورة الكريمة، وهذا مما هو معروف في السور المدنية أيضاً، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ﴾ (المجادلة: 11) توسعوا في المجالس. ﴿فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟﴾ (المجادلة: 11) يعني : ارتفعوا ﴿فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ﴾ (المجادلة: 11) قالوا هنا في المختصر - وأحسنوا – (ولما ذكر الله الأدب في الأقوال ذكر الأدب في المجالس ) نعم تحدث عن النجوى، وهذا يتعلق بالأقوال فذكر الأدب في المجالس ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟﴾ (المجادلة: 11) فيه : فضل التوسعة على الآخرين فمن وَسَّعَ على الآخرين فإنَّ هذا حسنٌ وجميل؛ والجزاء : يفسح الله لكم. وهذا أجر عظيم وثواب كبير، وفيه : إثبات أنّ الجزاء من جنس العمل كما طلبت منكم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في إيراد بعض الأدلة. فهذا من الأدلة على هذا ﴿فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ (المجادلة: 11) وإذا كان في توسعة جزء من المكان لشخص يجلس فيه فكيف بمن فرج عن مسلم كربة ويسَّر عليه ما هو فيه من عسر لا شك أنّ هذا أعظم.

ولذلك يُستدل بهذه الآية على المعنى العام : وهو فضل التوسعة على الناس وقضاء حاجاتهم؛ لأنك إذا أفسحت له في المجلس ليجلس، وسَّع الله سبحانه وتعالى عليك. فكيف بمن قضى حاجة الناس ويسر لهم ما هم فيه من عسر. والله تعالى أعلم. وفيه أيضًا : إفساح المجال للراغب في الحديث. لا سيما إذا كان حديثه نافعاً. يعني كما أنك توسع له في المكان فوسع له في المجال فهذا يؤخذ منه أيضًا والعلم عند الله.

﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟ يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ﴾ (المجادلة: 11) فيه : فضل العلم ورفعة أهله، لكن الله ذكر مع العلم الإيمان فهذا فيه أنّ العلم الذي يرتفع صاحبه هو العلم بالإيمان أو الإيمان الذي يتبعه علم نافع وعمل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾. نسأل الله الكريم من فضله.

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• مع أنَّ الله عالٍ بذاته على خلقه؛ إلا أنَّه مطلع عليهم بعلمه لا يخفى عليه أي شيء.

• لما كان كثير من الخلق يأثمون بالتناجي يأمر الله المؤمنين أن تكون نجواهم بالبر والتقوى.

• من آداب المجالس التوسيع فيها للآخرين.

قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• مع أنَّ الله عالٍ بذاته على خلقه؛ إلا أنَّه مطلع عليهم بعلمه لا يخفى عليه أي شيء : وهذا في قوله ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ (المجادلة: 7) مع ما جاء في ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ (الحديد: 4)كما في آية سورة الحديد.

• لما كان كثير من الخلق يأثمون بالتناجي يأمر الله المؤمنين أن تكون نجواهم بالبر والتقوى : ولذلك نهاهم الله ابتداء. وقال ﴿فَلَا تَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَمَعْصِيَتِ ٱلرَّسُولِ﴾ (المجادلة: 9) لأنّ هذا مشهور، ثم قال ﴿وَتَنَـٰجَوْا۟ بِٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ﴾ (المجادلة: 9)

• من آداب المجالس التوسيع فيها للآخرين : وذلك في قوله ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا۟ فِى ٱلْمَجَـٰلِسِ فَٱفْسَحُوا۟ يَفْسَحِ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ (المجادلة: 11)

قال الشيخ حفظه الله

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المجادلة: 12)

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا في المختصر ( لما أكثر الصحابة من مناجاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قال الله: يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا إذا أردتم مُسَارَّة ﴿ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ﴾ مُسَارَّتكم صدقة ) يعني أنّ الله - سبحانه وتعالى -أمر الصحب الكرام. ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ واحد منهم أن يناجي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليقدم بين يدي نجواه صدقة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يُكَلِّم الرسول، وهذا فيه توقير للرسول - صلى الله عليه وسلم – وبيان لمكانته العظيمة ولجلال قدره - صلى الله عليه وسلم -. وفيه أيضًا الرفق بالرسول - صلى الله عليه وسلم - لأنّ هذا سيؤدي بهم إلى ﴿إِلَّا﴾ يأتي أحدهم إلا للضرورة، وألا يشق عليه أحدهم. فكان هذا في بادئ الأمر حينما شرع الله هذا الحكم، ثم أنزل الله التخفيف فقال :

﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَـٰتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا۟ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ (المجادلة: 13) قالوا هنا يعني (أَخِفْتُم الفقر بسبب تقديم الصدقة إذا ناجيتم الرسول؟! فإذ لم تفعلوا ما أمر الله به منها، وتاب عليكم حيث رخص لكم في تركها) لذلك ذهب كثير من العلماء إلى أن هذه الآية أعني قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾ (المجادلة: 12) قالوا إنها منسوخة، نسختها الآية التي جاءت بعدُ، فبداية كان عليهم أو يلزمهم إذا أرادوا أن يناجوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقدموا بين يدي نجواه صدقة - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ثمّ أنزل الله التخفيف بالآية التي بعدها.

وقال فريق من العلماء : ليس نسخاً بمعنى أن الحكم قد انتهى وسقط؛ ولكن هذا فيه صرف من الوجوب إلى الاستحباب بمعنى ﴿فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾ (المجادلة: 12) كان على سبيل اللزوم ثم خُفِّفَ فيه، فصار على سبيل الاستحباب والندب، وليس على سبيل الإيجاب هذا قول ذكره بعض الأئمة في الآية.

وبعضهم قال : إنّه لا يُعرَف أنّ أحداً طبق هذا ﴿أَنَّمَا﴾ كان هذا الأمر ثم بعد ذلك جاء النسخ أو جاء التخفيف. ﴿وَقِيلَ﴾ : بل طبقها واحد فقط من الصحب الكرام ثم تكلموا فيه والعلم عند الله أياً ما كان الأمر ففيه بيان قدر النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ربه وأنّه لا ينبغي أن يشقوا عليه - صلى الله عليه وسلم -.

وقد ذكر بعض العلماء نكتة ولطيفة في بقاء الآية على القول بنسخها فقالوا : فيه تذكير للأمة بقدر نبيها - صلى الله عليه وسلم - من جهة وأيضاً لتتعلم الأمة كيف تتعامل مع علمائها، فإنّ العلماء ورثة الأنبياء فينبغي أيضًا ﴿إِلَّا﴾ يُشغَل أهل العلم إلا بالنافع، وألا تضيع أوقاتهم وأنّ من أرادهم فإنما يكلمهم عند الحاجة، وكذلك يحافظ على أوقاتهم. فكل هذا مستفاد من هذا والعلم عند الله تبارك وتعالى.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (المجادلة: 14)

قال الله - سبحانه - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ (المجادلة: 14) هنا من الذين تولوا؟ هم المنافقون وما المراد بالقوم؟ اليهود. إذاً ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا﴾ (المجادلة: 14) هؤلاء الذين تولوا هم : المنافقون، وتولوا مَن؟ قومًا، وهم اليهود ﴿غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ (المجادلة: 14) يعني هؤلاء المنافقون ليسوا من المؤمنين وليسوا من اليهود ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى ٱلْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (المجادلة: 14) فيه أنّه من أبرز صفات المنافقين :- صفة الكذب، والأيمان الكاذبة. ولذلك قال ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (المجادلة: 16) فهم مشهورون بالإيمان الكاذبة.

قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (المجادلة: 17)

قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ﴾ (المجادلة: 17) يعني : الخالدون في نار جهنم ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (المجادلة: 17) ولذلك تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنّ هذا التركيب (أصحاب النار ) غالباً ما يستعمل مع الكافرين، وهذه من عادات القرآن الكريم المضطردة في جميع آياته، وإن استثنى بعض العلماء من ذلك مواضع يسيرة جداً يأتي التنبيه عليها في موضعه بإذن الله تبارك وتعالى. لذلك قالوا هنا في المختصر (أولئك أصحاب النار الذين يدخلونها ماكثين فيها أبدًا لا ينقطع عنهم العذاب)

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ (المجادلة: 18)

قال ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ (المجادلة: 18) يعني : إنّهم يوم القيامة يحلفون له في الآخرة كما يحلفون لكم في الدنيا أنهم مسلمون ( يدعون ويقولون نحن لسنا بمشركين ) ﴿أَنَّمَا﴾ نحن من المسلمين، كما كانوا يقولون لأهل الإيمان في الدنيا ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ﴾ (المجادلة: 18) وهذه الآية كقوله سبحانه ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 23).

﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ (المجادلة: 19) يعني : استولى عليهم، ثم قال الله ﴿فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَـٰنِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ (المجادلة: 19) نسأل الله السلامة.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: 20)

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: 20) السورة كما تقدم، تتحدث أيضًا عن قضية الولاء، وعمن حادَّ الله، وعمن وإلى الله ورسوله، وهنا لما حادوا الله ورسوله كان الجزاء من جنس العمل. ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: 20)

﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِىٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21) وهذه الآية تقررت في مواضع كثيرة بمعناها كقوله ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الصافات: 171) سورة الصافات.

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• لطف الله بنبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث أدَّب صحابته بعدم المشقَّة عليه بكثرة المناجاة.

• ولاية اليهود من شأن المنافقين.

• خسران أهل الكفر وغلبة أهل الإيمان سُنَّة إلهية قد تتأخر، لكنها لا تتخلف.

قال الشيخ حفظه الله

• لطف الله بنبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث أدَّب صحابته بعدم المشقَّة عليه بكثرة المناجاة ﴿فَقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَىٰكُمْ صَدَقَةً﴾ (المجادلة: 12).

• ولاية اليهود من شأن المنافقين : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ قَوْمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ (المجادلة: 14).

• خسران أهل الكفر وغلبة أهل الإيمان سُنَّة إلهية قد تتأخر، لكنها لا تتخلف : وهذا واضح ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْأَذَلِّينَ﴾ (المجادلة: 20) وهنا قولهم (قد تتأخر لكنها لا تتخلف ) وهذا معنى صحيح وواضح وجلي.

قال الشيخ حفظه الله

نعم. خُتمت السورة المباركة بالحديث عن قضية الولاء لله ولرسوله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ولو كان في ذلك ترك أقرب الناس ولو كان في ذلك معاداة أقرب الناس إلى الإنسان؛ لأنّ موالاة رب العزة سبحانه وموالاة رسوله - صلى الله عليه وسلم - تقدم على القرابات.

(لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ ) فموالاة الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مقدمة هي التي تُقَدَّم، هكذا يعلمنا الله - سبحانه وتعالى - قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ﴾ (المجادلة: 22) يعني : هؤلاء المؤمنون يوالون الله ورسوله ولا ﴿يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟﴾ أقرب الأقرباء ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ﴾ (المجادلة: 22) أثبت الإيمان في قلوبهم فلا يتغير فنسأل الله أن يثبت الإيمان في قلوبنا ﴿وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ (المجادلة: 22) فسره هنا في المختصر: (وقوّاهم ببرهان منه ونور). ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ﴾ (المجادلة: 22) سجل الله رضاه عنهم

وهذا أيضًا من الجزاء من جنس العمل بل هو أعظم من العمل؛ فهؤلاء لما قطعوا الأرحام وقطعوا الأصهار والأنساب مع من عادى الله ورسوله ومع ﴿مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ عوضهم الله بما هو أجل وأعظم. فماذا يضر الإنسان إذا فاته حب قريبه؟ ماذا يضيره ذلك؟ لكن الله قد رضي عنه. ما فاته شيء؛ فرضا الله سبحانه وتعالى لا يقدر بثمن. بل رضى الله كما قال ﴿وَرِضْوَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (التوبة: 72) قال بعضهم ( ورضوان من الله ) : يعني رضوان عظيم من الله أكبر، وقال بعضهم : (رضوان من الله ) وإن قلّ فهو أكبر من كل نعيم، والله - سبحانه وتعالى -إذا رضي عن العبد فلا يضيره ما يفوته من أمور الدنيا، وكذلك في الآخرة إذا قال :: «أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» فهذا من تمام النعيم مع رؤية الله - سبحانه وتعالى -في الآخرة.

قال ﴿وَرَضُوا۟ عَنْهُ﴾ وهذا عظيم جداً، وأنت حينما تقرأ مثل هذه الآيات التي ورد فيها ﴿وَرَضُوا۟ عَنْهُ﴾ يعني : أنّ الله يسجل رضا المؤمنين عنه، والله - سبحانه وتعالى -غني عن العباد. لكن هذا في بيان شرف المؤمنين وحب الله - سبحانه وتعالى -لهم، ووده لهم وأنّه يرضى عنهم ويرضون عنه. ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: 22) ولم يقل (أولئك حزب الله ﴿إِلَّا﴾ إنهم هم المفلحون ) بل أعادها مرة أخرى فقال ﴿أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ﴾ (المجادلة: 22) فهو معنى جميل جليل أن تكون من جند الله سبحانه وتعالى. ومن المعروف أن العبرة بالحقائق وليست بالألفاظ والألقاب. فمثلاً حزب الله الضال من أهل الشيعة وإن تسمى بهذا الاسم ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ من الحقيقة نصيب، فحزب الله الذين يوادون الله ورسوله أو يوالون الله ورسوله ولا يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ، قال أولئك ﴿هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (المجادلة: 22) الفائزون بما ينالونه من مطلوبهم وبما يفوتهم من مرهوبهم.

مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ

• المحبة التي لا تجعل المسلم يتبرأ من دين الكافر ويكرهه، فإنها محرمة، أما المحبة الفطرية؛ كمحبة المسلم لقريبه الكافر، فإنها جائزة.

• رابطة الإيمان أوثق الروابط بين أهل الإيمان.

قال الشيخ حفظه الله

المحبة التي لا تجعل المسلم يتبرأ من دين الكافر ويكرهه، فإنها محرمة، أما المحبة الفطرية؛ كمحبة المسلم لقريبه الكافر، فإنها جائزة : يعني المفرقون بين المحبة الشرعية والمحبة الفطرية، المحبة الفطرية كأن يحن القريب لقريبه، فيحن الابن لأبيه والأب لابنه، لكن لا يحمله هذا على أن يعصي الله أو أن يحولها إلى محبة شرعية تكون الموالاة والمعاداة وفقها؛ ﴿أَنَّمَا﴾ تكون المحبة الشرعية لمن وإلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. ولذلك العلماء فرقوا فقالوا يجوز الزواج من المرأة الكتابية المحصنة. ومن المعروف أنّ الزوج يحن على زوجته ويعطف عليها فيكون بينهما شيء من هذه المحبة الفطرية، وفي الوقت ذاته هو يبغض دينها ولا يقبله ومن المعلوم أيضًا أنّه ثمة فرق بين ما يتعلق بقضية الولاء والبراء وما يتعلق بقضية المعاملة فالمعاملة والإحسان إليهم في التعامل هذا لا بأس به بل هو حسن ودعانا إليه الإسلام ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ﴾ (الممتحنة: 8) إلى آخر الآية وسيأتينا إن شاء الله تبارك وتعالى ذكرها في سورة الممتحنة قريباً هذا من جهة، ومن جهة أخرى مراعاة الولاء والبراء هذا أمر ضروري وقد جاءنا به القرآن الكريم في مواضع كثيرة من كتابه سبحانه وتعالى. بعد هذا ننتقل بإذن الله تبارك وتعالى إلى تفسير سورة الحشر. ونسأل الله العون والتوفيق والسداد

دروس مشابهة