سورة الأحقاف — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (المائدة: 44) [سورة المائدة :44 ] فهذا يعني أن التوراة لم يحكم بها موسى عليه السلام فحسب، وإنما حكم بها نبيون كثيرون، وكذلك لو تذكرون في قصّة مجيء النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى ورقة بن نوفل قال له: "هذا النّاموس"، يعني هذا الوحي الّذي نزّل الله على موسى عليه السّلام مع أنّ عيسى بعد موسى عليه السّلام. ﴿حمٓ﴾ (الأحقاف: 1) وأيضًا تقدّم مرارًا أنّ هناك تقاربًا بين ما قرّرته التّوراة، وما جاء في القرآن الكريم، وإن كان القرآن الكريم كتابًا مهيمنًا على الكتب السّابقة كلّها، لكن من علامات صدقه أن يصدّق الكتاب المتأخّر الكتاب المتقدّم وهذا ما جرى في القرآن الكريم.
﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: 2) من نفيس ما يقال هنا ولطيفه أنّهم قالوا ﴿مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: 3) ولم يقولوا إلى صراطٍ مستقيمٍ؛ وذلك والله أعلم، كما لفت بعض أهل العلم أنّ الطّريق فيه معنى الطّرق يعني : إنّه طريقٌ مسلوكٌ قد سلكه أناسٌ فيقال للطّريق طريقٌ إذا سلكه أناسٌ. فكأنّهم يقولون : ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: 2) يعني أنّ محمدًا صلّى الله عليه وسلّم لم يأت ببدعٍ من القول؛ بل إنّ الذي دعانا إليه قد دعا إليه الأنبياء والرسل ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، فهذا يؤكّد المعنى السّابق.﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَـٰرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الأحقاف: 4)
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ﴾ (الأحقاف: 5)
﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأحقاف: 6) فيه : فضل الدّعوة إلى الله سبحانه وتعالى، والحرص على الدّعوة، وأنّ المرء إذا تعلّم فعليه أن يسعى في تعليم غيره، فهؤلاء ما إن سمعوا القرآن الكريم، بل سمعوا آياتٍ قليلةٍ، أو معدودةٍ من القرآن الكريم إلّا وهرولوا ليُسمعوا قومهم تلك الآيات، ولينذروهم، وقد ذكر عددٌ من المفسّرين أنّ الحوار الذي دار بين الجن بعد ما جرى للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعد ما جرى من سماعهم لقراءة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو ما حدّثنا الله عزّ وجلّ عنه بعد ذلك في سورة الجنّ ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الأحقاف: 7) إلى آخر الآيات الكريمة.
﴿يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: 31) ما المراد بداعي الله؟ هو النّبيّ محمّدٌ صلّى الله عليه وسلّم.
لذلك قالوا (أجيبوا محمّدًا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى ما دعاكم إليه من الحقّ)
﴿أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ إِنِ ٱفْتَرَيْتُهُۥ فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ ۖ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدًۢا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الأحقاف: 8) يعني أنتم إذا أجبتم داعي الله كان لكم هذا : مغفرة الذّنوب، والإجارة، والنّجاة من العذاب الأليم.
بعض العلماء استنبط من هذا أنّ الجنّ وإن آمن فلن يدخل الجنّة، وإنّما ينجيه الله من العذاب؛ لأنّ منتهى أملهم، وما ذكروه هنا هو المغفرة والنجاة من العذاب، ولم يتحدثوا عن النعيم، لكن هذا الكلام فيه نظرٌ؛ لأنّ الحديث عن دخولهم الجنّة حديثٌ مسكوتٌ عنه هنا؛ لكنّه ورد في الآيات القرآنيّة ما يثبته كما جاء في سورة الرّحمن.﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (الرحمن: 46-47) [سورة الرحمن :46-47] وهذا حديثٌ يخاطب به الإنس، والجانّ، وكذلك ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ (الرحمن: 74) [سورة الرحمن:74] فهذا يعني أنّ من الجنّ من يطمث في الجنّة، وهذا يعني أنّه يدخل الجنّة وهو الرّاجح من أقوال أهل العلم.
ثمّ قال الله سبحانه وتعالى : ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسْتَكْبَرْتُمْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأحقاف: 10)
تأمّلوا أيّها الإخوة الكرام! عودٌ على بدءٍ، وهكذا سور القرآن الكريم، ففي بدايات السورة كان هناك حديثٌ عن خلق السّموات والأرض.﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ ۚ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا۟ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَـٰذَآ إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ (الأحقاف: 11) جاء أيضًا حديثٌ عن خلق السّموات والأرض، وإذا كانت الآيات في صدر السّورة تحدّثت عن التّوحيد.﴿وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (الأحقاف: 12) فإنّه في آخر السّورة جاء الحديث عن البعث، وفي أوّاسط السّورة، ومضمون السّورة الحديث عن إثبات الرّسالة، وهكذا السّور المكّيّة كما تقدّم تقرّر هذه الأصول الثّلاثة، وإن كانت قد تتحدّث عن أصلٍ أكثر من أصلٍ كما هو بيّنٌ، وكما هو معروفٌ من مقاصد السّور.
قال هنا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأحقاف: 13) هذا احترازٌ؛ لئلّا يظنّ أنّه خلق، ووقع منه تعبٌ، أو إعياءٌ، لم يحدث منه تعبٌ، ولا إعياءٌ ولا عجز، بل هو على كلّ شيءٍ قديرٌ سبحانه وتعالى كما قال. ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (الأحقاف: 14)
ولا تحيّرٌ؛ لأنّ قوله ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَـٰلُهُۥ ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: 15)
1- يحتمل أنه لنفي العجز يعني : لم يقع منه عجزٌ.
2-ويحتمل أنّ معنى. ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُۥ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُۥ وَفِصَـٰلُهُۥ ثَلَـٰثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِىٓ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَـٰلِحًا تَرْضَىٰهُ وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرِّيَّتِىٓ ۖ إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّى مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ (الأحقاف: 15) يعني : ولم يتحيّر يعني : لم يحدث منه حيرةٌ فهو عنده القدرة، وعنده العلم، وعنده الإرادة سبحانه وتعالى.
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا۟ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمْ فِىٓ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَعْدَ ٱلصِّدْقِ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يُوعَدُونَ﴾ (الأحقاف: 16)
﴿وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ ٱلْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيْلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (الأحقاف: 17) وقد تقدّم نظير هذا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (الأحقاف: 18) يعني فيقال لهم : وتقدّم كثيرًا أن القول يطوى في كثيرٍ من الأحوال، ويكون مقدّرًا في مثل هذه المقامات، ولذلك أحسنوا هنا في التّفسير إذ قالوا (ويقال توبيخًا لهم) ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (الأحقاف: 18) بهذا الأسلوب التّقريريّ، فـ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ (الأحقاف: 18) استفهامٌ تقريريٌّ ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الأحقاف: 19) تقدّم معنا مرارًا أنّه من عادات القرآن إنّه في مقام المحاورات والمقولات أن يأتي الكلام (قال، قال) : لذلك قالوا ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (الأحقاف: 20) أي : إذا تقرّر هذا فذوقوا العذاب ﴿۞ وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأحقاف: 21)
ثمّ ختمت السّورة الكريمة الجليلة بهذا الأمر العظيم الجليل ﴿قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (الأحقاف: 22)
تأمّل ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (الأحقاف: 23) وحينما يتمعّن المرء آيات الحواميم منذ أن مرّت علينا سورة غافرٍ، وانتهاءً بهذه السّورة الجليلة سورة الأحقاف لا ترى سورةً من هذه السّور إلّا وفيها الدّعوة إلى الصّبر والتّذكير به؛ لأنّ هذا مقامٌ يناسبه الصّبر؛ فالآيات، أو هذه السّور سورٌ مكّيّةٌ، والمؤمنون مأمورون بالصّبر، والصفح إلى أن يأتي الأوان وتكون لهم القوّة والغلبة، وحينئذٍ فيكون لهم حقّ الثّأر والأخذ بالحقّ. فإذا أصرّ هؤلاء الكفّار على ما هم عليه من عدوانٍ، واعتداءٍ، وبغي، وظلمٍ كما هو الجاري، وكما سيأتي بإذن الله تبارك وتعالى في سورة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم الّتي تنتقل بنا نقلةً أخرى؛ ليكون هذا وجهًا من أوجه التّناسب بين سورة محمّد صلّى الله عليه وسلّم وسور الحواميم، أو آل حمٍّ.
فمثلًا لو نظرنا إلى سورة غافرٍ نجد في سورة غافرٍ. ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (غافر: 55) [سورة غافر:55]
قد تكرّر، وكذلك نجد في سورة فصّلت ﴿فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَـٰرِ﴾ (غافر: 55) ونجد في سورة الشّورى ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الأحقاف: 24) ونجد في سورة الزّخرف ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأحقاف: 25) ونجد في آخر الدّخان ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَـٰرًا وَأَفْـِٔدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (الأحقاف: 26) ونجد في الجاثية ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأحقاف: 27) وتأتي الأحقاف ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (الأحقاف: 23) إذًا هذا أصلٌ أصيلٌ، وأمرٌ عظيمٌ يأمر الله به النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم والمؤمنين.
وهنا قال ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (الأحقاف: 23) وقد رجّح كثيرٌ من العلماء أنّ أولو العزم من الرّسل هم الخمسة الّذين ذكرهم الله في سورتي الأحزاب والشّورى. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَـٰقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًا﴾ (الأحزاب: 7) [سورة الأحزاب :7]
وأيضًا في سورة الشّورى ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (الشورى: 13) [سورة الشورى :13 ]
إذًا أولو العزم من الرّسل هم الخمسة، وبناءً عليه ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (الأحقاف: 23) هو مأمورٌ بمن؟ بالاقتداء في الصّبر بأربعةٍ؛ لأنّه أحدهم صلّى الله عليه وسلّم، بل هو إمامهم، ومن أهل العلم من يرى أنّ قوله : ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (الأحقاف: 23) إنّ (من) هنا لبيان الجنس، وأن كلّ الرّسل هم أولو عزمٍ، لكن لا تعارض فيقال، لكن هؤلاء الخمسة أكثر قوّةً، وصبرًا، وعزمًا في مواجهة أقوامهم، وما فعلوا معهم صلوات الله وتسليماته عليهم جميعًا.
قال الله ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأحقاف: 28) أيضًا هذه ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (الأحقاف: 23) يذّكرنا بما جاء في سورة الشّورى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ (الأحقاف: 29) فهذا من الرّوابط بين الحواميم.
﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأحقاف: 28) ما معنى ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأحقاف: 28)؟ يعني : لا تستعجل لهم العذاب؛ لذلك هم قالوا هنا (ولا تستعجل لهم العذاب) إذًا المفعول مقدّرٌ؛ كما قال الله ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 84) [سورة مريم :84 ]
قوله ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 84) : ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 84) يعني أنّهم في نهاية الأمر، والمطاف يرون أنّهم ما مكثوا في الدّنيا إلّا ساعةً.
﴿قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ (المؤمنون: 112-113) وأيضًا قال ﴿قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ (المؤمنون: 112-113) [سورة المؤمنون :112-113]
إذًا هذه الدّنيا كلّها بأسرها، ومتاعها، وبزخارفها يرون أنّها كساعةٍ واحدةٍ مرّت عليهم من نهارٍ، فسبحان اللّه فالدّنيا تفنى، ويفنى نعيمها ولذّاتها ويبقى الإيمان بالله والعمل الصّالح. وهنا أمرٌ يحتاج إلى إزالة إشكالٍ وهو أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد ذكر في بعض المواضع في سورة طه
﴿يَتَخَـٰفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ (طه: 103) [سورة طه :103] إذًا هذا فيه إثبات أنّهم مكثوا عشرة أيّامٍ كأنّهم مكثوا في الدّنيا عشرة أيّامٍ، وهنا أنّهم مكثوا ساعةً من نهارٍ فكيف الجواب؟
لا إشكال في هذا يقال: إنّهم يختلفون في الأقوال، فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: كأنّ الدّنيا عشرة أيّامٍ، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: كأنّها يومٌ، أو كأنّها ساعةٌ، ولذلك ربّنا يقول. ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ (طه: 104) [سورة طه :104 ] وهنا من اللّطائف أيضًا أنّهم قيّدوا السّاعة بقوله ﴿قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الأحقاف: 30) فربّنا قال ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 84)
1- قال بعضهم: لأن النهار هو وقت التلذذ والتنعم، فالإنسان مهما كان في نعيمٍ إذا كان في نومٍ، فإنّه لا يشعر به، فكأنهم يتذكرون نعيمًا، لكنه نعيم مرَّ سريعًا؛ فلذلك ذكروا النّهار، ثمّ ختمت السّورة. ﴿يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: 31)
الأقرب أنّ قوله ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأحقاف: 32) أي : هذا بلاغٌ، أي هذا القرآن بلاغٌ كما جاء التّصريح به في مواضع
﴿هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ (إبراهيم: 52) [سورة إبراهيم:52] وكما قال ﴿إِنَّ فِى هَـٰذَا لَبَلَـٰغًا لِّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ﴾ (الأنبياء: 106) [سورة الأنبياء :106 ] إذًا قوله : ﴿إِنَّ فِى هَـٰذَا لَبَلَـٰغًا لِّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ﴾ (الأنبياء: 106) يعني هذا بلاغٌ أي القرآن المنزّل على نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم بلاغٌ، وكفاية للإنس والجن لمن اكتفى به.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأحقاف: 33) يعني لا ﴿يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾، فلا تقل، لماذا أهلك الله هؤلاء، ولماذا أهلك الله أولئك؟ الجواب: لأنّهم فاسقون خارجون عن طاعة الله سبحانه وتعالى. وبهذا ختمت الحواميم بهذا الختام الّذي فيه التّهديد والوعيد لأولئك المكذّبين، وننتقل بعد قراءة الفوائد إلى سورة محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم فنقرأ الفوائد أوّلًا.
من فوائد الآيات :
من حسن الأدب الاستماع للمتكلّم، والإنصات له : ولذلك ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الأحقاف: 34)
سرعة استجابة المهتدين من الجنّ إلى الحقّ رسالة ترغيبٍ إلى الإنس : ولذلك قال ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍۭ ۚ بَلَـٰغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (الأحقاف: 35)
الاستجابة للحقّ تقتضي المسارعة في الدّعوة إليه : ولذلك مباشرةٌ اتجهوا أيضًا { ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ }
الصّبر خلق الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام : ولذلك أمر الله نبيّه به ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (الأحقاف: 23)
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا.