مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الأحقاف — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 370 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

سورة الأحقاف

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد :

فهذا لقاءٌ من لقاءات التّعليق على كتاب المختصر في التّفسير، ونسأل الله العون، والتّوفيق والسّداد، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله!

التعريف بالسورة

قالوا في المختصر ( سورة الأحقاف سورةٌ مكّيّةٌ ) وهي كذلك، وبعضهم استثنى منها بعض الآيات، لعلّه يأتي التّنبيه عليها بإذن الله تبارك وتعالى وبيان أنّ كثيرًا من المفسّرين لم يقولوا باستثناء شيءٍ منها - وهذا هو الأصل - أنّ السّورة حينما نقول إنّها مكّيّةٌ؛ فالأصل إنّها كلّها مكّيّةٌ، يعني : نزلت قبل هجرة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

سورة الأحقاف إحدى الحواميم أيضًا، وسمّيت بالأحقاف؛ لذكر الأحقاف فيها؛ وذلك في قوله سبحانه وتعالى ﴿۞ وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأحقاف: 21) [سورة الأحقاف :21 ]، وسيأتينا إن شاء الله تعالى أنّ المراد بهؤلاء ( عادٌ ) الّذين سكنوا اليمن، وأنّها الرّمال الكثيفة، أو المتكاثرة كما سيأتي تفسير الأحقاف، فهؤلاء ذكرهم الله في هذه السّورة الكريمة، وهذا من مقاصد هذه السّورة؛ لأنّ الله لما ذكر عادًا لم يُسمِّ هودًا مع أنّه قد سمّاه في مواضع أخرى ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50) [سورة هود :50]؛ لكن هنا ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ﴾ (الأحقاف: 21) فسمّاه أخا عادٍ؛ لأنّ المقصود الحديث عن عادٍ ﴿قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (الأحقاف: 22) قضيّة الإنذار؛ فلذلك جاءت هذه القصّة للدّلالة على تكبّر هؤلاء؛ لأنّ عادًا أيضًا مثالٌ للتّكبّر، وقد مضى معنا أيضًا في سورة فصّلت ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [سورة فصلت :15 ].

هذا سنشعر به أيضًا حينما نتعرّف على مقصود السّورة هنا قالوا ( بيان حاجة البشريّة للرّسالة وإنذار المعرضين عنها )

هذا فيه أنّ من أعظم مقاصد هذه السّورة بيان حاجة البشريّة إلى الرّسالة، وأيضًا فيها إنذار المعرضين عنها، ويمكننا أن نقول : إنّ هذا المقصود مستدلٌّ عليه بالآية الّتي تمثّل العمود المقصدي العظيم لهذه السّورة وهي قوله ﴿مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: 3) [سورة الأحقاف :3 ] هذه هي القاعدة الّتي تدور حولها السّورة الكريمة : إعراض الكافرين عن الإنذار ﴿مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: 3)

ولذلك إذا تأمّلت سورة الأحقاف كلّها تجد أنّ الحديث كلّه فيها عن المعرضين، وعن الكافرين، وعن الإنذار، ومقابلة هؤلاء للإنذار، والحديث عن النّبوّة؛ لأنّ الإنذار هذا يكون ممّن؟ من نبيّ؟ من رسول؛ ولذلك إذا كانت السّور السّابقة من الحواميم قد قرّرت قضيّة الوحدانيّة، وقضيّة البعث بأجلّ صورةٍ، وأعظم بيانٍ؛ فإنّ سورة الأحقاف -والعلم عند الله- أجملت في هذا الباب؛ وإن كان في صدرها حديثٌ عن التّوحيد ﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُوا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ۖ ٱئْتُونِى بِكِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ هَـٰذَآ أَوْ أَثَـٰرَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الأحقاف: 4) وبعدها ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ﴾ (الأحقاف: 5) ثمّ بعد ذلك جاء حديثٌ مستفيضٌ عن النّبوّة.

وكما تقدّم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنّ هناك أصولًا ثلاثةً تعتني بها السّور المكّيّة تقرير الوحدانيّة، وتقرير الرّسالة، وتقرير البعث، لكن في بعض السّور يغلب جانبٌ على جانبٍ، أو يكون الاعتناء أكثر بجانبٍ من هذه الجوانب، وهذه السّورة سورة الأحقاف تتحدّث عن النّبوّة، وعن إنكار النّبوّة، والرّد على منكري النّبوّة، والمكذّبين لها، وتنذرهم؛ لذلك جاء الإنذار.

والعجيب أنّك حينما تتأمّل السّورة تجد أنها ذكرت مواقف للمعرضين، والمكذّبين، وذكرت مواقف للمستجيبين؛ لذلك قال بعضهم : إنّ هذه السّورة الكريمة تتحدّث عن مدى الاستجابة لله عزّ وجلّ؛ ولذلك هنا قال ﴿مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: 3) وأما المؤمنون فهم مستجيبون؛ فذكر الله العاقَّ لوالديه ﴿وَٱلَّذِى قَالَ لِوَٰلِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِىٓ أَنْ أُخْرَجَ﴾ (الأحقاف: 17) وذكر قصّة عادٍ، وهذا مثالٌ لمن أنذر فأعرض، وكذّب ولم يستجب، وذكر البارَّ بوالديه في قوله ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ إِحْسَـٰنًا﴾ (الأحقاف: 15)، وذكر قصّة الجنّ ﴿قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: 30-31) الإنذار!! ﴿قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: 30-31) [سورة الأحقاف :30-31]. وبعدها ﴿قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: 30-31)

إذًا السّورة تتكلّم على أنّ الكفّار معرضون، وأن المؤمنين مستجيبون، وأن الرّسل جاءوا بالإنذار، ولذلك ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأحقاف: 32) وأيضًا فيها ذكر أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم منذرٌ لقومه في غير ما موضعٍ كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى.

قال الشيخ حفظه الله

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأحقاف: 33) أيضًا هذا الافتتاح موافقٌ للافتتاح السّابق في سورة الجاثية، وأيضًا ختام سورة الجاثية ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الأحقاف: 34)

﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍۭ ۚ بَلَـٰغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (الأحقاف: 35) ويناسب هذا أنّ الله سبحانه وتعالى في صدر سورة الأحقاف هنا أجمل ما فصّل في سورة الجاثية فهناك ذكر الله آياتٍ متعدّدةٍ جمعناها في ستّ آياتٍ كونيّةٍ هنا قال

{ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ}

{ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ } فجاء هنا الإيجاز وهذه طريقة القرآن يفصّل، ثمّ يجمل، أو يجمل، ثمّ يفصّل، سورةٌ يكون الحديث فيها على الوعيد، والتّهديد، أو على الوعد والتّرغيب أكثر، وفي سورةٍ أخرى يكون الحديث عن إقناع العقل أكثر، ومن عجيب القرآن جمعه بين الأمرين؛ بين إمتاع العاطفة، وإقناع العقل، فالقرآن ترى فيه هذا، وترى فيه هذا بفضل الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك تجد أنّ سورة الأحقاف فيها حديثٌ يخاطب العقول، وإن كان فيها بعض تهديدٍ؛ لكنّ الحديث الغالب فيها حديثٌ يقوم على إقامة الحجج، والرّد على من أنكر الرّسالة، ومن جحد نبوّة الرّسول محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم.

﴿مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: 3) هذا مقصودٌ عظيمٌ لهذه السّورة تقرير أنّ الكافرين معرضون عن الله، عن رسل الله، عن آيات الله.

﴿وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًى وَشِفَآءٌ ۖ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍۭ بَعِيدٍ﴾ (فصلت: 44) والذّين جاءوا بالإنذار هم الرّسل، ثمّ قال الله سبحانه وتعالى مخاطبًا إيّاهم {ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ}

{ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫﲬ } يطلب الله منهم أن يأتوا بدليلٍ عقليّ، هكذا يكون الردّ عليهم، هاتوا دليلًا عقليًّا ينبئ عن أنّكم صادقون فيما تزعمون أنّ لله شريكًا { ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫﲬ } إذًا هل معكم من دليلٍ عقليٍّ؟ ليس معهم { ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ}

هل معكم دليلٌ نقليٌّ؟ ليس معكم، إذًا هكذا الردّ، ليس معكم دليلٌ عقليٌّ، وليس معكم دليلٌ نقليٌّ، فلماذا هذا البهتان، والمفترض أنّ الّذي يدّعي شيئًا يكون معه حجّةٌ؛ إمّا عقليّةٌ، وإمّا نقليّةٌ، فأبطل الله هذا وذاك، ليس معكم حجّةٌ عقليّةٌ، وليس معكم حجّةٌ نقليّةٌ.

ثمّ قال الله {ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ}

{ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ } هل هناك أضلّ ممّن يدعو، ويعبد من ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غَـٰفِلُونَ﴾ القيامة؛ ولذلك ( من ) هنا بمعنى : النّفي، يعني : ولا أحد، لكن أيضًا هي تفيد معنى التّعجيز. يعني : أنّهم يعجزون عن مثل ذلك.

﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (الشورى: 13) وتأمّل! لم يقل : ومن أضلّ منكم، لم يوجّه هذا لهم أيضًا من باب اللّطف بهم، والرّفق، وليعتبروا وليتأمّلوا، ولينصّ على القاعدة العامّة { ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ}

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات

الاستهزاء بآيات الله كفرٌ : هذا مستفادٌ من آيات سورة الجاثية؛ لأنّهم يتحدّثون عن الصّفحة كاملةً ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (الجاثية: 33) [سورة الجاثية :33 ]. وقد بيّن الله عزّ وجلّ أنّهم يدخلون نار جهنّم وهذا واضحٌ، فالاستهزاء بآيات الله كفرٌ؛ ولذلك قال الله﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا۟ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ ۚ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةًۢ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ مُجْرِمِينَ﴾ (التوبة: 65-66) [سورة التوبة :65-66].

خطر الاغترار بلذّات الدّنيا، وشهواتها : كما قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (الجاثية: 35)[سورة الجاثية :35]

ثبوت صفة الكبرياء لله تعالى : ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الجاثية: 37) [سورة الجاثية :37] فهو كمالٌ فيه سبحانه وتعالى، نقصٌ في خلقه وكلّ من ادّعى ذلك من الخلق فليس بحقيقٍ به.

إجابة الدّعاء من أظهر أدلّة وجود الله، واستحقاقه العبادة : وهذا حقٌّ، فالله يجيب دعوة الدّاعين، وهذا يدلّ على أنّ الله سبحانه وتعالى هو الإله الحقّ، وأمّا غيره فإنّه لا يملك نفعًا، ولا ضرًّا.

قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (العنكبوت: 25)

كما قال ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (العنكبوت: 25) [سورة العنكبوت :25 ] فيوم القيامة يتبرّؤون من عبادتهم؛ قال الله عزّ وجلّ ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (العنكبوت: 25)

ثمّ قال ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الجاثية: 25)

تأمّلوا أيّها الكرام، صدر الآية تكرّر معنا في سورة الجاثية ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الجاثية: 25) [سورة الجاثية :25] لأنّ الحديث كان فيه تقرير قضيّة البعث وهنا تقرير قضيّة النّبوّة، والرّد على منكريها وهذا مما يتعلّق بمقصود السّورة الكريمة.

{ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ } ففيه إثبات أنّ القرآن حقٌّ وهو كذلك، وتقدّم هذا أيضًا في سورة الزّخرف، قال الله سبحانه وتعالى { ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ}

{ﱚ ﱛ ﱜﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲﱳ ﱴ ﱵ ﱶ}

{ ﱚ ﱛ ﱜﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦﱧ } ذكر الله سبحانه وتعالى بعض الشّبهات، وبعض المزاعم الّتي يزعمها هؤلاء في القرآن الكريم فقالوا في القرآن ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (آل عمران: 164)، وقالوا أيضًا { ﱚ ﱛ ﱜﱝ} : يعني يدّعون أنّه مختلقٌ.

إذًا مرّة يقولون : سحرٌ، ومرّةً يقولون مفترًى، الله عزّ وجلّ عليهم آمرًا رسوله أن يقول : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾ (الحاقة: 44-46) يعني الله سبحانه وتعالى يحاسبني وهو قادرٌ على تعذيبي كما قال : ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾ (الحاقة: 44-46) [سورة الحاقة :44-46 ].

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾ (الحاقة: 44-46) يعني : يعلم ربّي ما تتحدّثون فيه باندفاعٍ؛ لذلك جاء التّعبير بقوله ﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء: 142) لأنّ الإفاضة تدلّ على الزّيادة يعني بما تتحدّثون فيه، وتندفعون في القول فيه بباطلٍ.

تأمّل{ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲﱳ } بم ردّ الله عزّ وجلّ على هؤلاء مزاعمهم في أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم مفترٍ على الله الكذب؟

ردّ عليهم بعدّة أمور :

أولاً : بشهادته، وأعظم بها من شهادةٍ وكفى به شهيدًا؛ فقال {ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲﱳ } يكفي أنّ الله شهيدٌ على أنّني صادقٌ؛ ومن ذلك أنّ الله نصر دعوته صلّى الله عليه وسلّم {ﱴ ﱵ ﱶ}

ثمّ ثانيًا { ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ}

إنّ من دلائل صدقي أنّني متّبعٌ للأنبياء السّابقين؛ فليس ملّتي ببدعٍ من الملل السّابقة، ولا شريعتي من الشّرائع السّابقة، ولست أوّل رسولٍ بعثه الله عزّ وجلّ، ففيم التّكذيب إذًا؟ ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأحقاف: 32)

ثمّ قال : ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأحقاف: 32) إذا كان الأمر في الدّنيا هكذا تكون الجولة لكم أحيانًا، والجولة لي أحيانًا، وتروننا في هذه الأيّام، وهذا كان في مكّة تروننا على استضعافٍ، فلا أدري ماذا سيكون في قابل الأيّام ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 84) وقد أيّد الله رسوله ونصره نصرًا مؤزّرًا على هؤلاء؛ ولذلك أحسن هؤلاء هنا في التّفسير حينما قالوا ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 84) قالوا ( ولا أعلم ما يفعله الله بي، ولا ما يفعله بكم في الدّنيا ) لأنّه قد يسأل سائلٌ فيقول : أوليس الرّسول يعلم إنّه في الجنّة؟

وهنا يقول ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 84) هل الرّسول لا يدري أنّ نهأيته إلى الجنّة، وأن خاتمته الحسني؟ يقال :

1-الرّسول يعلم ذلك أعلمه الله به، لكنّ المراد ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 84) في الدّنيا، هل يقدّر الله عزّ وجلّ عليّ أن أقتل؟، هل ستقومون بقتلي، هل سينصرني الله، ولا يمكنّكم منّي؟ هذا علمه عند ربّي.

أمّا أمر الآخرة فالله عزّ وجلّ قد أعلم رسوله صلّى الله عليه وسلّم بأنّه في الجنّة سابقًا، بل إنّ أبواب الجنّة، أو إنّه أوّل من يستفتح الجنّة صلّى الله عليه وسلّم.

{ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣﲤ }

إذًا ردّ عليهم بعدّة ردودٍ منها :

شهادة الله، منها إنّه ليس مبتدعًا في الرّسالات، منها أيضًا شهادة الشّهود العدول بذلك، وقد كانوا في الأصل خصومًا من بني إسرائيل، لكنّهم أعلنوا التّوحيد، وآمنوا بالرّسول لما وجدوا صدقه، وأنّه موافقٌ لـما في كتبهم؛ ولذلك قالوا هنا ( أخبروني إن كان هذا القرآن مِنْ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ أنه من عند الله اعتماداً على ما جاء في التّوراة بشأنه فعلم أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم صادقٌ فآمن هو به، واستكبرتم على الإيمان، ألستم حينئذٍ ظالمين؟ ) لذلك هذه الآية الكريمة اختلف المفسّرون فيها، وقالوا فيها كلامًا كثيرًا، لكن هنا الشّاهد في هذا الكلام ﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 163)

1- قالوا { ﲠ ﲡ } يعني ( على مثل القرآن ) والمراد به : التّوراة، فلـمّا وجد القرآن موافقًا لـما في التّوراة آمن، أي : آمن بالرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وآمن بالقرآن، واستكبرتم أنتم، ألستم أنتم الظالمين حينئذٍ؟

إذا آمن هذا، وأنتم لم تؤمنوا وهكذا هذا وجه.

2- وبعضهم يقول : إنّ المراد بالشّاهد هو : عبد الله بن سلامٍ - رضي الله عنه -؛ لأنّه قد جاء في البخاريّ في حديث سعد بن أبي وقاصٍ - رضي الله عنه - أنّه قال " نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلامٍ"؛ لذلك قال بعضهم : هذه الآية مستثناةٌ، وهذه الآية مدنيّةٌ في سورةٍ مكّيّةٍ؛ لأنّ عبد الله بن سلامٍ إنّما أسلم بالمدينة بعد هجرة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

3-وقال آخرون : لا يلزم؛ لأنّه يقال : إنّ هذا من الإخبار بالغيبيّات؛ يعني أنّ الله يخبر إنّه هناك من سيشهد من بني إسرائيل بهذا وقد وقع.

4-أو أن يقال : إنّ الشّاهد آخرٌ، ثمّ جاء عبد الله بن سلامٍ فوافق أيضًا في الآية الكريمة.

5-ومنهم من يجعل الشّاهد هو موسى عليه السّلام؛ يعني : شهد شاهدٌ وهو موسى عليه السّلام على مثله، فموسى عليه السّلام شهد للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بإخباره عنه فكانت هذه هي الشّهادة.

إذًا منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : إنّ الشّاهد هو موسى، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : هو عبد الله بن سلامٍ، وأيًا ما كان الأمر ففيه إثبات الشّهادة للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالصّدق، وللقرآن الكريم بالحقّ.

ثمّ قال {ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ}

{ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶﲷ } تأمّلوا هذه العبارة -رحمكم الله - ماذا يقول الكفّار المتكبّرون، المعرضون؟

{ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶﲷ } الإنسان المنصف يقول : لو كان خيرًا لسبقونا إليه..!! إذا عرف قدر الصّالحين، لكنّهم لا يعرفون قدر الصّالحين، وقد نظروا إلى الصّحابة على أنّهم الفقراء، وأنّهم أراذل النّاس { ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶﲷ } كيف يسبقنا هؤلاء الضّعفاء، وهؤلاء الفقراء ما داموا أنّهم قد سبقوا فلا بدّ نحن أن نخالف، ولذلك بعض النّاس لا ينصاع إلى الحقّ، ولا يتّبع الحقّ من أجل أن فلانًا قد اتبعه، وهو يريد أن يفارقه في ذلك، وأمّا نحن فنقول في أيّ أمرٍ من أمور الشّريعة : لو كان خيرًا لسبقنا إليه أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

لذلك فرقٌ بين أهل الإيمان، وبين أهل الكفران فنحن في أمورنا نتّبع ولا نبتدع، ونقول لو كان خيرًا لسبقنا إليه الصّحابة.

﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾ (النساء: 133) { ﲸ ﲹ ﲺ } لم يقل : وإذ لم يعرفوه، إذًا هم يعرفونه، لكن لا يهتدون بهداه.

{ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ} يرمونه بالإفك، والكذب القديم، وفي هذا فائدةٌ وهو أنّ من جهل شيئًا عاداه كما قالوا، فهو إذ لم يهتدوا به فلن يوفّقوا لفهمه، ولذلك عادوه، ولذلك الإنسان دائمًا ما يعادي ما يجهله، فيقول : هذا الشّيء لا قيمة له، ولا وزن؛ لأنّه لا يعرفه، فاستفاد بعض العلماء من هذا أنّ من جهل شيئًا عاداه بدليل ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾ (النساء: 133) والمطلوب منكم أن تبحثوا لنا عن آيةٍ أخرى تبيّن هذه القاعدة أنّ من جهل شيئًا عاداه

قال الله {ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ}

هذا شاهدٌ آخر وهو كتاب موسى؛ إذًا عندنا شاهدٌ من بني إسرائيل، وقبل ذلك كلّه شهادة الله، كلّ هذا يدلّ على صدق الرّسول، وهكذا نرى أنّ هذه الآيات المباركة تردّ على شبهات أولئك المنكرين للنّبوّة

قال : { ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ} لكن سبقتنا وقفةٌ أراها مهمّةٌ وهي في قوله { ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣﲤ } هنا قالوا في التّفسير ( ألستم حينئذٍ ظالمين ) وهذا حسنٌ منهم؛ لأنّ قوله { ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ } وحدث كذا، وكذا أين الجواب؟ أين جواب الشّرط؟

ألستم حينئذٍ ظالمين؟ بعضهم يقول : أتأمنون عذاب الله؛ لذلك ذكروا تقديراتٍ حتّى أوصلها ابن الجوزيّ إلى ستّة تقديراتٍ حينئذٍ.

إذًا قوله { ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ } هناك الجواب فهم، وقوله { ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣﲤ } يعني : هذا البعيد آمن، بعيدٌ عنكم، وأنتم العرب الّذين تسمعون القرآن، وتعرفون النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لا تؤمنون به، فما أظلمكم حينئذٍ، ثمّ قال الله

{ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ}

وهذا يذكّرنا بسورة فصّلت، فهناك روابط وثيقةٌ، وهناك أيضًا حديثٌ عن الإعراض ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ (العلق: 6-7) وأمّا أهل الاستقامة هم يقبلون؛ فلذلك جاء الحديث عنهم هنا، والعلم عند الله تعالى.

قال الشيخ حفظه الله

من فوائد الآيات :

كلّ من عبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ينكر على من عبده من الكافرين : وهذا في قوله : { ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ} على ذلك أدلّةٌ كثيرةٌ

عدم معرفة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالغيب إلّا ما أطلعه الله عليه منه : وذلك في قوله سبحانه وتعالى ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: 84) وكما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ مما يتعلّق من أمور الدّنيا، أو إنّ هذا كان، ثمّ أعلمه الله به، وعلى هذا يتنزّل الحديث أيضًا في قصّة عثمان بن مظعون في الصّحيحين حينما قال " أمّا عثمان فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير، ولكنّي وأنا رسول الله لا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى ولا به غداً " فقالوا : هذا محمولٌ أيضًا على ماذا؟ على أنّ هذا كان، ثمّ بعد ذلك أعلمه الله سبحانه وتعالى بخاتمته، وإنّه في أعلى الجنان صلوات الله وتسليماته عليه، ونسأل الله أن يرزقنا رفقته.

وجود ما يثبت نبوّة نبيّنا محمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم في الكتب السّابقة

بيان فضل الاستقامة وجزاء أصحابها وهذا واضحٌ من قوله {ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ}

{ﱁ ﱂ ﱃ ﱄﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ}

﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الأحقاف: 7) جاء حديثٌ عن برّ الوالدين، وهنا قد يقول قائلٌ : ما وجه الصّلة بين هذه الآيات والآيات السّابقة؟

وأهل العلم لهم في ذلك كلامٌ طويلٌ، ومستفيضٌ، وممّا يذكر هنا والعلم عند الله

1-قال بعضهم : إنّ هذه الآيات توطئةٌ لـما بعدها، فالمقصود في الأساس لذكر الإعراض عن الإنذار هو حال العاقّ، لكن قبله ذكر الله البارّ، وأيضًا هذا مناسبٌ لذكر الاستقامة؛ للدّلالة على أنّ من أعظم أبواب الاستقامة برّ الوالدين؛ فبعد أن قال {ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ}

ذكر برّ الوالدين، ثمّ ذكر الصّورة الأخرى والّتي فيها الإعراض عن الإنذار ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (الشورى: 13) وأيضًا من هذه الجهة والعلم عند الله أنّ الله ذكر بعض صور المستجيبين، وذكر بعض صور المعرضين، فالمستجيب هنا البارّ بوالديه الّذي يشكر نعمة الله عليه وعلى والديه، والمعرض هنا هو العاقّ، ثمّ جاء بعد ذلك ذكر عادٍ، وذكر الجنّ، ذكر عاداً في المعرضين، وذكر الجنّ في المستجيبين.

وأيضًا من جهةٍ أخرى - والعلم عند الله - إنّه من عادات القرآن الكريم إذا جرى ذكر التوحيد، وذكر الدّعوة إلى التّوحيد يأتي ذكر برّ الوالدين ؛ ولذلك قالوا : ممّا يقترن في القرآن الكريم التّوحيد، وبرّ الوالدين، وهذا كثيرٌ في القرآن ﴿وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: 36) [سورة النساء :36 ] ﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23) [ سورة الإسراء :23 ] فهذه عادةٌ من عادات القرآن.

وأيضًا جرى معنا عادةٌ أخرى سبقت، وهي أن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ذكر القرآن يذكر أيضًا كتاب موسى عليه السّلام وهذا جارٍ في كثيرٍ من آيات القرآن؛ ولذلك تقدّم أيضًا ذكر التّوراة مع ذكر القرآن وهذا سنجد له أمثلةٌ كثيرةٌ فيما نستقبل من التّفسير بإذن الله.

قال الله عزّ وجلّ { ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊﱋ} يعني : بمشقّةٍ ﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 233) استنبط بعض العلماء من هذا أنّ أقلّ الحمل ستّة أشهرٍ، قالوا : لأنّ الله سبحانه وتعالى قال في سورة البقرة ﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 233) [سورة البقرة :233 ]

فقالوا : هذان حولان، وهنا قال ﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى ٱلْمَوْلُودِ لَهُۥ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦ ۚ وَعَلَى ٱلْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ ءَاتَيْتُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة: 233) فيكون الحمل، والفصال ثلاثون شهرًا فهذا يدلّ على أنّ الحمل إذا خُصم من الثلاثين شهرًا حولان للرضاع، بقي للحمل ستة أشهر، وهذا استنباطٌ من آيتين، وهذا نوعٌ من أنواع الاستنباطات من القرآن الكريم وقد ذكروا أنّ بعض الصّحب الكرام قد فهم هذا ووعاه وهذا من دقيق الاستنباط.

{ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ } قالوا : وهذا يكون عند اكتمال العقل، وتمام كمال الأشدّ عند بلوغ هذه السّنّ.

﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِۦ ۖ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ۖ مَّأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَـٰهُمْ سَعِيرًا﴾ (الإسراء: 97) يعني : ألهمني، ووفّقني ﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الكهف: 77)

شكر النّعمة، ومن شكر نعمة الله عليه وكان له خيرٌ في والديه كان له خيرٌ في طاعته لربّه؛ لذلك ذكر هنا ما يتعلّق ببرّ الوالدين وهذه مناسبةٌ أيضًا؛ لأنّ هؤلاء جحدوا آيات الله سبحانه وتعالى وما شكروها، وفيها أيضًا أنّ الرّسل في حقيقة الأمر أعظم من الآباء، فإذا كان العبد بارًا بوالديه فحقيقٌ به أن يكون بارًا بأنبياء الله ورسله.

قال ﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا۟ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (الكهف: 77) لأنّ النّعمة على الوالد نعمةٌ على الولد، ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَـٰرٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَـٰرٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّـٰرِبِينَ وَأَنْهَـٰرٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى ۖ وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ ۖ كَمَنْ هُوَ خَـٰلِدٌ فِى ٱلنَّارِ وَسُقُوا۟ مَآءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ (محمد: 15) وهذا مهمٌّ جدّاً أن يكون العمل الصّالح مرضيًّا له أن يرضى الله به عن العبد { ﱧ ﱨ ﱩ ﱪﱫ } وهذا معنى جميلٌ : طلب إصلاح الذّرّيّة، وجاء التّعبير هنا { ﱧ ﱨ ﱩ ﱪﱫ } أنّ الذّرّيّة تتنقّل من طورٍ إلى طورٍ، وكلّ طورٍ يحتاج إلى إصلاحٍ فهو إصلاحٌ يدخل في أحوالهم طورًا بعد طورٍ.

{ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ } اعترافٌ لله سبحانه وتعالى بذلك وهذا مما يكون سببًا في إجابة الدّعاء.

{ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ } وهذا من فضل الله أن يتقبّل عن العبد أحسن ما عمل { ﱺ ﱻ ﱼ} في تقبّل الله الأحسن من الإنسان، ويكافئه عليه، وأيضًا يتقبّله عنه وتقدّم معنا ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 48) في سورة الشّورى وتحدّثنا عن هذا.

{ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ} تأمّل هنا في قوله سبحانه وتعالى : ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) ما معنى ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) يعني : ونتجأوز عن سيّئاتهم هم في أصحاب الجنّة، يعني هم في جملة أصحاب أهل الجنّة، إذًا هذا هو المعنى { ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ}

{ ﲇ ﲈ ﲉ } هذا الطّرف الآخر ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة: 36) تأمّل { ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ } هذا أيضًا ﴿مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَمَّآ أُنذِرُوا۟ مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف: 3) فالإنذار يكون من الأنبياء والرّسل، وقد يكون من غيرهم من الصّالحين، وهذا فيه دعوةٌ أيضًا إلى أن يكون الإنسان داعيًا إلى الله سبحانه وتعالى بالإنذار.

وهنا تذكيرٌ بقضيّة البعث؛ لأنّ السّور المكّيّة كما تقدّم وإن كان يبرز فيها بعض الأصول؛ كتقرير الرّسالة كما في هذه السّورة إلّا أنّنا أيضًا نجد فيها حديثًا عن البعث كما في هذه الآية { ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ} ولذلك يقول { ﲌ ﲍ ﲎ } يعني وينكر هذا.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الأحقاف: 18-19) كما قال الله أيضًا في الأنعام ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الأحقاف: 18-19) [سورة الأحقاف :18-19 ).

ثمّ قال الله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الأحقاف: 18-19)

﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) قال عددٌ من المفسّرين : العرض معناه التّعذيب، وهذا فهمناه أيضًا في قوله : ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) [سورة غافر :46] إذًا العرض كنأيةٌ عن التّعذيب.

﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) فمن اغترّ في الدّنيا أذهب طيّباته؛ ولذلك النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال " أولئك قوم عجّلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدّنيا" وقال لعمر " أما ترضى أن تكون لهم الدّنيا، وأن تكون لنا الآخرة " فما فاتك من متاع الدّنيا، لا يفوتنّك من نعيم الآخرة، نسأل الله من فضله!

قال : ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَـٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (الأحقاف: 20)

من فوائد الآيات :

بيان مكانة برّ الوالدين في الإسلام بخاصّةٍ في حقّ الأمّ، والتّحذير من العقوق : ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ (الأحقاف: 7) (بخاصّةٍ في حقّ الأمّ) : لأنّ الله ذكر ما يتعلّق بالأمّ ﴿۞ وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦٓ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأحقاف: 21) فالمشقّة عليها بالغةٌ؛ لذلك قال الرّسول " أمّك، ثمّ أمّك، ثمّ أمّك، ثمّ أبوك ".

بيان خطر التّوسّع في ملاذّ الدّنيا؛ لأنّها تشغل عن الآخرة : وذلك في قوله : ﴿قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (الأحقاف: 22) ولذلك كان بعضهم يقول لنفسه : أو كلّما اشتهيت اشتريت!، أما تخاف أن يقال لك يوم القيامة ﴿قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (الأحقاف: 22)

بيان الوعيد الشّديد لأصحاب الكبر والفسوق : ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلْعِلْمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَلَـٰكِنِّىٓ أَرَىٰكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ (الأحقاف: 23)

قال الشيخ حفظه الله

بعد أن ذكر الله - سبحانه وتعالى - ما يتعلّق بوعيد الآخرة فقال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْقَوْلُ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ خَـٰسِرِينَ وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَـٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الأحقاف: 18-19)

جرى حديثٌ عن الإنذار الّذي يتعلّق بالعقاب الدّنيويّ، وهكذا ترى القرآن الكريم يذكّر بعذاب الآخرة، وبهلاك الأمم المكذّبة في الدّنيا؛ فذكر الله - سبحانه وتعالى - مثالًا بعادٍ قوم هودٍ عليه السّلام فقال ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ۚ بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِۦ ۖ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الأحقاف: 24)

وتأمّلوا أيّها الأخوّة الكرام ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْقَوْمَ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأحقاف: 25) وكذلك ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَـٰرًا وَأَفْـِٔدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (الأحقاف: 26) وقد تقدّم أنّ السّورة الكريمة تتحدّث عن هذا الإنذار لأولئك المكذّبين برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وتقيم الحجج على صدق النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيما دعا إليه النّاس صلوات الله وتسليماته عليه.

وأيضًا تأمّلوا ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَـٰرًا وَأَفْـِٔدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (الأحقاف: 26) إذًا معنى ذلك أنّ هودًا عليه السّلام ليس بدعًا من الرّسل فما قرّره الرّسول سابقًا ﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأحقاف: 32) أيضًا نبيّ الله هودٌ عليه السّلام ليس بدعًا من الرّسل، فقد سبق هودٌ بغيره، وقد جاء بعده رسلٌ أيضًا، وهذا معنى.﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّـٰكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَـٰرًا وَأَفْـِٔدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (الأحقاف: 26) يعني ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ هودٍ، ومن بعد هودٍ عليه السّلام.

﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ ٱلْقُرَىٰ وَصَرَّفْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الأحقاف: 27) من أخو عادٍ؟ المراد به هودٌ عليه السّلام وهو أخوهم في النّسب، لا في الدّين، أخوهم في النّسب لا في الدّين.

إذًا عرفنا أنّ أخًا عادٍ هو هودٌ عليه السّلام من الآيات الأخرى ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65) [سورة الأعراف:65].فهذا يدلّ على أنّ هذا مجملٌ قد جاء بيانه في مواضع أخرى، وقد ذكر بعض العلماء أنّ السّرّ في ذكر قصّة عادٍ هنا أنّ الله سبحانه وتعالى يدافع عن نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، ويبيّن صدقه في دعوته ويحذّرهم من العذاب العاجل والآجل، فذكر لهم قوم عادٍ؛ لأنّهم أقوى منهم، وأشدّ؛ فإذا كان ربّ العزّة قد أهلك هؤلاء مع أنّهم كانوا يتمدّحون بقوّتهم الشّديدة، ويقولون.﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) [سورة فصلت :15] فهو قادرٌ سبحانه وتعالى على أن يهلك قريشًا.

ومن جهةٍ أخرى فإنّهم ليسوا ببعيدين عنهم؛ فإنّ الأحقاف ببلاد اليمن وهي قريبةٌ منهم، وقد بلغتهم أخبارها لا سيّما وأنّ الله قد أبقى الآثار الدّالّة عليها؛ ولذلك قال :﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأحقاف: 28) ففي هذا موضع العبرة والعظة؛ فلذلك ذكر الله سبحانه وتعالى قوم عادٍ.

قال ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۚ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ (هود: 50) وعادٌ قد بلغت مبلغًا عظيمًا في القوّة، والشّدّة، وفي عظم البنيان الّذي يبنونه حتّى إنّ بعضهم قد عبّر كالبقاعيّ قال: "بنو البنيان الّذي يفنى الدّهر ولا يفنى" يعني: كأنّهم يبنون بهذه الطّريقة الّتي لا يتوقّع معها فناءٌ، لكنّ الله سبحانه وتعالى أبادهم، وأهلكهم، وأبقى تلك المساكن عبرةً للمعتبرين. ﴿قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (الأحقاف: 22) بالأحقاف

قالوا: جنوب الجزيرة العربيّة، وأصل الأحقاف : الكثيب من الرّمل، وقالوا: هو ما استطال من الرّمل دون الجبل فهذه هي في الأصل، وعرفت في هذا المكان في جنوب الجزيرة العربيّة. قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓا۟ أَنصِتُوا۟ ۖ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا۟ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ (الأحقاف: 29) أي قال لهم ﴿قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الأحقاف: 30) فقوله ﴿قَالُوا۟ يَـٰقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىٓ إِلَى ٱلْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الأحقاف: 30) هذا تفسير للإنذار ﴿يَـٰقَوْمَنَآ أَجِيبُوا۟ دَاعِىَ ٱللَّهِ وَءَامِنُوا۟ بِهِۦ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الأحقاف: 31) أنذرهم ماذا قال لهم ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65) وهذا تقرّر في مواضع كثيرةٌ من القرآن الكريم.

﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65) [سورة الأعراف:65].وأيضًا ذكرهم ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱلَّذِىٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُم بِأَنْعَـٰمٍ وَبَنِينَ وَجَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الشعراء: 132-135) [سورة الشعراء :132-135].فهذا تحذيرٌ من العذاب، والمراد بعذاب يومٍ عظيمٍ : هو يوم القيامة.

﴿وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِىَ ٱللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأحقاف: 32)

قالوا له ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأحقاف: 33) وهذا استفهام إنكارٍ منهم، إنكاريٌّ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحْـِۧىَ ٱلْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰٓ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأحقاف: 33) يعني لتصرفنا ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الأحقاف: 34) يعني عن عبادة آلهتنا لن يكون ذلك ﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍۭ ۚ بَلَـٰغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (الأحقاف: 35) نريد منك العذاب، فهم يستعجلون بالعذاب.

﴿فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوٓا۟ إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍۭ ۚ بَلَـٰغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (الأحقاف: 35)

{ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ } فسّره هنا بقوله (إنّما علم وقت العذاب عند الله وأنا لا علم لي به) إذًا معنى { ﱫ ﱬ ﱭ } المراد به : علم وقت العذاب عند الله سبحانه وتعالى، وليس إليه فأنا لا أعلم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ سيهلككم اللّه، ومتى سيكون القضاء عليكم، ومتى سيكون إهلاككم، وهذا فيه أنّ الرّسل لا تعلم من الغيب إلّا ما يعلمها الله سبحانه وتعالى به.

﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام: 104) هذه هي مهمّتي، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: 108)

وتأمّلوا كيف إنّه لـمّا وصفهم بالجهل ذكر قبلها (القوم) فلم يقل: ولكنّي أراكم تجهلون، ولكنّه قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: 108) وتقدّم في الدّروس السّابقة أنّ الله سبحانه وتعالى في بعض الأوصاف كقوله ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِۦ كِتَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ مِنَ ٱلْأَحْزَابِ فَٱلنَّارُ مَوْعِدُهُۥ ۚ فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (هود: 17) { ﱴ ﱵ} يذكر كلمة (قومٍ) الّتي تدلّ على أنّ هذه الصّفة صفةٌ لازمةٌ، وصارت سجيّةً لصاحبها لا تفارقه، فهو هنا يقول ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: 108) يعني : أنّ هذه الجهالة ليست جهالةً طارئةٍ، ولكنّكم متعمّقون فيها، وكانت هذه الصّفة صفة الجهل - صارت صفةً راسخةً فيكم.

{ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ }

{ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ } قالوا (فلـمّا جاءهم ما استعجلوا به من العذاب) إذًا { ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ } يعني : الّذي أتاهم ما استعجلوا به من العذاب فرأوه سحابًا معترضًا من جهة السّماء متجّهًا لأوديتهم.

{ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿﲀ } يعني: هذا عارضٌ يصيبنا بالمطر، فالله سبحانه وتعالى أحدث لهم هذا، فوجدوا الغيم في السماء فظنّوا أنّها الأمطار، وقد كانوا بحاجةٍ إلى الأمطار من أجل الشّراب، ومن أجل سقي الزّرع وإلى غير ذلك فتوهّموا أنّها أمطارٌ؛ فقال : { ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ }

فلم تنزل عليهم هذه الغيوم بالأمطار، وإنّما كانت ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍۭ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، وهذا من العذاب الشّديد وقد وصف اللّه عزّ وجلّ هذه الرّيح في مواضع أخرى بأنها ريح عقيم.﴿مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾ (الذاريات: 42) [سورة الذاريات :42 ]

فقال هنا ﴿مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾ (الذاريات: 42) ومن أجل هذا فإنّ النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان إذا رأى مثل ذلك في السّماء فإنّه يرى ذلك في وجهه صلّى الله عليه وسلّم وقال: "ما يؤمّنني لعلّه عذابٌ، وقد عذّب قومٌ بالرّيح" يقصد قوم هودٍ عليه السّلام وهم عادٌ نسأل الله السّلامة!

قوله سبحانه وتعالى : { ﲌ ﲍ ﲎ } هنا تقديرٌ يعني تدمّر كلّ شيءٍ أتت عليه؛ لإنّها لا تدمّر كلّ شيءٍ في الكون، إنّما دمّرت كلّ شيءٍ أتت عليه، ولذلك قالوا: هذا عامٌّ يُراد به الخصوص؛ إذًا حينما يقول قائلٌ : ما معنى.{ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ } قالوا هنا في التّفسير (تدمّر كلّ شيء مرّت عليه) أيضًا ممّا أمرها الله - به - بإهلاكه، فالّذي لا يأمرها الله عزّ وجلّ بإهلاكه فإنّها لا تهلكه.

إذًا قوله { ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ } أيٌّ ممّا أتت عليه ممّا أمرها الله عزّ وجلّ بإهلاكه، فهذا عامٌّ أريد به الخصوص، وهكذا فقد تأتي اللّفظة عامّةً، لكن قد يراد بها الخصوص يفهم هذا من قرائن، كقرائن السّياق، أو الحال، وما أشبه ذلك، ومن ذلك في قول الله سبحانه وتعالى في ملكة سبأ.﴿قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ (الأحقاف: 22) ومن المعلوم قطعًا أنّها لم تعط من كلّ شيءٍ في عالم الدّنيا، وإنّما أوتيت من كلّ شيءٍ تؤتاه الملكة من الملكات فيما يكون في مثل هذه الأزمنة والأوقات وما إلى ذلك.

﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأحقاف: 28) وبدليل أيضًا استثناء المساكن مع أنّ المساكن شيءٌ، لكنّها مستثناةٌ. ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ ۖ بَلْ ضَلُّوا۟ عَنْهُمْ ۚ وَذَٰلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأحقاف: 28) إبقاءً للعبرة، والعظة هلكوا، هلكت الأنفس، وهلكت الأموال، وبقيت الدّور والمساكن خاليةً وهذا من عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى.

{ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ} قالوا أي (مثل هذا الجزاء المؤلم نجزي المجرمين المصريّن على كفرهم ومعاصيهم) فهو تذكيرٌ لقريشٍ، ولمشركي العرب احذروا من أن يلحقكم ما لحق بعادٍ، ولستم بأقوى منهم، ولستم مثلهم في المال، ولا في الشّدّة، ولا في القوّة فهلّا اعتبرتم واتّعظتم؛ ولذلك جاء بعدها ما يدلّ على هذا المعنى.

{ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ }

{ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ} تأمّلوا رحمكم الله ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ (النجم: 31) يعني مكّنّا هؤلاء من عادٍ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) ما معنى { ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ }

1-الأقرب أنّ (إن) هنا نافيةٌ، أي : فيما لم نمكّنكم فيه؛ بمعنى أنّ الله قد مكّن لهم تمكينًا، ليس لقريشٍ فقد كانوا أقوى منهم وأشدّ؛ فمعنى قوله { ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ } يعني : فيما لم نمكّنكم فيه، يعني : أنّهم كانوا أقوى منكم وأشدّ؛ لأنّ بعض المفسّرين فسّروا إنّ بمعاني أخرى،

2-ومنهم من أثبت أو قال إنّها صلةٌ، وأنّ المعنى في الّذي مكّنّاكم فيه فقالوا: أنتم مكّنتم كما مكّنت عادٌ.

لكنّ الأقرب إنّها نافيةٌ، والله تعالى أعلم.

ويشهد لهذا آياتٌ كثيرةٌ تدلّ على أنّ عادًا، وأنّ الأمم السّابقة قد مكّنها الله عزّ وجلّ تمكينًا لم يكن لقريشٍ؛ ولذلك قال ربّنا { ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ } فهذا صريحٌ، ومضى معنا في الآيات السّابقة في قوله { ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ }

فكلّ هذا يشهد لهذا المعنى؛ ولذلك أحسنوا حينما قالوا (ولقد أعطينا قوم هودٍ من أسباب التّمكين ما لم نعطكم إيّاه) فإذا كانوا أقوى منكم، ومع ذلك أهلكهم الله بسبب تكذيبهم، وكفرهم فاحذروا أن تكونوا مثلهم.

قوله ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 40) يعني أقيمت عليه الحجج معهم السّمع، معهم الأسماع، ومعهم الأبصار، ومعهم الأفئدة، لكنّها لم تفدهم شيئًا { ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ}

ثمّ عمّم الله حكمًا فقال {ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ}

{ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ } يعني إذا كان الله قد نصّ على عادٍ هنا فهذا أيضًا فيه إشارةٌ إلى أنّ الأمم المهلكة أكثر من ذلك. { ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ } وهذا يفيد أنّه من أسرار ذكر عادٍ أنّها قريبةٌ منهم مكانةً، وذكرى، وخبرًا، وكذلك يدخل في هذا ثمود. ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الصافات: 137-138) [سورة الصافات :137-138]

قال ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الصافات: 137-138)

﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الصافات: 137-138) فلولا هنا ما معنى "لولا"؟ معناها : هلّا يعني : هلّا ﴿نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَانًا ءَالِهَةًۢ﴾، هل هذه القرابين الّتي يتقرّب بها، وتلك الأصنام الّتي عبدوها واتّخذوها شفعاء هل أغنت عنهم شيئًا؟ هل نفعتهم؟ فكذلك أيّها المشركون لن تنفعكم تلك الآلهة الباطلة الّتي تعبدونها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ { ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ}

من فوائد الآيات :

لا علم للرسل بالغيب إلا ما أطلعهم ربهم عليه منه : وهذا يدل عليه قوله { ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ }

اغترار قوم هودٍ حين ظنّوا العذاب النّازل بهم مطرًا فلم يتوبوا قبل مباغتته لهم : ولذلك قالوا ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30) وهذا فيه أنّ الله سبحانه وتعالى يمكر بأولئك الكافرين، والمفسدين ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30) [سورة الأنفال :30 ]

قوّة قوم عادٍ فوق قوّة قريشٍ ومع ذلك أهلكهم الله : وهذا يشهد له ما تقرّر من أنّ (إن) نافيةٌ : فيما لم نمكّنكم فيه.

العاقل من يتّعظ بغيره، والجاهل من يتّعظ بنفسه : ولذلك وصفهم بقوله. ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَآءَكُمُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾ (يونس: 108)

قال الشيخ حفظه الله

بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى حال فريقٍ من المعرضين عن آيات اللّه، المكذّبين برسل الله، الجاحدين لآياته ذكر فريقًا آخر هم من المستجيبين لدعوة الأنبياء والمرسلين قد استجابوا لدعوة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وفي هذا أكبر تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسريةً له صلّى الله عليه وسلّم؛ وذلك كأنّه يقال له : إذا كان أقرب النّاس إليك، وإذا كان المشركون القاطنون بمكّة بلدك لم يستجيبوا لك، أو لم يستجب أكثرهم لك فلا عليك، فإنّ الله سبحانه وتعالى قد جعل ﴿نَفَرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ﴾ إليك؛ ليكونوا حملةً للرّسالة إلى قومهم؛ فلئن أعرض عنك بعض النّاس فقد استجاب لك فريقٌ آخر من الجنّ من عالمٍ آخر.

وهذا يدلّ على أنّ الدّعوة لها فضلها، ومكانتها، وقد لا يستجيب للإنسان أقرب النّاس إليه، وقد يستجيب للإنسان من لم يظن به ذلك، وقد علَّم الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم طرفًا من ذلك في سورة عبس كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ﴿أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ وَهُوَ يَخْشَىٰ فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ﴾ (عبس: 5-10) [سورة عبس :5-10 ]

وتقدّم أنّ سورة الأحقاف تتحدّث عن إثبات نبوّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وإنّه صادقٌ في دعوته وتردّ على المنكرين لدعوته وتبيِّن حال المستجيبين وحال المعرضين فكما أنّ الله سبحانه وتعالى ذكر في الآيات السّابقة قبل ذلك حديثًا عن البارّ بوالديه، والعاقّ لوالديه، فهنا ذكر عادًا، وذكر أيضًا الجنّ - النّفر من الجنّ - الّذين آمنوا.

{ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ }

{ ﱁ ﱂ } أي : واذكر أيّها الرّسول حين أرسلنا إليك فريقًا من الجنّ، بعض العلماء يرى أنّ النّفر ما كان دون العشرة، وإن كان يطلق على ما هو أكثر أحيانًا. { ﱇ ﱈ}

والّذي حرّره بعض المحقّقين أنّ استماع الجنّ للنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أو لقراءة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم تكرّر؛ لأنّه قد وردت رواياتٌ في أماكن مختلفة، وأزمنةٍ متعدّدةٍ تدلّ على سماع الجنّ، أو سماع بعض من الجنّ لرسول صلّى الله عليه وسلّم وهو يقرأ القرآن، أو وهو يصلّي؛ فمن طرق الجمع في ذلك أن هذا قد تكرر للنبي صلّى الله عليه وسلّم.

فقال هنا { ﱇ ﱈ } أي : يسمعون بشيءٍ من الاهتمام، وهذا من الفروق بين السّماع، والاستماع، فالاستماع سماعٌ بقصدٍ، فأنت حينما تسمع وأنت قاصدٌ هذا السّماع معتنٍ به، مقبلٌ عليه يقال : استمع.

{ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌﱍ } فيه فضل الإنصات لسماع القرآن، ثمّ لسماع العلم أيضًا؛ ولذلك من طرق تحصيل العلم الإنصات، والاستماع، وقابل هذا بما قاله الكفّار ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [سورة فصلت :26 ]

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) تأمّل أيضًا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) وهنا ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) فالقضيّة قضيّة إنذارٍ.

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) قد ذكر العلماء حكمًا في كونهم قالوا ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52).

1-فمنهم من قال : هذا يدلّ على أنّ هؤلاء الجنّ كانوا يدينون باليهوديّة؛ فلذلك قالوا ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) هكذا قال فريقٌ من العلماء.

2- ومنهم من قال " إنّما قالوا موسى عليه السّلام؛ لأنّ كتابه وهو التّوراة كتاب أمٍّ للكتب الأخرى، فالإنجيل مصدّقٌ للتّوراة، وناسخٌ لبعض ما فيها " ولذلك قال : { ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ} فقالوا :التّوراة أشهر في هذا الباب، وكذلك دعوة موسى عليه السّلام؛ لا سيّما وأنّ كثيرًا من الأنبياء قد جاءوا باتّباع التّوراة.

دروس مشابهة