سورة الجاثية
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
سورة الجاثية
وسورة الجاثية إحدى الحواميم أيضًا افتتحها الله - عزّ وجلّ - بقوله ﴿حمٓ﴾ (الجاثية: 1)، وهذه السّورة الجليلة لها ارتباطٌ وثيقٌ جدًّا بالسّورة الّتي قبلها أعني - سورة الدّخان- وبالحواميم عمومًا، وكذلك فإنّ لها مقصودًا عظيمًا، وجليلًا، ومن أعظم تلك المقاصد ما ذكروه هنا قالوا (بيان أحوال الخلق من الآيات الشّرعيّة والكونيّة، ونقض حجج منكري البعث المتكبّرين وترهيبهم).
أنت إذا تأمّلت صدر السّورة الكريمة تجد أنّ ربّ العزّة - سبحانه وتعالى - حدّثنا عن آياتٍ كونيّة في هذه السّورة، ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الجاثية: 2) وأيضًا بعدها ﴿إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الجاثية: 3) وبعدها ﴿وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَـٰتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: 4)
إذًا السّورة تتحدّث عن آيات الله الكونيّة والشّرعيّة؛ لأنّ قوله ﴿وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَـٰحِ ءَايَـٰتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الجاثية: 5) هذه الآيات الكونية، ومع ذلك قال الله - عزّوجلّ - بعدها ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ﴾ (الجاثية: 6).
وبعدها يقول ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (الجاثية: 7) وهكذا تمضي الآيات تبيّن للخلق أنّ الله - سبحانه وتعالى - هو الحقيق بالعبادة وحده لا شريك له، فلماذا يعرضون عنه؛ ولماذا يوجبون لأنفسهم العذاب هكذا تتحدّث هذه السّورة المباركة وتنقض حجج منكري البعث المتكبّرين كما أنها ترهبهم؛ ولذلك ساق الله - عزّ وجلّ - بعض أقوالهم كما قال ﴿وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: 24) ثمّ قال أيضًا : ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الجاثية: 25)
إنكارٌ للبعث، وتشكيكٌ فيه، هذه بعض المقاصد المتعلّقة بالسّورة الكريمة، ولك أن تقول والعلم عند الله : إنّ من أعظم المحاور الّتي تبينها سورة الجاثية الحديث عن جزاء المتكبّرين على آيات الله، فالسّورة الكريمة تحذّر من التّكبّر على آيات الله - سبحانه وتعالى -؛ وكأنّ الله - سبحانه وتعالى - لـمّا ذكر في سورة الدّخان أنّ هؤلاء متوعّدون بالوعيد الشّديد ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10).
وقال أيضًا وذكر أنّهم يصلون نار جهنّم، وذكر أنّ شجرة الزّقّوم، فقد يقول قائلٌ : يا ربّنا، ولِمَ أذقتهم هذا، ولِمَ أدخلتهم نار جهنم؟
فالجواب : بسبب تكبّرهم على آيات الله، وهذا فيه تفسير الإعراض، وفيه تفسير الصّدّ عن سبيل الله، وفيه تفسير المجادلة في آيات الله، كلّ ما تقدّم في الحواميم.
سورة الجاثية تبيّن أنّ هؤلاء متّصفون بهذه الصّفة الخبيثة، وهي التّكبّر على آيات الله؛ فلذلك استحقّوا العقاب من الله - سبحانه وتعالى -، وتأمّل معي حتّى نعي هذا، والعلم عند الله في أوائل السّورة الكريمة ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 26) وهنا تلحظ أنّ السّورة بدأت بذكر (العزيز الحكيم) مع أنّها في سورة غافر ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (الجاثية: 27) فهناك العزيز العليم، وهنا العزيز الحكيم.
إذًا يشتركان، أو تشترك السّورتان في ذكر العزّة والعزّة هناك في أنّ الله - سبحانه وتعالى - يقضي على هؤلاء المجادلين في آياته، ومن عزّته هنا تلك الآيات العظيمة الّتي تدلّ على عظمته، وعلى قدرته، ثمّ هو الحكيم - سبحانه وتعالى -؛ لإنّه شرع الشّرع بحكمةٍ، وحينما يعاقب فهو يعاقب بحكمةٍ، وهناك ذكر (العليم)؛ لأنّ العلم مناسبٌ للمجادلة، والله أعلم؛ فإن بابها باب العلم.
ثمّ إنّ هذه السّورة لـمّا ختمها الله، بما ختم سورة الجاثية قال ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 28) فانظر إلى الختام ﴿هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 29) يعني: ليس لهؤلاء أن يتكبَّروا، إنّ المتكبّر حقًا وصدقًا هو الله ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الجاثية: 30)، ثمّ ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: 2) أيضًا البداية ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: 2) ونهاية السورة ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: 2) وتأتي سورة الأحقاف أيضًا ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: 2) [سورة الأحقاف:2].
أيضًا تأمّل معي في السّورة المباركة بعد أن ذكر الله بعض الآيات الدّالّة على عظيم قدرته قال ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (الجاثية: 7) [سورة الجاثية:7]، هذا تستطيع أن تقول: بداية عمودٍ، أو مقصود السّورة بعد أن مهّد له بذكر بعض الآيات الدّالّة على عزّة الله، وحكمته.
﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) كأنّه ينادي على قولك هناك ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10)
﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) ماذا يصنع؟ ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) إذًا هذا مستكبرٌ على آيات الله؛ فلذلك يستحقّ العقاب، ثمّ تمضي الآيات المباركة، ويبيّن الله - سبحانه وتعالى - أنّ هؤلاء ماضون في الاستكبار؛ ولذلك لـمّا ذكر بني إسرائيل هنا، ما الّذي جعلهم يختلفون على الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، ولا يؤمنون به ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الجاثية: 17) [سورة الجاثية:17] فحملهم البغي الذي يرجع أمره إلى الكِبْر، ثمّ جاء بعد ذلك، وربّ العزّة سبحانه وتعالى يذكر أقوالهم في إنكار يوم القيامة، وفي إنكار البعث، والنّشور، وجحودهم له، ثمّ يردّ عليهم ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 28) وهذه الكلمة لم تتكرّر في سورةٍ أخرى، لم تذكر في سورةٍ أخرى من القرآن.
وكلمة ﴿هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 29) ردٌّ على المتكبّرين؛ لأنّ الجثو على الرّكب في هذا الموطن دليلٌ على مهانتهم، والجزاء من جنس العمل، فلـمّا تكبّروا كأنّ الجزاء ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 28)
﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الجاثية: 30) ثمّ تأمّل ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الجاثية: 31) وهكذا فالآيات الكريمة تتحدّث عن تكبّر هؤلاء، وسيأتي مزيد بيانٍ للدّلالة على المقصد بإذن الله تعالى في أثناء تفسير السّورة المباركة، لكن ممّا أشير إليه ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نلج إلى تفسير السورة أنها ذات علاقة وثيقة بسورة الدخان، فمن ذلك ما تقدّم من أنّ هناك ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) بيانٌ للعذاب الّذي سيحلّ بهم، ويقع بهم وهنا أيضًا ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الجاثية: 7-8) [سورة الجاثية:7-8].
هناك أيضًا حينما تتأمّلون في سورة الدّخان جاء معنا ﴿۞ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ (الدخان: 17) فجاء قسطٌ يسيرٌ، جزءٌ يسيرٌ من قصّة قوم فرعون، ثمّ جاء هنا ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الجاثية: 16) كأنّ الله لـمّا ذكر هناك ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ مِن فِرْعَوْنَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيًا مِّنَ ٱلْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الدخان: 30-32)[سورة الدخان:30-32]. يا ربّنا، حينما نصرتهم على فرعون، وأنجيتهم ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُم مِّنَ ٱلْءَايَـٰتِ مَا فِيهِ بَلَـٰٓؤٌا۟ مُّبِينٌ﴾ (الدخان: 33) ماذا صنعوا؟ هنا قال : ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الجاثية: 16) [سورة الجاثية:16] وتأمّل هناك ﴿وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الدخان: 32) وهنا تتمّةٌ كأنّ السّورة تكمل السّابق تقول أعطاهم الله، لكن مع ذلك اختلفوا، وبغوا، واستكبروا، ولم يتّبعوا النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقد عارضوا نبيّ الله موسى، وأذوه كما هو معلومٌ.
ثمّ حينما تتأمّل السّورة أيضًا : تجد فيها أعني في سورة الجاثية ﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ (الدخان: 34-35) تأمّل هذا، وتأمّل ما جاء في سورة الدّخان ﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ إِنْ هِىَ إِلَّا مَوْتَتُنَا ٱلْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾ (الدخان: 34-35) [سورة الدخان:34-35]. وهنا قالوا ﴿وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: 24) تتمّةٌ.
التعريف بالسورة
وإذا كانت سورة الدّخان اعتنت بذكر العقاب فإنّ سورة الجاثية اعتنت بالرّدّ على المتكبّرين لِمَ تكبَّروا؟ هناك ذكر الوعيد، ماذا جرى، وهناك ذكر ماذا قيل لهم؛ ولذلك ستجد في الآيات وإذا قيل لهم، ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الجاثية: 25) ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 26) ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (الجاثية: 27) هناك ذكر العذاب، وهنا ذكر ماذا يقال لهم في أثناء العذاب؛ لأنّ هذا من بيان إهلاك المتكبّرين، وهوانهم على الله سبحانه وتعالى، والعلم عند الله عزّ وجلّ. والسّورة مكّيّةٌ كما ذكروا وهذا باتّفاقٍ فهي سورةٌ مكّيّةٌ.
قال الشيخ حفظه الله
﴿حمٓ﴾ (الجاثية: 1) تقدّم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة، وقد تكلمنا عنها في بداية سورة يس، وغيرها من السّور الّتي افتتحها الله بالحروف المقطّعة.
﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 28)
تقدّم هنا أنّ هذه السّورة ذكر الله في صدرها – ذكر - اسميه (العزيز، والحكيم) ونظيرتها في ذلك سورة الأحقاف، وأمّا سورة غافرٍ ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (غافر: 2).
وتقدّم أنّ ذكر العلم مناسبٌ للمجادلات، وهنا ذكر الحكمة مناسبٌ لذكر الآيات، الآيات الشّرعيّة، والآيات الكونيّة فهي تدلّ على حكمته - سبحانه وتعالى - إذ سخّر الشّمس والقمر، والجبال والأنهار، والأشجار ، والبحار كلّ هذا يدلّ على عظيم حكمته سبحانه وبحمده.
قال الله ﴿هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 29)
تأمّلوا (لآيات)،( آيات)، (آيات) إذًا فيها التّذكير بآيات الله؛ لذلك بعض العلماء جعل من أعظم مقاصد السّورة الحديث عن آيات الله كما ذكروا هنا أحوال الخلق من الآيات الشّرعيّة والكونيّة.
﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الجاثية: 30)هذه رابعةٌ، ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الجاثية: 31) هذه خامسةٌ ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (الجاثية: 32) ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (الجاثية: 33) هذه سادسةٌ.
إذًا بإمكاننا أن نقول إنّ في صدر سورة الجاثية ستّ آياتٍ تدلّ على عظيم قدرة الله، وعلى عزّته، وعلى حكمته، ثمّ قال الله ﴿إِنَّ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَـَٔايَـٰتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الجاثية: 3) وتأمّل هنا ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (الجاثية: 34) ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (الجاثية: 35) ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الجاثية: 36) لأنّ الإيمان يقود إلى اليقين، وكلّما قويّ إيمان العبد ازداد يقينه وهذا يحتاج إلى العقل الكامل الّذي يدرك آيات الله، ويتأمّل فيها هو صاحب العقل التّامّ، فقال ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الجاثية: 37) وفي آخر الآيات في الصّفحة الّتي نقرأها ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الجاثية: 37) إذًا هناك إيمانٌ، يقينٌ، تعقّلٌ، تفكّرٌ. والّذي نقف عنده هنا؛ لأنّ الكلام في ذلك طويلٌ جدّاً، ولا يحتمله مثل هذا المقام ذكر ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18).
وقوله أيضًا ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18) حينما تتبّعت الآيات الّتي فيها ذكر يتفكّرون لا تجد في القرآن آية (إن في ذلك آيات للمتفكّرين) فضلًا على أن يكون فيها لآياتٍ للمفكّرين، إنّما ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18) هذا فيه عدّة ملامحٍ منها:
1- أنّ المراد ليس أن يكون الإنسان مفكّرًا، وإنّما أن يكون متفكّرًا، وفرقٌ بين المتفكّر، والمفكّر، فالمتفكّر جاءت من كلمة (تفكّر) وهي تدلّ على مشقّةٍ، وجهدٍ أنّ الإنسان لا ينبغي أن يركن إلى ذكائه، ولا إلى فطنته، وإنّما يبحث، ويبحث، ويبحث، ويجاهد؛ ولذلك قال : (تفكّر).
ولا تجد في القرآن الكريم كلمة (فكّر) إلّا في موضعٍ واحدٍ في موضع الذّمّ في سورة المدّثّر ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18) [سورة المدثر:18] إذًا المطلوب تفكّرٌ.
2-ثمّ إنّ قوله - سبحانه وتعالى - ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18) ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18) يقولون : إنّ قوميّة الإنسان أي :ما يقوم به الإنسان معناه : أنّ التّفكّر والتّعقّل صار من قوامه، من شخصيّته يعني إنّه ليس أمرًا طارئًا، وإنّما هو ملازمٌ له فصار به من القوم الّذين يتفكّرون ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18) فهي من قوامه، ومن سجيّته، من الشّيء الملازم له.
3- أيضًا في قوله ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18) ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18) دلالةٌ على إنّه لا ينبغي أن يفكّر الإنسان - أن يتفكّر بعض النّاس، ويترك الآخرين، ويترك الجماعات، أو أنّ الجماعات الأخرى تترك التّفكّر، وإنّما المفترض أن يكون التّفكّر فاشيًا بين النّاس فتكون هناك جماعاتٌ كثيرةٌ تتفكّر في آيات الله ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (المدثر: 18)
وكأنّه يقول لك أيّها الإنسان : تفكّر، ومر غيرك بالتّفكّر؛ لتكونوا من القوم الّذين يتفكّرون.
4- أيضًا هنا ممّا يتعلّق بهذه الآيات قول الله ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ﴾ (الجاثية: 6) [سورة الجاثية:6]. وهذا عجيبٌ أنّ الحديث عن الآيات الكونيّة، ولكن من الّذي سجّل هذه الآيات الكونيّة ربّ العزّة سجّلها في القرآن فصارت آياتٌ شرعيّةٌ.
إذًا نحن ننظر إلى السّموات، وإلى الأرض، وإلى الكون هذه آياتٌ كونيةٌ، وقد سجّلت في القرآن الكريم فهي آياتٌ شرعيّةٌ، وسياقها بهذه الطّريقة إعجازٌ؛ إذًا الحديث عنها إعجازٌ، وهي أيضًا إعجازٌ، الحديث عن آيات الله الكونيّة؛ لإنّه جاء في القرآن بأبلغ ما يكون، ليس هناك من يبلغ هذه البلاغة وهو كلام الله ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ (النساء: 87) [سورة النساء:87] هذا من جهةٍ ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ (النساء: 122) [سورة النساء:122]
5- ومن جهةٍ أخرى فالآيات الكونيّة نفسها تدلّ على أنّ خالقها هو الله، وأنّ مسخّرها هو الله - سبحانه وتعالى -، لكن هنا العجيب ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ﴾ (الجاثية: 6) إذًا الكلام على الآيات الشّرعيّة، الآيات الّتي نقرأها آيات القرآن ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الجاثية: 30) ما قال : فبأيّ حديث بعد آيات الله، ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ (الجاثية: 7)
قال كثيرون : يعني بعد حديث الله، يعني بعد أن بيّن الله، بعد بيان الله، إذا أعرض الإنسان عن بيان الله فبأيّ شيءٍ يؤمن، وعطف عليها الآيات ﴿يَسْمَعُ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الجاثية: 8) عطف الآيات على الله، فيمكن أن يقال (الآيات) كما قالوا في المختصر (بحديث الله المنزّل على عبده، وبحججه) فسّروها : بالحجج، هي المراد بها : الآيات الكونيّة.
الّذي أريد أن أقف عنده أنّ الله قدّم في الذكر آيات القرآن على الآيات الكونيّة مع أنّ السّورة مسوغةً لذكر الآيات الكونيّة، وكأنّ ذكرها في القرآن، وتذكير النّاس بها صار أعظم منها، يعني : تذكير النّاس بآيات الله الكونيّة لـمّا ورد في القرآن صار أعظم، وأجلّ؛ لإنّه يلفت العقول، وينبّهها إلى الله - سبحانه وتعالى -؛ لأنّ الإنسان قد يرى النّعم من حوله، وقد يرى الآيات حوله، ومع ذلك لا يتّعظ، ولا يعتبر، ويحتاج إلى مَن ينبّهه.
ثمّ قال ﴿فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ (الدخان: 10) وقلنا : يمكن أن تكون عمود السّورة كما نبّه على ذلك بعض العلماء.
قال الله - سبحانه وتعالى ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا شَيْـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (الجاثية: 9)
وتأمّل الختام ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ ۖ وَلَا يُغْنِى عَنْهُم مَّا كَسَبُوا۟ شَيْـًٔا وَلَا مَا ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الجاثية: 10) هذا في مقابلة الاستكبار، فالمستكبر يهينه الله - سبحانه وتعالى -.
﴿هَـٰذَا هُدًى ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (الجاثية: 11)
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى سَخَّرَ لَكُمُ ٱلْبَحْرَ لِتَجْرِىَ ٱلْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِۦ وَلِتَبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِهِۦ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الجاثية: 12) فسّروها بقولهم (من أمامهم)، وهذا أحد الأوجه في معنى ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 13) ولذلك يجعلونها من الوجوه والنّظائر، تأتي بمعنى الوراء : الخلف، وقد تأتي بمعنى الأمام.
﴿هَـٰذَا هُدًى ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (الجاثية: 11)
تأمّل ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (الجاثية: 14) قدّم ﴿مَّا كَسَبُوا۟﴾ (الجاثية: 10)، لن يغنيهم ما كسبوا من أمور الدّنيا قبل قوله ﴿مَنْ عَمِلَ صَـٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا ۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (الجاثية: 15) ما كأنّ عندهم إخلاصٌ حتّى في عبادة الأصنام كأنّ المهمّ عندهم الأغراض الدّنيويّة؛ لذلك قدّمها في الذكر﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الجاثية: 16).
﴿وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الجاثية: 17)يهدينا الله به، ويدعونا إليه ﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 18)
وآخر شيءٍ نتكلّم عنه في هذه الصّفحة قول الله - سبحانه وتعالى ﴿إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا۟ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۖ وَٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (الجاثية: 19)
﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (الجاثية: 13)، وهنا جاءت كلمة «جميعًا» : كلّ ما في السّموات، والأرض سخّرها الله، سخّرها الله لمن؟ للإنسان؛ ولذلك قال ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: 21) أي : من أجلكم.
فمعنى قوله - سبحانه وتعالى - ﴿هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: 20)
يعني من عنده كائنةٌ من عنده، فتسخير السّموات، وتسخير الأرض هذا كائنٌ من عند الله - سبحانه وتعالى -، وليس معنى «منه» أنها جزء منه، فالسماوات ليست جزءًا من الله، والأرض ليست جزءًا من الله.
إذًا (منه) يعني مبتدأٌ من عنده - سبحانه وتعالى -، وبهذا يزول الإشكال حينما نقرأ في سورة النّساء في قول الله - سبحانه وتعالى - : ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: 171) [سورة النساء:171] فليس معنى قوله ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَـٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ (النساء: 171) [سورة النساء:171] أنّ عيسى جزءٌ من الله، وإنّما هو روحٌ من عند الله - سبحانه وتعالى - يعني : خلقها الله سبحانه وبحمده.
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
الكذب والإصرار على الذّنب، والكبر، والاستهزاء بآيات الله صفات أهل الضّلال، وقد توعّد الله المتّصف بها : هذا واضحٌ في الآيات في قول الله ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 22)
نعم الله على عباده كثيرةٌ، ومنها تسخير ما في الكون لهم : قال الله : ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23) وقال : ﴿وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: 24)
النّعم تقتضي من العباد شكر المعبود الّذي منحهم إيّاها. ولذلك قال ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الجاثية: 25)
قال الشيخ حفظه الله
من عجيب ما في القرآن الكريم أنّك حينما تقرأ الآيات الّتي توعّد الله - سبحانه وتعالى - فيها المكذّبين والمستكبرين لا تجد أنّ تلك الآيات تخلو من فتح باب الرّحمة، وهذا من عظيم إحسانه إلى عباده - سبحانه وتعالى -. هنا يوجّه الله المؤمنين توجيهًا جليلًا فيقول للرّسول صلّى الله عليه وسلّم ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 26) هؤلاء الّذين ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾ يأمر الله نبيّه محمّداً صلّى الله عليه وسلّم أن يأمرنا بالغفران لهم عساهم أن يتوبوا، وأن ينتبهوا، وأن يشكروا، وأن يتذكّروا؛ بل إنّ الأسلوب جاء بهذه الطّريقة العظيمة؛ لأنّ المتوقّع لو كأنّ السّياق كلّه مذكورًا أن يقال : ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ للّذين آمنوا اغفروا يغفروا، ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (الجاثية: 27) هذا جواب الأمر، هو ليس جواب كلمة (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾)، إنّما المعنى (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ للّذين آمنوا ) ماذا يقول لهم؟ : اغفروا، فجاء الجواب يغفروا، وكأنّ المؤمنين يسرعون في الاستجابة؛ فمباشرةً جاء الجواب ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 28) قالوا هنا (لا يبالون بنعم الله أو نقمه).
وهذا تفسيرٌ مشهورٌ في معنى أيّام الله كقوله ﴿هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 29) فهم ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾، ولا يبالون بها، ولا يتوقّعون حدوثها لهم مع معرفتهم بإنّها حدثت لمن سبقهم، ولديهم بذلك أخبارٌ واضحةٌ ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الجاثية: 30) ثمّ فتح لهم باب الثّواب :
ومن ذلك المغفرة لهؤلاء، ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الجاثية: 31)
ثمّ ذكر الله طرفًا من قصّة بني إسرائيل، وهذا مناسبٌ للمقام وهو الحديث عن المتكبّرين الّذين يعرضون عن الحقّ بعد بيانه، وعن الشّكر بعد وقوع موجباته وهنا قال : ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (الجاثية: 32)
كان عليهم أن يشكروا الله، وأن يؤمنوا ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُم بَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ ۖ فَمَا ٱخْتَلَفُوٓا۟ إِلَّا مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا۟ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (الجاثية: 17)
فسَّروا هنا الكتاب بالتوراة، إذن ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ (الجاثية: 16)، أي التوراة، وتقدّم معنا في سورة غافر أيضًا تفسير الكتاب بالتّوراة، وجاء في سورة الشّورى تفسير الكتاب بالكتب المنزّلة، فالمطلوب منّا أن ننظر إلى هذه الآيات، فالسّؤال المطروح هنا : اذكر الآيات الّتي جاء فيها تفسير الكتاب : بالتّوراة، وتفسير الكتاب بالكتب المنزّلة من السّور الّتي تقدّم ذكرها سورة غافر، وسورة الشّورى.
قال هنا ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المائدة: 20) قالوا (الفصل بين النّاس بحكمها) ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المائدة: 20) كما قال الله - سبحانه وتعالى - ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (المائدة: 20). فهذا من فضل الله عليهم.
﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (الشورى: 13) وهذا عظيمٌ، ويذكّرنا بما تقدّم في سورة الشّورى ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ (الشورى: 13) [سورة الشورى:13]
وقد سمّيت سورة الجاثية أيضًا بسورة الشّريعة، فسورة الجاثية الاسم التّوقيفيّ المشهور لها سورة الجاثية، وتسمّى بسورة الشريعة؛ لقوله تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ فَٱتَّبِعْهَا﴾ (الجاثية: 18) وتسمّى بسورة الدّهر لـما جاء من قولهم ﴿وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: 24)
﴿وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: 24) منهاجٌ عظيمٌ، وتأمّل كلمة (الشّريعة)، الأصل أنّ الشّريعة ما يستفيد منه النّاس في باب الشّراب والسّقاء، فهم يتناولونه؛ لذلك يقال لها شريعة فهي منهلٌ عذبٌ لمن يستقي منه، ثمّ أطلق على الدّين شريعةً؛ لأنّ النّاس ينهلون منه، ويتغذّون منه، ويشربون منه السّقاء الطّيب المبارك.
تأمّل ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الجاثية: 25) اتّبع الشّريعة ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 26) هذا فيه أنّ هؤلاء المتكبّرين اتّبعوا الأهواء؛ ولذلك سيأتينا قوله { ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ هذا الّذي أضلّهم، ثمّ تمضي الآيات ويقول ربّ العزّة ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (الجاثية: 27)
هذه آيةٌ جليلةٌ ﴿هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: 20)، هذا القرآن بصائر، إذًا القرآن بصائر، كلّ سورةٍ بصيرةٌ، وإن شئت فقل : كلّ آيةٍ بصيرةٌ، كلّ ما في القرآن بصائر، وقد تقدّم نظير هذه الآية في القرآن في سورة الأعراف ذكر الله أيضًا ﴿هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 29) وقال ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الجاثية: 30)
ثمّ قال الله ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الجاثية: 31)
يعني : لا يستوي هؤلاء، وهؤلاء؛ ولذلك هذا استفهامٌ إنكاريٌّ.
وقد قيل لهذه الآية - وتأمّل - كما ذكر الثّعلبيّ قيل لها هذه الآية مبكاة العابدين، قالوا : لأنّ كثيرًا من العابدين كانوا يقرؤون تلك الآية فلا يستطيعون مجاوزتها، وقد جاء في ترجمة عددٍ من الأئمّة العلماء أنّهم ربّما قاموا اللّيل كلّه يتلون هذه الآية ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (الجاثية: 32) لا يسوّي الله - عزّ وجلّ - بينهم حتّى وإن تقدّم هؤلاء المفسدون في الدّنيا فإنّهم لا يتقدّمون في الآخرة، وتقدّم أيضًا معنا أنّ هذه الآية لها نظائر كقوله ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (القلم: 35) [سورة القلم:35] وكقوله - سبحانه وتعالى - ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ﴾ (السجدة: 18) [سورة السجدة:18]
قال الله : ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُۥنَ﴾ (السجدة: 18)
قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات
العفو والتّجأوز عن الظّالم إذا لم يظهر الفساد في الأرض، ويعتدي على حدود الله خلقٌ فاضلٌ أمر الله به المؤمنين إن غلب على ظنّهم العاقبة الحسنة : هذا جميلٌ، هذه الفائدة جاءت مقيّدةً بالنّظر إلى بقيّة النّصوص الشّرعيّة فهنا قال ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الشورى: 40) لكن مضى معنا ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الشورى: 40) [سورة الشورى:40] فأنت قد تعفو عن الظّالم، وعن الباغي إذا لم يظهر الفساد في الأرض، ويعتدي على حدود الله، أو إذا لم يستشري فساده وينتشر، وإلاّ فإنّك تكفه عن هذا البغي، وعن هذا الظّلم.وأيضًا ينظر إلى المصلحة والمفسدة، فكلّ ذلك يقدّر في هذا الباب.
وجوب اتّباع الشّرع، والبعد عن اتّباع أهواء البشر : في قوله ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (الجاثية: 33)
كما لا يستوي المؤمنون والكافرون في الصّفات فلا يستوون في الجزاء : وهذا في قوله ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الجاثية: 31) وهناك آيةٌ في سورة غافر تقدّمت معنا هي نظيرةٌ لهذه الآية، فالمطلوب أيضًا أن نبيّن ما هذه الآية، وهذا يدرّبنا كلّما قرأت آيةً، ووجدت لها آيةً مماثلةً، أو نظيرةً لها في المعنى - مناظرةً لها في المعنى - فإنّها تستوقفك فتربط بين الآيات وهذا ممّا يكسب قدرةً على فهم القرآن بفضل الله - سبحانه وتعالى -.
خلق الله السّموات والأرض وفق حكمةٍ بالغةٍ يجهلها المادّيون والملحدون : وهذا عرف بقوله ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (الجاثية: 34).
قال الشيخ حفظه الله
﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (الجاثية: 35)
تقدّم أنّ الله سبحانه وبحمده قد حذّر النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الجاثية: 36)
وهنا جاء بيان أنّ هؤلاء إنّما صاروا إلى ما صاروا إليه من انصرافٍ عن الحقّ، وتكبّرٍ عليه بسبب اتّباع الهوى فقال ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الجاثية: 37) ومن جميل هذا التّعبير أنّ الله قال ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الجاثية: 37) ولم يقل : أفرأيت من اتّخذ هواه إلهه، فهنا قال ﴿كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ (الأعراف: 2-4) فشبّه الإله بالهوى كأنّ الإله صار هوى، والأصل أن يقال أنّ الهوى صار إلهًا؛ لذلك يقولون : هذا من التّشبيه المقلوب، وهو أبلغ ما يكون بأنّ الإله نفسه صار عندهم هو الهوى، نسأل الله السّلامة!
{ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ } وهذا يعني أنّ الهوى يصير إلهًا لبعض النّاس؛ ولذلك قيل له : هوى؛ لإنّه يهوي بصاحبه إلى دركات الجحيم.
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) قالوا هنا : فقد أضلّه الله على علمٍ منه بإنّه يستحقّ الإضلال، قوله ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) فيها القولان :
هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) يعني : مع علم الله بحاله إنّه يستحقّ الإضلال يعني : ما ظلمه الله.
أو أنّ المعنى ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) أي : أنّ هذا الّذي ضلّ مع معرفته بالحقّ، لكنّه لم ينتفع بهذا العلم.إذًا على علمٍ من الله به، أو على علمه بالحقّ ومع ذلك انصرف عنه.
{ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ} فهم من هذه الآية أنّ الغشأوة على البصر؛ لذلك اختار كثيرٌ من المحقّقين في آية سورة البقرة في قول الله ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7) [سورة البقرة:7]اختاروا الوقف هنا قالوا ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7) وبعد ذلك ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7) فالغشاوة تتعلق بالبصر ﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة: 7)
{ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ} يعني : إلّا يشكّون، ويرتابون وهذا فيه ذكر الشّكّ، والرّيبة الّتي عندهم.
{ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ }
إذًا ردٌّ على الشّبهات المثارة؛ ولذلك تقدّم إنّه من مقاصد هذه السّورة نقض حجج منكري البعث فالّذي أحياكم، والّذي خلقكم قادرٌ على إماتتكم، وعلى بعثكم.
{ﲗ ﲘ ﲙ ﲚﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ}
{ﲗ ﲘ ﲙ ﲚﲛ } قالوا يعني ( ولله وحده ملك السّموات والأرض)، وقلنا هذا مستفادٌ من تقديم ما حقّه التّأخير، إذًا كلّما وجدت في القرآن (ولله ملك السّموات والأرض) تعرف أنّ المعنى : ولله وحده، من أين استفدنا كلمة وحده؟
هذا أسلوب قصرٍ؛ لأنّ أصل الكلام : ملك السّموات والأرض لله، فصار {ﲗ ﲘ ﲙ ﲚﲛ } فأفاد هذا المعنى، ثمّ قال الله – واسمع هذا يا رعاك الله -﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) هذه آيةٌ عظيمةٌ، بل جزءٌ من الآية، لكنّه عزيزٌ، وجليلٌ.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) يكون هناك خسرانٌ لهؤلاء المبطلين، وهناك في سورة غافر ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ فَإِذَا جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ قُضِىَ بِٱلْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ (غافر: 78) [سورة غافر:78] فأيضًا عودٌ على بدءٍ بين السّور، لكن تأمّل هنا التّنوين في قوله { ﲟ} لم يقل : ويوم تقوم السّاعة يخسر المبطلون، ولكن﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (المجادلة: 16) هذا التّنوين له معنى شريفٌ؛ لأنّهم يقولون : إنّه تنوين عوضٍ عن جملةٍ؛ لأنّ تقدير الكلام (ويوم تقوم السّاعة يومئذ تقوم السّاعة يخسر المبطلون)؛ كأنّ الجملة أعيدت مرّةً ثانيةً؛ إذًا هذا من تأكيد الكلام، فهذا عظيمٌ، فتقدير الكلام : ويوم تقوم السّاعة يومئذ تقوم السّاعة يخسر المبطلون.
فتأمّل : مع إنّها جاءت موجزةً، لكنّها أفادت التّأكيد بهذا التّنوين، ثمّ قال ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَـٰبِهَا ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 28) وهذا كما تقدّم ينبئ عن مقصود السّورة؛ ولذلك تقدّم معنا أنّ اسم السّورة له علاقةٌ بالمقصود، فجثوهم على ركبهم دليلٌ على مهانتهم عند الله؛ لأنّهم تكبّروا في الدّنيا ﴿هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثية: 29)
تأمّل ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْمُبِينُ﴾ (الجاثية: 30)
﴿هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ﴾ (الجاثية: 29)، قالوا: (هذا كتابنا الذي كانت ملائكتنا تكتب فيه أعمالكم يشهد عليكم بالحقّ فاقرؤوه إنّا كنّا نأمر الحفظة أن تكتب ما كنتم تعلمون في الدّنيا)، هنا قال ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَفَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الجاثية: 31)
1-عامّة أهل التّفسير يقولون : ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (الجاثية: 32) يعني : كأنّه ينطق؛ لإنّه واضحٌ جليّ، وفي واقعنا الآن المعاصر صارت الكتب قد تقرأ، فهناك الكتاب الّذي ينطق وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ، فربّك على كلّ شيءٍ شهيدٍ وقديرٍ، فقد تنطق هذه الكتب كما هو ظاهر الآية.
2- أو يكون المعنى : معنى الشّهادة والعلم عند الله؛ وعلى كلٍّ فالشّهود يومئذٍ كثيرةٌ.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ (الجاثية: 33) قالوا: (إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب ما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا)، إذن الاستنساخ هنا الكتابة؛ ولذلك النّسخ يأتي بمعنى الإثبات في مقابلة الإزالة؛ يعني إثبات هذا الكلام.
نسأل الله أن نكون من هؤلاء.
تأمّل ﴿وَقِيلَ ٱلْيَوْمَ نَنسَىٰكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (الجاثية: 34) تأمّل رحمك الله لتعي المقصود الّذي من أجله سيقت هذه السّورة بهذا المساق، وبهذه الطّريقة.
كان المتوقّع أن يقال ماذا؟ ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ (الجاثية: 35) طيّب : وأمّا الّذين كفروا فيدخلهم الله في النّار، ما ذكر جزاهم بالنّار، إنّما ذكر ما يقال لهم على سبيل التّبكيت، والتّقريع، ولكن هذا فهم من السّياق؛ لأنّ هذا يقال لهم إذا دخلوا النّار، لكنّ المقام هنا مقام ردٍّ على تكبّرهم.
وأيضًا حذف ماذا؟ حذف مادّة القول لم يقل : وأمّا الّذين كفروا فيقال لهم، إنّما جاء مباشرةً ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحَمْدُ رَبِّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلْأَرْضِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الجاثية: 36) لأهمّيّة هذا المقول ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الجاثية: 37) هذا هو الاستكبار ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الجاثية: 37) ثمّ قال ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الجاثية: 37)
وهنا التفاتٌ يعني ربّنا يقول { ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ } وبعدها يقول { ﳜ ﳝ } يعني : وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ : لم يقل (﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾)؛ إنّما قيل : يقال لهم فحوّل الخطّاب، أو حدث التفاتٌ، وهنا يقولون : إنّ الالتفات يحدث تطريةً وإيقاظًا حينما يأتي الحديث بطريقةٍ، ثمّ يتحوّل ففيه إيقاظٌ.
﴿هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: 20) وهذا يذكّرنا بأوائل السّورة في ذكر الإيقان ﴿هَـٰذَا بَصَـٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: 20) [سورة الجاثية:20]. وهؤلاء لم يكن عندهم يقينٌ، ويذكّرنا بالدّخان ﴿بَلْ هُمْ فِى شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (الدخان: 9) [سورة الدخان:9]
هنا من جميل ما ذكروا في التّفسير قالوا (إن نظنّ إلّا ظنًا ضعيفًا)، هذا فيه أنّ التّنكير في قوله سبحانه وتعالى ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: 21) يعني: ظنًا ضعيفًا؛ ولذلك أحيانًا يأتي التّنكير من أجل التّحقير، أو من أجل التّقليل، وقد يأتي أيضًا من باب التّعظيم كلّ هذه سياقاتٌ، وقد يأتي من باب التّقليل، ومن باب التّكثير، هذه من فوائد التّنكير. فهنا ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَوَآءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: 21) يعني ظنًا ضعيفًا ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 22)
قال الشيخ حفظه الله
من فوائد الآيات
اتّباع الهوى يهلك صاحبه، ويحجب عنه أسباب التّوفيق : ولذلك بيّن الله أنّ النّاس يتّخذونه إلهًا ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ ﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِۦ وَقَلْبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَـٰوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنۢ بَعْدِ ٱللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الجاثية: 23) وقلنا : إنّه هوى؛ لإنّه يهوي بصاحبه إلى نار جهنّم.
هول يوم القيامة : وهذا واضحٌ في الآيات الكريمة.
الظّنّ لا يغني من الحقّ شيئًا خاصّةً في مجال الاعتقاد، وحتى ما يقع في الأمور العمليّة، والأمور الفقهيّة حينما يقول أهل العلم إنّ الفقه من باب الظّنون؛ فإنّهم يقصدون بذلك الظّنون الرّاجحة القائمة على الدّليل، وليست على الهوى، ففرقٌ بين الظّنّ الّذي يؤدّي إليه اجتهاد المرء بالنّظر في الكتاب والسّنة وما يتعلّق بهما من دلالاتٍ، واستنباطاتٍ، والقياس، وبين ما يكون قائمًا على هوى صاحبه، نسأل الله السّلامة!
﴿وَقَالُوا۟ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ (الجاثية: 24)
أيضًا لم يقل ربّ العزّة : ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُوا۟ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟﴾ بهم يستهزؤون وننساهم، وإنّما توجّه الخطّاب إليه ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 26) لذلك جعلها بعضهم أيضًا من الالتفات.
وقوله ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱئْتُوا۟ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الجاثية: 25) يعني : نترككم في النّار ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الجاثية: 26) إذًا النّسيان يأتي على معنيين :
يأتي النّسيان بمعنى الذّهول والغفلة تقول : نسي فلانٌ الشّيء - ذهل عنه -، وغفل عنه.
2-ويأتي النّسيان بمعنى التّرك يكون الإنسان تاركًا للشّيء متعمّدًا للتّرك، فيقال أيضًا نسيه؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (الأعراف: 51) وقال أيضًا ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (الأعراف: 51) ومن المعلوم أنّ الّذي يذهل عن الشّيء لا يقول : أنا سأنسى؛ لأنّ الذّهول لا يكون عن قصدٍ، فقوله ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (الأعراف: 51) يعني : نتركهم ونحن نعلم، ولا يخفى علينا شيءٌ؛ لذلك لا تعارض بين هذه الآية وبين قوله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: 64)
فالنّسيان المنفيّ عن الله سبحانه وتعالى هو نسيان الغفلة، والذّهول، وربّنا ﴿لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ﴾ ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾ (طه: 52)
قال الله ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾ (طه: 52) تأمّل ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾ (طه: 52) قالوا هنا يعني(ولا يردّون إلى الحياة الدّنيا ليعملوا عملًا صالحًا ولا يرضى عنهم ربّهم) إذًا معنى ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾ (طه: 52) : لا يرضى عنهم ربّهم؛ لأنّ أصل معنى الكلمة يعني لا يزيل عنهم العتب يعني : لا يعاتبهم، ولماذا يزال عنهم العتب؟ بسبب الرّضا.
إذًا ربّنا يقول ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24) يعني : لن يرضى عنهم الله، ولعلّنا نتذكر ما تقدّم في سورة فصّلت. ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24)
ثمّ ختم الله السّورة الجليلة ﴿فَإِن يَصْبِرُوا۟ فَٱلنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ۖ وَإِن يَسْتَعْتِبُوا۟ فَمَا هُم مِّنَ ٱلْمُعْتَبِينَ﴾ (فصلت: 24)
وهذا يدلّ دلالةً وثيقةً على الاتّصال بين صدر السّورة وختام السّورة يقولون العلاقة، أو المناسبة بين المطلع، والمقطع ففي أوّل السّورة ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الجاثية: 2) [سورة الجاثية:2]. وهنا ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتَـٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَكِيمِ﴾ (الجاثية: 2)
وأيضًا فيه دلالةٌ على أنّ آخر السّورة يستفاد منه في معرفة مقصود السّورة فالحديث عن كبرياء الله، وأنّ الكبرياء لله وحده، وأنّ هؤلاء متكبّرين تكبّروا عن غير أحقّيّةٍ؛ لأنّ الواجب عليهم أن يعبدوا الله، وألا يشركوا به شيئًا، لا أن يتكبّروا على الله، وعلى رسله هذا والله أعلم وننتقل إلى سورة الأحقاف.
هذا والله أعلم.