سورة الأعراف — الجزء 5
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
4. على العبد إذا أخطأ أو قصر في حق ربه أن يعترف بعظيم الجرم الذي أقدم عليه وأنه لا ملجأ من في إقالة عثرته إلا إليه
﴿قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌﱍ ﱎ ﱏ ﱐﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱠ
قال الله سبحانه ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا﴾ بعض المفسرين قال إن ﴿أَسِفٗا﴾ أي: شديد الغضب فهي تأكيد لقوله ﴿غَضۡبَٰنَ﴾ أي: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ﴾ غَضْبَٰنَ شديد الغضب.
* وفسر بعض العلماء قوله ﴿أَسِفٗا﴾ بحزينا، أي: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوْمِهِۦ﴾ غضبانا حزينا، فجمع بين الغضب والحزن.
والأسف يأتي بالمعنيين: فالأسف من معناه الغضب أو من معانيه الغضب، ومن معانيه الحزن.
وفي بعض المواضع يمتنع تفسيره بالحزن، كما في قوله ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾ [الزخرف: 55] فقوله ﴿ءَاسَفُونَا﴾ لا يقال أحزنونا، ﴿أَنَّمَا﴾ معناها أغضبونا.
وقد تكلمنا على ذلك أيضًا في مادة أسف في تحفة الأريب.
﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنۢ بَعْدِىٓ﴾ أي من بعد ذهابي لمناجاة ربي.
﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ تعجلتم لم تنتظروني وفعلتم ما فعلتم، مع أنَّ الله قد وعدكم وعدا حسنا ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾ [طه: 80] ولذلك قال له موسى ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا ۚ أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِى﴾ [طه: 86]
﴿وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ﴾ ولذلك قول ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾هذا فيه إنكار عليهم وتوبيخ وتقريع لهم.
﴿وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ﴾ ألقى الألواح مع أنَّ فيها ما فيها من المواعظ والهدى والرحمة
ولذلك جاء بعد ذلك ﴿وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾
لكنه من شدة الغضب ما كان منه ﴿إِلَّا﴾ أن من ألقى الألواح؛ ولذلك استفاد العلماء من ذلك ما جاء في الحديث وقد صححه بعضهم ليس الخبر كالمعاينة، فليس الخبر كالمعاينة، فالإنسان قد يبلغه شيء، لكنه يرى فالأمر يكون أشد عليه، فهو رآهم، ورآهم يعبدون هذا العجل فكان هذا أشد على نفسه بعد أن علمهم العقيدة الصافية وبعدما مكن الله لهم ونصرهم على عدوه وعدوهم فرعون، يجري منهم هذا الذي يجري ويقع منهم هذا الذي وقع؟
﴿وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
تقدم أن موسى عليه السلام قال لهارون ﴿ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ وهارون نبي مبارك وهو قد أدى ما عليه بيد أنهم استضعفوه واستذلوه، ولم يكن بالمكانة التي لموسى عليه السلام بينهم.
﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ﴾ ولذلك في الآية الأخرى ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ﴾ [طه: 94] وهذا فيه أن موسى عليه السلام غضب غضبا شديدا، وأنه انتصر للحق، كيف يقع هذا وأين المهمة التي قمت بها والتي استحدثتك فيها والتي أوصيتك بها كيف تركتهم يصنعون ما يصنعون من عبادة العجل؟
قال ﴿قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُوا۟ يَقْتُلُونَنِى فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ﴾ إن فعلك هذا لا يستفيد منه إلا الأعداء بالشماتة.
﴿فَلَا تُشْمِتْ بِىَ ٱلْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ لا تجعلني في عدادهم فأنا لست مثلهم ولست موافقا لهم.
ﱡﭐ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱠ
حينئذ قال موسى عليه السلام ﴿رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى﴾ فسأل ربه المغفرة له ولأخيه، وبدأ بنفسه كما هي السنة في أن يبدأ الإنسان في الدعاء بنفسه ﴿رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾
ﱡﭐ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﱠ
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ﴾ اتخذوا العجل ماذا؟ أي اتخذوه إلها فقوله ﴿ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ﴾ أي اتخذوا العجل إلها لكنه حذف؛ لأن المرء لا يكاد يحب النطق به.
كيف يكون العجل إلها؟ فقال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ﴾ وافهم أنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ القارئ. وأنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ السامع
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ﴾ مثل ذلك الجزاء نجزي المفترين
ﱡﭐ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﱠ
أيضًا فتح لهم باب التوبة فوعيد ووعد، توعد المصرين على عبادة العجل، وفتح باب التوبة لمن تاب إلى الله من عبادة العجل ومن الشرك.
﴿وَٱلَّذِينَ عَمِلُوا۟ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ قالوا هنا: من الشرك بالله وفعل المعاصي.
وتأملوا يا أيها الإخوة الكرام هنا جاءت ﴿ٱلسَّئَِّاتِ﴾ والذي ذكر من سيئاتهم شرك بالله، وتقدم أن السيئة والسيئات قد ترد في القرآن بمعنى، الشرك وبمعنى الكبيرة، وبمعنى الصغيرة، ويوضح ذلك السياق.
﴿ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟﴾ تأملوا ﴿وَءَامَنُوٓاْ﴾ إذا ﴿عَمِلُواْ ٱلسَّئَِّاتِ﴾ كان فيه شرك بدليل ﴿ثُمَّ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِهَا وَءَامَنُوٓا۟﴾ بعد التوبة من هذه السيئات وهذا ما اختاروه هنا واقتصروا عليه، فقالوا: من بعد هذه التوبة والرجوع من الشرك إلى الإيمان ومن المعاصي إلى الطاعة ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾سبحانه وتعالى.
ﱡﭐ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﱠ
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ﴾ وكأن الغضب تمثل رجلا؛ لأن الإنسان حين يغضب يجد كأن أحدا يحدثه، وكأن آخر يكلمه ويدفعه إلى شيء، فسكت الغضب وسكن وهدأ نبي الله موسى وكليم الرحمن.
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ﴾ وبعض المفسرين ذكروا في ذلك أنه ألقى الألواح، وأن الألواح تكسرت وذهبت ولم يبق منها إلا القليل، وما إلى ذلك، وضاع بعض ما فيها، وهذا ليس عليه دليل وظاهر الآية ﴿أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ﴾ أنه أمكنه أخذها وأنه لما ألقاها لم يجرِ لها هذا الذي وقع مما ذكروه أو مما زعموه والعلم عند الله.
﴿أَخَذَ ٱلْأَلْوَاحَ ۖ وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾
﴿وَفِى نُسْخَتِهَا﴾ أي هذه الالواح مشتملة على الهداية وعلى الرحمة ﴿لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾؛ لأن هؤلاء هم المنتفعون بالهداية وبالرحمة.
قال ﴿وَفِى نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ وأصل الكلام (للذين هم يرهبون الله)، أو يرهبون ربهم، لكن تقدم قوله ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ وهو معمول لكلمة ﴿يَرْهَبُونَ﴾
قالوا: فلذلك دخلت اللام تقوية له؛ لأن المعمول تقدم فدخلت اللام تقوية له.
*أو أن اللام بمعنى التعليل، أي: لأجل ربهم يرهبون.
ثم قال ﱡﭐ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﱠ
﴿وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَـٰتِنَا﴾ قال كثيرون ﴿وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ﴾ أي: واختار موسى من قومه فهي على نزع الخافض.
﴿وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُۥ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ أي: اختار من قومه سبعين رجلا.
﴿لِّمِيقَٰتِنَاۖ﴾ لميقات الله سبحانه وتعالى.
قالوا هنا في التفسير: ليعتذروا إلى ربهم مما فعله سفهائهم من عبادة العجل.
إذا هذا هو سبب اختيار موسى عليه السلام لهؤلاء السبعين، إذا هؤلاء السبعون صفوة هؤلاء السبعون اختيروا من أجل الاعتذار عما وقع من السفهاء من عبادتهم العجل.
*وبعض العلماء قال بخلاف ذلك، فقالوا: أن هؤلاء السبعين خرجوا مع موسى عليه سلام ليكلمهم الله مع موسى عليه السلام وكانوا معه في هذا المقام، فجعلوه كالميقات الأول
*أو هو هو
*ومنهم من خالف بين الميقاتين.
* ومنهم من قال: بل خرجوا بسبب تهمة أخرى وهي أنه متهم أن هارون عليه السلام حين مات بعد ذلك، اتهموا موسى عليه السلام بقتله، فأمر بإخراج سبعين معه لميقات الله سبحانه وتعالى، وأحيا لهم هارون
وأخبر أن موسى لم يقتل، هكذا قيل وعلى كل هناك أقوال كثيرة وروايات إسرائيلية عديدة في هذا الباب. والشاهد من ذلك أنه اختارهام لميقات.
* وبعضهم قال اختارهام بميقات لميقات الله سبحانه وتعالى معتذرين كما قالوا هنا: يعتذرون إلى الله مما وقع من سفهائهم.
﴿فَلَمَّآ أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ هنا في التفسير ذكروا تقديرا، فقالوا: فلما حضروا تجرؤوا على الله وطلبوا من موسى أن يريهم الله عيانا
لأن قائلا قد يقول: إذا كان هؤلاء صفوة أو إذا كان هؤلاء قد اختيروا لهذه المهمة فلما وقعت الرجفة؟
فبعضهم قدر تقديرا أي: أنهم وقع منهم ما وقع طلبوا أن يروا الله عيانا ولم يكتفوا بكلام الله سبحانه وتعالى.
*وبعضهم قال: ﴿أَنَّمَا﴾ خرجوا ابتداء للتدليل على صدق موسى حينما قال إن الله قد كلمة.
على كل حال إما أن يقال وقع منهم ذنب فمن أجل ذلك أخذتهم الرجفة، أو أن الله قدر أن تأخذهم الرجفة عبرة وعظة.
فحينئذ قال موسى عليه السلام ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ﴾
بنو إسرائيل معروفون بالتكذيب ومعروفون بنقض العهود وبالطعن، فلو أن موسى رجع وحده بدون السبعين، ماذا سيقولون في حق موسى عليه السلام؟
سيقولون موسى قتل السبعين، موسى فعل وخطط ودبر، فقال موسى عليه السلام ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ﴾ أي: أهلك معهم.
﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ﴾ وهذا جعل بعض المفسرين يقول: أن السفهاء قوم آخرون وهم الذين عبدوا العجل وهؤلاء غيرهم.
*أو أن هؤلاء وقعت منهم السفاهة قال ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ﴾ ولذلك قالوا هنا: أتهلكنا بسبب ما فعله خفاف العقول منا؟ أي: ممن وقعوا في عبادة العجل أو غير ذلك من السفاهات التي تكررت من بني إسرائيل.
﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ﴾ فهذا ابتلاؤك
ولعل موسى عليه السلام ﴿أَنَّمَا﴾ قال ذلك لأنّّ الله قال له ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ﴾ [طه: 85] فربنا بين أنه قد فتن قومه من بعده، فحين إذ لقن موسى عليه ذلك فقال ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ﴾
أيضًا سأل الله سبحانه وتعالى المغفرة والرحمة، وبين أن الله عز وجل وليه، فهو حافظه وناصره ومؤيده سبحانه وتعالى.
1. في الآيات دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة لا يعذر فيه صاحبه عند إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البعيد.
2. من آداب الدعاء: البدء بالنفس، حيث بدأ موسى عليه السلام دعاءه فطلب المغفرة لنفسه تأدبا مع الله فيما ظهر عليه من الغضب، ثم طلب المغفرة لأخيه فيما ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ﴾ ظهر منه من تفريط أو تساهل في ردع عبدة العجل عن ذلك
قال الشيخ حفظه الله:
1. في الآيات دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة لا يعذر فيه صاحبه عند إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البعيد؛ لذلك قال لهم ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ فهذا شيء ﴿لَمْ يَأْذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى.
ولذلك العلماء يفرقون بين التأويل المقبول والتأويل المردود، وهناك ما يطلق عليه بعض العلماء باللعب أو التلاعب عند الفقهاء، فالتأويل إذا كان بقرينه صحيحة فهذا تأويل صحيح، وإذا كان بغير قرينة قيل له أنه تأويل فاسد.
وإذا لم يكن هناك مسوغ للتأويل بحيث أن الذي قال هذا لا وجه له لغة، ولا دلالة، ولا سياقا، فإنَّ هذا أقرب إلى التلاعب وحين إذ لا عذر لقائله، وهذا كشأن من قال مثلًا من هؤلاء الروافض في قوله سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67] أنها عائشة رضي الله عنها، وما من شك أن هذا باطل وزور، وأنه من التلاعب؛ لأنه لا علاقة بين البقرة وبين أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها إلا ما وقع في عقولهم الفاسدة.
2. من آداب الدعاء البدء بالنفس حيث بدأ موسى عليه السلام دعاءه فطلب المغفرة لنفسه تأدبا مع الله فيما ظهر عليه من الغضب، ثم طلب المغفرة لأخيه فيما ﴿عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ﴾ ظهر منه من تفريط أو تساهل في ردع عبدة العجل عن ذلك؛ ولذلك قال ﴿قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ وهكذا هذا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يبدأ في الدعاء بنفسه ثم يثني بغيره صلى الله عليه وسلم.
3. التحذير من الغضب وسلطته على عقل الشخص؛ ولذلك نسب الله للغضب فعل السكوت كأنه هو الآمر والناهي؛ ولذلك في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تغضب) وهي من الوصايا الجوامع، قال: (لا تغضب) حينما سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوصيه، وأن يقلل له في الوصية، فقال له: (لا تغضب) وردد مرارا (لا تغضب).
وH0.
4. ضرورة التوقي من غضب الله وخوف بطشه فانظر إلى مقام موسى عليه السلام ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ ۖ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِى مَن تَشَآءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَـٰفِرِينَ﴾
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱠ
قال الله سبحانه ذاكرا بقية دعوات موسى عليه السلام ﴿وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾
هذا من تتمة دعاء موسى عليه السلام ﴿وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قالوا هنا في حسنة الدنيا: واجعلنا من الذين أكرمتهم في هذه الحياة بالنعم والعافية ووفقتهم للعمل الصالح.
إذا هذه حسنة الدنيا، فيدخل في حسنة الدنيا عموم النعم الدنيوية، والعافية، والعلم النافع، والتوفيق العمل الصالح، وما إلى ذلك.
ولذلك من دعاء عباد الله الصالحين ومما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
﴿وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ أي: ارزقنا الحسنة في الآخرة بدخول الجنان.
﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ أي: تبنا ورجعنا إليك
وقد قال بعض المفسرين: قيل لليهود يهود؛ لقوله ﴿إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ﴾ يعني هادوا إلى الله ورجعوا إلى الله، ﴿وَقِيلَ﴾ نسبة إلى يهوذا.
﴿قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ ولذلك قالت الملائكة ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: 7] وفي الحديث القدسي (إن رحمتي سبقت غضبي وفي لفظ غلبت غضبي فساكتبها للذين ييتقون) فقوله ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ﴾ فيه ترغيب لكن بعد ذلك بين من الذي ينال رحمة الله، فرحمة الله لها أهل.
فقال ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ قالوا هنا في التفسير: ورحمتي شملت كل شيء في الدنيا لأن الله يرحم البر والفاجر والمؤمن والكافر، فهذه رحمة عامة.
ثم قال ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ قالوا هنا: أي فسأكتب رحمتي في الآخرة، إذا هذه هي الرحمة الخاصة.
فالكافر في الدنيا تناله رحمة الله، لكن في الآخرة رحمة الله سبحانه لعباده المتقين.
لذلك قال ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ ٱللَّهِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [آل عمران: 107] فدخول المؤمنين الجنة برحمة الله سبحانه وتعالى، والجنة من رحمة الله عز وجل.
قال ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ يشير إلى أن وجوب الزكاة كان بمكة، وقع بمكة.
قالوا: لكن تقدير الأنصبة وبيان المقدرات وقع في المدينة النبوية، وهو قول له وجاهته.
*وبعضهم يفسر الزكاة في مثل هذه المواضع بزكاة وبتطهير الأنفس وهو خلاف الظاهر والأقرب أن المراد به: إيتاء الزكاة المعروفة، لكن بقية التفصيلات أو التفاصيل وبيان الأنصبة والمقدرات بالمدينة النبوية.
ﱡﭐ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﱠ
قال ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ﴾ هذه من الأوصاف الكاشفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ﴾ قالوا هنا: الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا هو المعنى الصحيح لقوله ﴿ٱلۡأُمِّيَّ﴾ وليس كما ذهب بعضهم وقال: الأمي نسبة إلى أم القرى مكة، لأن الآيات القرآنية قد دلت على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يقرأ ويكتب، قال الله ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48] وهذا هو المعروف من حاله صلى الله عليه وسلم
وأميته صلى الله عليه وسلم إعجاز وهي في حقه منقبة، وأما غيره فإنه يطلب منه أن يتعلم القراءة والكتابة، لكن هذه الأمية للدلالة على أنه ما تلقى الكتاب عن أحد، وإنما بوحي من الله سبحانه وتعالى
﴿ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ﴾ فهذا مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل.
﴿يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ هذه من أوصافه صلى الله عليه وسلم.
﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ﴾ فالطيب حلال.
قالوا هنا في ﴿ٱلطَّيِّبَٰتِ﴾: المستلذات مما لا ضرر فيه من المطاعم والمشارب والمناكح، فهذه الطيبات حلال.
﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ﴾ فالخبيث محرم؛ ولذلك استفيد من ذلك (كل طيب حلال وكل خبيث حرام) ولا يقال: (كل حرام خبيث).
ففرق بين أن يقال: (كل خبيث حرام) ما كان خبيثا فهو حرام، لكن المحرمات قد تكون لعدة أسباب: قد تكون لخبث الشيء، أو لنجاسته، وقد يكون لاستقذار، أو لضرره وإن لم يكن نجسا، إلى غير ذلك مما هو معلوم في باب التحليل والتحريم؛ ولذلك هذه قاعدة عامة تستفاد من هذه الآية.
ولذلك حينما سئل عدد من أهل العلم المعاصرين في حكم شرب الدخان مثلًا فأفتوا بالتحريم، فقالوا وأين الدليل على ذلك؟ استدلوا بمثل هذه الآية فقالوا أن الله قال ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ﴾ وما من شك أن الدخان فيه ما فيه من الأضرار، كيف هو مكتوب عليه ضار بالصحة جدًا، أو ما أشبه ذلك من عبارات.
قال ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قالوا: أي ويزيل عنهم التكاليف الشاقة التي كانوا يكلفون بها.
فالإصر كما تقدم: الثقل، والأغلال: القيود، وكانت هذه التكاليف حينما تكون شاقة تغل أصحابها أو تقيدهم، فيكونون مقيدين مكبلين بها، فالله رفعها عن هذه الأمة، فالتكاليف في مقدور العباد ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]
قالوا: كوجوب قتل القاتل سواء أكان القتل عمدا أم خطأ، فقد كان هذا عند بعض من سبقنا وأما عندنا: فهناك العفو، وهناك الدية، وهناك القصاص، وهناك التفريق بين القتل الخطأ والقتل العمد وشبه العمد إلى غير ذلك من الأحكام معروفة.
كان أحدهم إذا أصاب ثوبه نجاسة قرض الثوب وقطعه، وأما نحن فشرعت لنا الطهارة وغسل الثياب دون تمزيقها أو تقطيعها، إلى غير ذلك من تيسير في الشريعة.
قال ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ قالوا هنا: ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ أي: عظموه ووقروه.
إذا ما معنى عزروه؟ عظموه ووقروه ﴿لِّتُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] فالتعزير هنا التعظيم والتوقير.
* وبعضهم يقول: التقوية.
*ويأتي التعزير أيضًا بمعنى التأديب، كما يقال في باب التعذير، وهذا بحسب سياق الكلام.
وهنا تعزير الرسول أي: تقدير الرسول واحترامه وتوقيره صلوات الله وتسليماته عليه.
﴿وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ﴾ وهو القرآن الكريم ﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ﴾ [المائدة: 15]
وقال ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 174] فالقرآن من أوصافه أنه نور﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾
ﱡﭐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﱠ
﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾
فهذا يدل على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم، كما قال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: 28]
فالرسول صلى الله عليه وسلم رسول لعموم الناس،لعربهم وعجمهم، بأحمرهم وأبيضهم وأسودهم
وأما ما جاء في قوله ﴿هُوَ ٱلَّذِى بَعَثَ فِى ٱلْأُمِّيِّـۧنَ﴾ [الجمعة: 2] ﴿لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾ [آل عمران: 164] فإنَّ بعثة الرسول في الأميين ومن الأميين لا تعني أن رسالته خاصة بهم وإنما هذا من امتنان الله عز وجل عليهم.
﴿ٱلَّذِى لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا معبود بحق غيره سبحانه وتعالى.
﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْىِۦ وَيُمِيتُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِىِّ ٱلْأُمِّىِّ ٱلَّذِى يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَـٰتِهِۦ﴾ فالرسول صلى الله عليه وسلم يؤمن بالله ويؤمن بكلمات الله، فيؤمن بما أنزل على النبيين من قبله، ويؤمن بالقرآن الكريم المنزل عليه.
﴿وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فيه أن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم سبب الهداية.
ﱡﭐ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﱠ
انتقلت الآيات إلى بيان من اتبع دعوة موسى عليه السلام؛ لذلك قالوا هنا: ولما ذكر الله ما ذكر عن بني إسرائيل من عبادة العجل ذكر سبحانه أن منهم أمة مخالفة لما عليه الذين عبدوا العجل فقال ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ﴾
وهذا من تمام إنصاف القرآن الكريم فلما ذكر عبدة العجل من بني إسرائيل ذكر أيضًا أن من بني إسرائيل من لم يكونوا كذلك، فقال ﴿بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ﴾
فقال عبادة ذات مراتب متفاوتة تتفاوت بحسب الإيمان والعمل الصالح.
3. الدعاء قد يكون مجملا وقد يكون مفصلا حسب الأحوال، وموسى عليه السلام في هذا المقام أجمل في دعائه.
4. من صور عدل الله عز وجل: إنصافه للقلة المؤمنة حيث ذكر صفات بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهم متوهم أن هذا يعم جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية.
1. تضمنت التوراة والإنجيل أدلة ظاهرة على بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صدقه
﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ إلى آخر الآية الكريمة، ومن له علم على الكتاب المقدس يجد دلائل واضحة في ذلك، ومن ذلك مع وجود التحريف والتُبديل فكيف لو خلا من التحريف والتُبديل والحذف؟
2. رحمة الله وسعت كل شيء ولكن رحمة الله عباده ذات مراتب متفاوتة تتفاوت بحسب الإيمان والعمل الصالح؛ لذلك بعد أن قال ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي: الرحمة الخاصة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ فهناك رحمة يشترك فيها الجميع، وهناك رحمة خاصة تخص أهل الإيمان.
3. الدعاء قد يكون مجملا وقد يكون مفصلا حسب الأحوال وموسى في هذا المقام أجمل في دعائه لذلك قال ﴿وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ﴾ وفي بعض المقامات يخص الإنسان بعض الأبواب، كأن يدعو ربه بأن يرزقه العلم النافع، أو العمل الصالح، أو الزوجة الصالحة، أو ما أشبه ذلك.
4. من صور عدل الله عز وجل: إنصافه للقلة المؤمنة حيث ذكر صفات بني إسرائيل المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهم متوهم أن هذا يعم جميعهم فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية، وهذا من تمام إنصاف القرآن الكريم ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ﴾ وقوله ﴿وَمِن قَوْمِ﴾ يعني بعض قوم موسى فمن للتبعيض.
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱠ
قال الله سبحانه ﴿وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ على من يعود الضمير في قوله وقطعناهم؟ على بني إسرائيل، قوم موسى الذين تقدم ذكرهم ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ﴾
قال ﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمُ﴾ قالوا هنا: في التفسير وقسمنا بني إسرائيل اثنتي عشرة.
إذا ﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمُ﴾ قسمنا أو سيرناهم؛ فلذلك تنصب مفعولين الأول منهما الضمير، والثاني اثنتي عشر
* أو أن نقول أنها بمعنى ميزناهم، ويكون قوله ﴿ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ﴾ حال جامدة على معنى بالغين ﴿ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾.
هنا قالوا: اثنتي عشرة قبيلة، ففسروا الأسباط بالقبيلة.
وقد قال جماعة من المفسرين: في بني إسماعيل قبائل، وفي بني إسحاق أسباط، فيقال في نسل إسحاق أسباط، وفي نسل إسماعيل قبائل، وهنا بعض المفسرين فسر الأسباط بالقبيلة، فقالوا أسباطا أي: قبيلة، ولم يقولون قبائل
وذلك أن العدد اثنتي عشرة يكون تمييزه مفردا لا جمعا هذا هو الأصل في هذا الجمع
لذلك بعدها قال ﴿فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ فجاءت بالإفراد
ولذلك وقع هنا إشكال في ذكر قوله أسباطا لم يقل سبطا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال أسباطا فجاءت مجموعة؟
فجماعة من أهل العلم قالوا: باعتبار المعنى.
فأسباطا المراد به قبيلة وقبيلة مفردة فحينئذ يزول الإشكال ويكون التعبير باعتبار المعنى
* ومنهم من قال -ولعله أولى -أن ها هنا تقديرا، أي: ﴿وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ ۖ فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فرقة، أسباطا أمما، ويكون قوله أسباطا بدل منه، وكذا أمما، ويصح أن يكون بدل بعد بدل، على ما رجحه عدد من أهل التحقيق.
على كل حال فلا إشكال، والمعنى: وقطعنا بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة أسباطا أمما.
﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسْتَسْقَىٰهُ قَوْمُهُۥٓ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ﴾
طلبوا من موسى عليه السلام أن يسقيهم كما تقدم معنا في سورة البقرة ﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ﴾ [البقرة: 60]
قال ﴿أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ﴾ واختلفوا في الحجر كما تقدم
2. أو أن المراد به جنس الأحجار وكان هذا من تيسير الله سبحانه وتعالى.
﴿فَٱنۢبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بعدد الأسباط؛ لئلا يقع بينهم نزاع أو اختلاف.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ أي مشربهم الخاص بهم.
وقوله ﴿فَٱنۢبَجَسَتْ﴾ قالوا بمعنى: فانفجرت.
* وبعض المفسرين قالوا الانبجاس بداية الانفجار، فالانبجاس بداية الانفجار وأوله، فيكون يسيرا، ثم بعد ذلك يحدث الانفجار.
وقد حاول بعض العلماء أن يعقد مقارنة بينما ورد في هذه الآيات من سورة الأعراف، وما ورد فيه آيات سورة البقرة فوجدوا بعض الفروق في التعبيرات التي وردت هنا وهناك
من ذلك ﴿فَٱنۢبَجَسَتْ﴾،وهناك ﴿فَٱنفَجَرَتْ﴾ ومنها ما جاء بعد ذلك.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَـٰمَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
من ذلك أيضًا ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُوا۟﴾ وهناك ﴿وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟﴾ ﴿وَقِيلَ﴾ هنا ﴿ٱسْكُنُوا۟﴾ وهناك ﴿وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا۟﴾ هنا ﴿وَكُلُوا۟﴾ وهناك ﴿فَكُلُوا۟﴾ هناك ﴿فَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾وهنا ﴿وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ إلى غير ذلك مما ورد.
وقد استخلص جماعة من العلماء أن المقام في سورة البقرة كان مقام امتنان وتذكير بإنعام الله عز وجل لذلك ذكر معه الرغد وذكر معه ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ وذكر معه الدخول ثم الأكل، فترتب الأكل على الدخول فكانت نعمة بعد نعمة.
وأما المقام هنا فبيان لما وقع منه من تبديل وتغيير، فلما ذكر المقام هناك وكان مقام امتنان ناسب أن يأتي التعبير بقوله ﴿فَٱنفَجَرَتْ﴾ أما هنا فذكر البداية وهو الانبجاس.
وعلى كل حال فالمقام لا يتسع لأكثر من هذا لكن هذا يورده العلماء فيما يسمى بتوجيه متشابه النظم القرآني، وبعضهم يسميه بالمتشابه اللفظي للقرآن الكريم بأن ينظر في الآيات التي تشابهت لكنها اختلفت في بعض الكلمات بتقديم أو تأخير، أو بزيادة أو بنقص، ونحو ذلك، ثم يبحث في قرائن السياق وبعض الدلائل التي تبين له الفرق في التعبير بين هذا الموضع وذاك.
ﱡﭐ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﱠ
قال ﴿وَكُلُوا۟ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ وقوله سبحانه قبل ذلك ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾ تقدم تفسيره في سورة البقرة وهنا قالوا: شرابا حلوا مثل العسل وطائرا صغيرا طيب اللحم يشبه السمان.
قال ﴿وَقُولُوا۟ حِطَّةٌ﴾أي: يا ربنا حط عنا خطايانا.
﴿وَٱدْخُلُوا۟ ٱلْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: راكعين خاضعين.
﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيٓـَٔـٰتِكُمْ﴾ وهناك قال (خطاياكم)
﴿سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ هناك قال ﴿وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ تعداد أيضًا للنعم.
ﱡﭐ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﱠ
وقوله ﴿بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ﴾ وقد قال قبل ﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟﴾ فهذا لتسجيل الظلم عليهم.
﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ هناك ﴿فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟﴾ بالتصريح هنا قال ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ بالإضمار.
﴿رِجۡزٗا﴾ أي عذابا.
﴿مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ﴾ وهناك ﴿بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ فقد جمعوا بين الظلم والفسق، فقد بدلوا وقالوا حبة في شعيرة، وقالوا حنطة، ولم يقولون حطة التي أمرهم الله عز وجل بها.
ﱡﭐ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﱠ
ثم قال ﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ أي: اسأل يا رسول الله بني إسرائيل، سل اليهود.
﴿عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ﴾ أي: بمقربة من البحر قريبة من البحر.
ومن المعلوم أن الذين يسكنون بجوار البحر يكون اعتمادهم في باب الرزق وفي باب العمل على الاصطياد، فقال ﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ﴾
﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ﴾ ولم يسم الله لنا هذه القرية ولسنا بحاجة إلى معرفة اسمها، كما قال كثيرون من المفسرين إذ قالوا: إنها أيلة.
قال ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ﴾ أي: يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت بعد نهيهم عنهم، فقد نهوا عن الاصطياد في يوم السبت، لكنهم كانوا يتجاوزون الحد في هذا اليوم.
﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ﴾ أي أسماكهم.
﴿يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ أي تكون ظاهرة على وجه البحر يوم السبت
﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ يعني يوم لا يعظمون السبت أو لا يكون يوم سبت يكون يوما آخر من الأيام لا تأتيهم لا يجدون شيئًا من هذه الأسماك
وقد قال بعض العلماء أنهم في بادئ الأمر اعتدوا في السبت فوقعوا في المحرم الصريح
فماذا كان بعد؟
﴿كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾فابتلوا بسبب الفسق.
إذا هم ابتداء ارتكبوا الحرام الصريح وتجاوزوا الحد، فابتلاهم الله بأن الأسماك لا توجد إلا في هذا اليوم
وفي غير هذا اليوم لا يجدون شيئًا من ذلك وهذا فيه أن الحرام قليل وأن الحلال كثير،لكن العبد إذا أقبل على الحرام وترك الحلال لم يجد أمامه إلا الحرام، اتسع الحرام عليه وضاق الحلال عليه.
والسبب في ذلك أنه قارب الحرام ابتداء أو باشره، فحينئذ كما ذكر جماعة من أهل من أهل التفسير تورع بعضهم شيئًا ما وهو تورع ليس بذاك، قالوا: لن نصطاد في يوم السبت صراحة، نرجع ونعود، ماذا يصنعون؟
يضعون الشباك قبله ثم يأخذون الشباك بعد السبت يوم الأحد ويقولون نحن لم نصطد يوم السبت مع أنهم باشروا ذلك فكان هذا من الحيل الممنوعة.
1. الجحود والكفران سبب في الحرمان من النعم.
ولذلك ربنا قال ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ﴾ فبسبب ظلمهم سلط الله عز وجل عليهم العذاب وزالت عنهم النعم وكذلك الآخرون أيضًا في نعيم الدنيا ﴿نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾.
2. من أسباب حلول العقاب ونزول العذاب التحايل على الشرع؛ لأنه ظلم وتجاوز لحدود الله ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ﴾
وقال أيضًا ﴿كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ وفيه ذم الحيل الممنوعة؛ لأنهم قاموا بهذه الحيل وظنوا أن هذه الحيل لهم أن يفعلوها لكن الله سبحانه وتعالى عاقبهم بسببها كما سيأتي تقريره بعد قليل.
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱠ
بين الله سبحانه وتعالى أن الناس كانوا مع هذا الصنيع على ثلاث فرق:
*فهناك فرقة أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر.
* وفرقة أخرى ارتكبت المنكر وفسقت عن أمر الله سبحانه.
*وفرقة سكتت، وقالت هذا الذي قالته للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر،فهم على ثلاثة أقسام
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾ الأمة هنا بمعنى الجماعة وهي الأمة التي لم تأمر بالمعروف ولم تنه عن المنكر.
لكنها لم تقترف المنكر أيضًا فهي لم تقارف في المنكر، ولم يقع منها اصطياد في يوم السبت، ولم تباشر ما باشره أهل المعاصي في هذا الباب، وفي الوقت ذاته لم تنه عن المنكر ولم تأمر بالمعروف.
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ هم يقولون لمن؟ يقولون للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ما الفائدة من وعظهم؟
يفهم أن هذه الطائفة وإن لم تنه عن المنكر، لكنها كانت تعتقد أن من يجترئ على الله وأن من يختال وأن من يصطاد في يوم السبت أو يحتال على الاصطياد في يوم السبت فإنَّ مصيره إلى الهلاك والتعذيب.
لذلك رجح كثير من الأئمة أن هذه الطائفة نجت أيضًا مع من نجا، فالله سبحانه وتعالى بين وقال ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ﴾
فبين الله أن الذين كانوا ينهون عن السوء أنجاهم ربي سبحانه وتعالى، فقال ﴿أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ﴾
وبين عقاب الظالمين فقال ﴿وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾
وماذا عن من لم ينه عن المنكر ولم يقع في المنكر؟ اختلف المفسرون في ذلك:
*فمنهم من قال سكت الله عنهم لأنهم سكتوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجزاء من جنس العمل.
*واختار عدد من العلماء أنهم مع الناجين؛ لأنهم قالوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ ولأن الله لما ذكر الهلاك ذكره للذين ظلموا فخصهم الله عز وجل بذلك، وهذا ما رجحه عكرمة، وقالوا أنه قال ذلك لابن عباس رضي الله عنهما، وأقر ابن عباس قوله، وكساه حلة بسبب ما صار إليه عكرمة من الاستنباط بأنهم داخلون في عداد الناجين وليس في عداد الهالكين.
﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ قالوا: أي قال ﴿ٱلْءَامِرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾ ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾
وهذا فيه أن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إذا قيل له لم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر من لا يستجيب لك؟
فيكون جوابه: نعتذر إلى الله فنكون قد أقمنا الحجة وأيضا أزلنا عن نفسنا التقصير لأننا بلغنا.
والجانب الآخر ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ما يدرينا لعل الله سبحانه وتعالى يقذف في قلوب المدعوين ما يجعلهم يقبلون الحق ويستجيبون له، وكم من شخص ظن به الشر وعدم قبول النصيحة، ذكر فتذكر، ونصح فأنتصح واستجاب أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
قالوا ﴿مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ وقوله﴿مَعۡذِرَة ﴾ فيها قراءتان: ﴿مَعْذِرَةً﴾ والقراءة الأخرى ﴿مَعْذِرَةً﴾
فعلى قراءة ﴿مَعْذِرَةً﴾ بالرفع ﴿قَالُوا۟ مَعْذِرَةً﴾أي: نصيحتنا معذرة أو كلامنا معذرة
أو هذه أي: الموعظة معذرة
ولذلك قالوا هنا: نصيحتنا لهم معذرة، هذا على قراءة الرفع
وأما على قراءتي (قالوا معذرة) أي: نعتذر معذرة، فتكون مفعولا مطلقا لقوله نعتذر، أو (قالوا معذرة) أي: فعلنا معذرة من أجل الاعتذار.
* وأيضا يمكن أن يقال أنه مفعول له، أي هذا من أجل الاعتذار إلى الله سبحانه وتعالى.
ولذلك ما صنعوه هنا في المختصر، إذ قالوا: نصيحتنا لهم معذرة.
الأولى أن يقال: ننصحهم معذرة ليناسب النصب لا الرفع، فإنما ذكر هنا يناسب لقراءة الرفع والعلم عند الله تعالى.
ﱡﭐ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱠ
نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ولم يلتفتوا له﴿أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ﴾ أي بعذاب شديد.
﴿بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله، وإصرارهم على المعصية.
ﱡﭐ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱠ
﴿فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ﴾ أي: تجاوزوا الحد في عصيان لا تكبرا وعنادا ولم يتعظوا.
﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ أي: أذلاء مبعدين صاغرين.
وظاهر الآية الكريمة أن هؤلاء صيرهم الله قردة على وجه الحقيقة حول الله صورتهم، ومسخهم قردة كما قال الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ٦٦﴾ [البقرة: 65 -66] [البقرة: 66] فالمسخ هنا مسخ حقيقي، حولهم الله ومسخهم قردة.
لذلك قالوا: أن بعضهم كان يرى صاحبه فيعرف أنه فلان، لكنه يراه قردا، قالوا وهذا من باب أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن القرد أقرب الحيوانات إلى الإنسان فصورته تقترب من صورة الإنسان، لكنه يختلف عن الإنسان.
فلما كانوا يصطادون قبل السبت، أو لما كانوا يضعون الشباك قبل السبت ويأخذونها بعد السبت فالصورة أنهم يتعاملون معاملة غير محرمة، وهم في حقيقة الأمر يحتالون أو يتحايلون، فكان الجزاء من جنس العمل أن مسخ الله صورهم إلى قردة، فكان أحدهم يأتي ويبكي إلى جوار صاحبه، وقد سيره الله قردا كما جاء في بعض الروايات وإن كانت إسرائيلية، لكن المقام يشهد لها والعلم عند الله.
وأما ما ذهب إليه مجاهد رحمة الله إلى أن المسخ هنا مسخ صوري وليس مسخا حقيقيا، أن هذا المسخ مسخ القلوب، يعني مسخت قلوبهم، فهو خلاف الظاهر، والعلم عند الله.
والأقرب أنه مسخ صوري معنوي ومسخ أيضًا حقيقي، كما ذكر ابن كثير وغيره من أهل التفسير.
قال ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ [البقرة: 65] وربي على كل شيء قدير، فربنا قادر على ذلك.
وهذا الذي ذكره الله من باب العقوبة، عاقبهم الله فصاروا قردة وهذا الذي ذكره الله في القرآن العزيز أن بعض الناس وهم هؤلاء صيرهم الله قردة، حولهم إلى قردة لا أن القردة هو أصل الإنسان وأن الإنسان هو الذي تحول من القرد فإنَّ هذا من العبث ومن الباطل والزور
فإنَّ الله بين خلق الإنسان وبين خلق آدم عليه السلام، وكيف نشأ الجيل من ذريته وليس كما ذهبوا في هذه النظرية الباطلة الداحضة التي ثبت بطلانها نقلا وشرعا وعقلا كما لا يخفى.
ﱡﭐ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﱠ
فسلط الله على اليهود من يذلهم ومن يدينهمحتى وإن بدوا بين الناس حتى وإن ظهروا بين الناس بقوة وبتكبر فإنهم أذلاء في أنفسهم، يخافون وقلوبهم متفرقة.
قال الله ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ ۖ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ الجمع بين الترغيب والترغيب بين الوعيد والوعد.
ﱡﭐ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﱠ
ثم قال ﴿وَقَطَّعْنَـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أُمَمًا﴾ فرقناهم في الأرض ومزقناهم فيها طوائف؛ لذلك تراهم مبعثرين في شتى بقاع الأرض.
﴿مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ﴾ وهذا من عدل القرآن وإنصافه.
﴿مِّنْهُمُ ٱلصَّـٰلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَـٰهُم بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قالوا هنا: اختبرناهم بأليسر والعسر، فالحسنات اليسر والنعم، والسيئات المصائب، كما قال ﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]
لذلك تقدم أن العبد يبتلى بالحسنات أي: يبتلى بالرخاء كما يبتلى بالشدة والجذب والقحط والفقر وما إلى ذلك.
ﱡﭐ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﱠ
﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ قالوا هنا: أهل سوء يخلفونه، وهذا هو المشهور في كلمة ﴿خَلۡفٞ﴾ بسكون اللام أنها تستعمل في جانب الشرع، خلف يعني من أهل الشر.
﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ ورثوا الكتاب: أي أخذوا التوراة من أسلافهم، فالمراد بالكتاب هنا: التوراة، تلقفوه وأخذوه عمن سبقهم من اليهود.
﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ﴾ أي: يأخذون متاع الدنيا الرديء رشوة؛ لتحريفهم كتاب الله فيعرض عليهم العرض الدنيوي فيقولون نعم نقبل هذا فيقبلون الرشوة، ويغيرون ما أراد الناس من كتاب الله فيحرفون الكلمة عن مواضعه ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا.
ثم يقولون: سيغفر لنا، الرب كريم غفور، فيحرفون الكلمة عن مواضعه، ويحذفون من التوراة ما يحذفون، ثم يقولون الرب غفور.
﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يأتيهم متاع دنيوي زهيد يأخذوه مرة بعده مرة.
فهكذا ﴿ٱشْتَرَوْا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وهذا فيه تحذير للمؤمنين من أن ينساقوا خلفهم أو أن يوافقوهم في ذلك.
﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَـٰقُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن لَّا يَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ أي قد أخذ عليهم ميثاق الكتاب ﴿إِلَّا﴾ يقولون على الله إلا الحق، فأهل الكتاب مأخوذ عليهم الميثاق ﴿إِلَّا﴾ يقولون على الله إلا الحق، وأن يبينوا الحق وألا يكتموه.
لكن الأمر كما قال الله ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْا۟ بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187]
قال ﴿وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ﴾ قد يقول قائل: أنهم جهلوا ذلك ولم يعلموه وخفي عليهم الأمر، فقال الله ﴿وَدَرَسُوا۟ مَا فِيهِ﴾ هم يعرفون ويعرفون وعيد الله وأمر الله ونهي الله، لكنه العرض الدنيوي الزائل الاغترار بالدنيا والافتتان بها.
ﱡﭐ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﱠ
﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ﴾ والقراءة الأخرى ﴿يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ﴾ وهنا ﴿يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ﴾ مبالغة في التمسك بالكتاب، يستمسك به.
﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: 43]
﴿وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ إقامة الصلاة لأن إقامة الصلاة تعلم الإنسان حقيقة الآخرة،وتبعده عن الافتتان بالدنيا وتجعله يخلص لله رب العالمين.
﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ ولم يقل: إنا لا نضيع أجرهم، وإنما قال ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾
فعلم من ذلك أن الذين ﴿يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ من المصلحين.
وقال ﴿ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ ولم يقل الصالحين؛ لأن المراد هنا في المقام المصلح فهو ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ في نفسه مصلح لغيره، جعلنا الله من الصالحين المصلحين.
قال الشيخ حفظه الله:
1. إذا نزل عذاب الله على قوم بسبب ذنوبهم ينجوا منه من كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فيهم قال الله سبحانه ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾
2. يجب الحذر من عذاب الله فإنه قد يكون رهيبا في الدنيا كما فعل سبحانه بطائفة من بني إسرائيل حين مسخهم قردة بسبب تمردهم ﴿فَلَمَّا عَتَوْا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ وقد جاء في حديث حسنه بعض أهل العلم (سيكون في أمتي قذف ومسخ وخسف) فهذا يدل على أن الأمر جد خطير وينبغي للعبد أن يحذر من بطش الله ومن عذابه.
3. كتب الله على بني إسرائيل الذلة والمسكنة وتأذن بأن يبعث عليهم كل مدة من يذيقهم العذاب بسبب ظلمهم وانحرافهم، وإن تمكنوا في بعض الأحوال فيبعث الله عز وجل عليهم ﴿مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ كما قال ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾
4. نعيم الدنيا مهما بدأ أنه عظيم فإنه قليل تافه بجانب نعيم الآخرة الدائم ولذلك قال الله ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُۥ يَأْخُذُوهُ﴾ إلى أن قال ﴿وَٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ لو تعقالوا لعلموا أن الدنيا تافهة وأنه لا ينبغي للمرء أن يترك الآخرة وأن يترك العمل لها من أجل دنيا ذاهبة.
5. أفضل أعمال العبد بعد الإيمان إقام الصلاة لأنَّها عمود الدين وعمود الأمر قال الله ﴿وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.
ونقف عند هذا الحد. ونذكر الإخوة الأكارم بارك الله فيهم بفضل العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، ينبغي لنا أن نجتهد فيها فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) فحري بنا أن نجتهد في هذه العشر من الأعمال الصالحة بما تيسر منها،ونسأل الله أن يتقبل منا ومنكم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الأعمال، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وبإذن الله تعالى سنستمر في الدروس ونسأل الله الإعانة والتوفيق
ولعلكم قرأتم ما أعلن عنه من المسابقة وموعدها فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينكم على المذاكرة والاجتهاد في القرآن، وفهم القرآن، وتدبر القرآن، جعلنا الله من أهل القرآن العاملين به، ورزقنا الإخلاص والقبول، والعمل بما نقول، هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فنواصل القراءة في كتاب مختصر في تفسير القرآن الكريم، وما زلنا مع سورة الأعراف ونسأل الله الإعانة والتوفيق
قال الله سبحانه ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱠ
قالوا هنا في التفسير: واذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم إذ اقتلعنا الجبل، فرفعناه فوق بني إسرائيل
وتقدم أن الأفضل أن يقال: واذكر يا رسول الله، كما هو النداء المتكرر في القرآن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ﴾ و﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ﴾
وتقدير الكلام بقوله: واذكر لأن هذا مناسب لذكر إذ فإنه قد تقدم أنه في كثير من الأحوال يقدر مع (إذ) الفعل (اذكر)؛ وذلك لأنَّه جاء مصرحا به في بعض المواضع من كتاب الله سبحانه وتعالى، كقوله ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ ﴿وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُۥ بِٱلْأَحْقَافِ﴾ ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾
فالشاهد أن إذ تكون معمولا لعامل مقدر وهو اذكر، فهنا قال ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: اذكر يا رسول الله إذ اقتلعنا الجبل فرفعناه فوق بني إسرائيل
وقوله ﴿نَتَقْنَا﴾ معناه: رفعنا، لكن النتق أخص من الرفع فهو رفع مع قوة ومع اقتلاع ولذلك جاء التعبير عنه هنا بقوله ﴿نَتَقْنَا﴾ وأحسنوا إذ قالوا في التفسير: اقتلعن الجبل فرفعناه، وذلك أن هؤلاء من بني إسرائيل لم يستجيبوا لما في التوراة من تعاليم وأحكام، ولم يوافقوا على ما جاءهم به موسى عليه السلام، فأمر الله عز وجل برفع الجبل فوقهم وصار قريبا منهم، يظلهم، وحينئذ كان هذا وعيدا لهم وتهديدا من أن ينزل الجبل عليهم، وأن يهلكوا بوقوعه عليهم، أو أن يعودوا إلى رشدهم بالتوبة النصوح، والعزم الأكيد على الاستسلام لأمر الله وأمر رسوله موسى عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك هناك في الآية الأخرى ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَـٰقِهِمْ﴾
فقوله ﴿وَرَفَعۡنَا﴾﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾ ﴿ٱلطُّورَ﴾ هو الجبل
وقوله ﴿رَفَعۡنَا﴾ هناك المراد بها: نتقنا، إلا أن النتق كما تقدم أخص، وكذلك العلاقة بين الجبل والطور، فقد قالوا: إن الجبل هو الطور
وبعضهم قال: إن الطور ﴿أَنَّمَا﴾ يقال له طور إذا كان محاطا بنخيل ونحو ذلك، وبناء عليه فيكون الطور أخص من الجبل، فيكون كل طور جبلا، وليس كل جبل طورا، على ما حرره بعض العلماء
﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: فوقهم قريبا منهم
﴿كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٌ﴾ قالوا هنا أي: كأنه سحابة تظل رؤوسهم
﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُۥ وَاقِعٌۢ بِهِمْ﴾ أي: غلب على ظنهم أنه واقع بهم، أو أيقنوا أنه واقع بهم
﴿خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ أي: ﴿وَقِيلَ﴾ لهم خذوا، فهنا فعل القول مقدر، أي: ﴿وَقِيلَ﴾ لهم يا بني إسرائيل خذوا ما ءاتيناكم بقوة ﴿وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
ولذلك هناك أيضًا ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ فقال هنا ﴿خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ وهذا فيه أنه ينبغي للعبد أن يستمسك بكتاب الله، وألا يفرط فيه
ولذلك فهذه الآية لها صلة وثيقة بالآية التي قبلها ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ وهناك من لم يتمسك بالكتاب ولم يلتفت إلى الكتاب، ولم يلق له بالا، وهم بنو إسرائيل؛ فلذلك استحقوا هذا الوعيد والتهديد من الرب المجيد سبحانه وتعالى
﴿خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا۟ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: تذكروا ما فيه من الأحكام، لعلكم تتقون الله سبحانه وتعالى بامتثال أوامره واجتناب نواهيه
ثم قال الله سبحانه ﱡﭐ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣﱤ ﱥ ﱦ ﱧﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱠ
هذا تذكير آخر بالميثاق الأول المأخوذ على الخلق؛ ولذلك حينما يقول قائل ما وجه العلاقة، وما وجه الصلة بين هذه الآية؟ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ والآية السابقة؟
فيقال والعلم عند الله أن الآيات السابقة تحدثت عن الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل، أو الميثاق المأخوذ لبني إسرائيل، وهو ميثاق خاص، فبعد أن ذكر الله الميثاق الخاص الذي فرط فيه بنو إسرائيل، وقد أخذ عليهم ﴿خُذُوا۟ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾
ذكرنا الله بالميثاق العام الذي لم يؤخذ على بني إسرائيل فقط، وإنما أخذ على بني آدم جميعهم، فقال ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ وأيضا هنا التقدير: واذكر يا رسول الله إذ ﴿أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ والآية التي قبلها ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ فهذا فيه التفات، لم يقل هنا: وإذ أخذنا من آدم ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾
وأيضا لأن هذا الميثاق يتعلق بربوبية الله سبحانه، فناسب أن يذكر معه الربوبية صراحة ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ فهو رب الخلق ومربيهم ومتولي شؤونهم؛ ولذلك فإنه عز وجل أقام الحجة عليهم، ولم يتركهم هملا
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ﴾
اختلف أهل التفسير اختلافا مشهورا في المراد بهذا الميثاق الذي أخذه الله عز وجل على بني آدم، وما المراد بقوله ﴿مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
فبعض العلماء قال: إن المراد بذلك ما أخذ عليهم جيلا بعد جيل، وعلى ذلك فقوله ﴿مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ وذلك أنه يستخرج من ظهر الإنسان ما يخرج من صلبه، وما يكون سببًا في إنشاء الذرية، فينشأ جيل بعد جيل وقرن بعد قرن
ويكون النفاق المأخوذ على هذه الأجيال ميثاق الفطرة، وذلك بما ركب الله عز وجل في بني آدم في فطرهم من رغبتهم في توحيد الله وميلهم إلى الإيمان بالله؛ ولذلك لو ترك هؤلاء والفطرة لاختاروها
ولذلك جاء
وبناء عليه فيكون قوله ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ﴾ أي: شهادة حال، وليست شهادة مقال، يعني أن حالهم يشهد بأن الله إله واحد لا شريك له، إذا يكون معنى الآية ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ كما قالوا هنا في التفسير: إذ أخرج ربك من أصلاب بني آدم ذرياتهم
فيكون معنى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ يعني أخرج من أصلاب بني آدم ذرياتهم، وقررهم بإثبات ربوبيته