سورة الأعراف — الجزء 6
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
أي: بعد جيل بما أودعه في فطرهم من الإقرار بأنه خالقهم، وتكون الشهادة كما قلت شهادة حال، بأن حالهم يشهد بأن الله واحد لا شريك له وقد قال الله سبحانه ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا۟ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ شَـٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ﴾ فقالوا: إن الشهادة هنا على أنفسهم بالكفر هي شهادة الحال، ومنه قوله ﴿وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ أي: حاله يشهد بهذا الجحود والإعراض، عن شكر نعمة الله سبحانه وتعالى التي أنعم بها عليه، هذا هو المعنى الذي اختاروه هنا، واختارها عدد من المفسرين كالزمخشري وابن كثير وغيرهما
بينما ذهب كثير من المفسرين، وهو قول جماهير المتقدمين من السلف إلى أن المراد بالميثاق هنا: ما أخذه الله عز وجل على بني آدم، حيث أخرج ذرية آدم من آدم عليه السلام بعد أن مسح ظهره، فاستخرج هذه الذرية ونثرها بين يديه سبحانه وتعالى، وكلمهم وقال لهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾
فكانت هذه شهادة مقال، أشهدهم الله عز وجل على وحدانيته، فشهدوا له سبحانه وتعالى بذلك ولذلك جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه حينما يقول الله لأهون أهل النار لو أن عندك شيئًا من الدنيا أكنت مفتديا به؟ فيقول: بلى، فيقول الله عز وجل: قد أردت منك ما هو أهون من ذلك وأنت في صلب أبيك آدم ﴿إِلَّا﴾ تشرك بي شيئًا، فأبيت إلا الشرك
فالشاهد من ذلك: أن المراد بالميثاق على هذا القول هو ما وقع قبل ذلك عند خلق آدم عليه السلام حين أخرج الله من ظهر آدم كل نسمة هو خالقها، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا
ولذلك وردت أحاديث مرفوعة وآثار موقوفة عن الصحابة رضي الله عنهم تشهد لهذا المقام، وأن الله عز وجل قال لهؤلاء الخلق ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ﴾
وبناء عليه فتكون الشهادة شهادة مقالية حقيقية وليست شهادة حال، لكن يرد على هذا إشكال، وهو أن الله عز وجل قال في الآية هنا ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ﴾ آدم من ظهره، وإنما قال ﴿مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾
وأجاب بعض العلماء عن ذلك بأنه لا حرج من أن يطلق بنو آدم ويراد بهم آدم عليه السلام، فقد يطلق الأبناء ويراد الأب، كما يطلق الأب ويراد الأبناء، ولهذا صور، وقد تقدم بعضها وسيأتي بإذن الله تعالى في درس الليلة أيضًا ما يشهد لذلك قريبا بإذن الله تعالى في الآيات التي تتعلق بقصة آدم وزوجه عليهما السلام
وبعض العلماء قالوا: يقال إن السنة النبوية والآثار التي وردت تشهد لاستخراج ذرية آدم من آدم، ولا يمنع أيضًا أن تكون الشهادة قد وقعت أيضًا من ظهور بني آدم، فيكون القرآن الكريم قد دل على نوع من هذه الشهادة، ودلت السنة النبوية والآثار على شهادة أخرى، وهي استخراج ذرية آدم من آدم عليه السلام فتكون الشهادة باستخراج الذرية من آدم، وأيضا باستخراج ذرية كل رجل منه فلكل رجل جيل يتبعه وذرية تتبعه، فيكون هذا من الآية ويكون شهادة أو يكون استخراج الذرية من ظهر آدم عليه السلام مما جاءت به السنة النبوية، فقد جاء في بعض الروايات نثرهم بين يديه كالذر ثم كلمهم قُبلا، كلمهم الله عز وجل وقال سبحانه وتعالى ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ﴾ وبناء عليه فهذا قول ثان في الآية الكريمة، والآية تحتمل هذا وذاك والعلم عند الله
هنا في المختصر اعتمدوا القول بأن المراد بالميثاق هنا: الفطرة التي ركبها الله في بني آدم
وأيضا مما ورد على القول الآخر وهو أن المراد بذلك الميثاق الذي تم باستخراج ذرية آدم من آدم عليه السلام بأن هذا لا يتذكره الإنسان فكيف تقوم به الحجة؟ رب العزة بعدها قال ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ﴾ يعني جاهلين غير عالمين، لا نعلم بهذا، والآن لا يتذكر أحد هذا الميثاق، فهذا الميثاق أيضًا الآن صار بالنسبة لبني آدم غير معروف، أو غير معلوم، أو غير مذكور
فأجيب عن ذلك بأن الرسالات جاءت للتذكير به، وبأن الوحي جاء لينبه عليه، فقامت الرسالات وقام الوحي بهذا الأمر وهو التذكير بالعهد السابق، ومن ثم فالحجة قامت بالرسالات، وإلا فإنه يرد أيضًا على القول بأنها الفطرة بأن وحدها لا تقوم بها الحجة، فإنَّ الله عز وجل لا يعذب عباد بسبب أن الفطرة ركبت فيهم على التوحيد، وإنما كما قال الله ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
وقال ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَـٰهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِۦ لَقَالُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾
وأيضا ﴿وَلَوْلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا۟ رَبَّنَا لَوْلَآ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ ءَايَـٰتِكَ﴾
فالشاهد من ذلك أن الحجة ﴿أَنَّمَا﴾ تقوم بماذا؟ بإرسال الرسل، وليس بالفطرة وليس بالميثاق الأول، وإنما هذا تذكير بالعهد السابق، ومن ثم فيتم الأمر في الحالتين والعلم عند الله
وتكون الآية محتملة للقولين: أن يكون المراد بهذا الميثاق: الفطرة التي ركبها الله عز وجل في الخلق، وأن يكون هذا هو بإشهاد الله جل وعلا الخلق ﴿أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ وحده لا شريك له، وأن ذرية آدم أقروا بذلك وقالوا ﴿بَلَىٰ﴾ وشهدوا أن الله واحد لا شريك له
قال ﴿أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ﴾ قالوا أي: حتى لا تنكروا يوم القيامة حجة الله عليكم وتقولوا إنه لا علم لكم بذلك
إذا ما معنى ﴿أَن تَقُولُوا۟﴾؟ يعني لئلا تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ
وتقدم كثيرًا أن مثل هذا يأتي في القرآن ويرد وهو تقدير التعليل، كقول ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟﴾ لئلا تضلوا، وكذلك هنا لئلا تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ﴾ قوله ﴿بَلَىٰ﴾ هذا فيه أن الله ربهم؛ لأن نفي النفي إثبات؛ ولذلك فإنَّ بلى يؤتى بها بعد النفي؛ لنفي النفي، وحينئذ تكون بمعنى الإثبات، كما أنها تأتي في باب الاستفهام كما في الآية التي معنا
إذا ﴿بَلَىٰ﴾ لها موضعان في ورودها: ترد بعد كلام منفي لنفي هذا الكلام المنفي، وتأتي في مقام الاستفهام المنفي من باب التقرير، وهذا هو المراد هنا
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ على سبيل التقرير، فجاء الجواب ﴿بَلَىٰ﴾ يعني: نقر يا ربنا بأنك ربنا وأنك إلهنا
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ يحتمل أن قوله ﴿شَهِدۡنَآۚ﴾ من تتمة كلام بني آدم، أي: شهدنا بذلك ويشهد بعضنا على بعض، وبناء عليه فيكون قوله ﴿شَهِدۡنَآۚ﴾ من تتمة الكلام فيوصل بقوله ﴿بَلَىٰ﴾
والاحتمال الثاني: أن ﴿شَهِدۡنَآۚ﴾ هذا المراد به شهادة الملائكة
وبعضهم قال: شهادة الله عز وجل، فيكون الكلام قد تم عند قوله ﴿بَلَىٰ﴾
﴿قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ﴾ أي: شهدنا عليكم بهذه الشهادة وبهذا الإقرار الذي أقررتم به ﴿أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَـٰفِلِينَ﴾
ﱡﭐ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﱠ
﴿أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ أي: تعتذرون بهذا الاعتذار، فإما أن تعتذروا قائلين: لا علم لنا بذلك، لم نعلم شيئًا عن التوحيد، ولم نعلم شيئًا عن ربوبية الله سبحانه
أو أننا تبعنا الآباء وقلدنا الآباء، ولم نجد طريقا نسلكه إلا طريق الآباء
﴿أَوْ تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنۢ بَعْدِهِمْ ۖ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾
﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ أي: الآخذون بالباطل، يعني هل تسوينا مع من أخذ بالباطل؟ فالله عز وجل من حكمته وعدله لا يسوي بين من يتعمد فعل الباطل، وبين من صنعه عن جهالة وعدم علم، لكن الله أقام الحجة على الخلق، وهو كما قال ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وكما قال ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
ثم قال ﱡﭐ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﱠ
قالوا هنا في التفسير: وكما بينا الآيات في مصير الأمم المكذبة كذلك نبينها لهؤلاء
إذا ما معنى ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ إما أن يقال: مثل هذا التفصيل السابق الذكر فيما يتعلق بالميثاق
أو: وكذلك ما قصه الله عز وجل علينا في شأن الأمم السابقة التي كذبت رسل الله وأنبيائه، فأهلكهم الله بسبب تكذيبهم، ففصل الله الآيات؛ ليتوب الناس إلى ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
ولك أن تقول: إن هنا تقديرا؛ وكذلك نفصل الآيات لينتبهوا، ليتعظوا ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
ثم قال ﱡﭐ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﱠ
﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اقرأ عليهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول ﴿نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا﴾
الذي عليه جماعة كبيرة من أهل العلم أن هذا الرجل الذي أتاه الله آياته هو رجل من بني إسرائيل، أتاه الله عز وجل علما
قال بعضهم: أنه رجل يقال له بلعام ابن باعوراء ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك
وبعضهم قال: بل إنه كان من الكنعانيين، رفض بنو إسرائيل أن يدخلوا ديارهم الأرض المقدسة، كما قال الله ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 20] إلى أن قال ﴿يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: 21] وقد تقدم تفسير ذلك في سورة المائدة
لكن الأول أرجح فمسألة أنه من الكنعانيين الأقرب أنه رجل معروف لديهم في بني إسرائيل، وبعض المفسرين حمله على بعض المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأمية بن أبي الصلت
فقالوا: إن هذا الرجل آتاه الله علما كثيرًا وشعرا كبيرا، حتى أنه ورد في بعض الروايات آمن شعره وكفر هو بالله عز وجل، لكنه حديث لا يثبت H0
والأقرب أنه رجل كان معروفا لبني إسرائيل، فلا يكون هو أمية بن أبي الصلب، على أن العبرة بعموم الألفاظ
وهذا لا يقال إنه من باب أسباب النزول من حيث التأصيل في علوم القرآن، فإنَّ سبب النزول كما يقول كثيرون من أهل العلم: هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه أو مبينة لحكمه أيام وقوعه، فيشترط في سبب النزول أن يقع سبب على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من سؤال أو حادثة، ثم تنزل الآيات الكريمة متحدثة عنه
أما الحديث عن الأمم السابقة وعن أحوال السابقين فلا يقال له سبب نزول، ﴿أَنَّمَا﴾ هو من الأخبار السابقة؛ لذلك فالأخبار الواردة في شأن قصص الأنبياء والمرسلين السابقين لا يقال عنها أنها أسباب نزول والعلم عند الله تبارك وتعالى
﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا﴾ وهناك قول شاذ وهو أنه نبي أتاه الله النبوة وهذا باطل؛ لأن من أتاه الله النبوة لا ينسلخ عن آيات الله، ولا يرفض آيات الله ولا يترك الحق؛ لأن الأنبياء معصومون من مثل ذلك
إذا هو رجل أوتي علما كثيرًا، لكنه لم يستمسك بهذا العلم، وتخاذل عنه، فلم يعمل بما يقتضيه علمه، وإنما تخلى عن علمه، والآية الكريمة فيها تحذير شديد من ترك العمل بالعلم
ولذلك قالوا: (هتف العلم بالعمل فإنَّ أجابه وإلا ارتحل) يعني أن العلم يهتف بالعمل تعال، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ العمل لا بد من وجودك، فإذا لم يتبع العلم بالعمل فلا بركة حينئذ في العلم، بل إن العلم يكون وبالا على صاحبه، ومن ذلك ما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن القرآن إذ قال (والقرآن حجة لك أو عليك)
﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا﴾
﴿ءَأيَٰتِنَا﴾ دلائل من دلائل قدرتنا ومن دلائل عظمتنا، أو أتيناه كثيرًا من الأحكام الشرعية
﴿فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ﴾
﴿فَٱنسَلَخَ مِنْهَا﴾ قالوا: تركها وانخلع منعة منها بهذا الأسلوب ﴿فَٱنسَلَخَ مِنْهَا﴾ مثل السلخ الذي يجري للبهيمة، ومعنى ذلك أنه انفك عنها وسلخ نفسه عن العلم وعما يقتضيه العلم وكأنه من عالم آخر، وكأنه لم يسمع بهذا العلم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾
﴿فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ أي: فلحقه الشيطان وصار قرينا ولذلك قال ﴿فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ أدركه ولحقه، ولم يقل: فتبعه الشيطان، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿فَأَتۡبَعَهُ﴾ يعني كأنه لحقه وأدركه، وصار قرينا له
حتى أن بعضهم قال: وجعل الشيطان تابعا له، وكأنه صار إماما في الفساد والإفساد حتى صار الشيطان بمثابة الخادم له الذي يتبعه في سيره
﴿فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ﴾ وعبر عنه بالغواية؛ لأنه ترك الحق عن قصد، كما تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في تفريق بعض العلماء بين الضلال والغواية، فهو من الغاوين الذين عرفوا الحق وحادوا عنه
قال ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا﴾ قالوا ولو شئنا نفعه بهذه الآيات، تقدم معنا أن فعل المشيئة إذا جاء في سياق الشرط فإنَّ مفعوله يقدر غالبًا؛ فلذلك قالوا هنا: ولو شئنا نفعه بهذه الآيات
يعني لو شئنا انتفاعه بتلك الآيات لرفعناه بها، وهذا فيه أن من انتفع بآيات الله فهو رفيع القدر والمنزلة عند الله سبحانه وتعالى، وكلما أقبل العبد على العلم الذي تعلمه وعمل به كان رفيع القدر عند الله سبحانه وتعالى
قال ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا﴾ أي: بأن نوفقه للعمل بها فيرتفع في الدنيا والآخرة، فالعلم النافع والعمل الصالح سببان في رفعة العبد في دنياه وفي أخراه
ولذلك جاء عنه صلى الله عليه وسلم (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوأما ويضع به آخرين)، وسمى الله عز وجل القيامة ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ [الواقعة: 1 -3] فهي تخفض أقوأما، وترفع أقوأما، ترفع من استمسك بالعلم النافع وعمل العمل الصالح، وتخفض من خالف ذلك
قال الله سبحانه ﴿وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ﴾
قد يسأل سائل فيقول: ما الذي حجب هذا العالم عن العمل بالعلم؟ ما الذي صرفه عن العمل بالعلم؟
فالجواب ﴿أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ﴾ إذا من أسباب ضلال العالم، أو من أسباب غواية العالم أو من علمه الله سبحانه وتعالى علما، لكنه حاد عنه الركون إلى الدنيا واتباع الهوى، أن يركن الإنسان إلى الدنيا وأن يتبع الشهوات وكذلك أن يتبع هواه
فقال ﴿وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ يريد دنيا يريد مناصب يريد شهرة، يريد جاها، يريد سلطانا، يريد مالا، فحين إذ يضيع عليه دينه ويضيع عليه العلم الذي تعلمه
﴿وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ﴾ اتبع هواه وترك اتباع الهدى واتباع الحق، فصار هواه إلها له ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ سبحانه وتعالى
﴿وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ وعبر عن الدنيا بالأرض، فقوله ﴿أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ أخلد إلى الدنيا لكنها أرض، فأين هي من السماء؟ وأين هي من الآخرة؟ وأين هي من العمل الصالح؟ ﴿وَلَـٰكِنَّهُۥٓ أَخْلَدَ إِلَى ٱلْأَرْضِ﴾ وكأنه ظن أنه خالد في الأرض، فمال إليها ميل المقيم بها إقامة دائمة مع أنه زائل عنها، فهو زائل عنها أو هي زائلة عنه
قال ﴿ٱلْأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ ۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
ضرب الله عز وجل له أسوء المثل، فمثله بهذا، بحال هذا الكلب، هذا ﴿ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾، يعني أنه في كل أحواله يلهث، وهذا يدل على هوإنه وعلى ذله، فهو يذل بلسانه ويتنفس تنفسا شديدا يدل على إرهاقه وتعبه، فهو ليس بمستريح لا في حالة الحمل عليه، ولا في حالة تركه، يعني المفترض أنه حالة الحمل عليه يشتد ويسرع فيقع منه هذا اللهث، لكنه في حالة السكون، وعدم سير أحد خلفه، وعدم مطاردته فلم يصاب بهذا الأمر؟ ﴿أَنَّمَا﴾ هو من طبعه فهو في كل الأحوال مضطرب، وفي كل الأحوال غير ساكن فدأبه يلهث ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾
ولذلك قالوا: أن الكلب أسوأ ما يكون من الحيوانات في هذا، فهو يرضى بالدون؛ ولذلك يتبع العثرات والقاذورات ويترك الأشياء الجليلة والجميلة في كثير من الأحوال، حتى أنهم قالوا: إن العذر عنده أفضل من الحلوى، وهكذا
فلذلك شبهه الله عز وجل بهذا فقال ﴿فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ يعني سواء وعظته أم لم تعظه، فإنه لا ينتفع بتلك العظة، لا ينتفع بالعلم الذي تعلمه، سواء ذكر به أم لم يتذكر ﴿أَنَّمَا﴾ حاله كحال هذا الكلب، نسأل الله السلامة
وقد ضرب الله عز وجل مثالا لمن لم ينتفع بالعلم أيضًا بالحمار، فقال ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًۢا ۚ بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [الجمعة: 5] فضرب الله عز وجل هذين المثلين لمن لم ينتفع بالعلم الذي معه، مثل بالحمار ومثل بالكلب، وما أخس هذا، فنسأل الله السلامة
قال ﴿فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ فيقال: لهث يلهث على وزن فعل يفعل؛ لأن عينه أي: عين كلمة لهث وهي الهاء حلقية، ولذلك جاء على وزن يفعل، كما هو معروف
قال ﴿إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا﴾
لذلك العجيب تجد أن الكلب رابض كما قالوا هنا: إن كان رابضا لهث وإن طرد لهث، إذا فلماذا وهو رابض ساكن يلهث وكأن أحدا يطارده؟
وكذلك الذي لا يعمل بالعلم تراه في قلق وفي اضطراب، وأما الذي يعمل بالعلم فإنه يستريح حتى وإن ظن أن العمل متعب، فهو في حقيقة الأمر عين السعادة، وعين الراحة، فالذي يعمل بعلمه وإن تعب قليلا لكنه يسعد كثيرًا، والذي لا يعاني العمل والمشقة يظن أنه يستريح، وهو في حقيقة الأمر يكابد المشاق؛ لمخالفته الحق والهدى
قال﴿ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ﴾ أي: ذلك المثل المذكور ﴿مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال (ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يرجع في قيئه)
فالشاهد من ذلك أنه شبهه بهذا، فالمثل بالكلب مثل سوء نسأل الله السلامة
قال ﴿ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا ۚ فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ هذا فيه أن القصص القرآني له مقاصد وله فوائد ومنها: التفكر
فمن مقاصد القصص القرآني: التفكر ومن ذلك الاعتبار، كما في قوله ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [يوسف: 111]
وأيضا تثبيت الفؤاد كقوله ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120]
ﱡﭐ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﱠ
﴿سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ﴾ ليس أسوأ ﴿مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟﴾ بحججنا وبراهيننا
﴿سَآءَ مَثَلًا ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا۟ يَظْلِمُونَ﴾ فهم ظلموا أنفسهم ونقصوها حقهم حقها، وكما قال الله ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: 57] يعني: وما ناقصونا حقنا
قال ﱡﭐ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﱠ
بين الله سبحانه أن الهداية بيده وأن الإضلال بيده
فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ سبحانه وتعالى ﴿مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾
وتقدم مرارا أن هذه الآية الكريمة ونحوها تدل على أن كل شيء يقع في الكون فهو بقدر الله سبحانه فما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن؛ ولذلك من طريف ما يذكر بذلك أن بعض أئمة المعتزلة وهو ابن عبيد جاءه رجل يشكو له ما وقع له من السرقة، وأنه قد سرق متاعه فقال: ادع الله لي، فقال: اللهم إن فلانا قد سرقت ناقته ولم تُرد سرقتها فردها عليه، يقول هكذا: ولم ترد سرقتها فردها عليه، فقال له الأعرابي الذي جاء يشكو له حاله: ناشدتك الله ﴿إِلَّا﴾ تدعو لي
لأنك إذا كنت كما تقول إنها سرقت والله لم يرد ذلك فما أدري لعل الله يريد أن تعود ولا تعود، يعني أن هذا من الخلل، وأما أهل السنة فإنهم يقولون كل شيء بقدر، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن
1. المقصود من إنزال الكتب السماوية العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها فقط، فإنَّ ذلك نبذها
أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية، فإذا كانت فطرته سليمة ولم يدخل عليها ما يفسدها أدرك هذه الأدلة وعمل بمقتضاها.
قال الشيخ حفظه الله:
1. المقصود من إنزال الكتب العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها فقط فإنَّ ذلك نبذها؛ ولذلك ذم الله عز وجل هذا الذي أتاه الآيات ولم يعمل بها ﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىٓ ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ﴾
2. أن الله خلق في الإنسان من وقت تكوينه إدراك أدلة الوحدانية، فإذا كانت فطرته سليمة ولم يدخل عليها ما يفسدها أدرك هذه الأدلة، وعمل بمقتضاها، وهذا على تفسير أن الميثاق المأخوذ هو ميثاق الفطرة، وقد دل على ذلك (أما من مولود إلا ويولد على الفطرة) كما تقدم.
3. في الآيات عبرة للموفقين للعمل بآيات القرآن؛ ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم للعمل بها؛ لتزكوا نفوسهم، فلا يكونون مثل هذا الرجل الذي أتاه الله تلك الآيات ولم يعمل بها.
4. في الآيات تلقين للمسلمين للتوجه إلى الله بطلب الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال؛ لأننا حينما نسمع ﴿مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ فإننا نتوجه إلى الله بسؤال الهداية؛ ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ويأمر غيره بأن يسأل الله الهداية؛ (اللهم اهدني فيمن هديت)، وعلم عليا (اللهم اهدني وسددني) إلى غير ذلك مما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام.
قال الله سبحانه ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱠ
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ أي: خلقنا وأنشأنا.
﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ﴾ هذا فيه أن عصاة الجن يدخلون النار، كما أن عصاة الموحدين كما أن عصاة الناس أيضًا يستحقون دخول النار، وأهل العلم متفقون على أن الكافرين من الجن يدخلون النار، لكنهم اختلفوا في المؤمنين من الجن، أيدخلون الجنة أم لا؟ والمرجح أن لهم الجنة أيضًا، كما دلت على ذلك آيات سورة الرحمن ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ فَبِأَىِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: 46 -47] والخطاب للإنس والجن، فهما الثقلان اللذان أخبرنا الله عز وجل عنهما في السورة الكريمة.
وأيضا ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَآنٌّ﴾ [الرحمن: 74] فهذا يدل على هذا المعنى، والله أعلم.
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ قالوا: لا يدركون بها ما ينفعهم ولا ما يضرهم؛ ولذلك جاء في الآية الأخرى ﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ﴾ [الحج: 46] فهذا فيه أن العقل والفقه موضعه القلب ﴿قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾
﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ أي: لا يبصرون بها الحق، فهم ينظرون بها إلى الأشياء، لكنهم لا ينتفعون بها ولا يبصرون بها الحق.
﴿وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ﴾ أي: لا يسمعون بها سماع انتفاع.
تقدم مرارا أنه قد ينفى عن الإنسان شيء ويراد به نفي الانتفاع به، كما في قوله ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ [البقرة: 18] فالمراد بالصمم والبكم والعمى: الصمم والبكم والعمى عن الاستماع إلى الحق والانتفاع به.
قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ أي: مثل البهائم في فقد العقل.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ أي: أضل وأبعد في الضلال من البهائم، فقد قامت عليهم الحجة وأعطاهم الله عز وجل العقول، لكنهم سلبوا أنفسهم إياها، ولم ينتبهوا إليها ولم يستفيدوا منها ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾
كأنه قيل ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ كَٱلْأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾، لم؟ لم يا ربنا هم أضل؟ فقال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ ولذلك لم تدخل الواو العاطفة.
قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ﴾ وكأنها جواب عن هذا السؤال المقدر، والله أعلم.
قال الله بعدها
ﱡﭐ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱠ
نبهنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة على ما ينبغي للمسلم أن يتحراه من سؤال الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فإنَّ هذه دعوة إلى تذكر الله سبحانه وتعالى، فمن أعظم طرق تذكر الله جل وعلا وصرف العبادة له: ذكر أسمائه الحسني.
فقال ﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ أي: ولله وحده سبحانه وتعالى الأسماء الحسني أي: أحسن الأسماء، فأحسن الأسماء لله عز وجل وهي التي بلغت في الكمال المنتهى.
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ قالوا: فتوسلوا بها إلى الله في طلب ما تريدون، وأثنوا عليه بها، ونقول: إن الدعاء هنا بالعبادة ودعاء مسألة، فهم يدعون الله عز وجل دعاء عبادة ودعاء مسألة.
فمثلا: أنت تعتقد أن الله هو الرقيب فتتعبد لله عز وجل بهذا الاسم، وتعلم أن الله هو الحفيظ فتتعبد لله بهذا الاسم، وتعلم أن الله سميع فتتعبد لله بهذا الاسم، فتخاف من الله وترجو ما عند الله، وأيضا في سؤالك تسأل الله فتقول يا سميع، يا حفيظ احفظني من بين يدي ومن خلفي.
إذا أسماء الله الحسني يطعم معها بهذين البابين: بأن تتعبد لله جل وعلا بها، وبأن تسأل الله عز وجل بها.
قال ﴿فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ﴾ والقراءة الأخرى ﴿يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ﴾
والإلحاد: الميل بها عن الحق والصواب، فقالوا هنا: واتركوا الذين يميلون عن الحق في هذه الأسماء، بجعلها لغير الله هذا نوع، أو نفيها عنه هذا نوع ثان، أو تحريف معناها وهذا ثالث، أو تشبيه غيره بها وهذا رابع.
إذا هناك أنواع من أنواع الإلحاد، فالإلحاد في أسماء الله جل وعلا له أنواع
1. منها ما ذكروه هنا بجعلها لغير الله، بأن تجعل هذه الأسماء لغير الله سبحانه وتعالى.
2. وبعضهم اشتق من أسماء الله الحسني أسماء لبعض الآلهة، فقالوا: إنهم سموا مناة من المنان، وسموا اللات من الإله أو من الله، وسموا العزى العزيز، وهكذا، فاشتقوا من أسماء الله جل وعلا أسماء لهذه الآلهة الباطلة بجعلها لغير الله.
3. أو نفيها عنه: بأن تنفي بعض أسماء الله عز وجل عنه كمن نفى عن الله العلم، أو نفى عن الله السمع أو البصر، أو ما إلى ذلك، فهذا يدخل في باب الإلحاد، نوع من أنواعه.
4. أو تحريف معناها: بأن يحرف معناها، فينفي المعنى الحق الذي جاء له الاسم من أسماء الله الحسني
فهذا أيضًا يدخل في نوع من أنواع الإلحاد.
5. أو تشبيه غيره بها: بأن تشبه غيره بها فتجعل لغير الله ما لله، وهذه أسماء خاصة بالله سبحانه وتعالى، ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ فيها مثيل ولا كفؤ ولا نظير، سبحانه عز وجل.
﴿وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ هذا وعيد وتهديد لمن ألحد في أسماء الله سبحانه وتعالى.
ولذلك حري بنا أن نثبت لله ما أثبت من أسمائه الحسني وصفاته العلى على الوجه الذي يليق ونقول كما علمنا الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]
ونوقن أن أسماء الله الحسني وأن تدبرها باب عظيم؛ لتقوية الإيمان ولدخول جنة الدنيا قبل جنة الآخرة؛ ولذلك من رام أن يصل إلى محبة الله وإلى الثبات على دين الله، فعليه بتدبر أسماء الله الحسني.
ﱡﭐ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱠ
تأملوا ما سبق في قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159] انظر إلى وجه الشبه والصلة بين الآية السابقة، وبين هذه الآية.
﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ﴾ بصفة عامة ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ﴾، فكما أن هناك ملحدين فإنَّ هناك مؤمنين يؤمنون بالله رب العالمين ﴿يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ﴾
ﱡﭐ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﱠ
أي: لا يظن أولئك المكذبون أن الله في غفلة عنهم وإنما ما هم فيه ومن قبيل الاستدراج، وهو فتح الاستدراج.
﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم﴾ أي: سنفتح لهم أبواب الرزق، لا إكراما لهم، بل لاستدراجهم، قال الله سبحانه ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾
ﱡﭐ ﲅ ﲆﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﱠ
يعني وأؤخرهم إلى أجل مسمى، أؤخر عنهم العقوبة، حتى يظنوا أنهم غير معاقبين فيستمروا على تكذيبهم وكفرهم، حتى يضاعف عليهم العذاب.
﴿إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ قوي.
ﱡﭐ ﲌ ﲍﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﱠ
دعوة إلى التفكر.
وهنا قال ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟﴾ إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الوقف هنا ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟﴾ وأن ﴿مَا﴾ في قوله ﴿مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية أي: ليس بصاحبهم من جنة، ويشهد لها دخول ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾، وهي في هذا السياق تدل على العموم، أي: ما بصاحبهم ﴿مِنْ أَىِّ﴾ جنة.
وهي تنص في نفي الجنون عنه عليه الصلاة والسلام، فيكون المعنى: أولم يتفكروا تفكرا عاما وخاصا فدعوة إلى التفكر، فكلما تفكر المرء أيقن بأن الله واحد لا شريك له، وبأن الرسول عليه الصلاة والسلام حق وصدق؛ ولذلك من أبواب التفكر: التفكر في أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وفي سيرته.
ولذلك قال بعضهم: لو لم يكن للرسول صلى الله عليه وسلم معجزة إلا السيرة النبوية لكانت كافية في الدلالة على صدقه في نبوته صلى الله عليه وسلم، فهي آية في الدلالة على أنه رسول الله حقًا وصدقا صلى الله عليه وسلم.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ فتكون هناك ﴿مَا﴾ كما تقدم نافية.
*ومنهم من جعلها استفهامية ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ استفهام، والمراد به: النفي أيضًا.
*ومنهم من قال إنه موصول ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ يعني باعتبار ما زعموا، يعني هلا تفكروا في هذا الذي يزعمونه بأن صاحبهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم موسوم بالجنون، هلا تفكروا في هذه الدعوة، فيكون هذا باعتبار الدعوة المزعومة.
﴿مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ يعني الذي بصاحبهم من جنة على زعمهم، والأولى أن يقال: إنها نافية والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا۟ ۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ﴾ والتعبير عنه بالصاحب يعني أنهم يعرفونه، يعرفون حاله وعاشوا معه وعاشروه، فمثله كيف يكون مجنونا صلى الله عليه وسلم، وهو أعقل الناس، وأرشد الناس وأحكم الناس صلى الله عليه وسلم﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾
ﱡﭐ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﱠ
﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟﴾ فتح أيضًا لمجال النظر، المراد بالنظر هنا: نظر الاعتبار والتأمل لذلك تعذى فيه.
﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ في هذا الملك العظيم.
﴿مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ أي: ينظروا أيضًا ﴿إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل من شيء.
﴿مِن شَيۡءٖ﴾ هذه عامة يعني من حيوان ونبات وغير ذلك.
قال ﴿وَأَنْ عَسَىٰٓ﴾ يعني وأن ينظروا أيضًا في آجالهم التي عسى أن تكون نهايتها قد اقتربت، يعني أن ينظروا في خاتمة أعمالهم، ففي كل يوم، بل في كل لحظة يموت منهم إنسان أما لهم في هذا الموت من عبرة؟ أما لهم في هذا الموت عظة؟
فقال ﴿وَأَنْ عَسَىٰٓ﴾ أي: وينظروا في آجالهم التي قد اقتربت ﴿وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾وأن هي المخففة ﴿وَأَنْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَهُۥ يُؤْمِنُونَ﴾
جعلوا الحديث بمعنى القرآن، ويشهد لذلك قول الله سبحانه وتعالى ﴿فَبِأَىِّ حَدِيثٍۭ بَعْدَ ٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: 6] فيكون المراد به: الله والآيات القرآنية.
ثم قال ﱡﭐ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﱠ
﴿مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ﴾ ليس له هادي يهديه.
﴿وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتركهم في طغيانهم يعمهون، والقراءة جاءت هكذا ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ وجاءت بالجزم.
﴿وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ عطفا على الجواب؛ جواب الشرط لأن حقه الجزم، لكنه جاء جملة اسمية كما هو معلوم فيكون على المحل.
وأيضا القراءة الأخرى ﴿وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: يتحيرون.
ﱡﭐ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢ ﳣ ﳤ ﳥ ﳦ ﳧ ﳨ ﳩ ﱠ
ثم قال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ وقوعها ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ مستقرها؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ مجيئها؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ﴾
﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾ أي: لا يظهرها لوقتها المقدر لها إلا الله سبحانه وتعالى.
﴿ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ أي: خفي أمر ظهورها على أهل السماوات وأهل الأرض، وهذا معنى الثقل.
إذا ﴿ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ خفي أمرها فصار ثقيلا غير واضح ولا معلوم.
﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ وذلك أنها من مفاتيح الغيب، كما قال الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾ [لقمان: 34]
قال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا﴾ أي: كأنك ملح في طلبها، وكأنك حريص على العلم بها، كأنك تلح في طلبها من كثرة سؤالهم ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [يونس: 48] وهذا هو الأقرب في تفسيرها.
ومن المفسرين من قال: هنا تقديم وتأخير، أي: يسألونك عنها.
﴿كَأَنَّكَ حَفِىٌّ﴾ من الحفاوة بمعنى الإكرام، وكأنهم يقولون نحن قريبون منك ونحن من أقاربك، فدلنا على وقت الساعة
والأول أقرب وهو أن من كثرة سؤالهم كأنك تلح في طلبها وفي سؤالها فأجبهم يا رسول الله إجابة من باب التأكيد ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
قال الشيخ حفظه الله:
1. خلق الله للبشر آلات الإدراك والعلم: القلوب والأعين والآذان؛ لتحصيل المنافع ودفع المضار، فهذه الآلات خلقها الله للانتفاع بها، فإذا عطل العبد الانتفاع بها فكأنها لم تخلق له؛ لذلك قال ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَآ﴾
ولذلك فإنَّ العبد يسأل عن هذه الآلات ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]
2. الدعاء بأسماء الله الحسني سبب في إجابة الدعاء، فيدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب
مثل: اللهم تب علي يا تواب، فيدعو مع كل دعاء بالاسم المناسب لهذا الدعاء، اغفر لي يا غفور، ارحمني يا رحيم، أو يا رحمن وما أشبه ذلك.
3. التفكر في عظمة السماوات والأرض والتوصل بهذا التفكر إلى أن الله تعالى هو المستحق للألوهية دون غيره؛ لأنه المنفرد بالصنع ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا۟ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْءٍ﴾ الآية الكريمة.
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ
﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ فكما أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يعلم وقت الساعة، فهو أيضًا لا يملك لنفسه ﴿نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾
وهذا وجه المناسبة بينما سبق من نفيه عن نفسه علم وقت الساعة، وبيان أنه لا يملك النفع والضر إلا بما قدره الله، إلا ما شاء الله له أن يملكه بما أعلمه الله عز وجل إياه ومكنه منه، فحينئذ هو يقدر عليه لأن الله قد مكنه منه سبحانه وتعالى.
﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ﴾ قالوا: أي: لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تجلب لي المصالح وتدفع عني المفاسد، لعلمي بالأشياء قبل كونها وعلمي بما تؤول إليه.
ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض المواضع كان يجتهد دون أن يكون عالما بما سيقع مستقبلا، فإذا أخبره الله عز وجل به فإنه يوافق ما أخبره الله عز وجل به، وإلا فإنه يكون منه الاجتهاد.
ولذلك ربنا قال ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا﴾ [الجن: 26 -27]
قال ﴿إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يحتمل أن قوله ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: نذير لقوم يؤمنون وبشير لقوم يؤمنون.
ومنهم من قدر لقوله ﴿نَذِيرٞ﴾ أي: إن أنا إلا نذير للكافرين، بشير لقوم يؤمنون، والأقرب العموم فهو ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ لأن المؤمنين هم المنتفعون بالإنذار وبالتبشير أو بالبشارة.
ﱡﭐ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﱠ
ثم قال ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ تذكير أيضًا بالخلق الأول، بخلق آدم عليه السلام، خلق أبينا.
﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ ما المراد بالنفس الواحدة هنا؟ آدم عليه السلام.
﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وهي حواء ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ هذا فيه أن من حكم الزواج ومن غايات الزواج السكنى، بأن يكون هناك شيء من السكن.
قال ﴿لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21]، كما قال ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21] وهي السكنى التي تقع بين الزوج وزوجته.
قال ﴿فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِۦ﴾ المراد بالغشيان هنا: الجماع، لكن الله عز وجل حيي يكني بما يشاء.
﴿فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِۦ﴾ وذلك أن الحمل في بدايته يكون خفيفا، ثم يثقل شيئًا فشيئا.
﴿فَمَرَّتْ بِهِۦ﴾ أي: طورا بعد طور ﴿فَلَمَّآ أَثْقَلَت﴾ بعد أن كبر هذا الحمل.
﴿دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ هنا في المختصر قالوا: فلما جامع زوج زوجته فجعلوا قوله ﴿فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا﴾ أي: جامع زوجته، وكأن هذا انقطاع عما سبق من الحديث عن آدم وحواء؛ لأن بعدها سيأتي كلام عن وقوع الشر من هذين الزوجين
فلينفك الكلام عن آدم عليه السلام، وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنه نبي مكلم، فكيف يكون الشرك قد وقع منه أو فكيف يقع الشرك منه؟
فلذلك قالوا: فلما تغشاها، أي: الزوج تغشى زوجه عموم الأزواج بعد ذلك بعض الأزواج، ولا يراد به من سبق ذكره وهو آدم عليه السلام، وهذا مشهور ومعلوم أن الضمير قد يعود على الجنس وهو جنس الأزواج ولا يراد به آدم عليه السلام على سبيله للتعيين.
ﱡﭐ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﱠ
قال ﴿فَلَمَّآ أَثْقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ ءَاتَيْتَنَا صَـٰلِحًا﴾ أي: ولدا مكتمل الخلق بأن يخرج سليما، يخرج من أمه وهو سليم ﴿لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾
﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَـٰلِحًا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ هنا ورد الإشكال إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الضمير يعود على آدم وزوجه حواء، فهنا يرد الإشكال، كيف جعل له شركاء فيما آتاهما؟
1. وردت آثار عديدة عن مجموعة من السلف كابن عباس رضي الله عنهما وغيره من الصحب الكرام ومن تبعهم بإحسان أن هذا الذي وقع منهما كان بسبب إبليس، وأنه قال لهما: إن أردتما أن يأتي الولد سالما من الخلل ومن كذا ومن كذا، فادعواه أو سمياه بعبد الحارث.
2. وقالوا: إن الحارث كان اسما لإبليس، فسمياه بعبد الحارث، هذا هو الشرك، وهو تسميته بعبد لإبليس أو للشيطان، لكن هذه الآثار كما ذكر الحافظ ابن كثير فيما يبدو أنها من المنقول عن بني إسرائيل، والآيات القرآنية لا تؤكد هذا المعنى ولا تجزم به، بل إن سياق الآيات ربما ينفي هذا؛ لأنّّ الله قال ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَـٰلِحًا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ولم يقل: فتعالى الله عما يشركان
فالكلام عن جملة من الأزواج يدعون أنهم سيشكرون الله عز وجل، ثم إذا بهم يكفرون أو يشركون بآيات الله ويجحدون نعم الله.
وأيضا فإنَّ الله بعدها قال ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًٔا﴾ قالوا: ولو كان المراد به إبليس لقيل أيشركون من لا يخلق شيئًا، فإنَّ هذا هو المناسب لإبليس.
وأما قوله ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْـًٔا﴾ فهو الأنسب للأصنام والعبادة التي كانت تقع من بعض الناس في صرف المعبودات الباطلة من الأصنام والأحجار، وصرف العبادة لها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ عز وجل
لذلك فالذي يدل عليه سياق الآيات ورجحه عدد من المحققين بعيدا عن هذه القصة المروية أن المعنى ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَـٰلِحًا﴾ هذا لبعض الأزواج زوج وزوجة ﴿جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ﴾
والقراءة الأخرى ﴿جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَا ۚ فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قد يكون هذا شرك في الأسماء وقد يكون هذا الشرك بأن يجعلوه يعبد غير الله، أو بأن يصرفوا عبادة من العبادات لغير الله سبحانه وتعالى.
ﱡﭐ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﱠ
﴿أَيُشْرِكُونَ﴾ هذا على سبيل الإنكار والتوبيخ أي: يشركون ما لا يخلق شيئًا ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾
ﱡﭐ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﱠ
﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَآ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ فإنَّ هذه الآلهة لا تستطيع أن تنصرهم ﴿وَلَآ أَن﴾ تنصر نفسها، فكيف تعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ سبحانه وتعالى؟ كما قال ﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن ظَلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّا جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101]
فهذه الآلهة لا تنفعهم، وكما قال الله ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: 10]
وكما قال ﴿وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [يس: 74 -75]
ﱡﭐ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﱠ
قال ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ أي: هذه الأصنام وهذه الآلهة الباطلة.
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ والقراءة الأخرى ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ لأنهم لا يعقلون شيئًا.
﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ﴾ ولم يقل: سواء عليهم، ﴿أَنَّمَا﴾ قال هنا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ﴾
لأن الاشتغال هنا والتعلق هنا من الداعي وهو الإنسان، فالإنسان هو العاقل ومع ذلك فإنه يصرف العبادة لآلهة لا تعقل.
فالله قال ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أنتم الذين تعبتم بصرف العبادة له ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ﴿سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾
﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ أعبدتموهم وطلبتم منهم النفع أو دعوتموهم إلى الهدى.
﴿أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ﴾ أي: أم أنتم صامتون لا تتكلمون بشيء ولا إلى شيء.
وجاء التعبير هنا في قوله ﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ بالفعل وفي قوله ﴿أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ﴾ بالجملة الاسمية.
﴿أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ بالجملة الفعلية التي تدل على التجدد، وقوله ﴿أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ﴾ بالجملة الاسمية التي تدل على الثبوت والدوام، وهذا والله أعلم؛ لأن الصمت هو الأصل والدعوة ﴿أَنَّمَا﴾ تكون في بعض الأحوال
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمْ ۚ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ﴾ حينا أم أنتم صامتون على الأصل.
ﱡﭐ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﱠ
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ هذا لتقرير ما سبق ففيه الكلام السابق وأيضا تعليل له، لماذا هم لا يستجيبون لكم ولا يتبعوكم؟ لأنهم عباد مثلكم ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾
والآية الكريمة جاءت وعاملت الأصنام وكأنها عاقلة لأنَّه جاء التعبير عنها بالاسم الموصول ﴿ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ وعبر عنها بقول ﴿عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ لأن الإنسان الذي صرف العبادة لها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ وكأنه جعلها عاقلة؛ فلذلك خوطبت بهذا على النحو الذي يعتقدونه فيها، لكن الله قرر أنها عباد أمثالكم يعني مقهورة مثلكم لأمر الله، بل أنتم تفضلونها فقد أعطاكم الله عقولا، وأسماعا، وأبصارا، وأما هي فليست كذلك.
فقال ﴿فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ وهذا فيه تهكم بهم وتوبيخ لهم وتقريع ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ﴾ صَٰدِقِينَ.
ﱡﭐ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﱠ
ثم بين كيف يستجيبون لكم؟ كيف تستجيب هذه الأصنام لكم؟
﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ ۖ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ هي دونكم، فأنتم أعلى منها قدرا وأرفع منزلة
فكيف تتوجهون لها بالعبادة؟ أو يرضى المخلوق أن يعبد ما هو أقل منه وما هو أنقص منه في الخلق؟
﴿قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ أمر الله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعلنها لهم مدوية صريحة ظاهرة ﴿ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ﴾ من من سويتموهم بالله.
﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ أي: احتالوا لضري ﴿فَلَا تُنظِرُونِ﴾ يعني: فلا تمهلون.
والمعنى: أنا أتوكل على الله، ولا أخاف منكم ولا من آلهتكم التي تدعونها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، فلئن كنت على الباطل وأنتم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ فلا تمهلوني ولا تنظروني، بل أجمعوا هذه الآلهة واجعلوها تضرني ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ وهيهات أن يقع منها شيء من ذلك.
وهذا كما قال هود عليه السلام حينما قالوا له ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ ۗ قَالَ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: 54] وكقول نوح عليه السلام كما قال الله عز وجل ﴿۞وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوٓا۟ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ ٱقْضُوٓا۟ إِلَىَّ وَلَا تُنظِرُونِ٧١﴾ [يونس: 71] فهذا في معنى الآية الكريمة والله أعلم.
قال الشيخ حفظه الله:
1. في الآيات بيان جهل من يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضر؛ لأن النفع ﴿أَنَّمَا﴾ يحصل ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ما أرسل به من البشارة والنذارة ﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ثم قال ﴿إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فهذا هو وجه الانتفاع به صلى الله عليه وسلم، لا أنه يملك النفع والضر صلوات الله وتسليماته عليه.
2. جعل الله بمنته من نوع الرجل زوجه وهذا في قوله ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال كثيرون ﴿مِنْهَا﴾ يعني: من جنسها.
* وبعضهم قال: بل هي جزء منه؛ لذلك قالوا هنا: من ضلعه، وهذا قد تقدم طرف منه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في سورة النساء.
ليألفها ولا يجفو قربها ويأنس بها لتتحقق الحكمة الإلهية في التناسل؛ لذلك قال ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ وقال ﴿لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21]
3. لا يليق بالأفضل الأكمل الأشرف من المخلوقات وهو الإنسان أن يشتغل بعبادة الأخس والأرذل من الحجارة والخشب وغيرها من الآلهة الباطلة.
ولذلك قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ ۖ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ فلا ينبغي للإنسان أن يعبد من هو دونه، بل إن الإنسان يعبد الخالق القادر المقتدر، وهو الله سبحانه وتعالى.
قال الله سبحانه
ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱠ
فقوله قبلها ﴿قُلِ ٱدْعُوا۟ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ﴾ لا تؤخروني ولا تمهلوني، لم؟
﴿إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ أي: أنا لا أخاف بطشكم ولا أخاف ما تتوعدونني به، لم؟ لأن ولي الله، فالله ناصري وحافظي، وهو يتولى الصالحين سبحانه وتعالى، وكما أكرمني لإنزال الكتاب علي، فإنه لن يخذلني، بل سيحفظني.
وتأملوا ما تقدم في قول هود عليه السلام ﴿إِنِّى تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُم﴾ [هود: 56] وقول نوح عليه السلام ﴿فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يونس: 71] فهذا في معنى ﴿إِنَّ وَلِـِّۧىَ ٱللَّهُ﴾
وهذا فيه أن المؤمن حينما يتوكل على الله ويعلم أن الأمور كلها بيد الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يخاف عدوا ويقول كما ردد الصالحون: ﴿حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾.
قال ﱡﭐ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱠ
تقرير لهذا الأمر وتأكيد له كما تقدم.
ﱡﭐ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟﴾ وإن تدعوا أصنامكم التي تعبدونها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ إلى الهدى والاستقامة لا يسمعوا دعاءكم.
﴿وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هنا قد يرد إشكال، إذ يقرأ قارئ تلك الآية فيقول: ﴿وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ فكيف تنظر الأصنام والأصنام ليست لها أعين، وقد تقدم أنه لا أعين لها، فكيف هذا وهي منحوتة؟
1. فيقال: إنهم نحتوها على هيئة معينة كان لها أبصار تنظر فتراهم يجسدون هذه الأصنام بهذه الأبصار وبهذه الأعين.
2. ويقال أيضًا: إن الآية جاءت على أسلوب التشبيه البليغ، فالمعنى: وتراهم كأنهم ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا۟ ۖ وَتَرَىٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾، وهم لا يبصرون فهذا هو المراد، يعني ترى هذه الأصنام كأنها تنظر إليك وتحاول النظر وبإحداق العين إليك.
﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ وفي حقيقة الأمر أنها لا تبصر، وأنها لا تعي شيئًا، ولا تدرك شيئًا، ولا ترى شيئًا فيكون هذا هو المعنى.
ولذلك قالوا هنا في التفسير: فقد كانوا يصنعون تماثيل على هيئة بني آدم أو الحيوانات، ولها أيد وأرجل، وأعين، لكنها جامدة لا حياة فيها ولا حركة، فيكون المعنى: وتراهم كأنهم ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
وتلاحظون أيضًا أن التعبير عنها جاء كأنها عاقلة، فلم يقل وتراها تنظر إليك ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَتَرَىٰهُمْ﴾ وكأنها عاقلة لأنهم بصرفهم العبادة لها جعلوها بمثابة العاقل الذي يتعقل ويعي، وإن كان الأمر ليس كذلك.
ثم قال الله ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱠ
لأن الآيات التي ذكرها الله في شأن الكافرين وشأن المشركين تجعل المؤمن لا يبالي بهم ويجافيهم ويكرههم، ويبغضهم، كيف يتعامل مع هؤلاء الذين عبدوا الأصنام ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾؟ كيف يتوجه إليهم بالتعامل؟
فقال الله ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ لأن الإنسان يملأ حنقا، وغيظا على هؤلاء الذين صرفوا العبادة لغير الله، فأمر الله بالعفو فقال ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾
والعفو كما قالوا: ما سمحت به أنفسهم وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فالعفو هو المتيسر فيقال: جاء هذا الشيء بعفو أو جاء عفوا، يعني جاء بشيء من السماحة، وبشيء من السهولة وأليسر في مقابلة الشدة والجهد، فيقال: العفو في مقابلة الجهد.
ولذلك قال الله ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] يعني ما خرج من الإنسان بغير إجهاد منه وكراهية له، وإنما بطيب نفس منه، وبيسر وبدون مشقة عليه فقال ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ﴾ يعني خذ ما تيسر من أخلاق الناس، فالواحد قد يكون فيه بعض خصال خير، وتكون فيه بعض خصال شر، فاقبل منه الخير وتجاوز عن الشر، وخذ منه ما فضل وما سمحت به نفسه.
قال ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾ أي: أؤمر بالمعروف وبالحق، فإنَّ لم يقبله منك أحد فقال ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ إذا علمنا الله كيف نتعامل مع الناس، فنتعامل مع الناس بأن نأخذ العفو، وما طابت به أنفسهم، فإنَّ كان الذي أمامنا لا يعرف شيئًا من الصالحات، فإننا نأخذ بالعرف وندله عليه، فإنَّ جهل علينا فإننا نقول كما علمنا الله ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾
وقد قال بعض العلماء: إنه ليس في القرآن الكريم آية أجمع في مكارم الأخلاق من هذه الآية الكريمة فهذه الآية الجليلة من أجمع آي القرآن في مكارم الأخلاق.
﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ وقد ثبت في البخاري أن عيينة بن حصن قدم على الحر بن قيس، وكان الحر بن قيس ابن أخيه، فلما قدم عليه وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يدني الحر بن قيس؛ لأنه كان يقرب القراء فكانوا أصحابه وأصحاب مشاورته، فقال له: لك وجه عند هذا الأمير فاستأذن لي عليه، فاستأذن له عليه فدخل على أمير المؤمنين عمر فقال له: هي يا ابن الخطاب والله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل، فهم عمر رضي الله عنه أن يوقع به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل يقول ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ وهذا من الجاهلين فأعرض عنه عمر رضي الله عنه وكان وقافا عند كتاب الله جل وعلا.
فهذه الآية الجليلة العظيمة تدعو الإنسان إلى العفو، وإلى الرضا بأليسير من أخلاق الناس؛ لأن الإنسان إذا طلب من الناس كل شيء وأن يسلموا من الأخطاء لم يسلم له أحد في الصحبة.
ولذلك جاء في الحديث (﴿أَنَّمَا﴾ الناس كالإبل المئة لا ﴿تَكَادُ﴾ تجد فيها راحلة) كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام.
قال ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ واستفاد كثير من العلماء من قوله ﴿وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ﴾ القاعدة المشهورة وهي “ أن العادة مُحكَّمة “ وأن العرف معمول به إذا ورد نص من الشرع الشريف لم يحد؛ فلذلك قالوا: إن العادة محكمة، ويرجع إلى العرف، فيما لم يرد تقييده أو تخصيصه أو بيانه وتفصيله في الكتاب أو في السنة.
قال ﱡﭐ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱠ
قد يحملك الشيطان على ﴿إِلَّا﴾ تقنع بأليسير، وعن أن تطارد هذا الإنسان، وأن تقابل الإساءة فإذا نزغ لك شيطان بذلك، أو بأي معصية أو بوسوسة ﴿فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
ومن أعظم ما يصرف الإنسان به عن نفسه الشيطان: الاستعاذة بالله جل وعلا.
وأنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم إذا تأملت خواتيم سورة الأعراف تجد أن فيها تفكيرا بما جاء في أولها، فإنَّ الله عز وجل في أولها ذكر لنا طرفا من خلق آدم عليه السلام