مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الأعراف — الجزء 4

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 299 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

2. الصلة وثيقة بين سعة الرزق والتقوى وإن أنعم الله على الكافرين فإنَّ هذا استدراج لهم ومكر بهم فسعة الرزق تكون بتقوى الله ﴿وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2 -3]

وأما غير المتقين وأما الكفار فإذا أعطوا فإنَّ هذا من قبيل الاستدراج؛ ولذلك تقدم معنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ الفتح نوعان:

*فتح إنعام كما في هذه الآية ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾

*وفتح استدراج وهو ما جاء ذكره في سورة الأنعام ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: 44] فإذا قيل لك ما أنواع الفتح؟ فنقول الفتح نوعان: فتح إنعام وفتح استدراج، ففتح الاستدراج كما في آية سورة الأنعام، وفتح إنعام كما في هذه الآية الكريمة.

3. على العبد ﴿إِلَّا﴾ يأمن من عذاب الله المفاجئ الذي قد يأتي في آية ساعة من ليل أو نهار﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾

فذكر النوم وذكر اللعب للدلالة على الغفلة، يعني أنهم في ساعة غفلة والإنسان إذا كان في ساعة غفلة لا يحتاط ولا يحترز ولا يكون متأهبا لدفع ضر عنه.

4. يقص القرآن أخبار الأمم السابقة من أجل تثبيت المؤمنين وتحذير الكافرين فهذا من ثمرات القصص القرآني أن فيه تثبيتا للمؤمنين ولذلك قال الله ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120] وفيه أيضًا تحذير للكافرين.

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱠ

قال الله سبحانه ذاكرا قول موسى عليه السلام ﴿حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾

قوله ﴿حَقِيقٌ﴾ يمكن أن نقول أنه صفة لقوله (رسول) أو أنه خبر بعد خبر فالكلام ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ حَقِيقٌ﴾

*أو أن يكون الكلام على الاستئناف: (أنا حقيق) فتكون خبرا لمبتدأ مقدر أي: أنا حقيق على ﴿إِلَّا﴾ ﴿أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾، فجدير بي ﴿إِلَّا﴾ ﴿أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾، يعني موسى يقول لفرعون إذا كنت ﴿رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وكان لي أن أكذب على الله ما كنت لأكذب على الله وما كنت لأقول إلا الحق فإنني ﴿رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، ومن كان ﴿رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فهو في موضع الأمانة وفي موضع الصدق والطهر.

ﱡﭐ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱠ

يعني ﴿إِن كُنتَ جِئْتَ بِـَٔايَةٍ﴾ من عند الله كما تزعم فأرني إياها ﴿فَأْتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾.

ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱠ

يعني فإذا هي حية عظيمة ضخمة وقد جاء في وصف العصا عند تحولها عدة أوصاف فجاء ﴿فَأَلْقَىٰهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾ [طه: 20] وهنا قال ﴿ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾ وأيضا جاء ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [النمل: 10]

وقد ذكر أهل العلم الجمع بين ذلك فمن طرق الجمع: أن يقال أنها في ضخامتها وعظمتها كالثعبان المبين أو العظيم فحينئذ تصير ثعبانا عظيما للدلالة على ضخامتها وقوتها.

وقوله ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ [النمل: 10] أي في سرعتها وخفتها فالتعبير عنها بأنها كالجان أي في السرعة والخفة

والثعبان المبين في الضخامة والقوة والعظم.

ﱡﭐ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱠ

أي من غير برص كما جاء في الآية الأخرى ﴿مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ﴾ [النمل: 12] ولذلك هناك ﴿ٱسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ وَٱضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهْبِ﴾ [القصص: 32]

وهنا قالوا أظهرها من فتحة قميصه من عند صدره أو من تحت إبطه، وهذا معنى ﴿فِى جَيْبِكَ﴾ فالمراد بالجيب ما ذكروه هنا من فتحة القميص فهذا الذي يقال له الجيب.

قال بعدها

ﱡﭐ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﱠ

هناك قال ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُۥٓ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: 34] وهنا ﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ﴾

*ففي سورة الشعراء فيه أن الذي قال هذا هو فرعون قاله للملأ.

*وفي هذه الآية الذي قال هذا الكلام هم الملأ ولا تعارض، ففرعون قال للملأ هذا الكلام وردد الملأ أيضًا هذا الكلام فوقع منه ومنهم ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ عَلِيمٌ﴾

كذا يقولون ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ ۖ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ومن المعروف أن الإنسان جبل على حب أرضه وعلى حب وطنه فإذا علم أن شخصا يريد الإفساد في الأرض أو يريد الطرد من الأرض لا شك أنه سيبغضه ويكرهه ويعاديه وهكذا استعملوا هذا الأمر وهو بث روح العداوة في صدور الناس أو في صدور الأتباع.

﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ وكأنهم يشاركون في الرأي وأن الأمر إليهم.

ﱡﭐ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﱠ

﴿قَالُوٓا۟ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أي أرجئه وآخره وهذا معنى ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ﴾

ﱡﭐ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﱠ

والقراءة الأخرى ﴿سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾

ﱡﭐ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﱠ

قوله ﴿قَالَ نَعَمْ﴾ وكأنما قالوه سؤالًا ويشهد لذلك القراءة الأخرى ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ فيكون استفهاما وجوابه نعم.

*وأما على القراءة هنا فيكون على حذف الاستفهام تخفيفا.

* أو أنهم لما قالوا ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ﴾ وهم معتقدون أن الأمر سيكون كذلك فأقرهم على كلامهم، فقال ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ فستجمعون بين الأجر وبين التقرب والازدلاف من فرعون

إذا السحرة جاؤوا طالبين للدنيا، وفي هذا أن الإنسان إذا صدق في نيته واتقى الله في عمله ربما تتغير نيته الأولى؛ بمعنى أنه كان في بادئ الأمر يقصد بذلك الوصول إلى مأرب من مآرب الدنيا، لكنه لما أخلص في العمل بعده فإنَّ الله يصلح نيته الأولى ويحولها إلى أحسن النيات.

ويحضرنا في ذلك ما قاله عدد من العلماء: (طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له) يعني شخص في بداية الأمر طلب العلم رغبة في الشهرة أو رغبة في أن ينال حظا دنيويا أو منصبا أو شرفا أو سؤددا فلما تعلم العلم وقرأ العلم من القرآن والسنة علم أن القرآن أعظم من هذا العرض الدنيوي وأن السنة أغلى من هذا العرض الدنيوي فهانت الدنيا عليه وصغرت في عينه.

(طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له) فهؤلاء السحرة طلبوا الدنيا لكن ماذا كان الأمر بعد ذلك؟ ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ﴾ [الشعراء: 46] وقد توعدهم فرعون يعني ليسوا فقط سيفوتهم الحظ الدنيوي، بل سينالهم الوعيد والتقتيل والتعذيب ومع ذلك قالوا مقولتهم الخالدة ﴿فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ﴾ [طه: 72] وأيضا قالوا ﴿لَا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: 50]

ﱡﭐ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﱠ

﴿سَحَرُوٓا۟ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ﴾ فهذا سحر فيه تمويه موه على أعين الناس حتى أن الله عز وجل قال في شأن موسى عليه السلام ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [طه: 66 -68]

ﱡﭐ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﱠ

لأن ما جرى لموسى ليس من قبيل السحر وإنما هي آية أيده الله عز وجل بها وعلم السحرة.

ﱡﭐ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﱠ

ما معنى ﴿فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ﴾؟ أي فظهر الحق فوقوع الحق ظهوره.

ﱡﭐ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﱠ

قالوا هنا في التفسير: فغلبوا وهزموا وانتصر موسى عليهم في ذلك المشهد ورجعوا أذلاء مقهورين فما كان من السحرة حين شاهدوا عظيم قدرة الله ورأوا الآيات البينات إلا أن خروا سجدا له سبحانه وتعالى.

وإذا قال قائل فكيف قامت الحجة على قوم موسى عليه السلام وعلى فرعون؟

يقال: قامت الحجة بقيامها على السحرة الذين هم أخبر وأعلم فإنَّ السحرة هم أرباب هذا الفن وأرباب هذا الباب فإذا أقر السحرة بأن ما أتى به موسى ليس من جنس السحر فإنَّ الحجة قامت على غيرهم.

وبهذا نحتج أيضًا في باب القرآن الكريم حين يقول قائل: وكيف يكون القرآن حجة على غير العرب وأنتم تقولون أن العرب يعجزون عن الإتيان بمثل سورة من القرآن ومن أين يدري العجمي أنه لو كان يعرف العربية ما كان يستطيع الإتيان بالقرآن أو بشيء من القرآن؟

فيقال له: أن هؤلاء العرب كان أكثرهم على عداوة يعادون النبي صلى الله عليه وسلم، واختاروا السيف واختاروا السنان، واختاروا الحرب والقتال مع أنهم كانوا في غنى عن ذلك لو قدروا على الإتيان بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مع حرصهم الحثيث على ذلك، فإذا أقروا بالعجز وعدم الاستطاعة للإتيان بمثل هذا القرآن فغيرهم أعجز ويقال له ما عليه إلا أن يتعلم العربية ثم ينظر أيستطيع أن يأتي بمثل هذا القرآن وهكذا في كل باب فإذا عجز أهل التخصص فغيرهم من باب أولى والعلم عند الله تعالى

1. من حكمة الله ورحمته أن جعل آية كل نبي مما يدركه قومه وقد تكون من جنس ما برعوا فيه.

2. أن فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى عليه السلام، ويدل على ضعف السحرة مع اتصالهم بالشياطين التي تلبي مطالبهم، فقد طالبوهم الأجر والجاه عند فرعون.

1. من حكمة الله ورحمته أن جعل آية كل نبي مما يدركه قومه وقد تكون من جنس ما برعوا فيه؛ ولذلك فإنَّ الله أيد موسى عليه السلام بما يظن أنه من جنس السحر وليس هو من جنس السحر لما كانوا بارعين في باب السحر وكانوا مشهورين فيه.

وكذلك جاء نبينا صلى الله عليه وسلم والعرب مشهورون بالشعر ومعروفون بميادين اللغة فجاء القرآن الكريم ليبين عجزهم وأن ما أتى به الرسول ليس من عند البشر وإنما هو من كلام رب البشر سبحانه وتعالى.

3. إن فرعون كان عبدا ذليلا مهينا عاجزا وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة في دفع موسى عليه السلام، بل استعان بالسحرة وكذا استعان بالملأ ويقول ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: 35] إلى غير ذلك مما يدل على عجزه.

ويدل على ضعف السحرة مع اتصالهم بالشياطين التي تلبي مطالبهم فقد طلبوا الأجر والجاه عند فرعون وهذا يدل على افتقارهم إليه فقالوا ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾

وهكذا كل من كانت له صلة بالشياطين فإنه وإن ظن أنه سيملك الدنيا لا تراه إلا ذليلا لا تراه إلا مهينا لا تراه إلا فقيرا حقيرا لا بركة في رزق ولا في عمل ولا في عافية نسأل الله السلامة والعافية.

أجاب السحرة فرعون قائلين

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱠ

هكذا قالوها موقنين بها حينما عاينوا تلك الآية العظيمة التي أيد الله بها موسى عليه السلام.

فشتان شتان بين سحر ومعجزة فهم علموا أن ما أتوا به ﴿أَنَّمَا﴾ هو من جنس السحر، وأما ما أتى به موسى عليه السلام فهو آية من عند الله لا يمكن للبشر أن يأتي بها.

وهذا من الفروق الواضحة بين السحر والآية، فالآية يعجز الخلق عن الإتيان بها، وأما ما يأتي به السحرة فيمكن لمن زاول هذا الباب وتعلمه أن يأتي بمثله أو بأعلى منه مما يقدر عليه البشر.

ﱡﭐ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ

وكأنه يريد أن يعطيهم الإذن وما كان له أن يعطيهم إذنا لكنه التكبر في أعلى صوره.

﴿قَالَ فِرْعَوْنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ﴾ هذا تخطيط مدبر ولماذا يدبرون وأنت ملك في الدنيا وأنت الذي قلت ﴿أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلْأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِىٓ﴾ [الزخرف: 51] فممن ينتظرون نوالا؟ أينتظرونه من موسى؟ وماذا كان مع موسى حتى يأخذوه منه؟ ﴿أَنَّمَا﴾ هو الصدق الذي رأوه والثقة في الله والتوكل على الله والإيمان الذي خالطت بشاشته القلوب فحينئذ صغرت الدنيا في أعينهم.

﴿إِنَّ هَـٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ٱلْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا﴾ يدندن حولها ﴿لِتُخْرِجُوا۟ مِنْهَآ أَهْلَهَا﴾

﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم﴾ فحينئذ يستفزهم.

ﱡﭐ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱠ

كما قالوا هنا: لأقطعن من كل واحد منكم يده اليمنى ورجله اليسرى أو يده اليسرى ورجله اليمنى ليكون هذا أنكر في العذاب.

﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِي﴾ أي: لأعلقنكم جميعا على جذوع النخل كما في آية طه ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾ [طه: 71] وقالوا أن ﴿فِي﴾ بمعنى (على) أو للدلالة على أنه يحكم هذا العذاب لهم وهذا الوعيد لهم

وهذا التعليق

ﱡﭐ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱠ

بهذه الإجابة العظيمة الجليلة ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ ﴿لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 50] و ﴿فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ﴾ [طه: 72] وهذا فيه أن من أقوى ما يقوي الإيمان في العبد ويجعل العبد عظيم التوكل على الله واثقا في الله لا يخاف إلا الله تذكر الدار الآخرة والإيقان بالدار الآخرة فمن أيقن بالدار الآخرة وأيقن أنه موقوف ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وأن الأمر كله لله فإنه لا يخاف أحدا إلا الله

ﱡﭐ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﱠ ر

لا تنقم منا إلا أننا آمنا بالله ربنا هذا هو ذنبنا، فإنَّ يكن هذا ذنبا كما ترى فافعل ما بدا لك ﴿وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]

﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ صب علينا الصبر حتى يغمرنا يا الله فإنَّ العبد مهما أوتي توكلا ويقينا في الله فإنَّ عليه أن يدعو الله وأن يسأله الثبات فالإنسان لا يأمن على نفسه تحول قلبه.

﴿رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ يسألون الله الوفاة على الإسلام.

ﱡﭐ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﱠ

﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ أي قالوا في مقام آخر ﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾ وقد قالوا هذا لأنه ينفعهم ما ينفع فرعون فهم حاشية فرعون ولا يريدون أن يكون هناك شيء من المساواة بينهم وبين الضعفاء ففرعون قد اصطفاهم، فهم يريدون بقاءه فيما هو عليه فاستفزوا فرعون.

﴿أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ وكأن موسى عليه السلام هو المفسد وكأن قومه المستضعفين في الأرض هم المفسدون وهذا من العجب.

﴿أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾ يتركك وءالهتك.

وقوله هنا ﴿وَءَالِهَتَكَۚ﴾دلالة على أنه كانت هناك آلهة لفرعون وآلهة لهؤلاء.

وقد ذكروا أن فرعون كان يلقب بينهم بابن الإله عياذا بك اللهم، وذلك أنهم اتخذوا أصناما وآلهة متعددة بعضها في نظرهم أكبر من بعض وأعلى من بعض، وكان فرعون ممثلا لأعلى إله لهم في الأرض فكانوا يسمعون له باعتبار أنه الممثل لهذه الآلهة وكان فرعون نفسه وهم أيضًا يعبدون تلك الآلهة وتلك الأصنام فحينئذ ذكروه كيف تتركهم يعتدون على آلهتك ﴿وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾

﴿قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ﴾ هكذا توعدهم.

ﱡﭐ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﱠ

علم موسى عليه الصلاة والسلام ما خططه فرعون له ولقومه فقال لقومه مسليا لهم آمرا إياهم بما يفيدهم وينفعهم ويصرف عنهم أذى فرعون والملأ ﴿ٱسْتَعِينُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱصْبِرُوٓا۟ ۖ إِنَّ ٱلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۖ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

قالوا هنا: فهي لهم وإن أصابهم ما أصابهم من محن وابتلاءات فالعاقبة للمتقين والعاقبة للتقوى.

ﱡﭐ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﱠ

﴿قَالُوٓا۟ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا﴾ الإيذاء متكرر علينا ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾

وتأمل هنا التعبير ﴿مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾لأنه قبل مجيئه قيل له إتيان؛ لأنه في موضع الغيب ولكن بعد المجيء صار ظاهرا مكشوفا ﴿وَمِنۢ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾

﴿قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾

وهذا من تبشيرهم وتفريج الكربة عنهم وإدخال السرور عليهم بأن ينتظروا الفرج فإنَّ الفرج قريب وإن مع العسر يسرا.

وقوله ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا فيه أن الاستخلاف ينبغي أن يتبع بطاعة الله سبحانه وتعالى فإنَّ بعض الناس يعملون فإذا استخلفوا في الأرض تركوا طاعة الله، والله قال ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41] فالطاعة تؤدي إلى الاستخلاف والتمكين في الأرض والاستخلاف والتمكين في الأرض ليحافظ عليه لا بد من الاستمرار على طاعة الله سبحانه وتعالى.

ﱡﭐ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﱠ

عاقبهم الله سبحانه لعلهم يتعظون ويعتبرون، فقبل أن تأتي نهايتهم بغرق فرعون ومن معه ابتلاهم الله ببعض الابتلاءات لتكون مذكرة لهم بأنهم على باطل لعلهم يعودون إلى الحق والصواب فأخذهم الله عز وجل بالسنين.

والمراد بالسنين: القحوط العامة قحط عام وجدب عام فهذا معنى بالسنين.

﴿وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ من ثمار الأرض وغلاتها بعدما كانوا يحصدون شيئًا كثيرًا لم يعد الأمر كذلك.

قال ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ قالوا هنا: رجاء أن يتذكروا

* أو يقال ليتذكروا، وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ رجاءً وهم يرجى منهم أن يتذكروا والله سبحانه لا تخفى عليه خافية.

4. من أسباب حبس الأمطار وغلاء الأسعار الظلم والفساد

قال الشيخ حفظه الله:

1. موقف السحرة وإعلان إيمانهم بجرأة وصراحة يدل على أن الإنسان إذا تجرد عن هواه وأذعن للعقل والفكر السليم بادر إلى الإيمان عند ظهور الأدلة عليه، وهذا واضح فلأن السحرة تجردوا عن الهوى حينئذ قذف الله الإيمان في قلوبهم فقالوا ﴿امَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وقبلها قال ﴿وَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ﴾

2. أهل الإيمان بالله واليوم الآخر هم أشد الناس حزما وأكثرهم شجاعة وصبرا في أوقات الأزمات والمحن والحروب لذلك قالوا ﴿إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ وقالوا ذلك وهم ثابتون.

3. المنتفعون من السلطة يحرضون ويهيجون السلطان لمواجهة أهل الإيمان لأن في بقاءه من مصلحتهم ولذلك قالوا كما قال الله ﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ﴾

4. من أسباب حبس الأمطار وغلاء الأسعار الظلم والفساد.

قال الله سبحانه

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱠ

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أنه ابتلى آل فرعون بالسنين والجدب ونقص الثمرات لعلهم يذكرون ويعتبرون بين أنهم لم ينتفعوا بذلك، بل كانوا إذا زال القحط عنهم وجاءت الثمار متوافرة.

﴿قَالُوا۟ لَنَا هَـٰذِهِۦ﴾ يعني هذا باستحقاق لذلك فالمراد بالحسنة هنا: رغد العيش من خصب الأرض وكثرة الرزق وزيادة الثمار وما إلى ذلك.

﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ أي قحط وجدب.

﴿يَطَّيَّرُوا۟ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه ويجعلون السبب وجود موسى عليه السلام بين ظهرانيهم.

وتأمل هنا الآية الكريمة ﴿فَإِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلْحَسَنَةُ﴾ التعبير جاء بقوله ﴿فَإِذَا﴾ للدلالة على أن سعة الرزق وأن التوسيع عليهم كان الأغلب وكان الأكثر

﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ يعني أن الابتلاء كان أحيانًا وكان قليلا ومع ذلك لا ينتفعون به بل يتشاءمون بموسى ومن معه، فجاء الجواب ﴿أَلَآ إِنَّمَا طَـٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

فهذا الذي يصيبهم كله بقدر الله سبحانه وتعالى وموسى لا ذنب له فيه وإن دعا عليهم موسى فبسبب ذنوبهم وبسبب كسبهم.

﴿أَلَآ إِنَّمَا طَـٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ وهذا أمر متكرر منهم أي متكرر من أهل الشرك والكفر فإنهم ينسبون القحط والجدب والسيئة إلى أنبياء الله ورسله وإلى المؤمنين مع أنه ينبغي لهم أن يراجعوا أنفسهم.

﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78]

وأيضا قوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام قالوا لصالح ﴿ٱطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ۚ قَالَ طَـٰٓئِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ﴾ [النمل: 47]

وكذلك في قصة أصحاب القرية ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس: 18]

﴿وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱠ

﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِۦ مِنْ ءَايَةٍ ﴾ أي آية، كأنهم قالوا: لا تتعب نفسك فنحن لن نؤمن لك وإن كثرت الآيات التي أتيت بها فإننا لن نستجيب لدعوتك ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

وتأملوا قولهم ﴿لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ فهم جعلوا تلك الآيات من أجل السحر لا من أجل إحقاق الحق وإبطال الباطل.

ﱡﭐ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱠ

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ﴾ هذا معناه أن إرسال الطوفان والجراد والقمل وهذه الآيات التي ذكرها الله ﴿أَنَّمَا﴾ كان بعد زيادة طغيانهم وتمردهم وعدم استفادتهم من الضراء التي كانت تصيبهم حينا قليلا، ولم تكن تصيبهم إصابات كثيرة ومتتابعة، فلما واصلوا التكذيب بالتكذيب وترك الطاعة بالمعصية وواصلوا هذا ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍ مُّفَصَّلَـٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾

﴿ٱلطُّوفَانَ﴾ الماء الكثير أو الموت الجارف فالموت يقال له أيضًا طوفان وذلك لأنه يطوف على شخص ويحيط به ويحدق به.

فإما أن يكون الطوفان المراد به: الماء الكثير.

* أو أنه الموت الجارف الذي أخذهم فيموت منهم كثيرون فحينئذ يعلمون أنهم في وباء وأنهم في أمر شديد.

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ﴾ قالوا هنا: فأرسلنا عليهم الماء الكثير عقابا لهم على تكذيبهم وعنادهم فأغرق زروعهم وثمارهم.

وأرسلنا عليهم الجراد فأكل محاصيلهم وأرسلنا عليهم دويبة تسمى القمل تصيب الزرع أو تؤذي الإنسان في شعره.

*وبعضهم يقول القمل اسم نوع من القراد يسمى الحمان هذا الحمان يمتص دم الإنسان كأن يقضي عليهم.

قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ﴾ أي وأرسلنا عليهم الضفادع فملأت أوعيتهم وأفسدت أطعمتهم وأرقت مضاجعهم.

وأيضا الدم أرسله عليهم فتحولت مياه آبارهم وأنهارهم دما وكانوا يرون كل شيء أمامهم كأنه دم فيرون الماء دما وغير ذلك.

قال ﴿ايَـٰتٍ مُّفَصَّلَـٰتٍ﴾ ما معنى مفصلات؟ قالوا هنا مبينات مفرقات يتبع بعضها بعضا.

و﴿مُّفَصَّلَٰتٖ﴾ فيها معنيان مشهوران:

1. مفصلات من التفصيل بمعنى لا شبهة فيها فالمعنى آيات بينة واضحة جلية لا شبهة فيها بأنها عقوبة. 2. والأمر الثاني أن معنى مفصلات أن ينفصل بعضها عن بعض فلم يجمع الله تلك العقوبات في وقت واحد ولكن تأخذهم عقوبة ثم بعد ذلك تأتي الأخرى ثم تأتي الثالثة فيخرجون من واحدة يجدون الأخرى.

هذا معنى، وهذا معنى فجمعوا هنا بين المعنيين فقالوا: مبينات مفرقات يتبع بعضها بعضًا

ﱡﭐ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﱠ

ومع هذا كله قال الله ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ﴾ يعني وقع عليهم العذاب بهذه الأمور واجتمعت عليهم كان يصيبهم الأذى ويصيبهم الضرر بواحد من هذا، وكأنهم يظنون أنه سيزول فيأتي الآخر ويأتي الآخر، فلما أيقنوا أن هذا الوعيد لا يتركهم، وأن هذا الرجس لا ينفك عنهم علموا أنه لا بد من العودة، فحينئذ راجعوا أنفسهم لكنه رجوع مؤقت وليسوا صادقين فيه

والمراد بالرجز: العذاب الذي حل بهم.

ﱡﭐ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﱠ

﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَـٰلِغُوهُ﴾ يعني إلى مدة معلومة قبل إهلاكهم.

﴿إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ نقضوا العهود التي عاهدوا موسى عليه السلام عليها، فهم عاهدوا موسى على الإيمان وإرسال بني إسرائيل، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل فحينئذ استحقوا العقاب وإنهائهم من هذه الحياة.

ﱡﭐ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﱠ

﴿مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا﴾ والمراد بها بلاد الشام.

قال ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟﴾ أي بسبب صبرهم

وما المراد بالحسنى؟ ما المراد بكلمة ربك الحسني؟

المراد ما جاء في سورة القصص ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ﴾ [القصص: 5]

قال ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُوا۟ ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُۥ وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ﴾ يعني: وما كانوا يبنون من القصور أو ما كانوا يجعلون من العروش من الثمار والأعناب.

فأما المراد بقوله ﴿وَمَا كَانُوا۟ يَعْرِشُونَ﴾ أي ما كانوا يبنون من القصور أو ما يجعلون من العروش التي يجعلون فيها الثمار والأعناب وما إلى ذلك.

قال الشيخ حفظه الله:

1. الخير والشر والحسنات والسيئات كلها بقضاء الله وقدره لا يخرج منها شيء عن ذلك لذلك رد الله عليهم ﴿أَلَآ إِنَّمَا طَـٰٓئِرُهُمْ عِندَ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

ولذلك قال ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أيضًا ﴿طَـٰٓئِرُكُمْ عِندَ ٱللَّهِ ۖ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: 47].

2. شأن الناس في وقت المحنة والمصائب اللجوء إلى الله بدافع نداء الإيمان الفطري ولذلك قالوا ﴿يَـٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾

3. يحسن بالمؤمن تأمل آيات الله وسننه في الخلق والتدبر في أسبابها ونتائجها فالله سبحانه وتعالى ﴿أَنَّمَا﴾ يعاقبهم ليعتبروا وليتعظوا.

4. تتلاشى قوة الأفراد والدول أمام قوة الله العظمى والإيمان بالله هو مصدر كل قوة فمع ما أوتوا من قوة لما ابتلاهم الله كانوا عاجزين ولذلك سألوا ﴿ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾

5. يكافئ الله تعالى عباده المؤمنين الصابرين بأن يمكنهم في الأرض بعد استضعافهم قال الله ﴿وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلْأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا﴾

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱠ

﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ﴾ قالوا هنا: أي وعبرنا ببني إسرائيل البحر وهذا بعد أن أغرق الله فرعون وأنجى الله موسى ومن معه.

قال ﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ﴾ والقصة بطولها جاءت في سورة الشعراء كما سيأتي بإذن الله التنبيه عليها في موضعها.

﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍ لَّهُمْ﴾ أي يقيمون على عبادة الأصنام

﴿قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ هذا انتقال من الحديث عن فرعون والملأ إلى الحديث عن بني إسرائيل.

ولذلك فسورة الأعراف ذكرت لنا طرفا مما وقع من فرعون والملأ إزاء دعوة موسى عليه السلام، ثم ذكرت لنا طرفا آخر مما وقع من بني إسرائيل في تعاملهم مع نبي الله موسى عليه السلام، واستفاضت الآيات في سورة الأعراف في الحديث عن ذلك؛ لأنَّها تتحدث عن تاريخ الأنبياء والمرسلين ودعوة موسى عليه السلام دعوة مباركة عظيمة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يتذكرها ويقول: (يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر).

موسى عليه السلام ابتلي بفرعون والملأ ثم ابتلي بعد ذلك ببني إسرائيل فهذه مشاهد أخرى.

قال ﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ﴾ أنتم منذ قليل نصركم الله وأغرق فرعون والملأ فرعون وهو من هو أغرقه الله، والله قال ﴿فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنْ ءَايَـٰتِنَا لَغَـٰفِلُونَ﴾ [يونس: 92] بعد هذا ترون هؤلاء يعبدون أصناما فتريدون أن تكونوا مثلهم.

﴿قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ قالوا هنا: تجهلون ما يجب لله من تعظيم وتوحيد، وما لا يليق به من شرك وعبادة لغيره.

﴿كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا۟ فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَٰهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱠ

﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ﴾ أي: مهلك ما هم فيه من عبادة الأصنام.

ﱡﭐ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱠ

ربكم فضلكم وأنعم عليكم وأنقذكم من عدوكم، وبعد هذا تبغون إلها غيره سبحانه وتعالى.

ولذلك قول ﴿أَغَيْرَ ٱللَّهِ﴾ هذا من باب الإنكار والتعجب من صنيعهم ومن طلبهم.

﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وتقدم أن المراد بقوله ﴿عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ يعني: على عالم زمانكم، وإلا فإنَّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم هي أفضل الأمم.

ﱡﭐ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﱠ

﴿وَإِذْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي يذيقونكم.

﴿سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ العذاب الأسوأ والشديد.

﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ يستبقون نساءكم للخدمة.

﴿وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن قوله سبحانه وتعالى ﴿بَلَآءٞ﴾يحتمل أن المراد به: النعمة، فحينئذ يكون اسم الإشارة ﴿ذَٰلِكُم﴾ أي: وفي ذلكم الإنقاذ من التقتيل، وإسامتكم سوء العذاب، وفي ذلكم بلاء: نعمة.

*وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن البلاء: اختبار وشدة، وفي ذلكم التقتيل في قوله (﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾

ﱡﭐ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﱠ

﴿وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ وقالوا: هذا من أجل إنزال التوراة عليه فذهب موسى عليه السلام لميقات ربه.

وقد جاء في آية سورة البقرة كما تقدم ذكر العدد مجملا ﴿وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: 51] وجاء التفصيل هنا بأنها كانت ثلاثين ليلة ثم أتمها الله عز وجل بعشر ليال، وكان هذا من فضل الله وإكرامه لموسى عليه السلام.

﴿وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَـٰهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ومن المعروف أن الثلاثين إذا ضم لها العشر صارت أربعين ليلة، ولكن لكيلا يظن أنه (أتممناها بعشر) داخلة في الثلاثين، فقال ﴿فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ليدل على أن العشر تختلف عن الثلاثين.

فتكون الجملة أو المجموع أربعين ليلة، كما في قوله سبحانه وتعالى في شأن المتمتع، قال الله ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] لئلا يتوهم واهم أن السبع منها الثلاثة، فلما قال ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196] علم أن السبعة تختلف عن الثلاثة وهي غيرها.

﴿وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾وهذا فيه أن من يقود الناس ويسوس أمرهم ينبغي عليه أن يكون مصلحا وألا يتبع سبيل المفسدين، حينئذ يستتب له الأمر وتستقيم له أحوال الناس.

ﱡﭐ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﱠ

﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ﴾ أي: لمناجاة ربه في الموعد المحدد له.

﴿وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ لما كلمة ربه سبحانه وهذا شرف جليل وعظيم تاقت نفسه إلى رؤية الله تلذذا وطلبا لهذا القرب.

﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ وفرق بين طلب موسى عليه السلام وطلب قومه، فإنَّ قومه طلبوا ذلك على سبيل العناد والاستكبار، وأيضا تعليق الإيمان عليه، وأما موسى فكان رغبة وطلبا ومحبة لله سبحانه.

﴿قَالَ لَن تَرَىٰنِى﴾ ولم يقل رب العزة (لا)، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ يعني: أنت لا تستطيع أن تراني في هذه الحالة وأنت في الدنيا.

ولو كان الله عز وجل لا يرى مطلقا لا ﴿فِى ٱلدُّنْيَا وَلَا فِى ٱلْءَاخِرَةِ﴾ لقال (لا أرى) لكنه قال ﴿لَن تَرَىٰنِى﴾ أي: في الدنيا؛ ولذلك جاء.

﴿قَالَ لَن تَرَىٰنِى وَلَـٰكِنِ ٱنظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى﴾ هذا الجبل لا يقوى على رؤية الله سبحانه وتعالى، على تجلي الله عز وجل عليه، فإذا كان الجبل مع شموخه وقوته وعظمته لا يقوى فهل تقوى أنت يا موسى وأنت إنسان؟ لا يمكن هذا لك في الدنيا.

وتعليق الله عز وجل الرؤيا على هذا الشيء دليل على إمكان الرؤية من حيث الأصل، وكذلك طلب موسى عليه السلام لو كان طلبه مخالفا ما طلبه موسى، فلو كانت رؤية الله ممتنعة ما طلب موسى عليه السلام هذا الطلب، وإذا لكان هذا من جهله بالله، ومعاذ الله أن يكون موسى عليه السلام جاهلا بالله.

﴿فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوْفَ تَرَىٰنِى ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾ أي مغشيا عليه.

﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾ أي من هذه الصعقة.

﴿قَالَ سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا هنا: وأنا أول المؤمنين من قومي.

لأنه قد يقول قائل كيف قال موسى ﴿وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ مع أنه سبق بالمؤمنين من قبله؟

فيكون المعنى: وأنا أول المؤمنين من قومي.

*أو أن يكون المعنى: ﴿وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أول من يسابق إلى الإيمان ويثبت على الإيمان، كما تقول لقائل: أنا أول من يقوم بهذا الشيء، وقد قام به غيرك لكنك تقول: أول من يمتثل ويستجيب لك والله تعالى أعلم.

قال الشيخ حفظه الله:

1. تؤكد الأحداث أن بني إسرائيل كانوا ينتقلون من ضلالة إلى أخرى على الرغم من وجود نبي الله موسى عليه السلام بينهم ﴿وَجَـٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْا۟ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾

2. وأيضا من مظاهر خذلان الأمة أن تحسن القبيح وتقبح الحسن بمجرد الرأي والأهواء كما فعل هؤلاء وقالوا أيضًا ﴿ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَـٰطِلٌ مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

3. إصلاح الأمة وإغلاق أبواب الفساد هدف سام للأنبياء والدعاة؛ ولذلك قال موسى لأخيه هارون ﴿ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾

4. قضى الله تعالى ﴿إِلَّا﴾ يراه أحد من خلقه في الدنيا وسوف يكرم من يحب من عباده برؤيته في الآخرة وهذا معنى ﴿قَالَ لَن تَرَىٰنِى﴾ أي في الدنيا وأما في الآخرة فإنَّ المؤمنين يرون ربهم كما قال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22 -23]

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا رؤيته في الآخرة وأن يمتعنا بالنظر إلى وجهه الكريم وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى ونكتفي بهذا القدر، هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وسلم تسليما كثيرًا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد، فمرحبا بكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء مع مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع آيات سورة الأعراف فنقول مستعينين بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تعليق الشيخ محمد حفظه الله:

قال الله سبحانه:

ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱠ

امتن الله جل وعلا على نبيه وكليمه موسى عليه السلام بأن جعله كليمه فكلمه رب العزة سبحانه وتعالى.

﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾هكذا بالجمع والقراءة الأخرى ﴿بِرِسَٰلَتِي﴾ وهما بمعنى واحد فهي رسالة تتضمن رسالات؛ لأن كل ما فيها رسالة ينبغي للناس أن يتعلموها، وأن يأخذوا بما فيها، مما كتبه الله على بني إسرائيل.

﴿إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى﴾ فاصطفاه الله على الناس بالكلام فكلمه الله سبحانه وتعالى كما قال ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ﴾، وكما قال ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]، ولذلك ربنا قال ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 253] فهذا من تفضيل بعض الرسل على بعض.

وقد ذكر أهل العلم أن الذين ثبت تكليم الله عز وجل لهم: آدم عليه السلام فقد ورد في السنة (آدم نبي مكلم) فكلمه الله عز وجل، وكذلك نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج كلمة الله سبحانه وتعالى وفرض عليه الصلوات، وكليم الرحمن موسى عليه السلام وهو مشهور في هذا الباب، فقال الله هنا ﴿إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى﴾

وأضاف الكلام إليه سبحانه وتعالى والكلام صفة من صفات الله سبحانه وتعالى.

قال الله ﴿قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ﴾ أي: ما أعطيتك من هذا الشرف أي أقبل الرسالات التي أرسلتك بها وتفهم هذا الكلام الذي كلمتك به واعمل بما يدلك عليه.

﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ اشكر نعمة الله عليك، وأكثر من طاعته.

وهذا فيه أن العبد إذا أنعم الله عليه بنعمه وجب عليه أن يشكر الله عليها وأن يتقبلها بقبول حسن فيتقبل تلك النعمة ولا يتسخطها، وكذلك يشكر الله عز وجل عليها فإنَّ النعمة إذا شُكرت استقرت وزادت، وإذا كفرت فرت ونقصت وذهبت وتلاشت ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

ثم قال ﱡﭐ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱠ

﴿وَكَتَبْنَا لَهُۥ﴾ أي لموسى عليه السلام.

﴿فِى ٱلْأَلْوَاحِ﴾ كتب الله عز وجل ﴿لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾

ولذلك من فضل التوراة أن الله كتبها بيده وهذا تشريف لهذا الكتاب المنزل، والتوراة من الكتب الجليلة العظيمة ونحن نقر بذلك، لكن الله سبحانه وتعالى لم يكتب للتوراة الصيانة من التحريف والتُبديل لحكمة أرادها سبحانه، وليأتي النبي الخاتم وليأتي كتابه التام وهو القرآن الكريم ليكون المهيمن على الكتب كلها، وعلى التشريعات السابقة كلها لتمامه وكماله.

﴿وَكَتَبْنَا لَهُۥ فِى ٱلْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ هنا قد يسأل سائل فيقول: ما معنى ﴿مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾؟ هل كتب الله عز وجل لموسى عليه السلام في الألواح كل شيء من أمور الدين والدنيا؟ هل كل ما يدور بين الناس من أمور الدنيا كتبه الله في الألواح؟

الجواب: قطعًا لا، ليس هذا هو المراد، ﴿أَنَّمَا﴾ من كل شيء يحتاجون إليه مما يتعلق بأمر دينهم فهذا فهم بقرينة السياق.

ولذلك قالوا هنا في المختصر: وتفصيلا للأحكام التي يحتاج إلى تفصيلها.

إذا وتفصيلا لكل شيء مما يحتاج إلى تفصيله إن كنتم لا تعلمون، فمن ذلك أن يسأل الأطباء في مجالهم وأن يسأل أهل الهندسة في مجالهم وكل في بابه وميدانه.

إذا أحيانًا يأتي اللفظ العام لكن يراد به الخصوص بحسب المقصود والسياق، ﴿إِلَّا﴾ ترون أن الله سبحانه لما ذكر ملكة سبأ، لما ذكر هذه الملكة التي ذكرها الله في شأن سورة النمل مع نبي الله سليمان عليه السلام، فقال الله في شأنها ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23]

فقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ هل أوتيت هذه المرأة من كل شيء مما يعطاه جميع الملوك في شتى بقاع الأرض في كل الأحوال وفي كل الأزمان والأماكن؟

لا يكون هكذا، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ يتوقع أن تؤتاه ملكة أو أميرة، إذا ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ يتوقع أن يمكن لملكة أو لأميرة أن تتحصل عليه.

كذلك تدمر كل شيء لكل شيء في شأن عاد، وما أهلكهم الله به من الريح ولذلك بعدها قال ﴿فَأَصْبَحُوا۟ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25] فاستثنى المساكن وهكذا.

قال الله هنا:﴿وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ إذا في الألواح ﴿مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾.

﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ وهذا فيه أنه ينبغي للعبد أن يأخذ الكتاب بالقوة، والحزم والجد والاجتهاد.

لذلك قال الله ﴿يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12] قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَـٰبِ﴾ وقال الله ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِٱلْهَزْلِ﴾ [الطارق: 13 -14] فينبغي للعبد أن يأخذ الكتاب بحزم وعزم وجد واجتهاد وهمة.

﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا﴾ الأصل أن كلمة أحسن أفعل تفضيل، فهل معنى ذلك أن في الألواح ما هو حسن وما هو أحسن وأنه مأمور بأن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها دون الحسن؟

1. قال فريق من المفسرين المراد بقوله ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا﴾ وكلها حسن، فالأحسن هنا بمعنى: الحسن وكلها حسن.

2. أو أن يقال: يوجد في التعاليم ما هو حسن وما هو أحسن، فالأفضل للمرء أن يأخذ بالأحسن، مثلًا: الإنسان مأمور بشيء ويستحب له شيء فوق هذا، فإذا أخذ بالمستحب كان أحسن.

فمثلا ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ [النحل: 126] فالمعاقبة بمثل ما عوقب به الإنسان من الجائز، والصبر من المستحب والأولى فيكون الأحسن: الأخذ بالأكمل، وكذلك أداء الفرائض مثلًا هذا حسن، ومن أدى الفرائض وأتبعها بالنوافل فهذا أحسن، وهكذا.

لذلك قالوا هنا في التفسير: وأمر قومه بني إسرائيل أن يأخذوا بأحسن ما فيها مما أجره أعظم كفعل المأمور به على أكمل وجه، وكالصبر والعفو.

﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا۟ بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ قالوا هنا: سأريكم عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي، إذا فسروا الدار بالعاقبة.

إذا ما معنى ﴿سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾؟ أي: عاقبة الفاسقين وجزاءهم.

*وبعض العلماء فسر الدار هنا: بجهنم، فقالوا ﴿سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ أي: سأريكم جهنم، والمراد بذلك: الوعيد للفاسقين المكذبين بآيات الله، الخارجين عن طاعة الله.

والفسق كما تقدم يأتي بمعنى: الفسق الأكبر، والمراد به: الشرك بالله.

كما يأتي بمعنى الفسق الأصغر الذي هو المعصية والخروج عن طاعة الله بما لا يخرج به المرء عن ملة الإسلام.

ومن الأول قوله سبحانه ﴿فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُۥ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا فَـٰسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54] وأيضا ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا﴾ [السجدة: 20] وهذا في شأن الكافرين.

*وبعض العلماء فسرها بأن الله سيجعلكم متمكنين في تلك الدار التي كان فيها قوم فاسقون، فيستخلفكم فيها أو يريكم إياها بأن يريكم الآيات والعبر التي وقعت فيها؛ لذلك بعضهم فسر هذه الدار بمصر فقالوا لأن فرعون كان متمكنا في مصر فأراهم الله داره وأراهم الله عاقبته وأراهم الله هلاكه وهلاك من كان معه

*وبعضهم فسرها بمصر والشام.

﴿سَأُو۟رِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ والمراد بها الفاسقون في هذا الوقت وليس أنها في كل الأحوال دار للفاسقين فإنَّ الصحب الكرام سكن جماعة منهم في مصر كما لا يخفى، وكذا في بلاد الشام سكن أيضًا الأنبياء والمرسلون لكن هذا في مقام معين، سأريكم دار الفاسقين من أجل الاعتبار والاتعاظ.

ثم قال ﱡﭐ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊ ﲋ ﱠ

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ﴾ أي: عن الاعتبار والاتعاظ بآياتي، الآيات الكونية والشرعية وآيات الله في الآفاق وفي الأنفس.

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ﴾ أي هؤلاء سينصرفون عن الاعتبار بالآيات لا يستفيدون بها ولا يتعلمونها ولا ينتفعون بها من القرآن الكريم.

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ يرى السماء فوقه والأرض تحته ومع ذلك يتكبر لا يتذكر قوله سبحانه ﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37]

لذلك إذا رام العبد أن يصل إلى الحق وأن يفهم آيات الله فحقيق به أن ينكسر وأن يذل وأن يتواضع وألا يتكبر في الأرض بغير الحق.

وأذكرك أخي الكريم بما تقرر معنا منذ بداية السورة أن السورة الكريمة أعني سورة الأعراف حدثتنا عن أسباب انصراف الناس عن الحق ودعوة الأنبياء والمرسلين، وكان من أعظم تلك الأسباب وأشهرها التكبر صرفهم وأولهم في ذلك أو نموذج في ذلك إبليس حينما أبى واستكبر.

قال الله ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ ولك أن تقول إن قوله ﴿بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ صفة كاشفة وأمر لازم لأن التكبر صفة ممنوعة في الخلق، ولا ينبغي لعبد أن يتكبر؛ لأن المتكبر وحده هو الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَهُ ٱلْكِبْرِيَآءُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ﴾، فهو تكبر مزعوم.

﴿وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ يتركون الحق ويتبعون الباطل يتركون الرشد ويتبعون الغي.

وتأمل كيف أن الله جل وعلا قابل بين الرشد والغي، فالرشد يقابله الغي، ولذلك قالوا: أن الضلال يقابله الهدى، وأن الغي يقابله الرشد، والله وصف النبي صلى الله عليه وسلم ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ [النجم: 1 -2] فالمنصرف عن الحق قد ينصرف بجهل فيقع في ضلال، وقد ينصرف بعمد وقصد فيقع في الغواية.

فإذا سلم الله العبد سلمه من الضلال والغواية؛ ولذلك من نعمة الله على العبد أن يكون راشدا مهديا

ولذا أثنى على الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم بأنهم الخلفاء الراشدون المهديون فقد جمعوا بين الرشد والهدى.

قال الله سبحانه ﴿وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ﴾

﴿ذَٰلِكَ﴾ قالوا هنا في التفسير ذلك الذي أصابهم، ﴿أَنَّمَا﴾ أصابهم ذلك الانصراف عن آيات الله وعدم الانقياد لها وعدم قبولها ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ﴾

وأنت إذا تأملت الأسباب المذكورة في هذه الآية الكريمة تجد أن الله ذكر في بدايتها ﴿ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ التكبر، وفي ختامها ذكر السبب؛ فقال بأنهم والباء سببية هنا أي بسبب أنهم كذبوا بآياتنا بسبب التكذيب بآيات الله.

﴿وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ﴾ والغفلة عن آيات الله.

ولك أن تقول -والعلم عند الله -أن السبب الأول التكبر، هذا التكبر تبعه تكذيب بآيات الله وتبعه أيضًا غفلة عن آيات الله سبحانه وتعالى.

ثم قال جل ذكره ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ١٤٧﴾

بعد أن ذكر أنهم وقعوا فيما وقعوا فيه وأنهم انصرفوا عن آيات الله بسبب التكذيب بآيات الله ذكر الله عقوبة المكذبين بآيات الله.

ﱡﭐ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﱠ

فقال ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ﴾ بطلت أعمالهم لا قيمة لأعمالهم التي تبدو حسنة لأنَّها فقدت شرطها وهو الإيمان بالله.

فإنَّ الأعمال لا تقبل إذا لم يكن صاحبها مؤمنا بالله ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَعْمَـٰلُهُمْ كَسَرَابٍۭ﴾ [النور: 39] ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَـٰلُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ [إبراهيم: 18] وهكذا، فقال ﴿حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ﴾

ومن هنا نعلم أن حبوط الأعمال وبطلان الأعمال على نوعين:

1. إما أن يكون الحبوط معناه: عدم القبول ابتداء، بمعنى أن العبد لم يحقق الشرط الذي به يصح العمل

وشرطه الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فعمله ذاهب باطل

2. وحبوط الأعمال يأتي أيضًا بمعنى أن العبد عمل العمل ولكنه بعد ذلك أفسده، كمن عمل عملا من الأعمال الصالحة لكنه راءى فيه، فهذا الرياء أفسد عليه عمله. نسأل الله السلامة.

﴿حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ لك أن تقول إن قوله ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ بمثابة الاستئناف البياني كأنه جواب عن سؤال مقدر ولم حبطت أعمالهم يا ربنا؟

فالجواب: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ لم يظلمهم الله سبحانه وتعالى.

و﴿هَلۡ﴾ بمعنى النفي أي: لا يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ

ﱡﭐ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﱠ

﴿وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ ما معنى ﴿مِنۢ بَعۡدِهِۦ﴾؟ أي من بعد ذهابه لمناجاة ربه، إذا (من بعده) أي: من بعد ذهابه لميقات ربه ولموعدة ربه ولمناجاة ربه.

﴿وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ﴾ وقد جاء ذكر هذا الحلي في سورة طه كما سيأتينا بإذن الله تبارك وتعالى، وما جرى من السامري ووقع منه وهناك نفصل القول بإذن الله تعالى.

﴿وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ﴾من الذي صنع لهم ذلك؟ إنه السامري.

﴿وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ﴾ صنع لهم عجلا من هذا الذهب، ومن هذا الحلي الذي أخذوه من الملأ أو أخذوه من الأقباط في مصر.

وقد قال كثير من أهل التفسير أنهم أخذوه على سبيل الاستعارة، أي استعاروه في يوم عيد لهم أو في مناسبة، ثم قدر الله وقضى أن يقع ما يقع لفرعون ومن كان معه، فأغرقهم الله وأهلكهم وأنجى بني إسرائيل الذين آمنوا بموسى عليه السلام، وكان معهم هذا الحلي فقال لهم السامري، وجمع منهم هذا الحلي وصنع لهم هذا العجل وقال لهم ﴿هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِىَ﴾ [طه: 88]

﴿وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ﴾ قالوا هنا تمثال عجل لا روح فيه وله صوت.

(لا روح فيه) هذا تفسير لقوله ﴿جَسَدًا﴾ يعني جسد تمثال، جسد دون أن يكون فيه روح وقوله ﴿لَّهُۥ خُوَارٌ﴾ يعني له صوت.

والمفسرون لهم كلام طويل في ذلك بأنه تركه مفرغا فحينئذ يأتي الهواء فيسمع له صوت

﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ﴾ كيف يتخذون هذا إلها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾؟ ولذلك ﴿وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُۥ خُوَارٌ﴾ إلها أي: اتخذوه إلها

فرد الله ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ هذا العجل لا يكلمهم، فكيف يكون إلها؟ ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: 89]

﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ وهذا تقرير لهم أي: عليهم أن يقروا بأنه ﴿لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾

﴿ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُوا۟ ظَـٰلِمِينَ﴾ ولذلك هناك في سورة طه قالوا ﴿قَالُوا۟ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَـٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِىُّ﴾ [طه: 87] وهذه هي الأوزار الأثقال من زينة القوم التي خلفوها وراءهم.

قال بعدها:

ﱡﭐ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﱠ

﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ﴾ أي ولما ندموا وتحيروا فقوله ﴿سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ﴾ كناية عن التحسر والندم فيقال فلان سقط في يده أي: ندم وتحسر.

* وبعضهم قال: كأنما سقط ساقط في اليد فإذا سقط الساقط في اليد ضعفت اليد عن حمل شيء فحينئذ يقف حيران لا يدري ماذا يصنع وكيف يحرك، فهو عن الندم والتحسر الشديد.

﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِىٓ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا۟ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا۟ قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾

والقراءة الأخرى قراءة حمزة والكسائي وخلف ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَتَغۡفِرۡ لَنَا﴾

﴿لَئِن لَّمۡ تَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا﴾ أي: يا ربنا.

هنا ﴿لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا﴾، لأن قوله ربنا فاعل.

لكن على القراءة الأخرى ﴿لَئِن لَّمۡ تَرۡحَمۡنَا رَبَّنَا﴾ يعني يا ربنا ﴿وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾

وقدموا الرحمة على المغفرة مع أنَّ المغفرة في الأصل تقدم لأنَّها من درء المفاسد، ولأن التخلية مقدمة على التحلية لكنهم قدموا الرحمة لأنَّها المقصود الأصلي وهو حصول الرحمة؛ ولأنه مع الرحمة تتنزل التوبة وتقبل منهم، كما قرر بعض المفسرين.

قال الشيخ حفظه الله:

1. على العبد أن يكون من المظهرين لإحسان الله وفضله عليه فإنَّ الشكر مقرون بالمزيد ولذلك قال الله ﴿فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

2. على العبد الأخذ بالأحسن في الأقوال والأفعال قال الله ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ وهذا في قوله فخذها بقوة كما تقدم معنا أيضًا ﴿يَـٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَـٰبَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12]

3. على العبد إذا أخطأ أو قصر في حق ربه أن يعترف بعظيم الجرم الذي أقدم عليه وأنه لا ملجأ من إقالة عثرته إلا إلى الله ﴿قَالُوا۟ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾

دروس مشابهة