سورة الأعراف — الجزء 3
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأعراف: 60) ﵝالأَعۡرَاف: ﵐﵖﵜ أي قال له سادة قومه وكبراؤهم لأن هؤلاء في غالب الأمر يَضِلون ويُضِلون ولذلك قال الله عز وجل ﴿قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَٱتَّبَعُوا۟ مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارًا﴾ (نوح: 21) ﵝنُوح: ﵑﵒ -ﵒﵒﵜ
﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأعراف: 60) تأملوا لم يقولوا إنا لنرى بك ضلالة ﴿لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأعراف: 60) منغمس في الضلال فأجابهم نوح بهذا الأدب الرفيع وبهذا الرفق وبهذا الرد الجميل ﴿يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى ضَلَـٰلَةٌ﴾ (الأعراف: 61) ليس بي ضلالة ولو قلت ولو خفت لأنني متبع ما أوحاه الله عز وجل إلي فكيف يكون بي ضلالة؟ ﴿وَلَـٰكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأعراف: 67) ومن كان رسولا لله رب العالمين فلا تكونوا به ضلالة فضلا عن أن يكون في الضلال.
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى﴾ (الأعراف: 68) إذا هو رسول مبلغ ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 62) ﵝالأَعۡرَاف: ﵒﵖ -ﵓﵖﵜ أو عجبتم لماذا تستغربون أن يوحي الله عز وجل إلى رجل منكم بالإنذار والتبليغ لرسالته؟ ماذا في ذلك من العجب؟ ما الذي يدعوكم إلى السخرية وإلى الاستهزاء وإلى التعجب كما قال ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ۗ قَالَ ٱلْكَـٰفِرُونَ إِنَّ هَـٰذَا لَسَـٰحِرٌ مُّبِينٌ﴾ (يونس: 2) ﵝيُونُس: ﵒﵜ هذا لا ينبغي أن يتعجب منه بل ينبغي أن يثنى على الله به فهو الرحمن الرحيم الذي ما ترك الخلق عبثا ولا هملا بل أرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين ومبلغين ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ فيكون الاستفهام للإنكار والتوبيخ والتهديد أيضًا ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 69) يمكن أن يقال معطوف على مقدر على قول بعضهم يعني أقلتم ما قلتم وعجبتم أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّكُمْ وعلى المذهب الثاني فتقدمت الهمزة لأن لها الصدارة والأصل وأعجبتم ﴿أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾ لم يقل عليَّ ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 69) يعني وحي من ربكم عليَّ ﴿أَنَّمَا﴾ يقولها قاعدة عامة ﴿عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾ (الأعراف: 69) فما المانع أن يكون الرسول من البشر؟ وفي هذا تواضع منه عليه الصلاة والسلام ودعوة لهم أيضًا إلى أن تستمال قلوبهم لقبول الحق وأن الأصل أن يكون الرسول من البشر قال ﴿عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 63) ﵝالأَعۡرَاف: ﵓﵖﵜ قالوا ليخوفكم من عقاب الله إن كذبتم وعصيتم وهذا معنى ﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾ ﴿وَلِتَتَّقُوا۟﴾ أي ولتتقوا الله أو لتتقوا ما أنذركم به من الوعيد ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قالوا ورجاء أن ترحموا ففسروا لعل برجاء وهذا أحد وجهين شهيرين والمعنى الثاني ولكي ترحموا فتكونوا بمعنى التعليل ويدل علي أنها معطوفة على تعليل فتكون بمعنى التعليل أيضًا فيكون المعنى لينذركم ولتتقوا ولترحموا.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِى ٱلْفُلْكِ﴾ (الأعراف: 64) ﵝالأَعۡرَاف: ﵔﵖﵜ وقدم الإنجاء لأن فيه إدخال المسرة على المؤمنين إذ يرون أن الله قد أنجاهم وهو المقصود أصالة ﴿وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ﴾ (الأعراف: 64) عُمي القلوب قالوا يستعمل معمى القلوب هذه المادة ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَوْمًا عَمِينَ﴾ (الأعراف: 64) فيقال فلان عامٍ والمراد به أعمى القلب.
ثم قال ﴿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65) ﵝالأَعۡرَاف: ﵕﵖﵜ ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ﴾ يعني وأرسلنا إلى عاد أخاهم هود ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ﴾ (الأعراف: 85) هذه الجملة قالها من سبقه وقالها من بعد من الأنبياء والمرسلين ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65).
﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (الأعراف: 66) ﵝالأَعۡرَاف: أي في خفة عقل وطيش حين تدعون إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الاصنام ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (الأعراف: 66) قالوا هنا في التفسير وإنا لنعتقد جازمين أنك من الكاذبين ففسروا الظن باليقين كما هو موجود في بعض آيات القرآن الكريم كقوله ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ﴾ (البقرة: 46) ﵝالبَقَرَة: ﵖﵔﵜ أي يستيقنون ﴿أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ (الأعراف: 66) أو أنهم قالوا ذلك على سبيل التشكك أي أن حالك أما أنك خفيف العقل وأما أنك كاذب فامرك لا يخرج عن أحد هذين النوعين.
﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ﴾ (الأعراف: 67) ﵝالأَعۡرَاف: ﵗﵖﵜ فضلًا عن أن أكون في عداد السفهاء.
﴿لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ وَلَـٰكِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾
من فوائد الآيات:
1 -الأرض الطيبة مثال للقلوب الطيبة حين ينزل عليها الوحي الذي هو مادة الحياة، وكما أن الغيث مادة الحياة، فإنَّ القلوب الطيبة حين يجيئها الوحي تقبله وتعلمه وتنبت بحسب طيب أصلها وحسن عنصرها والعكس.
وهذا في قوله ﴿وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف: 58) ﵝالأَعۡرَاف: ﵘﵕﵜ وقد تقدم معنا مثل ذلك، لذلك عبر عن الوحي والغيث كما تقدم بالمثل المائي في سورة البقرة وكذا المثل الناري وكذلك جاء نظير ذلك في سورة الرعد فالوحي كالمطر والغيث فيه إحياء القلوب.
2 -الأنبياء والمرسلون يشفقون على الخلق أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم لذلك ماذا قال نوح عليه السلام؟ ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الشعراء: 135) ﵝالأَعۡرَاف: ﵙﵕﵜ H0
3 -من سُنة الله إرسال كل رسول من قومه وبلسانهم تأليفا لقلوب الذين لم تفسد فطرتهم وتيسيرا على البشر ولذلك قالوا ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 69) ﵝالأَعۡرَاف: ﵓﵖﵜ هذا من تيسير الله سبحانه وتعالى.
4 -من أعظم السفهاء من قابل الحق بالرد والإنكار وتكبر عن الانقياد للعلماء والنصحاء وانقاد قلبه وقالبه بكل شيطان مريد وهم قالوا ﴿إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى سَفَاهَةٍ﴾ (الأعراف: 66) ﵝالأَعۡرَاف: ﵖﵖﵜ وحقيقة الأمر أنهم هم السفهاء نعم
قال هود عليه السلام كما ذكر الله عنه ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ (الأعراف: 68) ﵝالأَعۡرَاف: ﵘﵖﵜ
إذا من صفات الرسل البلاغ ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ أو التبليغ والنصح والأمانة ولعلكم تذكرون ما تقدم من قول إبليس لآدم عليه السلام وحواء عليها السلام ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ (الأعراف: 21) ﵝالأَعۡرَاف: ﵑﵒﵜ فشتان شتان بين ناصح وناصح فهناك ناصح غاش يدعي النصح، فأصل النصح يقتضي الإخلاص ولذلك قيل في أصل المادة أنها تدل على معنى الإخلاص لكن هناك من يدعي أنه ناصح وليس بناصح أما الأنبياء والمرسلين فهم ناصحون أمناء ومن معنى الأمانة ما قالوا هنا ناصح فيما أمرت بتبليغه أمين لا أزيد فيه ولا أنقص لذلك الأنبياء والمرسلون يحفظون ما أمرهم الله به ولا يزيدون فيه ولا ينقصون ﴿وَأَنَا۠ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵘﵖ -ﵙﵖﵜ لأن المشركين كانت لهم شبهات وكانت لهم مقولات توارثها الخلف عن السلف كما قال الله ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوٓا۟ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 94) ﵝالإِسۡرَاء: ﵔﵙﵜ فمن مقولاتهم المتكررة كيف يبعث الله بشرا رسولا؟ فرد عليهم ما العجب في ذلك؟ ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا۟ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 69) من جنسكم ليس ملكا ولا جنياً ﴿لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ﴾ (الأعراف: 69) اذكروا نعمة الله عليكم ﴿إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ (الأعراف: 69) يعني تذكروا ما وقع لقوم نوح وكأنه يقول لهم مخوفا لا تكونوا مثل قوم نوح فإن كنتم مثلهم أو استمر بكم الأمر وأصررتم ﴿عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ فسيلحقكم ما لحق بقوم نوح قال ﴿وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةً﴾ (الأعراف: 69) فخصكم بعِظَم الأجسام والقوة وشدة البطش ومعروف ما كان لعاد من القوة كما قال الله ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) ﵝفُصِّلَت: ﵕﵑﵜ وكان ينبغي عليهم أن يعلموا ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ (فصلت: 15) قال هنا ﴿فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ﴾ (الأعراف: 74) نِعَم الله وعجائب الله ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 69) قالوا هنا رجاء أن تفوزوا بالمطلوب وتنجوا من المرهوب وهذا معنى الفلاح وقولهم رجاء فسروا لعل أيضًا بمعنى الرجاء وتقدم أنها تأتي بمعنى التعليل فيكون المعنى لتفلحوا قالوا ﴿قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ (الأعراف: 70) عجيب كلامهم ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ﴾ (الأعراف: 70) كما قال المشركون ﴿أَجَعَلَ ٱلْءَالِهَةَ إِلَـٰهًا وَٰحِدًا ۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَىْءٌ عُجَابٌ﴾ ﵝص: ﵕﵜ قالوا ﴿قَالُوٓا۟ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ ٱللَّهَ وَحْدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾ (الأعراف: 70) نحن لا نقبل هذا هكذا يزعمون
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَـٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵐﵗ -ﵑﵗﵜ
﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (الأعراف: 71) أي استوجبتم عذاب الله وغضبه فهو واقع بكم لا محالة
﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم﴾ (الأعراف: 71) سيقع بكم لا محالة فيكون المعنى قد وقع بكم أي سيقع بكم لا محالة فأنتم قد استوجبتم مقت الله بإصراركم على الكفر ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ (الأعراف: 71) والرجس هو العذاب واصل مادة الرجس من الارتجاس ومعناه الاضطراب فقيل للعذاب رجس لأن المعذب حاله مضطر وفي اضطراب شديد.
﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾ (الأعراف: 71) وقدم الرجس على الغضب مع أنَّ الرجس مترتب على الغضب فهو من تقديم المسبب على السبب بتهويل الأمر ﴿أَتُجَـٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍ﴾ (الأعراف: 71) من باب الإنكار ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ۖ أَتُجَـٰدِلُونَنِى فِىٓ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾ (الأعراف: 71) التوبيخ أيضًا.
﴿فِىٓ أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَـٰنٍ ۚ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ﴾ (الأعراف: 71) ﵝالأَعۡرَاف: ﵑﵗﵜ قال بعض المفسرين الأصل في الانتظار أن يكون انتظارًا للخير فالإنسان إذا انتظر فإنما يترقب الخير لكن المعنى فانتظروا إني معكم من المنتظرين والذي ينتظرونه هو العذاب فجعله بعضهم من الاستعارة التهكمية يعني لن يصلكم الخير وإنما سيأتيكم العذاب.
ثم قال ﴿فَأَنجَيْنَـٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ (الأعراف: 72) ﵝالأَعۡرَاف: ﵒﵗﵜ أي استأصلناهم عن آخرهم وقوله ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ﴾ يناسبه أيضًا ما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتفق عليه (نُصِرْتُ بالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بالدَّبُورِ).
قال ﴿وَمَا كَانُوا۟ مُؤْمِنِينَ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵒﵗ -ﵓﵗﵜ هكذا قال ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أيضًا عليه السلام ﴿قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَـٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً﴾ (الأعراف: 73) معجزة وذلك أن هذه الناقة كما ذكروا خرجت من صخرة وقد جعل الله فيها آية قال كما قالوا هنا ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِىٓ أَرْضِ ٱللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 73) لها وقت تشرب فيه وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ كما تقدم معنا في سورة القمر قال ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: 73) ما المراد بالسوء هنا؟ الإيذاء أي لا تمسوها بأذى ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 73) فوائد الآيات
1 -ينبغي التحلي بالصبر في الدعوة إلى الله عز وجل تأسيا بالأنبياء عليهم السلام وهذا في كل سير الأنبياء والمرسلين إذ صبروا على أقوامهم ولذلك حينما يخاطبهم الأقوام بأنهم في سفاهة بأنهم في ضلال ما يكون منهم إلا الصبر والحلم وحسن الجواب.
2 -من أولويات الدعوة إلى الله الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له ورفض الإشراك ونبذه وهذا واضح في قولهم ﴿ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ﴾ (الأعراف: 85)
3 -الاغترار بالقوة المادية والجسدية يصرف صاحبها عن الاستجابة لأوامر الله ونواهيه ولذلك حذرهم وذكرهم نبي الله حينما قال ﴿وَزَادَكُمْ فِى ٱلْخَلْقِ بَصْۜطَةً﴾ (الأعراف: 69) ﵝالأَعۡرَاف: ﵙﵖﵜ يعني بكم أن تشكروا الله عليها لا أن تتكبروا وتغتروا بها.
4 -النبي يكون من جنس قومه لكنه من أشرفهم نسبا وأفضلهم حسبا وأكرمهم معشرًا وأرفعهم خلقًا فيكون النبي مكرما ذا قدر ومكانة لكنه من البشر.
5 -الأنبياء وورثتهم يقابلون السفهاء بالحلم ويغضون عن قول السوء بالصفح والعفو والمغفرة كما وقع من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
قال ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام كما ذكر رب العزة ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵔﵗﵜ
﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 74) وهود عليه السلام قال ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ (الأعراف: 69) ﵝالأَعۡرَاف: ﵙﵖﵜ فكل رسول منهم يذكر قومه بالجيل الذي سبق وبالامة السابقة لعلهم يتعظون ويعتبرون وفي هذا أيضًا دلالة على التسلسل التاريخي فنوح عليه السلام قبل هود وهود عليه السلام قبل ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليهم الصلاة والسلام.
قال ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ ﴾ قالوا هنا جعلكم تخلفون قوم عاد فما معنى خلفاء يعني تخلفون قوم عاد ويخلف بعضكم بعضا.
﴿وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ قالوا تبنون في سهول الأرض القصور وتقطعون الجبال لتصنعوا بيوتا لكم وهذا يدل على قوتهم وتمكنهم.
﴿وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ﴾ (الأعراف: 74) تأملوا تكررت كلمة اذكروا واذكروا مع الأنبياء والمرسلين فمن حِكَمِ مجيء الأنبياء والمرسلين التذكير بما فطر الله عليه الخلق التذكير والتنبيه وإزالة الغشاوة التي تطرأ على الناس بسبب صد الشيطان لهم عن سبيل الله.
قال ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَٱذْكُرُوٓا۟ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 74) ﵝالأَعۡرَاف: ﵔﵗﵜ لا تتمادوا في الأرض بالفساد.
﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 75) ﵝالأَعۡرَاف: ﵕﵗﵜ
﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟﴾ (الأعراف: 88) السادة والرؤساء قوله ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟﴾ (الأعراف: 88) هل هو وصف كاشف؟ أو هو تخصيص إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه وصف كاشف فذلك لأن الملأ هم الذين استكبروا وهذا هو المتوقع منهم في غالب الأمر أو أن يقال إن عِلْية القوم منهم من يؤمن ومنهم من يكفر وإن كان الكفار فيهم أكثر فيكون قوله ﴿ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟﴾ (الأعراف: 88) من قبيل التخصيص ﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ (الأعراف: 75) هذا بدل من﴿لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟﴾ (الأعراف: 75) ومن أوصافهم أنهم مؤمنون فالمراد بالمستضعفين هنا المؤمنون ﴿لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ (الأعراف: 75) تأمل لم يقولوا اتعلمون أن صالحا رسول من ربه؟ مع أنَّ هذا بصيغة الاستفهام التي يراد بها الإنكار والتشكيك فقولهم أَتَعۡلَمُونَ على سبيل الإنكار والتشكيك حتى كلمة رسول قالوا ﴿مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ (الأعراف: 75) يعني كما يزعم بزعمهم فرد أهل الإيمان من هؤلاء المستضعفين ﴿إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 75).
﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ (الأعراف: 75) ما قالوا نعلم أنه مرسل من ربه ﴿أَنَّمَا﴾ اجابوا بهذه الإجابة العظيمة ﴿إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 75) لسنا فقط نعلم أنه مرسل بل نحن مؤمنون برسالته فكان هذا أفيد وأدل في تمسكهم لذلك أدخل بعضهم هذا الجواب في أسلوب الحكيم لم يكتفوا بأن يجيبوهم وإنما أخبروهم بأنهم مؤمنون بهذا الرسول ﴿إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 75) وكأنهم حملوا سؤالهم على الاستفسار وليس على التهكم أو الاستهزاء أو الإنكار أو التشكيك فأجابوهم ﴿إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 75).
﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟﴾ (الأعراف: 76) وتأمل استكبروا تقدم معنا أن سورة الأعراف تقرر أن كثيرًا ممن صرف الناس به عن الحق راجع إلى الاستكبار ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الأعراف: 76) لم يقل قال الذين استكبروا أنا بما جاء به ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿إِنَّا بِٱلَّذِىٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَـٰفِرُونَ﴾ (الأعراف: 76) فمن أسباب كفرهم كيف يتساوى الملأ مع الضعفاء؟ كيف نكون مع الضعفاء على منهج واحد؟ لا بد أن يكون لنا ما ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ (الأنعام: 53) ﵝالأَنۡعَام: ﵓﵕﵜ.
﴿فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ﴾ هذه الآية التي أرسلها الله إليهم ﴿وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ (الأعراف: 77) وإن عقرها بعضهم فإنَّ الباقين كانوا راضين فكانوا مثلهم في الحكم ﴿وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ (الأعراف: 77) فوقعوا في المخالفة والعصيان ﴿وَقَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ قالوا هنا الزلزلة الشديدة ﴿فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (الأعراف: 91) موتى لا حراك بهم قالوا هنا فأصبحوا صرعى ملتصقة وجوههم وركبهم بالأرض نسأل الله السلامة.
﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ﴾ (الأعراف: 79) ﵝالأَعۡرَاف: ﵙﵗﵜ أدى ما عليه ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَـٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ (الأعراف: 79)
ثم قال الله ﴿وَلُوطًا﴾ أي واذكر لوطا واذكر يا نبي الله لوطا اذكروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون لوطا.
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأعراف: 80) ﵝالأَعۡرَاف: ﵐﵘﵜ وإذا تأملتم آيات القرآن الكريم تجدون أن رب العزة يقول ﴿۞ وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 65) ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا﴾ (الأعراف: 73) ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 85) لكنه في لوط قال ﴿وَلُوطًا﴾ لم يقل وإلى قوم لوط أو يذكر اخاهم لوطا ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَلُوطًا﴾ قالوا لأن لوطا عليه السلام حين أرسل لم يرسل إلى قومه فلذلك قال ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ﴾ (الأعراف: 80) هذا الاستفهام للإنكار والاستقباح ﴿أَتَأْتُونَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأعراف: 80) أي أتأتون لذلك قالوا هنا واذكر لوطا حين قال مستنكرا على قومه فالاستفهام للاستنكار أتأتون الفعلة المنكرة المستقبحة وهي إتيان الذكران كما جاء في الأيات الأخرى ﴿أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الشعراء: 165) ﵝالشُّعَرَاء: ﵕﵖﵑ -ﵖﵖﵑﵜ هذه الفعلة التي ابتدعتموها فلم يسبقهم إلى ارتكابها أحد ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵐﵘ -ﵑﵘﵜ متجاوزون الحد وإسرافهم حملهم على الوقوع في ذلك فإنَّ المعصية تجر إليها معصية أخرى والفساد يجلب فسادا آخر فلما اسرفوا في المعاصي وصل بهم الأمر إلى هذا الإنحطاط مما انتكست به فطرهم.
من فوائد الآيات:
1 -الاستكبار يتولد غالبًا من كثرة المال والجاه وقلة المال والجاه تحمل على الإيمان والتصديق والانقياد غالبًا.
﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟﴾ (الأعراف: 88) والله قال ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ﴾ (العلق: 6) ﵝالعَلَق: ﵖﵜ ولا يعني هذا أنه في كل الأحوال يطغى الإنسان بسبب المال لذلك احترزوا هنا فقالوا غالبًا وإلا فقد.
2 -جواز البناء الرفيع كالقصور ونحوها لأن من آثار النعمة البناء الحسن مع شكر المنعم.
ولذلك ذكرهم بذلك فقال ﴿وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ٱلْجِبَالَ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵔﵗﵜ المهم أن العبد يكسب بحلال والا يطغى في الأرض والا يتكبر على الخلق.
3 -الغالب في دعوة الأنبياء أن يبادر الضعفاء والفقراء إلى الإصغاء لكلمة الحق التي جاءوا بها وأما السادة والزعماء فيتمردون ويستعلون عليها.
كما قال هنا ﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قَالُوٓا۟﴾ (الأعراف: 75) ﵝالأَعۡرَاف: ﵕﵗﵜ أي هؤلاء المستضعفون ﴿إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 75) ويشهد بذلك ما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة هرقل أيتبعوه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قال بل ضعفاؤهم فبين له أن دعوة الأنبياء كذلك.
4 -قد يعم عذاب الله المجتمع كله إذا كثر فيه الخبث وانعدم فيه الإنكار.
ولذلك قال هنا ﴿فَعَقَرُوا۟ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوْا۟ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ ٱئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف: 77) ﵝالأَعۡرَاف: ﵗﵗ -ﵘﵗﵜ.
قال الله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: 82) ﵝالأَعۡرَاف: ﵒﵘ ﵜ
هذا رد قوم لوط على لوط عليه السلام ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ (الأعراف: 82) لِمَ؟ ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (الأعراف: 82) هكذا لا تبقوهم عندكم ولا معكم لأنهم أناس يريدون الطهارة وهذا فيه اقرار منهم بأنهم ليسوا على طهارة وأنهم في خبث وقذارة نسأل الله السلامة وهذا كما قال الله ﴿وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ (البروج: 8) ﵝالبُرُوج: ﵘ -ﵙﵜ معلوم أن الطهارة ليست جريمة وإنما الطهارة شرف ونزاهة والإنسان يحرص على أن يجالس الطاهرين لا أن يكره مجالستهم أو صحبتهم أو البقاء.
﴿فَأَنجَيْنَـٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ (الأعراف: 83) ﵝالأَعۡرَاف: ﵓﵘﵜ أي كانت من الباقين مع قومها في العذاب، صارت مع الباقين مع قومها فأصابها ما أصابهم من العذاب.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84) ﵝالأَعۡرَاف: ﵔﵘﵜ قالوا مطرا عظيما فالمطر هنا جاء منكرا للدلالة على تعظيمه أي مطرا عظيما ﴿فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 84) قالوا هنا حيث رميناهم بحجارة من طين وقلبنا القرية فجعلنا عاليها سافلها وقد ذكر بعض العلماء أن السبب في هذه العقوبة أنهم قد انتكست فطرهم فلما انتكست فطرهم وقلبوا الحقيقة والحق والواقع والفطرة كان الجزاء من جنس العمل ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ﴾ (هود: 82) ﵝهُود: ﵒﵘ -ﵓﵘﵜ
ثم قال الله جل ذكره ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ ۖ قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 85) ﵝالأَعۡرَاف: ﵕﵘﵜ أي لقد أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبًا أي إلى قبيلة مدين أخاهم شعيبا عليه السلام ﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ﴾ (الأعراف: 85) هكذا تتكرر هذه الجملة وهذه الدعوة الصادقة الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك ﴿قَدْ جَآءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (الأعراف: 85) أي برهان من الله واضح وحجة جلية على صدق ما جئتكم به من ربي ﴿فَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ﴾ (الأعراف: 85) وقد كان قومه مشهورين بتطفيف الكيل والموازين فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى أن يوفوا الكيل والميزان وهذا فيه أن أنبياء الله ورسله يصلحون أحوال الناس عقديا وسلوكيا واقتصاديا واجتماعيا وما إلى ذلك ﴿وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ﴾ (الأعراف: 85) لا تنقصوا الناس بعيب سلعهم بأن تكون صالحة فتعيبونها وتزهدون فيها حتى تصرفوا الناس عنهم فهذا من بخس الناس وظلم الناس ﴿وَلَا تَبْخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ﴾ (الأعراف: 85) ويلحقوا بذلك إذا ظلم الإنسان غيره بأن حكم عليه بما ليس فيه فظلمه وجار عليه ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا﴾ (الأعراف: 56) أي بالكفر وارتكاب المعاصي ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥.
قوله ﴿وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵖﵘﵜ يحتمل احتمالين أن المراد به الحسي أو أن المراد به المعنوي لذلك قالوا هنا ولا تقعدوا بكل طريق تهددون من سلكه من الناس لتسلبوا أموالهم وتصدوا عن دين الله من أراد الاهتداء به طالبين أن تكون سبيل الله معوجة حتى لا يسلكها الناس.
﴿وَلَا تَقْعُدُوا۟ بِكُلِّ صِرَٰطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 86) فقد يترصدون لأهل الإيمان فيمنعوهم من اتباع الحق وكذلك يقعدون كقاطعي طريق فيقطعون عليهم الطرق ويأخذون أموالهم ويترصدون لهم ﴿وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَٱذْكُرُوٓا۟ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ (الأعراف: 86) ﵝالأَعۡرَاف: ﵖﵘﵜ
﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُوا۟ بِٱلَّذِىٓ أُرْسِلْتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ (الأعراف: 87) ﵝالأَعۡرَاف: ﵗﵘﵜ هناك ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ وهناك من كفر ﴿فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ (الأعراف: 87) سبحانه وتعالى.
من فوائد الآيات:
1 -اللواط فاحشة تدل على انتكاس الفطرة، وناسب أن يكون عقابهم من جنس عملهم فنكس الله عليهم قراهم. ﴿جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ (هود: 82) وهذا من دلائل أن الجزاء من جنس العمل.
2 -تقوم دعوة الأنبياء ومنهم شعيب ﷺ على أصلين وهكذا دعوة الأنبياء والمرسلين الأصل الأول تعظيم أمر الله سبحانه وتعالى بما فيه من الاقرار بالتوحيد وما إلى ذلك والثاني الشفقة على خلق الله ويشمل ترك البخس وترك الإفساد وكل أنواع الإيذاء ولذلك نهاهم عن تطفيف الكيل والميزان أو بخس الناس أشياءهم أو الفساد في الأرض
3 -الإفساد في الأرض بعد الإصلاح جرم اجتماعي في حق الإنسانية: لأن صلاح الأرض بالعقيدة والأخلاق فيه خير للجميع وإفساد الأرض عدوان على الناس.
ولذلك قال ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا﴾ (الأعراف: 56) ﵝالأَعۡرَاف: ﵕﵘﵜ
4 -من أعظم الذنوب وأكبرها وأشدها وأفحشها أخذ ما لا يحق أخذه شرعًا من الوظائف المالية بالقهر والجبر فإنه غصب وظلم وعسف على الناس وإذاعة للمنكر وعمل به ودوام عليه وإقرار له.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعدُ، فمرحبًا بكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الكرام الفضلاء مع درس من دروس التعليق على المختصر في القرآن الكريم وما زلنا مع سورة الأعراف فنقول مستعينين بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله
قال الله سبحانه:
﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ﴾
هكذا واجه قوم شعيب المستكبرون شعيبا عليه الصلاة والسلام لم يردوا عليه بالحجة بعد أن احتج عليهم وبين لهم دعوته الصادقة إذا بهم يتوجهون إليه باستعمال القوة والبطش والشدة وهكذا دأب أهل الطغيان لا يواجهون الحجة بالحجة وإنما يواجهون الحجة بالشدة والقوة.
﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا۟ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِۦ مُؤْمِنُونَ﴾ وهذا فيه ما تقدم مرارا في هذه السورة من أن الاستكبار سبب كبير في الصد عن سبيل الله والانصراف عن الحق.
﴿۞ قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ﴾ واضح أن هذا أسلوب استعمله الملأ في الأمم السابقة وكذلك فإنَّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما قص ما قص على ورقة ابن نوفل قال له ورقة: يا ليتني أكون معك إذ يخرجك قومك، قال: أومخرجي هم قال: لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي، فهذه سنة.
ولذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۖ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: 13 -14]
ولذلك تقدم معنا في قوم لوط إذ قالوا للوط ﴿أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56] وقد كانوا يسمون هذا بالخليع حينما يخلعونه ويطردونه أي يطردون من لا يرغبون فيه من بلدهم.
﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ﴾ يستعملون معهم هذه الشدة والطرد من الأرض والوطن.
*الأمر الآخر أن تعودوا إلى ملتنا، وملتهم هي ملة الشرك عياذا بالله تعالى
ولم يقولوا (﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ﴾ يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو تعودون في ملتنا) ﴿أَنَّمَا﴾ أيضًا أعادوا هذا التأكيد ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾
﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ﴾ وفي قولهم أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا إشكال مشهور وهو أن لازم قوله ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾ أن شعيبا عليه السلام كان في السابق على ملتهم فكيف يكون ذلك، وشعيب عليه السلام نبي مكرم فهل سبق أن كان على الشرك حتى يقول أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا؟
أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة متعددة منها:
1. أن قولهم أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا العودة هنا بمعنى الصيرورة فيقال عاد بمعنى صار وكذلك ما جاء بعد في قوله ﴿قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم﴾ أي إن صرنا في ملتكم فالمراد بها الصيرورة وليس المراد أنهم كانوا على شيء وسيعودون إليه.
ومن ذلك قوله ﴿وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ﴾ [يس: 39] أي حتى صار كالعرجون القديم فلا يلزم على هذا أن يكون شعيب عليه السلام كان على الشرك وأنه سيعود إليه ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ ولبى رغبتهم وهذا وجه.
2. أما الوجه الثاني: أنه استعمل هنا أسلوب التغليب فمعنى ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾ الخطاب له ولمن معه وكثير ممن كان معه، بل الأصل أن من كان معه لم يكونوا على التوحيد فتكون عودتهم إلى الشرك باعتبار بقية قومه وإلا فشعيب عليه السلام سالم من ذلك عليه الصلاة والسلام.
3. والوجه الثالث: أن أمر شعيب عليه السلام لم يكن ظاهرا لديهم، فهم كانوا يحسبونه على ملتهم لأنه لم يكن مخاطبا قبل النبوة والرسالة بدعوتهم فإن كان في نفسه صالحًا فإنَّ صلاحه كان لنفسه.
وإنما ظهور أمره وبيان وظهور أثر ذلك عليه ﴿أَنَّمَا﴾ كان بعد أن صار نبيا رسولا ولذلك قولهم (أو لتعودن في ملتنا) باعتبار ما كانوا يتوقعون أن شعيبا كان على ملتهم، فهذه ثلاثة أجوبة أجاب بها كثير من العلماء في مثل هذا الموضع والعلم عند الله.
﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ﴾ قالوا هنا: قال لهم شعيب منكرا ومتعجبا، فاستفدنا من قولهم منكرا ومتعجبا أن الاستفهام في قوله ﴿أَوَلَوۡ﴾للإنكار والتعجب.
﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ﴾ جعلوا في قوله ﴿أَوَلَوْ﴾ أن الواو معطوفة على كلام مقدر أي لن أتابعكم على دينكم وملتكم حتى ولو كنا كارهين، كيف نتابعكم أتلزموننا بذلك مع كراهيتنا له، والأصل أنه ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ لماذا تكرهوننا على ملتكم الباطلة فإن لم تؤمنوا فاتركونا وشأننا وما نعتقد.
﴿قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ﴾ وهذا فيه أن الأصل أن يدخل الإنسان في معتقده مختارا لا مكرها.
﴿قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸﱹ ﱺ ﱻ ﱼﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﱠ
﴿قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم﴾ أي إن صرنا في ملتكم.
﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا﴾ أي سلمنا الله منها فالسلامة نجاة بأن سلمهم الله عز وجل منها.
﴿بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ﴾ أي أن نصير فيها ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا﴾
* وهناك وجه آخر هنا في الضمير بعضهم قال ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ﴾أي في قريتكم على الوضع الذي تريدونه فنحن لن نعود إليها إذا كنتم مصرين على منعي من دخولها إلا بالكفر بالله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ﴾ أو أن نصير في تلك الملة ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا﴾.
﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا﴾ فيه تفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى كما ذكر قبل ذلك في حق الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ [الأنعام: 81] إلى آخر الآية الكريمة فالشاهد من ذلك أن قوله ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا﴾ تفويض من شعيب عليه السلام أمره إلى الله سبحانه وتعالى وأن ثباته على الإيمان مشيئة الله عز وجل.
ولذلك قالوا أنه لا بأس أن يقول المؤمن أنا مؤمن إن شاء الله باعتبار أنه لا يعلم الخاتمة وباعتبار أنه لا يعلم إلى ما يصير أمره وليس من باب التشكك فإنَّ كان من باب التشكك فإنه ممنوع.
﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا﴾ وأيضا ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا﴾ ولعل الله يشاء أن يهديكم أو أن يهدي بعضكم فالأمر هو كله لله
وأيضا ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا﴾ فقد يزيغ بعض أتباع شعيب عليه السلام فالكلام عام ليس خاصا بشعيب وحده عليه الصلاة والسلام.
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ أي وسع علم ربنا كل شيء فهو تمييز محول عن الفاعل وفيه أيضًا إجمال ثم تفصيل وهذا يكون أدعى إلى الاستيعاب والاهتمام.
﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ فنحن لا نخاف منكم ولا نخاف بطشكم ولا نخاف إيذائكم لنا لأننا توكلنا على الله وحده.
﴿عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ﴾ يا ربنا أحكم ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ﴾ فالفتح هنا معناه: الحكم والقضاء.
﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ﴾ يعني يا ربنا اقض بيننا وبينهم كما تقدم في قول شعيب عليه السلام ﴿فَٱصْبِرُوا۟ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَـٰكِمِينَ﴾ [الأعراف: 87] فهناك قال حتى يحكم وهنا قال (ربنا افتح) وهو بمعنى الحكم.
وتقدم أن الفتاح في حق الله سبحانه وتعالى من معانيه الحكم والقضاء، ومن معانيه الرزق والعطاء فالله يفتح يعني: يرزق ويعطي ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96]
والفتح بمعنى الحكم والقضاء وهنا ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ﴾ وهذا فيه أن هذه الجملة جاءت في هذا السياق وقد أريد بها الحكم والفصل فيقع بين شخص وآخر اختلاف وحينئذ ينتظران الحكم الحق الذي يبين المحق من المبطل ويبين المهتدي من الضال فحينئذ يقال ربنا احكم ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ﴾ ٱلْفَٰتِحِينَ
وبعض الناس يستعملون الآية على غير وجهها فيأتي بالآية في سياق الطلب الرزق والعطاء وفتح العلم وما إلى ذلك والمقام هنا مقام القضاء والحكم والله تعالى أعلم.
﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَـٰسِرُونَ﴾
في الآيات السابقة ﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ﴾ وهنا ﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ﴾
تقدم معنا أن بعض العلماء ومن أشهرهم ابن عاشور رحمة الله يرى أن الجمل تأتي هكذا ﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ﴾ في باب المحاورات والمقاولات بمعنى إذا كان الحديث دائرا بين النبي وقومه الجواب ﴿قَالَ﴾ ويقولون أيضًا (قالوا) ولكن إذا اختلف المقام بأن كان الحوار قد انتهى وقالوا هذا القول في مقام آخر فتأتي وأو العطف ﴿وَقَالَ﴾ أي وقالوا في مقام آخر.
﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ هذا الخطاب خطاب لأتباع شعيب للمؤمنين بشعيب فالأول كان خطابا موجها لشعيب عليه السلام ولا يمنع أن يكون المؤمنون كانوا حاضرين معه وأما هذا فهو خطاب لأتباعه يحذرونهم من شعيب عليه السلام.
﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ وفي آيات سورة هود عليه السلام ذكر الله الصيحة ﴿وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ [هود: 94]
فأطلق الله عز وجل على عذابهم الصيحة، وهنا أطلق عليه الرجفة، وجاء في سورة الشعراء ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ ٱلظُّلَّةِ﴾، فاستبان بذلك أن العذاب الذي لحق قوم شعيب عليه السلام ثلاثة ألوان: الصيحة والرجفة، وعذاب الظلة.
فاختلف أهل التفسير في وجه ذلك:
1. فمن قائل يقول أن شعيبا عليه السلام أرسل إلى أمتين: إلى مدين، وأرسل إلى أصحاب الأيكة، وشعيب عليه السلام من مدين،فهم قومه ولذلك قال الله ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ فجعل بينه وبينهم أخوة وهي أخوة النسب.
وأما في أصحاب الأيكة فإنه قال ﴿كَذَّبَ أَصْحَـٰبُ لْـَٔيْكَةِ ٱلْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ١٧٧﴾ [الشعراء: 176 -177] ولم يقل ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ شعيب فقالوا أرسل شعيب عليه السلام إلى أصحاب الأيكة وأرسل إلى مدين ومدين قومه فلذلك لما ذكر قال أخاهم شعيبا ومدين بين الله عز وجل هلاكها بالصيحة وبالرجفة فالصيحة باعتبار السبب البعيد والرجفة باعتبار السبب القريب فبداية الأمر أو بدايته كانت صيحة فالصيحة أحدثت رجفة فالرجفة جعلت الأرض ترجف بهم فهلكوا.
فإذا ذكرت الصيحة فعلى اعتبار السبب البعيد وإذا ذكرت الرجفة فباعتبار السبب القريب.
والصيحة والرجفة أصابت مدين قوم شعيب عليه السلام وأما أصحاب الأيكة -أصحاب الشجرة التي ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ﴾ -فقال هؤلاء ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ [الشعراء: 187] وهؤلاء أهلكهم الله بعذاب يوم الظلة وبناء عليه فالعذاب مختلف.
2. ومنهم من قال بل إن أصحاب الأيكة هم مدين لا غيرهم ولكن الله عز وجل لما عبر عنهم بأصحاب الأيكة -وكانت الأيكة تعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ عز وجل -لم يذكر الله العلاقة بينه وبينهم، فلم يذكر الأخوة فلم يقل ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾.
وأما هذه الألوان المختلفة من العذاب فلا يمنع أن تكون قد اجتمعت لقوم شعيب فأصابتهم الصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة وذكر الله في كل سورة ما يناسب المقام، وهذا ما مال إليه الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى.
فقالوا: إنهم في سورة الأعراف ذكر الله تعالى ما وقع منهم (إذ قالوا ﴿قَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَنُخْرِجَنَّكَ يَـٰشُعَيْبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا ۚ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَـٰرِهِينَ﴾ يا شعيب ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا﴾) وهذا من الإرجاف، فهم أرجفوا بشعيب عليه السلام وأخافوه وخوفوه في القول، فناسب أن تكون العقوبة، فأخذتهم الرجفة من باب أن الجزاء من جنس العمل فأنتم تخوفون شعيبا وتجعلونه في حالة هلع وفزع لا بل إن الرجفة ستصيبكم.
وأما في سورة هود عليه السلام فقد ذكر الله عز وجل ما قالوا لشعيب عليه السلام حينما تهكموا منه وقالوا له ﴿إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلْحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ﴾ [هود: 87] فلما وقع منهم شيء من التهكم والكلام السيء فحينئذ أخذتهم الصيحة التي أسكتتهم فالصيحة أسكتتهم.
وأما عذاب يوم الظلة فبناء على طلبهم حينما قالوا ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ [الشعراء: 187] فجاء الجزاء من جنس العمل، فذكر الله في كل سورة ما يناسب المقام والعلم عند الله تبارك وتعالى
ووجه له وجهة ووردت بعض الآثار في أن شعيبا عليه السلام أرسل إلى أمتين، لكنها لا تخلو من مقال وقد فصلت القول في ذلك في مادة أيكا أو أيك في تحفة الأريب.
﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَا ۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾
قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا۟ فِيهَا ۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ كأنهم لم يقيموا فيها، يعني هلكوا جميعا وصاروا كأنهم لم يقيموا بدارهم ولم يتمتعوا فيها.
ثم قال ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ شُعَيْبًا كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ هكذا بأسلوب الحصر ﴿كَانُوا۟ هُمُ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ لأن ضمير الفصل من معانيه إفادة الحصر يعني ليس هناك خاسر إلا هؤلاء وكأن المعنى كانوا هم الخاسرين لا شعيبا والمؤمنين به عليه الصلاة والسلام.
﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ﴾
﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَـٰقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبِّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ فهو ناصح أمين عليه السلام.
﴿فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ﴾ يعني كيف أحزن على قوم كافرين بالله مصرين على كفرهم
وفي هذا إشارة إلى أن المؤمن لا يأسى على المصر على الكفر إذا عوقب فإنَّ عقابه من باب الجزاء من جنس العمل بل إن المؤمن يفرح بزوال هؤلاء ممن يعيثون في الأرض الفساد وممن يظلمون الناس بغير الحق وممن يجحدون آيات الله سبحانه وتعالى.
﴿فَكَيْفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَـٰفِرِينَ﴾ ولذلك من السفاهة بمكان ما ردده بعض الناس حينما رأى في نفسه الرحمة والشفقة قد طالته حتى وصلت به إلى أن يرحم إبليس ويقول: ولماذا يطرد إبليس من رحمة الله وما أشبه ذلك فهذا من السفه بمكان، فإنَّ المؤمن حقًا هو الذي يحب في الله ويبغض في الله ويوالي في الله ويعادي في الله؛ ولذلك جاء.
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾
يبين الله عز وجل سنة من سننه في خلقه ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ يبتليهم رب العزة سبحانه وتعالى من أجل التضرع ومن أجل الرجوع إليه سبحانه وتعالى فيبتلون بالفقر وبالمرض وبالآلام والأوجاع لعلهم يعودون إلى رشدهم.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟ وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ﴾ السيئة هنا: هي البأساء والضراء والبؤس والفقر والألم.
أما الحسنة: الرخاء يعني أن هذه الشدة التي لحقتهم لا تستمر، لكنها تذهب؛ لأنَّها ليست مقصودة لذاتها ﴿أَنَّمَا﴾ المقصود من ورائها العبرة والعظة والتذكير والتنبيه.
﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟﴾ قالوا: أي حتى كثرت أعدادهم فمعنى حتى عفوا يعني حتى كثروا ومعناها: أن الأمر عاد إليهم فصارت أراضيهم خصبة تنبت الكلأ والعشب الكثير، وصارت مياههم كثيرة وأرزاقهم وفيرة
فحينما كثروا وكثرت أموالهم ماذا كان منهم؟
﴿وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ لم يستفيدوا شيئًا من الابتلاء الذي وقع بهم وإنما عزوا ذلك إلى العادة؛ قالوا البأس أو الفقر والألم هذا أمر عادي يرد بين الحين والحين وبين الفينة والفينة فما أصابنا أصاب من قبلنا ولا علاقة له بذنوبنا ولا علاقة له بما هم عليه من كفر.
﴿وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ﴾ ولذلك قالوا هنا في التفسير: وقالوا ما أصابنا من الشر والخير هو عادة مضطردة أصابت أسلافنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ولم يدركوا أن ما أصابهم من نقم يراد به الاعتبار وما أصابهم من نعم يراد به الاستدراج.
نعم وهذا شأن العاقل أنه يعلم أنه إذا أصيب بالضراء فهذا ليعتبر ويتعظ وأنه إذا أنعم عليه وهو مقيم على معاصي الله على المعصية فإنما هذا استدراج نعوذ بالله من الخذلان.
ولذلك تقدم معنا في سورة الأنعام ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44] أي فجأة وهم لا يشعرون بالعذاب ولا يترقبون
قال الشيخ حفظه الله:
1. من مظاهر إكرام الله لعباده الصالحين أنه فتح لهم أبواب العلم ببيان الحق من الباطل بنجاة المؤمنين وعقاب الكافرين ولذلك من دعاء نبي الله شعيب كما تقدم ﴿رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَـٰتِحِينَ﴾
2. من سنة الله في عباده الإمهال لكي يتعظوا بالأحداث ويقلعوا عما هم عليه من معاص وموبقات ولذلك قال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِىٍّ إِلَّآ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ حتى يتضرعوا ويرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى
3. الابتلاء بالشدة قد يصبر عليه الكثيرون ويحتمل مشقاته الكثيرون أما الابتلاء بالرخاء فالذين يصبرون عليه قليلون ولذلك قال ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا۟﴾ كثروا ونما المال والأولاد وكل شيء مما أعطوه زاد فقالوا حينئذ ﴿وَّقَالُوا۟ قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
ولذلك قال بعضهم ابتلينا بالضراء فصبرنا وابتلينا بالسراء فلم نشكر إلا من رحم الله فنسأل الله أن يجعلنا من الصابرين الشاكرين
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ ۙ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟﴾ وحققوا الإيمان وتقوى الله سبحانه وتعالى لفتح الله عز وجل عليهم بركات من كل جهة وهذا فيه ترغيب فالآيات السابقة فيها ترهيب وهذه الآية فيها ترغيب.
ثم بعد ذلك عادت الآيات إلى الترهيب في قوله ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ هذا فيه أن بركات السماء والأرض تنال بالإيمان والتقوى، فمن أسباب الرزق ومن أسباب سعة الرزق والبركة الإيمان بالله وتقواه.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ من جهة السماء ومن جهة الأرض.
* أو المراد: من كل جهة فالسماء تمطر ويأتيهم خيرها والأرض تنبت ويأتيهم خيرها وبركتها أيضًا. ﴿وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾
إن قال قائل فلِمَ لم يفتح على هؤلاء من خيرات وبركات السماء والأرض؟
فالجواب: لأنهم لم يؤمنوا ولم يكونوا من المتقين وإنما كانوا من المكذبين فاستحقوا بذلك الوعيد.
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱠ
تقدم يا أيها الإخوة الكرام في صدر السورة المباركة ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾ فهذه الآيات أو هاتان الآيتان فيهما تفصيل لما سبق.
فهنا ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ﴾ أي القرى المكذبة، فالمراد (بأهل القرى) هنا: أهل القرى الذين كذبوا.
﴿أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ أي: على غرة فيكون هذا أشد إزعاجا لهم.
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ﴾ والقراءة الأخرى ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾أي في وقت اللعب وفي وقت الأنهماك في الدنيا وهذا يكون أنكى وأشد.
﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾
ثم قال ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ﴾ إنكار وتوبيخ وتهديد وتقرير ﴿أَفَأَمِنُوا۟ مَكْرَ ٱللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾
وهذا فيه تنبيه للعباد ينبغي للعبد أن يفرق بين ما يكون من عطاء الله للعبد بسبب طاعة العبد وما يكون من مكر الله بالعبد بسبب انهماك العبد في الدنيا وشهواتها وزخارفها وزينتها، فإذا كان العبد على الطاعة ثم وسع الله عز وجل عليه فليحمد الله فهذا من الخير الذي سيق له بسبب طاعته، وأما إذا كان العبد على معصية ثم فتح له فيخشى عليه أن يكون هذا من المكر به فيعاود التوبة إلى الله سبحانه وتعالى.
ولذلك يفرق أهل العلم بين حسن الظن والاغترار، ففرق بين إنسان يحسن الظن بالله وبين آخر يغتر ويتكل على رحمة الله سبحانه وتعالى.
*فالذي يحسن الظن في الله يؤمن بالله ويعمل الصالحات ويرجو رحمة الله ويخاف عذاب الله وهو يؤمل ﴿إِلَّا﴾ يحرمه سبحانه وتعالى فهذا من حسن الظن بالله وهذا مشروع وحسن وينبغي للمؤمن ﴿إِلَّا﴾ يغفل عنه.
*وأما الجانب الآخر فهو الاغترار أو الغرور وهو الاتكال على سعة رحمة الله مع الأنهماك في المعصية ومع الاشتغال بأمر الدنيا فينبغي للعبد أن يعاود وأن يعود إلى رشده.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ ۚ وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
هذا فيه أن قصص الأنبياء والمرسلين يراد منه الاتعاظ والاعتبار، فالله لما قص علينا قصص الأنبياء السابقين كقصة نوح وهود وصالح وشعيب عليهم الصلاة والسلام لينتبه أولئك المشركون من غفلتهم ومن معاصيهم وليعلموا أن الله قادر على مؤاخذتهم كما أخذ من سبقهم.
لذلك قال ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ يعني أولم يتبين ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ أَهْلِهَآ﴾ فهؤلاء قد ورثوا الأرض بعد ذهاب أهلها.
﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي كما أصبنا من قبلهم فكما أهلكنا من قبلهم بالذنوب فالله قادر أيضًا على إصابتهم وأخذهم بالذنوب.
وقوله ﴿أَن لَّوْ نَشَآءُ﴾ أن هي المخففة أي: أننا ﴿لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ ﴿وَنَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾
فإنْ قال قائل فلماذا لا يستجيبون؟
فالجواب: بسبب الطبع على القلوب فهم لا يسمعون، أي: سماع انتفاع.
﴿تِلْكَ ٱلْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنۢبَآئِهَا ۚ وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَمَا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوا۟ بِمَا كَذَّبُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾
لذلك قالوا هنا: ومثل ختم الله على قلوب أهل هذه القرى المكذبين برسلهم يختم ﴿ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا يهتدون للإيمان، فوجه الشبه بين كفار مكة والكفار السابقين أن طبع الله على قلوب هؤلاء وأولئك.
﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ﴾
ثم قال ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ أي من وفاء بعهد فمعنى ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ﴾ أي من التزام بالعهد أو وفاء بالعهد، فهم وإن عاهدوا الله لكنهم لا يفون بالعهود وإنما ينقضونها.
﴿وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ﴾ وأيضا أن هنا هي المخففة من الثقيلة بدليل دخول اللام الفارقة (لفاسقين) وبدليل السياق
﴿وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَـٰسِقِينَ﴾ فيه إثبات أن أكثرهم كانوا على الفسق والخروج من طاعة الله سبحانه.
ثم قال ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ﴾ وهذا تكرر في كتاب الله عز وجل أن الله يذكر قصة موسى عليه السلام بعد ذكره قصة شعيب عليه السلام وقصص الأنبياء السابقين لأن موسى عليه السلام متأخر عنهم في الزمان.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۖ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنۢ بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَظَلَمُوا۟ بِهَا﴾ ظلموا بتلك الآيات وجحدوا بها وأنكروها.
﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَـٰفِرْعَوْنُ إِنِّى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾
مالك كل شيء سبحانه وتعالى.
قال الشيخ حفظه الله:
1. الإيمان والعمل الصالح سبب الخيرات والبركات من السماء والأرض على الأمة قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَـٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا۟ فَأَخَذْنَـٰهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ وتقدم معنا في سورة المائدة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] وقولهم الإيمان والعمل الصالح، فالعمل الصالح مستفاد من قوله ﴿وَٱتَّقَوۡاْ﴾ فتقوى الله بالعمل الصالح بفعل الخيرات وترك المنكرات.
فوائد من هذا الدرس
- قَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ
- قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِى وَٱتَّبَعُوا۟ مَن لَّمْ يَزِدْهُ…