مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الأعراف — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 297 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

ثم قال ﴿الٓمٓصٓ﴾ (الأعراف: 1) لا أحد أظلم من هؤلاء الكفار الذين هم أصحاب النار هم فيها خالدون الذين كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها ﴿كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 2) هنا وقع اختلاف بين المفسرين في معنى قوله ﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 3) ما المراد بقوله ﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 3)

1. فهنا قالوا في المختصر في التفسير (أولئك المتصفون بذلك ينالهم حظهم المكتوب لهم في اللوح المحفوظ من خير أو شر) فبعضهم قال يناله نصيبه من الكتاب أي: -مما كتب لهم من رزق من رخاء من جدب ومن قحط من مال ونحو ذلك ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ (الأعراف: 4) يعني أنهم يعيشون في الدنيا بحسب ما كتب الله لهم من رزق وأجل ونعماء وضراء وما إلى ذلك هذا معنى ﴿ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 3) ويكون المراد بالكتاب: -ما قُدِّر عليهم في اللوح المحفوظ. قالوا وسبب ذلك أنَّ الله قال بعد ذلك ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ (الأعراف: 4) فهذه غاية فالمعنى: -أنَّه في الدنيا لهم نصيبهم المقدَّر وقد يتمتعون لكنه متاع قليل كما في قوله سبحانه وتعالى ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (لقمان: 24) وكقوله ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ (لقمان: 24) [سورة لقمان:24] وكقوله ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 126) [سورة البقرة:126].

قالوا هذا من هذا الباب، وهذا رجحه عدد من المفسرين كالطبري وابن كثير وغيرهما وسبب ذلك ما جاء بعدُ في قوله ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ (الأعراف: 4) إذاً هم في الدنيا يناله نصيبه من الكتاب.

2. وبعض العلماء قال: يناله نصيبه من الكتاب المراد به العذاب: -يناله النصيب من الكتاب، ما نصيبه من الكتاب؟ يعني: -نصيبهم ممَّا قُدِّر عليه من العذاب، أو المراد بالكتاب: -القرآن والمراد نصيبهم أي: العذاب الذي ذُكِرَ في القرآن الكريم. قالوا لم؟ قالوا: -لأنَّ هذا هو المناسب لمقام الآية الكريمة فالآية جاءت بعد قوله ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 5) فقوله ﴿فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف: 6) يمكن أن يُقَال إنها عطف بيان من قوله ﴿فَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْـَٔلَنَّ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾ (الأعراف: 6) وأيضاً قالوا: -إنها يصح أن تكون بمثابة الاستئناف البياني ﴿الٓمٓصٓ﴾ (الأعراف: 1) ماذا لهم يا ربنا؟ أولئك ينالهم النصيب من الكتاب.

لكن يشكل على هذا أنَّ الله قال ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ (الأعراف: 4) فأجيب عن ذلك: -(حتى) لا يشترط أن تكون عاطفة ف (حتى) قد تكون ابتدائية فتكون حينئذٍ بمعنى السببية. فيكون المعنى:فإذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم ولا يلزم أن تكون غاية لما قبلها؛ وإنَّما المعنى: -انتهى الخبر السابق ثم جاء خبر جديد.

وهذا كقوله سبحانه ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (الأنعام: 31) [سورة الأنعام:31] فهل يقال ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ﴾ إلى أن جاءتهم الساعة؟ أم أنَّ الخسران ﴿أَنَّمَا﴾ يقع إذا جاءتهم الساعة؟ فهذا معناه فإذا جاءتهم الساعة.. على كل الذين قالوا بذلك قالوا (إنّ) (حتى ينالهم نصيبهم من الكتاب) أي نصيبهم من العذاب وهذا اختارها بعض المفسرين كابن عاشور رحمة الله فهما وجهان في الآية الكريمة والعلم عند الله.

﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ (الأعراف: 7) أي: -أقروا عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ فهم يقولون (ضلوا عنا) يعني: -ذهبت عنَّا الآلهة التي كانوا يعبدونها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾. نسأل الله أن يرزقنا التوحيد الخالص.

من فوائد الآيات

· المؤمن مأمور بتعظيم شعائر الله من خلال ستر العورة والتجمل في أثناء صلاته وخاصة عند التوجه للمسجد ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 8).

· من فسر القرآن بغير علم أو أفتى بغير علم أو حكم بغير علم فقد قال على الله بغير علم وهذا من أعظم المحرمات. ولذلك ختم الله به آية المحرمات وهذا يدل على شدة أمره وعلى خطورة شأنه ﴿وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

· في الآيات دليل على أنَّ المؤمنين يوم القيامة لا يخافون ولا يحزنون ولا يلحقهم رعب ولا فزع وإذا لحقهم فمآلهم الأمن. لذلك قال ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (الأعراف: 9).

· أظلم الناس من عطَّل مراد الله تعالى من جهاتين جهة ابطال ما يدل على مراده وجهة إيهام الناس بأنَّ الله أراد منهم ما لا يريده الله. لذا قال هنا ﴿الٓمٓصٓ﴾ (الأعراف: 1) فهو يبطل مراد الله سبحانه وأيضاً يدعي أنَّ الله أراد كذا والله لم يرد هذا. هذا كله من الظلم العظيم. نسأل الله السلامة.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف: 10) ترون -يا أيها الإخوة -الكرام أنَّ هذه الآيات المباركة من سورة الأعراف حدثنا الله عز وجل فيها عن بعض مشاهد يوم القيامة فكما تقدّم سورة الأعراف جمعت بين ذكر بعض قصص الأنبياء والمرسلين، وما وقع من هلاك الأقوام والأمم المكذبة وفيها تذكير بالآخرة وما يكون فيها. وهنا ذكر الله عز وجل بعض ما يقع بين أهل النار نعوذ بالله من النار ومن شر حالها قال الله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ (الأعراف: 11): ادخلوا في أمم، قالوا هنا في المختصر (قالت لهم الملائكة بأمر الله سبحانه ادخلوا في أمم) أي (ادخلوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون في جملة أمم) إذاً ما معنى ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ (الشعراء: 219) كيف يدخلون في الأمم؟ أي: -يدخلون في جملة أمم أو إنَّ (في) بمعنى: -(مع) فإنَّ (في) قد تأتي بمعنى (مع) كما في قوله ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ (الشعراء: 219) [سورة الشعراء:219] قالوا: -أي بمعنى: -مع الساجدين.

﴿وَتَقَلُّبَكَ فِى ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ (الشعراء: 219) أي: -مضت من قبلكم على الكفر والضلال من الجن والإنس في النار (كلما دخلت أمة لعنت أختها) أي: -التي سبقتها، وهكذا أهل النار بينهم تخاصم وبينهم تلاعن. وقد قال الله ﴿ٱلْأَخِلَّآءُ يَوْمَئِذٍۭ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلْمُتَّقِينَ﴾ (الزخرف: 67) [سورة الزخرف:67] فأهل الإيمان يرحم بعضهم بعضاً، ويشفع بعضهم في بعض؛ وأمَّا أهل الكفر فإنَّهم يقع بينهم ما يقع من لعنة ومن تباغض. قال الله سبحانه ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12) يعني: -حتى إذا تلاحقوا واجتمعوا فيها جميعا ﴿قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ (الأعراف: 13) قالوا هنا في المختصر (قالت أخراهم دخولاً وهم السفلة والأتباع لأولاهم هم الكبراء) لأنَّ الكبراء أشد ضلالاً وأعظم فساداً فلذلك يُقدَّمون في الدخول ويقتحمونها أولاً كما قال الله في شأن فرعون ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾ (هود: 98) [سورة هود:98] فيكونون أئمة في دخول النار -نسأل الله السلامة -فإذا دخل المتأخرون بعد المتقدمين منهم في النار ماذا جرى بينهم؟ ﴿قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الأعراف: 14) حين يرونهم ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ﴾ (الأعراف: 15) ضاعف لهم العذاب يا ربنا فأجابهم الله ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الأعراف: 16) قالوا هنا في المختصر (قال الله رداً عليهم لكل طائفة منكم نصيب من العذاب مضاعف ولكنكم تجهلون ذلك ولا تدركونه}.

وهنا يرد إشكال: -أمَّا مضاعفة العذاب للرؤساء مضاعفة العذاب للمتبوعين للمضلين للمفسدين فأمرها واضح لأنَّهم يكافئون أو يُجَازون على إفسادهم يجازون على ضلالهم وإضلالهم كما قال الله ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يُفْسِدُونَ﴾ (النحل: 88) [سورة النحل:88] فهم يحملون أوزارهم ﴿لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (النحل: 25) [سورة النحل:25] لكن ما معنى مضاعفة العذاب للأتباع؟ كيف يُضَاعف العذاب للاتباع؟ وهم أتباع ما وجه ذلك؟

ذكر بعض العلماء في بيان العذاب للاتباع ذكروا أوجها في ذلك من ذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى:

1 -أنَّ الإنسان إذا عُذِّب بعذاب أورثه هذا العذاب ألم فإذا جاء عذاب آخر أورثه ألماً آخر فصار مضاعفاً لأنَّ الألم ألم فصار التضعيف بكثرة الآلآم المتتابعة هذا وجه.

2 -والوجه الثاني: -أنَّ المتبوعين كما أنَّهم غروا الأتباع، وأضلوا الاتباع؛ فإنَّ الأتباع قد غرُّوا المتبوعين أيضًا لأنَّ الأتباع كانوا يرفعون هؤلاء المتبوعين ويعلون شؤونهم، ويرونهم ذوي مكانة عالية فكان هذا سببًا في الطغيان فكما أنَّ المتبوع يكون سببًا في فساد التابعين؛ فإنَّ التابعين يجعلون المتبوع يزداد طغياناً وإثماً فيكون هذا من المضاعفة بسبب ازدياد المتبوعين في الطغيان بسبب تسلط الأتباع عليهم بما يرفعونهم، وبما يقولون لهم وما إلى ذلك. والعلم عند الله تبارك وتعالى. لذلك قال هنا ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 48).

﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 48)

كما جاء أيضًا ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوٓا۟ إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ ٱلْعِبَادِ﴾ (غافر: 48) [سورة غافر:48]. نعوذ بالله من النار.

ثم قال جلَّ ذكره ﴿ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ﴾ (الأعراف: 17) وتأملوا هذه الآية والآية التي سبقت ﴿قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف: 18) وتذكروا مع ما تقدّم من أنَّ الاستكبار مانع من قبول والانقياد للحق، وأنَّ هذا سبب قد تكرر في السورة المباركة. وأنَّ ذكر التكبر ذُكِرَ كثيراً في سورة الأعراف للدلالة على أنَّ العبد إذا رام الانقياد لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فعليه أن يتواضع وألا يكون من المتكبرين.

قال ﴿وَيَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 19) وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر قبض روح المؤمن وروح الكافر، هذه الروح الكافرة حينما تصعد إلى السماء فإنَّه لا تفتح لها أبواب السماء ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ﴾ (الأعراف: 20) يعني: -حتى يدخل الجمل وهو المعروف من أعظم الحيوانات ضخامة يدخل في سم الخياط يعني في ثقب الأبرة، ومعروف أنَّ ثقب الإبرة من أضيق الأشياء. وهذا من المستحيل فيُضرَب به المثل في أنَّه لا يكون. فمعنى ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ﴾ (الأعراف: 20) قالوا أي (ولا ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ أبداً) هذا هو المراد وهذا في حق الكفار المكذبين المستكبرين. قال ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ (الأعراف: 21) أي: -مثل ذلك الجزاء نجزي المتجاوزين لحدود الله بكفرهم به وإعراضهم، وقد تقدّم أنَّ كلمة الإجرام استعملت في القرآن الكريم في معنى الشرك لذلك جاء المجرم بمعنى المشرك كقوله ﴿فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (الأعراف: 22) فالإجرام جاء بمعنى الشرك.

قال الله سبحانه بعدها ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23) أي: -فراش يفترشونه من جهنم ﴿قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (الأعراف: 24) أي: -أغطية من نار -نسأل الله السلامة – ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (الأعراف: 25) مثل هذا الجزاء أيضًا نجزي الظالمين. قال الله سبحانه وتعالى في الآية التي قبلها ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ (الأعراف: 21) مثل ذلك الجزاء نجزي المجرمين وهنا مثل ذلك الجزاء نجزي الظالمين المتجوازين الحد. هذا كان المراد به الظالمين.

قال ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 26)

﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 27) أين الخبر؟ ﴿وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28) لكن جاء بينهما قوله ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 29) هذي جملة معترضة. يعني: -أصل الكلام (والذين آمنوا ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) لكن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يذكر الله الجزاء قال ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 29) يعني: -هم عملوا الصالحات والله ما كلفهم إلا ما في وسعهم. ففي هذا إشارة إلى أن المؤمن الذي يعمل الصالحات إنَّما يعمل ما يطيقه ويعمل ما يقدر عليه والله لا يكلف الإنسان إلا بما يطيقه.

قال ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 30)

﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31) وهذا من النعم الجليلة على أهل الجنة أنَّ الله ينزع مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 32) تكريماً لهم وتشريفاً وهنا جاء التنصيص ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 32) لأنهم المرادون والمقصودون وفي مواضع أخرى كثيرة {تجري من تحتها الأنهار} ليكون الحديث عن الجنة قال ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33) هدانا ووفقنا لهذا العمل الصالح ثم لدخول الجنة ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34) والقراءة الأخرى بدون الواو {ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله} ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33) ثم جاء البيان {ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله}

{لقد جاءت رسل ربنا بالحق} هذا فيه أنَّ المهتدٍ من هداه الله سبحانه وتعالى ولذلك H0. أي: -بسبب عملكم فدخولهم الجنة بسبب العمل، ولاتعارض بين هذا وبين ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة) فقد قالوا: -

من فوائد الآيات

· المودة التي كانت بين المكذبين في الدنيا تنقلب يوم القيامة عداوة وملاعنة. ولذلك قال الله ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (العنكبوت: 25) وقبلها قال ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (العنكبوت: 25) كما قال أيضًا ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ (العنكبوت: 25) [سورة العنكبوت:25]. وهذا دلت عليه آيات متعددة

· أرواح المؤمنين تفتح لها أبواب السماء حتى تعرج إلى الله وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوإنه وأرواح المكذبين المعرضين لا تفتح لها أبواب السماء وإذا ماتوا وصعدت فهي تستأذن فلا يؤذن لها فهي كما لم تصعد في الدنيا بالإيمان بالله ومعرفته ومحبته فكذلك لا تصعد بعد الموت فإنَّ الجزاء من جنس العمل: قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الأعراف: 36) وفي المقابل والذين آمنوا ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ ﴿تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ﴾ أما الكفار لم يصعدوا بالأعمال الصالحة في الدنيا فكذلك لا فائدة من صعود تلك الأرواح الخبيثة إلى السماوات العلا.

· أهل الجنة نجوا من النار بعفو الله وأُدخِلوا الجنة برحمة الله واقتسموا المنازل وورثوها بالأعمال الصالحة وهي من رحمته بل من أعلى أنواع رحمته. هذا جميلٌ منهم إذ جمعوا بين النصوص الواردة في هذا الباب فبيَّنوا أنَّ دخول الجنة برحمة الله وبعفو الله سبحانه واقتسام المنازل بماذا؟ بالأعمال.

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأعراف: 37) ثم زادوا فقالوا: (وهي من رحمته) فالعمل أيضًا من رحمته لأنَّ الله هو الذي وفق وأعان وسدَّد وقَبِلَ سبحانه جل وعلا أو تقبل من عباده.

نسأل الله أن يرحمنا، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وأن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى هذا والله أعلم ونقف عند هذا الحد وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال الله سبحانه ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 44) ﵝالأَعۡرَاف: ﵔﵔﵜ

بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى لنا ما يقوله أهل الجنة حينما يمنُّ الله عز وجل عليهم بدخول الجنة إذ يقولون ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 43) ﵝالأَعۡرَاف: ﵓﵔﵜ لم يقل بعدها ونادوا أصحاب النار فأنه لو قيل ونادوا أصحاب النار لعلم أن المنادين هم أهل الجنة لكن الله صرح بهم فقال ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: 44) وكأن هذا موقف آخر يحتاج منا إلى أن نقف معه وقد نبدأ به فحينئذ يستثمره الإنسان ويعي المراد منه ولا سيما أن الله جل وعلا في هذه الآيات ذكر أصنافاً ثلاثة ذكر ثلاثة أصناف أصحاب الجنة وأصحاب النار وأصحاب الأعراف فصرح بكل منهم فقال ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ﴾ (الأعراف: 44) هذأن قسمأن وصنفأن وجاء التعبير بالفعل الماضي ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: 44) مع أنَّ هذه المواقف وتلك المشاهد التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآيات ستكون يوم القيامة وإنما عُبر عنها بالفعل الماضي لتحقق الوقوع فلأن هذا متحقق ولأن هذا وعد من الله جل وعلا لا يخلف عَبر عنه بالفعل الماضي وإلا فالمعنى وسينادي ﴿أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ﴾.

قال ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 44) أي فقد لقينا ما وعدنا ربنا من الجنة واقعا متحققا وهذا معنى ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 44) كما قالوا هنا في التفسير أي واقعا متحققا فقد أدخلنا إياها ثم قالوا ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ (الأعراف: 44)؟ سؤال من أهل الجنة لأهل النار سيكون يوم القيامة فهل وجدتم يا أصحاب النار ﴿مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾؟ وهذا الإستفهام أسلوب فيه تحسير لهم وفيه توبيخ وتقريع لهم فأهل الجنة يعلمون أن أهل النار قد خُذِلوا وأن أهل النار قد دخلوا نار جهنم فهم يقولون لهم على سبيل التوبيخ والتحسير والتقريع ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ (الأعراف: 44)؟ وتأملوا هنا في كلامهم السابق قالوا ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ (الأعراف: 44) وهنا قالوا ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ (الأعراف: 44) دون أن يذكرون المفعول فلم يقولون فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا أنما قالوا ﴿فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ (الأعراف: 44) قال بعضهم هذا فيه إسقاط لهم عن رتبة التشريف بالخطاب فلا يُوجه لهم هذا الخطاب صراحة من باب أنهم ساقطون عن ذلك ﴿حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 44) ولأن المقام شديد على أهل النار فما كأن منهم إلا أن أجابوا نَعَمۡۚ.

﴿قَالُوا۟ نَعَمْ﴾ (الأعراف: 44) ما نعم ﴿وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ فهم لا يبغون كلاماً ولا يريدون رداً فما كأن منهم إلا أن ﴿قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ﴾ (الأعراف: 44) أي فأَعلم مُعلِمٌ بينهم ومنه الأذأن بمعنى الإعلام، فالأذأن يُعلم به وقت دخول الصلاة قال ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 44) أي فنادى منادٍ داعياً الله عز وجل أن يطرد الظالمين من رحمته وهذا معنى ﴿أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 44) وهم أصحاب النار.

﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵕﵔﵜ ذكر هنا أوصافاً ثلاثة لهؤلاء الظالمين ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (الأعراف: 45) هذا وصف ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ هذا وصف ﴿وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ﴾ هذا وصف ثالث وقوله ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (الأعراف: 45) تقدم معنا مراراً أن الصد يأتي بمعنيين فالصد قد يكون بمعنى الإعراض بأن يعرض الإنسان عن الحق فيقال صد فلأن يَصُد وأيضا قد يأتي الصد بمعنى إضلال الغير صد غيره يعني صرف غيره عن الحق ويكون مصدره حينئذ الصد بخلاف الأول فمصدره الصدود ولذلك قالوا هنا في التفسير وأحسنوا هؤلاء الظالمون هم الذين كانوا يعرضون عن سبيل الله بأنفسهم ويحملون غيرهم على الإعراض عنهم فهذا وذاك داخل في معنى ﴿يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ (الأعراف: 45) قال الله سبحانه ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي يرجون ويطلبون أن تكون سبيل الحق معوجة حتى لا يسلكها الناس فأهل الضلال دوماً لا يحبون أن يسلك أهل الهدى طريق الهداية وإنما يريدون أن يكون الناس مثلهم في الغواية وفي الضلالة ﴿وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ﴾ فهم بالآخرة كافرون ولذلك لا يستعدون لها ولا يعملون لها ولا يأملونها ولا يرجونها.

ثم قال الله ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله ﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ يعود على أصحاب الجنة وأصحاب النار وعلى ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ يعود على من. يعود على أصحاب بالجنة وأصحاب النار ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ أي حاجز مرتفع فالمراد بالحجاب الحاجز المرتفع وهو الذي جاء التصريح به في سورة الحديد بالسور ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُۥ بَابٌۢ﴾ (الحديد: 13) ﵝالحَدِيد: ﵓﵑﵜ كما قال كثير من أهل التفسير قال الله بعدها ﴿وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْا۟ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (الأعراف: 46) ﵝالأَعۡرَاف: ﵖﵔﵜ ﴿وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ﴾ الأصل أن الأعراف المراد بها الأماكن المرتفعة العالية فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن ال في قوله ﴿ٱلْأَعْرَافِ﴾ للعهد يعني وعلى أعراف الحجاب يعني وعلى أعالي هذا السور وعلى أعالي هذا الحاجز الذي هو موجود بين أهل الجنة وبين أهل النار ﴿وَقِيلَ﴾ له أعراف لأن من كأن في المكأن المرتفع فأنه يعرف أكثر ممن كأن منخفضاً فقال ﴿وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ (الأعراف: 46) يعني على أعلى السور الذي هو حاجز بين الجنة وبين النار أو بين أصحاب الجنة وأصحاب النار.

والمعنى أن هؤلاء ينظرون إلى أهل الجنة وينظرون إلى أهل النار فيرون نعيم أهل الجنة ويرون عذاب أهل النار.

﴿يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ﴾ (الأعراف: 46) أي من أصحاب الجنة وأصحاب النار بعلاماتهم قالوا ومن علامات أهل الجنة بياض الوجوه كما قال الله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَـٰنِكُمْ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (آل عمران: 106) ﵝآل عِمۡرَأن: ﵖﵐﵑﵜ ومن علامات أهل النار إسوداد أو سود الوجوه أو ظلمة الوجوه كما قال ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ وأيضا زرقة العيون وما إلى ذلك فقال الله سبحانه ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْا۟ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (الأعراف: 46) ﵝالأَعۡرَاف: ﵖﵔﵜ اختلف أهل العلم اختلافا كبيراً في هؤلاء الذين يقال لهم أنهم أصحاب الأعراف من هم؟ وما حقيقتهم؟ اختلفوا في ذلك على أقوال كثيرة والذي عليه كثير من السلف الصالح وبه قال كثير من أهل التفسير أن المراد بأصحاب الأعراف قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فلما تساوت الحسنات والسيئات عجزت بهم الحسنات أن تكون سببًا في دخولهم الجنة ولم تؤدي بهم السيئات إلى دخول النار فكانوا على مرتبة بين المرتبتين فكانوا في هذا المقام بين الجنة وبين النار ثم أن الله برحمته يدخلهم الجنة بعدُ فنهاية أمرهم وغاية حالهم أنهم سيدخلون الجنة ولكن قبل ذلك يجري هذا الذي ذكره الله في هذا المقام فقال ﴿وَنَادَوْا۟ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ﴾ (الأعراف: 46) فهم حينما يرون أهل الجنة يقولون ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ﴾ (الأعراف: 46) ثم قال ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (الأعراف: 46) يحتمل أن المعنى ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ من أهل النار أو أن يكون المعنى وهو مشهور ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (الأعراف: 46) أي أصحاب الأعراف.

فأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة أي من أول الأمر مع أنهم كانوا طامعين في دخولها ولذلك قالوا هنا في التفسير وأصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة بعد وهم يأملون دخولها برحمة من الله فيكون معنى قوله ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ (الأعراف: 46) أي في هذا الوقت وأن كانوا سيدخلونها بعد ذلك أو أنهم تكلموا عن أهل النار ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ (الأعراف: 46) أي هؤلاء ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ يعني كأنوا يظنون أنه أن كأن هناك آخرة وأن كأن هناك بعث فهم أولى بالجنة.

ثم قال الله ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 47) ﵝالأَعۡرَاف: ﵗﵔﵜ ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ﴾ (الأعراف: 47) على من يعود الضمير في قوله ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 47) يعود على أصحاب الأعراف ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ﴾ (الأعراف: 47) أصحاب الأعراف ﴿تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ (الأعراف: 47) أنظر رحمك الله إلى هذا التعبير القرآني الجليل ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ﴾ يعني حولت وكأن المعنى والمراد أنهم لم يتحولوا ولم ينظروا إلى أصحاب النار رغبة منهم ولا إرادة منه وإنما لما حولوا أمر الله بتحويلهم أو حولهم رب العزة سبحانه وتعالى بتقديره عز وجل فمالت الوجوة وأنصرفت إلى أهل النار وكأن أصحاب الأعراف غير راغبين أصلا في أن ينظروا إلى أهل النار ولا إلى السعير والجحيم واللهب والعذاب الذي فيه أهل النار ولكن ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَـٰرُهُمْ تِلْقَآءَ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ قَالُوا۟ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 47) لا تجعلنا مع هؤلاء ولا تدخلنا معهم في نار جهنم.

﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ﴾ (الأعراف: 48) ﵝالأَعۡرَاف: ﵘﵔﵜ جاء هنا قوله ﴿أَصْحَـٰبُ ٱلْأَعْرَافِ﴾ (الأعراف: 48) ولم يقل ونادوا رجالا فأن الضمير سيعود عليهم لكن هذا من باب وضع الظاهر في موضع مضمر للتصريح بشأن هذا الأمر ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ﴾ (الأعراف: 48) قلت أن أصحاب الأعراف على قول كثير من العلماء قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم وورد في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكنه غير ثابت عنه لكن ورد ذلك عن جماعة من الصحابة كحذيفة بن اليمان وعبدالله بن مسعود وعبدالله بن عباس رضي الله عنه عنهم وقال بعضهم بل أصحاب الأعراف هم الملائكة وبناء عليه فتأولوا الآيات تأويلا آخرا وأن الملائكة تنظر وتقول عن حال هؤلاء وأولئك وإلا فالملائكة كما بين الله سبحانه والملائكة ﴿يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ (الرعد: 23) ﵝالرَّعۡد: ﵓﵒﵜ أي على أهل الجنة ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 24) ﵝالرَّعۡد: ﵔﵒﵜ.

والقول الأول أرجح وهو أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم كما عليه الاكثرون ويُشعر به التعبير بقوله رِجَال ﴿وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ (الأعراف: 46) والأصل في الملائكة أنهم لا يوصفون بهذا الوصف والله تعالى أعلم فهم لا يوصفون بذكورة ولا بأنوثة

على أنه ليس معنى ﴿وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ﴾ (الأعراف: 46) أن القوم الذين تساوت حسناتهم وسيئاتهم لا يكونون إلا من جنس الذكور بل أنهم قد يكونون ذكورا وقد يكونون إناثًا ولكن غُلب صنف للرجال في ذلك والعلم عند الله.

ثم قال ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ قَالُوا۟ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأعراف: 48) ﵝالأَعۡرَاف: ﵘﵔﵜ مال بعض العلماء إلى أن معنى أصحاب الأعراف الأنبي أو العلماء أو الشهداء فهم يقولون هذه المقولة باعتبار أن الأعراف تدل على العلو والرفعة في المنزلة لكن ما تقدم هو المشهور من أنهم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم. قال ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمْ﴾ (الأعراف: 48) بعلاماتهم أي عرفوهم وميزوهم عن غيرهم فكانوا يشاهدونهم في الدنيا يرونهم أصحاب غنى أصحاب أموال أصحاب جاه وسلطأن فقالوا لهم موبخين مقرعين لهم على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأعراف: 48) جمعكم أين هو؟ أين مالكم؟ وأين جمعكم؟ وأين غناكم؟ وأنظر إلى قولهم ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأعراف: 48) فالاستكبار منعهم من اتباع الحق وصرفهم عن الاستجابة لله ولرسل لله.

﴿أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ ۚ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: 49) ﵝالأَعۡرَاف: ﵙﵔﵜ هاتأن الجملتأن اختلف المفسرون اختلافا كبيرا في القائل لهما ولمن قيلت هاتأن الجملتأن ﴿أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ (الأعراف: 49) هنا قالوا في تفسير المختصر وقال الله موبخا الكفار. إذا من القائل؟ الله سبحانه قال على سبيل التوبيخ للكفار فيكون الاستفهام في قول أَهَٰٓؤُلَآءِ المقصود منه التوبيخ أَهَٰٓؤُلَآءِ هم الذين حلفتم أن ﴿لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ من عنده لأن جماعة من المشركين كأنوا يتهكمون بمجموعة من الموحدين ويقولون أنتم ستدخلون الجنة لن تكون لكم الجنة ولن تدخلوا الجنة فكأنوا يتهكمون بهم فربنا قال ﴿أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ (الأعراف: 49) أي يا معشر المؤمنين ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: 49) هذا احتمال والإحتمال الآخر أن هذا خطاب لأصحاب الأعراف وأنه قيل لهم ﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: 49) فكأن هذا من إكرام الله سبحانه وأنعامه لأصحاب الأعراف ويحتمل أن قوله ﴿أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ (الأعراف: 49) من مقول أصحاب الأعراف أيضًا ومن تتمة كلامهم فهم نظروا إلى هؤلاء المشركين حين ميزوهم وقالوا لهم أنتم كنتم ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ المؤمنين وتقسمون أن الله لن ينالهم برحمة كلا قد دخلوا الجنة وها أنتم في نار جهنم.

ثم قالوا ﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ﴾ (الأعراف: 49) أي قالوا لأهل الجنة إرتفعوا في الجنة أو أن حديث أصحاب الأعراف انتهى عند قوله

﴿أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ (الأعراف: 49) انتهى ثم جاء الكلام من الله أو من ملائكته بإذنه سبحانه ﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ﴾ (الأعراف: 49) أي قيل لأصحاب الجنة ﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ ورجح بعضهم أن أولئك المشركين يشمتون في أصحاب الأعراف فيقولونها ها أنتم أيضًا لم تدخلوا الجنة وها أنتم واقفون في هذا المكان فجاء الإكرام من الرب الكريم لهؤلاء من الأعراف إذ تجاوز الله عنهم واكرمهم ﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: 49) وهذا كله يبين لنا مكانة الحسنة وخطر السيئة فقوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فما أحوج العبد في هذا المقام إلى حسنة يثقل بها ميزأنه إلى حسنة تجعله في أهل الجنة إبتداءا إلى غير ذلك وكأني بأصحاب الأعراف وهم في هذا الموقف المهيب كيف حالهم؟ وكيف يجري أمرهم؟ وماذا في قلوبهم؟ وماذا في عقولهم؟ وماذا في أذهأنهم؟ وبما سيختم لهم؟ أمر جد خطير.

ثم قال الله ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: 50) ﵝالأَعۡرَاف: ﵐﵕﵜ تحول النداء هنا من أصحاب النار إلى أصحاب الجنة أي وسينادي ﴿أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ﴾ والأصل في الصحبة الملازمة ولذلك تقدم أن هذا المصطلح أو أن هذا الأسلوب أو أن هذا التركيب أصحاب النار الأصل فيه أنه يطلق على الخالدين في النار من الكفار نسأل الله السلامة ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: 50) أي المقيمون في الجنة ﴿أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الأعراف: 50) ﵝالأَعۡرَاف: ﵐﵕﵜ طلبوا من أهل الجنة هذا الطلب ﴿أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ﴾ (الأعراف: 50) وهذا فيه أن أصحاب النار علموا علم يقين لا يغيب عنهم أن أهل الجنة في نعيم وأن من النعيم الذي يتمتعون به الماء والماء كثير لذلك طلبوا منهم هذا الطلب ﴿أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ﴾ أو مما رزقكم الله أي من طعام أو شراب آخر ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الأعراف: 50) وقد قيل ﴿أَنَّمَا﴾ بدأوا بالماء لما في بواطنهم من الاحتراق والحنين والإنسان إذا كان جوفه محترقا وإذا كان ما في بطنه يغلي فإنه أحوج ما يكون إلى الشراب إلى الماء لا يلتفت حينئذ إلى طعام وإنما همه أن يزال عنه أو أن تزال عنه تلك الحرارة وهذا الحميم فناسب هذا أن يبدءوا بالماء والله أعلم.

﴿أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ﴾ (الأعراف: 50) والماء نعمة عظيمة ومِنة كبيرة ولذلك قيل في الماء أنه أرخص موجود وأعز مفقود فالإنسان لا يشعر بقيمته عند وجوده لكنه إذا فقده فقد الشيء الكبير قالوا ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ﴾ (الأعراف: 50) هذا شيء ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ (الأعراف: 50) إن أو هذه كما يقول علماء اللغة أو علماء المنطق يمكن أن نقول إنها مانعة خلو وليست مانعة جمع يعني هم يريدون شيئًا من الشيئين إما الماء وإما الطعام أو الاثنين لكن لا يريدون أن يزال عنهم الأمران أو أن يحرموا من الشيئين وهذا يقال لها مانعة خلو وليست مانعة الجمع يعني يمكن أن يجتمع لهم الشراب وأن يجتمع لهم الطعام لو تيسر ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ ۚ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (الأعراف: 50) نعوذ بالله من الكفر.

وإجابة أهل الجنة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ قد يقول قائل أوليس التحريم حكما شرعيا تكليفيا أوليست الآخرة ليس فيها تكليف فكيف جاء التعبير بقوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى﴾ ٱلۡكَٰفِرِينَ؟ فيقال إن هذا التحريم تحريم كوني قدري أي إن الله منعهما فلا يصل شيء من ذلك إلى الكافرين فأحيانا يأتي التحريم بمعنى التحريم التشريعي وأحيانا يأتي التحريم بمعنى الكوني القدري ومن ذلك ما جاء في قوله ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ﴾ (القصص: 12) ﵝالقَصَص: ﵒﵑﵜ فموسى عليه السلام وقتئذ طفل رضيع لكن حرمنا عليه مراضع منعناه يأتي ليتناول فلا يتمكن من ذلك ثم قال الله

﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (الأعراف: 51) ﵝالأَعۡرَاف: ﵑﵕﵜ ما صفات هؤلاء الكافرين أصحاب النار؟ ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ﴾ (الأعراف: 51) ما معنى فاليوم ننساهم؟ سبق معنا قبل ذلك نظير هذه الآية الكريمة ننساهم أي نعاملهم معاملة الناس لهم أو نتركهم كالمنسيين فمعنى النسيان هنا الترك بأن يتركهم الله جل وعلا أو أن يعاملهم معاملة الناس لهم وبناء عليه فلا تعارض أبدًا بين هذه الآية وبين قوله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (مريم: 64) ﵝمَرۡيَم: ﵔﵖﵜ وقوله ﴿فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾ (طه: 52) ﵝطه: ﵒﵕﵜ فإنَّ النسيان محال الله بلا شك وأما النسيان في الأية ﴿فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ﴾ ومعلوم أن النسيان بمعنى الذهول يكون بدون قصد من الإنسان فالإنسان حينما يذهل وحينما ينسى لا يتعمد النسيان أما أن تقول أنت لشخص مثلًا أنا أنساك أنا سأنساك إذا هذا عن عمد وليس بمعنى الذهول ولله المثل الأعلى فمعنى ﴿فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ﴾ يعني نعاملهم معاملة الناس نتركهم كالمنسيين نهملهم لا نجعلهم معذبين كل هذا من معنى النسيان هنا ﴿فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا﴾ (الأعراف: 51) من باب أن الجزاء من جنس العمل ﴿كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا﴾ ننساهم فهم لم يلتفتوا إلى كتاب الله ولا إلى رسول الله ولا إلى آيات الله ولم يعظموا الله فكما صنعوا ذلك يكون الجزاء وعليه فتكون الكاف للتشبيه كما هو ظاهر كلامهم هنا في المختصر ويمكن أن يقال أن الكاف للتعليم أي فاليوم ننساهم لاجل نسيان لقاء يومهم هذا ﴿وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (الأعراف: 51) أي وبسبب جحودهم بآيات الله سبحانه وتعالى وتأملوا يا أيها الإخوة الكرام فقوله عز وجل ﴿كَمَا نَسُوا۟﴾ (الأعراف: 51) أي كنسيانهم لقاء يومهم هذا أو لاجل نسيانهم لقاء يومهم هذا ولاجل كونهم بآيات الله يجحدون لأن بعض الناس قد يفهم خطأ فيقرأ الأية هكذا يقول ﴿فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا﴾ (الأعراف: 51) ثم يقول ﴿وَمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (الأعراف: 51) فيتوهم أن ما نافية فيشكل عليه الأمر كيف أنهم ليسوا بآيات الله يجحدون؟ ثم يعذبهم الله ليس هذا هو المراد ما هنا ليست نافية ﴿أَنَّمَا﴾ وكونهم بأياتنا يجحدون فهي مصدرية وبناء عليه فالأيات الكريمة تبين صفات هؤلاء أنهم ﴿ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ وأنهم غرتهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ وأنهم نسوا لقاء يوم القيامة وأنهم كانوا يجحدون بأيات الله عز وجل.

من فوائد الآيات

1 -عدم الإيمان بالبعث سبب مباشر للإقبال على الشهوات ولذلك قال الله في وصف هؤلاء ﴿وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ﴾ وأيضا ﴿فَٱلْيَوْمَ نَنسَىٰهُمْ كَمَا نَسُوا۟ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا﴾ (الأعراف: 51).

2 -يتيقن الناس يوم القيامة تحقق وعد الله لأهل طاعته وتحقق وعيده للكافرين ﴿ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ﴾ (الأعراف: 44).

3 -الناس يوم القيامة فريقأن: ﴿فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى﴾ النار وبينهما فريق في مكان وسط لتساوي حسناتهم وسيئاتهم ومصيرهم إلى الجنة ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ﴾ (الأعراف: 44) ثم قال ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى ٱلْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّۢا بِسِيمَىٰهُمْ ۚ وَنَادَوْا۟ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ أَن سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (الأعراف: 46) الأية الكريمة وأيضا ما قاله الله في آخر الأيات ﴿ٱدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: 49) على أن الخطاب لأصحاب الاعراب.

4 -على الذين يملكون المال والجاه وكثرة الأتباع أن يعلموا أن هذا كله لن ﴿يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ ولن ينجيهم من عذاب الله وقد دل على ذلك أيات كثيرة منها ما جاء هنا في قوله ﴿قَالُوا۟ مَآ أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأعراف: 48) وقد قال الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَٰلُهُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمْ وَقُودُ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 10) ﵝآل عِمۡرَان: ﵐﵑﵜ وفي الأخرى ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الأعراف: 36) ﵝالبَقَرَة: ﵙﵓﵜ

قال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍ فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 52) ﵝالأَعۡرَاف: ﵒﵕﵜ بعد أن حدثنا الله عز وجل هذا الحديث الجليل الخطير العظيم عن حال أهل الجنة وأهل النار جعلنا الله من أهل الجنة ونجأنا من النار أتبع الله عز وجل ذلك بالحديث عن هذا الكتاب العزيز الذي فيه الهدى والرحمة وجدير بالعبداد أن يتمسكوا به وأن يأخذوا بتعالىمه ﴿وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍ فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ (الأعراف: 52) فقد قامت عليهم الحجة وظهرت المحجة بنزول هذا القرآن العظيم ﴿وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍ﴾ (الأعراف: 52) وهو القرآن الكريم وتنكيره للتعظيم أو لبيان نوع أي بكتاب من الكتب المنزلة قال ﴿فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ (الأعراف: 52) فهو كتاب مفصل فصلت آياته قال الله سبحانه ﴿عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ (الأعراف: 52) أي على علم. قالوا هنا على علم منا بما نبينه فالله عز وجل حين فصل الكتاب وحين بينه لنا فهو على علم بما قرر وبما بُين وما أجمل هذا التعبير القرآني ﴿فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ (الأعراف: 52) ففرق بين عبد يقول كلاما قد لا يدرك أبعاده ولا يعرف مراميه ولا يعرف ما الذي سيؤدي إليه كلامه وربما قال الكلام ولا يعرف لوازمه ولا يلتزم بها.

فرق بين هذا وبين العليم الخبير اللطيف الحكيم الذي لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى ﴿فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 52) ﵝالأَعۡرَاف: ﵒﵕﵜ فالقرأن هدى ورحمة لكن من الذي ينتفع بهما؟ المؤمنون.

قال ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ﴾ (الأعراف: 53) لكن مع ذلك يعرض كثيرون عن القرآن الكريم وهؤلاء الذين سيأتي وقت يقرون ولكن ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ حينما يقع ما اخبر الله عز وجل به وهذا معنى التأويل. ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ﴾ (الأعراف: 53) يعني لا ينتظرون إلا تأويله والمراد بالتأويل هنا الوقوع لأن التأويل جاء في القرآن الكريم بمعنيين شهيرين المعنى الأول التفسير فيأتي التأويل بمعنى التفسير أو التعبير ﴿نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِۦ﴾ ﵝيُوسُف: ﵗﵓﵜ فيكون التأويل بمعنى التفسير ويأتي التأويل بمعنى العاقبة وبمعنى الحقيقة التي يؤول إليها الكلام فإنَّ كان خبرا فبوقوعه وإن كان طلبا فبتنفيذه وتطبيقه فهنا قال ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ﴾ (الأعراف: 53) يعني إلا وقوعه تحققه وهو نفس الأمر ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ﴾ (الأعراف: 53) يعني يوم يأتي ما اخبر الله عز وجل بوقوعه ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُۥ ۚ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ﴾ (الأعراف: 53) يعني ربنا أخبرنا عن الجنة وأخبرنا عن النار وأخبرنا عن العذاب وأخبرنا عن النعيم وأخبرنا عن يوم القيامة فإذا جاء هذا كله أيقن الناس ورأوه رأي مشاهدة بعدما كانوا يخبرون عنه قال ﴿يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُۥ﴾ (الأعراف: 53) يعني يوم يقع ويتحقق المخبر به سابقا يوم يقع ﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ (الأعراف: 53) أي لم يعملوا بما فيه فالنسيان هنا يقتضي الترك له والاعراض عنه وعدم الالتفات إليه كانوا لا يلتفتون إلى القرآن ولا يشغلون أنفسهم بما فيه ﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ﴾ (الأعراف: 53) هذا الاستفهام يحتمل أنه للتحسير يتحسرون والمشهور فيه أنه للتمني؟ لذلك قالوا هنا في التفسير وأحسنوا فليت لنا وسطاء يشفعون لنا إذا ما معنى فهل؟ تمني يعني ليت لنا ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُوا۟ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵓﵕ -ﵔﵕﵜ بعد أن حدثنا الله عز وجل عن مشاهد يوم القيامة وعما سيكون من حال الكفار حين تقع تلك الوقائع أو تلك الحوادث أو تلك الأخبار التي أخبر الله عز وجل عنها جاء الحديث عن قدرة الله وعظمته تذكير بآيات الله المشاهدة حتى يعود العبد إلى صوابه وحتى يرعوي عن غيه فحدثنا الله عن نفسه ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (الأعراف: 54) وهو قادر على كل شيء لكنه خلقها في ستة أيام لحكم عظيمة منها أن يتعلم الإنسان الأناة وأن يتعلم الإنسان الصبر قال ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ (الأعراف: 54) قالوا هنا في التفسير ثم علا وارتفع سبحانه على العرش علوا يليق بجلاله لا ندرك كيفيته.

إذا معنى الاستواء العلو وهذا معناه المشهور إذا تعدي الاستواء بعلى فإنه يكون بمعنى العلو لكنه علو يليق بكماله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) ﵝالشُّورَى: ﵑﵑﵜ

﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ (الأعراف: 54) وأما تفسير الاستواء بالإستيلاء فإنَّ فيه محاذير ومشكلات من ذلك أننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ (الأعراف: 54) معناه ثم استولى على العرش فهل إستيلاء رب العزة وملكه للعرش متأخر عن ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ فإنَّ ﴿ثُمَّ﴾ في الأصل تدل على الترتيب والتراخي فهل يقال ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ مع أنَّ خلق العرش سابق لخلق السماوات الأرض أصلا ثم إنه ما الحكمة في أن يذكر استيلاؤه أو ملكه للعرش وهو مالك لكل شيء لا شك أن هذا الاستواء إستواء خاص فهو علو خاص فضلا عن أن هذا هو المعنى اللغوي المعروف لدى العرب والله تعالى أعلم لكنه كما يليق بكماله وجلاله سبحانه وتعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ (الشورى: 11) ﵝالشُّورَى: ﵑﵑﵜ ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾ (الأعراف: 54) وهذا ما درج عليه عمل الأئمة من سلف الأمة وصرح به مالك والشافعي واحمد والاوزاعي والثوري وغيرهم من الأئمة الاعلام.

﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأعراف: 54) ﵝالأَعۡرَاف: ﵔﵕﵜ يغش الليل النهار أي يذهب ظلام الليل بضياء النهار وضياء النهار بظلام الليل أو أن المعنى ﴿يُغْشِى ٱلَّيْلَ﴾ (الأعراف: 54) يعني يغطي فالليل يأتي فيأتي بظلامه فيذهب ضياء النهار قال ﴿يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا﴾ (الأعراف: 54) قالوا هنا طلبا سريعا بحيث لا يتأخر عنه لأنه لا فاصل بينهما فلا فاصل بين الليل والنهار وهذا من معنى قوله ﴿يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا﴾ (الأعراف: 54) يعني يعقبه مباشرة بلا فاصل ثم قال ﴿وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ﴾ (الأعراف: 54) أي مذللات مهيئات واستدل بقوله ﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54) أن كلام الله غير مخلوق ولذا استدل بذا أيضًا على أن القرآن غير مخلوق لأن كلام الله من أمره ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ (يس: 82) ﵝيس: ﵒﵘﵜ وفرق الله بين الخلق والأمر فالأمر شيء والخلق شيء آخر ﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾ (الأعراف: 54) وتقدم ما حقه التأخير وهو لَهُ أي له وحده الخلق والأمر ﴿تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأعراف: 54) وعلم من هذا أنه من مقتضى ربوبيته سبحانه أنه الخالق وحده وأنه الرازق المدبر وحده سبحانه وتعالى.

ثم قال ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف: 55) ﵝالأَعۡرَاف: ﵕﵕﵜ بعد أن عرفنا بنفسه دعانا إلى أن ندعوه سبحانه عز وجل ﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف: 55) أي بتذلل تام ﴿وَخُفْيَةً﴾ والقراءة الأخرى وخفية يعني في خفاء وسر لأن هذا أقرب ولأن الله سميع قريب لا تخفى عليه خافية ولذلك H0.

﴿إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف: 55) لا يحب المتجاوزين للحدود ومن ذلك الاعتداء في الدعاء ومن ذلك عبادة غير الله سبحانه وتعالى

﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا﴾ (الأعراف: 56) ﵝالأَعۡرَاف: ﵖﵕﵜ والافساد في الأرض بمعصية الله وظلم الناس ﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (الأعراف: 56) وجاء هنا بالمصدر وهو أبلغ لأنه يشمل عدة معانٍ فيكون منه ما يقتضيه معنى المصدر من المبالغة ويكون من معانيه وادعوه خائفين طامعين فيكون بمعنى الحال ويكون أيضًا ادعوه للخوف وللطمع فيكون أيضًا مفعول له فكل هذا تتضمنه كلمة خَوۡفٗا حينما جاءت بهذه الطريقة بالمصدرية ﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: 56) وقوله ﴿وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (الأعراف: 56) فيه أن العبد يجمع في دعائه ويجمع في عبادته لأن الدعاء نوعان دعاء عبادة ودعاء مسألة يجمع العبد بين الخوف والطمع بين الرهبة والرغبة ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَـٰشِعِينَ﴾ (الأنبياء: 90) ﵝالأَنبِيَاء: ﵐﵙﵜ

﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: 56) فيه بيان فضل الإحسان جعلنا الله من المحسنين بمنه وكرمه وهنا قد يقول قائل إن الله قال ﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (الأعراف: 56) ولم يقل أن رحمة الله قريبة من المحسنين وللعلماء في ذلك توجيهات كثيرة زادت عن عشرة أوجه من أمثالها والعلم عند الله أن في الآية الكريمة تقديرا وكان المعنى إن رحمة الله قريبة وإن الله قريب فإستغني بقولة ﴿إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ﴾ (الأعراف: 56) عن أن يقال إن الله لأنه إذا كانت رحمته قريبة فهو قريب كما يليق بكماله وقال ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا وَٱدْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: 56) فإستغني به عن قوله قريبة والله أعلم فالمعنى إن ﴿ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ وإن رحمته قريبة من المحسنين سبحانه عز وجل.

ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ﴾ (الأعراف: 57) ﵝالأَعۡرَاف: ﵗﵕﵜ من إمتنانه على خلقه وإحسانه لهم أنه يرسل الرياح ﴿بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ﴾ (الأعراف: 57) بشرا والأخرى نشرا بين يدي رحمته فهي مبشرات بين يدي رحمته بين يدي نزول الأمطار فالرياح تصحبها الأمطار وهذا ما يحتاج الناس إليه لشربهم ولسقيهم وزرعهم وما إلى ذلك ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ (الأعراف: 57) أقلت يعني حملت لأن الأصل أن الإنسان إذا حمل شيئًا فإنما يحمله لأنه يستقله وإلا لو رآه أعظم من قوته ما حمله فقيل ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ (الأعراف: 57) والسحاب اسم جنس جمع ولذلك الفرق بينه وبين مفرده بالتاء سحابة سحاب ومن هنا قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 57) بالجمع باعتبار معنى السحاب لأن المراد بالسحاب الجماعة من السحابة كما قال ﴿وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ﴾ (الرعد: 12) ﵝالرَّعۡد: ﵒﵑﵜ ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرِّيَـٰحَ بُشْرًۢا بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِۦ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 57) ولم يقل سقناها فقالوا باعتبار اللفظ لأن اللفظ قد يعامل معاملة الإفراد هنا فقال ﴿سُقْنَـٰهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ (الأعراف: 57) قالوا هنا في التفسير أي مثل إخراج الثمر على تلك الصورة نخرج الموتى من قبورهم هذا معنى كذلك مثل إخراج الثمر على تلك الصورة نخرج الموتى من قبورهم ولذلك إحياء الأرض بعد مماتها دليل من دلائل البعث وبرهأن من براهين البعث كما تكرر في القرآن الكريم وتقرر ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) ﵝفُصِّلَت: ﵙﵓﵜ

﴿وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾ ﵝالحَج ﵜ

قال ﴿كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 57) تتذكرون قدرة الله وبديع صنعه وأنه قادر على إحياء الموتى.

من فوائد الآيات:

1 -القرآن الكريم كتاب هداية فيه تفصيل ما تحتاج إليه البشرية رحمة من الله وهداية لمن أقبل عليه بقلب صادق. ﴿وَلَقَدْ جِئْنَـٰهُم بِكِتَـٰبٍ فَصَّلْنَـٰهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 52) ﵝالأَعۡرَاف: ﵒﵕﵜ.

2 -خلق الله ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ يُغْشِى ٱلَّيْلَ ٱلنَّهَارَ يَطْلُبُهُۥ حَثِيثًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتٍۭ بِأَمْرِهِۦٓ ۗ أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ لحكمة أرادها سبحانه ولو شاء لقال لها كونى فكانت.

وقد ذكر بعضهم من حِكم ذلك تعليم الناس الصبر والأناة.

3 -يتعين على المؤمنين دعاء الله بكل خشوع وتضرع حتى يستجيب لهم بفضله.

﴿ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ (الأعراف: 55) ﵝالأَعۡرَاف: ﵕﵕﵜ

4 -الفساد في الأرض بكل صوره واشكاله منهي عنه ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَـٰحِهَا﴾ (الأعراف: 56) ﵝالأَعۡرَاف: ﵖﵕﵜ

قال الله سبحانه ﴿وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ ۖ وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ ﵝالأَعۡرَاف: ﵘﵕﵜ

قالوا هنا في التفسير والأرض الطيبة وهي البلد الطيب تُخرج نباتها بإذن الله إخراجا حسنا تاما وهكذا المؤمن يسمع الموعظة فينتفع بها فتنتج عملا صالحا والأرض السبخة المالحة لا تخرج نباتها إلا عسرا لا خير فيه وهكذا الكافر لا ينتفع بالمواعظ فلا تنتج عنده عملا صالحا ينتفع به مثل هذا التأييد نعم إلى أخر كلامهم هذا معناه أن قوله البلد الطيب يمكن أن نحمله على ظاهره ويمكن أن نقول أنه تمثيل لحال المؤمن ولحال الكافر وهذا وذاك صحيح أما حَمله على المعنى الظاهر فهذا مناسب لما ذكر الله عز وجل قبل من الحديث عن إرسال الرياح وعن إحياء الأرض بعد مماتها وأما أن يراد به حال المؤمن والكافر فيشهد له الحديث السابق عن المؤمنين والكفار وما سيأتي بعده من الحديث عن قصص الأنبياء والمرسلين وكأن هذه توطئة لما سيأتي بعد من الحديث عن قصص الأنبياء والمرسلين لأن الأنبياء والمرسلين حين دعوا أقوامهم فمنهم ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ بهم ومنهم من كفر فمثل ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ مثل الذي ذكره الله هنا ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ﴾ (الأعراف: 58) ومثل الكافر الذي أعرض عن الحق ولم يستجب له ﴿وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (الأعراف: 58).

﴿وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ﴾ (الأعراف: 58) كذلك القلب الطيب فإنه يتقبل الموعظة وينتفع بها بإذن الله ﴿وَٱلَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (الأعراف: 58) يعني لا يخرج إلا عسيرا قليلا وكذلك هذا إن استجاب مرة فإنه لا يستجيب ألف مرة قال ﴿كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ﴾ أي مثل هذا التنويع نصرف الأيات يعني ننوع البراهين والحجج لاثبات الحق وهذا فيه أن طريقة القرآن الكريم طريقة متنوعة فمرة بالترغيب واخرى بالترهيب ومرة بالامثال ومرة بالقصص وغير ذلك مما يذكره الله سبحانه وتعالى من تصريف وتنويع قال الله عز وجل ﴿كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾

ثم قال ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ﴾ (الأعراف: 59) ﵝالأَعۡرَاف: ﵙﵕﵜ بدأت السورة الكريمة تحدثنا عن التسلسل التاريخي لهؤلاء الأنبياء والمرسلين الذين دعوا أقوامهم إلى التوحيد وإلى نبذ الشرك. ماذا كان من أقوامهم تجاه تلك الدعوات المباركة؟ ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ﴾ (الأعراف: 59) هذه مقولة الأنبياء والمرسلين جميعا يقولون لأقوامهم ﴿ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥ﴾ (الأعراف: 85) ولذلك نقول إن لا إله إلا الله نفي وإثبات فأنت تنفي إستحقاق العبادة عن كل ما سوى الله وتثبتها لله وحده لا شريك له ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (الأعراف: 59) حذرهم من عذاب يوم عظيم.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة