سورة الأعراف — الجزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
تَفْسِيرُ سُورَة الأعراف
نستمر بإذنِ الله تعالى في تفسير سورة الأعراف بإذنِ الله تبارك وتعالى، وسنبدأ بها الليلة بإذنِ الله تعالى في الكلام عن مقصود سورة الأعراف ومقدمات عنها ونسأل الله الإعانة والتوفيق:
قال الشيخ حفظه الله
نعم سورة الأعراف قالوا (سورة مكية)، سورة الأعراف سورة مكية بالاتفاق، فالعلماء متفقون أنَّ سورة الأعراف سورة مكية وإنْ كان بعض العلماء قد استثنى منها بعض آيات كقوله تعالى ﴿وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 163) [سورة الأعراف:163]. وقالوا إنَّ هذا يتعلق بالمدينة، وبالحديث عن أهل الكتاب أو غير ذلك، وسيأتي التنبيه عليه في حينه؛ لكن الصحيح أنَّ السورة كلها مكية وسورة الأعراف إحدى السبع الطوال وهي من أطول سور القرآن، ولذلك أنتَ إذا نظرت في سور القرآن من حيث الطول فهي السورة الثالثة في الطول (البقرة ثم النساء ثم الأعراف)، ومع ذلك لم يُرتَّب القرآن بهذه الطريقة.
إذ ترتيب القرآن لم يكن على ترتيب الطول، ولا على ترتيب القصر، ولا على ترتيب المكي، ولا على الترتيب المدني وإنَّما ترتيب سور القرآن كان باعتبار المناسبات وهذا يدل على أنَّ المناسبات باب فخم وباب مقصود والعلم عند الله تبارك وتعالى.
وسورة الأعراف يقال لها طول الطوليين، وأطول الطوليين ولذلك جاء في السنة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالأعراف في صلاة المغرب، كان النبي صلى الله عليه وسلم غالباً ما يقرأ في صلاة المغرب بقصار المفصل -يقرأ بالسور القصيرة -لكن أحياناً كان يقرأ بسور طويلة، ومنها أنَّه قرأ بسورة الأعراف صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
التعريف بالسورة
سورة الأعراف تقدَّم أنَّها سورة مكية، وقد جاءت بعد سورة الأنعام سورة الأعراف قالوا هنا في المختصر (من مقاصد السورة انتصار الحق في صراعه مع الباطل وبيان عاقبة المستكبرين في الدنيا والآخرة) هذا جيدٌ منهم، إذاً أراد أصحاب المختصر أنَّ يبينوا لنا أهم مقاصد السورة المباركة فذكروا لنا شيئين: -
أمَّا الأول: -انتصار الحق في صراعه مع الباطل إذاً هناك صراع وتدافع بين الحق والباطل، وهذا من سُنَنِ الله في خلقه، فمن سنن الله جل وعلا سنة التدافع ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (البقرة: 251) [سورة البقرة:251]. ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج: 40) [سورة الحج:40]. الآية الكريمة.
فقالوا هنا (انتصار الحق في صراعه مع الباطل)، وهذا يدل على أنَّ السورة تتحدث عن الصراع وعن ومبطلين، وهذا يتمثل في قصص الأنبياء والمرسلين، وقد كَثُرَ في هذه السورة الكريمة حتى أنَّ سورة الأعراف بحسب الترتيب المصحفي هي أولى السور التي يأتي فيها التفصيل في قصص الأنبياء بهذا العدد: تقدَّم طرف من قصة آدم عليه السلام ومن قصة موسى عليه السلام كما سبق لكن أنْ يأتي سردٌ تاريخي من قصص الأنبياء والمرسلين بالحديث عن آدم عليه السلام والحديث عن نوح والحديث عن هود والحديث عن ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وعن لوط وعن شعيب وعن موسى عليهم السلام هذا لا يوجد في سورة سابقة في الترتيب المصحفي قبل سورة الأعراف هي أولى السور بحسب الترتيب المصحفي تقُصُّ لنا هذا العدد من القصص لذلك انتصار الحق في صراعه مع الباطل.
والمقصد الثاني: --وهو من تتمة الأول -وبيان عاقبة المستكبرين في الدنيا والآخرة: إذا كنَّا قد قررنا أنَّ سورة الأنعام هذه السورة قررت قضية التوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى، وردَّتْ على شبهات المشركين وحاجَّتْ الطوائف المبطلة على اختلاف أشكالها وألوأنها فإنَّ سورة الأعراف قررت قضية التوحيد أيضاً؛ لكن الفرق بين مقصودي السورة أنَّ سورة الأنعام للرد على الشبهات وأنَّ سورة الأعراف لبيان التطبيق العملي لهذا المنهج الذي بينه الله لعباده وأمرهم باتباعه فسورة الأعراف سورة فيها السرد التاريخي لقضية التوحيد -لدعاة التوحيد -ويتمثلون في الرسل والمؤمنين التابعين لهم، ومن يقابلهم من أهل الشرك على اختلاف الأقوام والأزمان فبعد أنَّ أصَّلَ ونَظَّرَ -يعني سورة الأنعام -بمثابة التأصيل والتنظير والتقعيد، وسورة الأعراف بيَّنتْ مسالك الناس في جانب التطبيق فهذا نبي دعاهم ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا ۙ ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ قَالُوا۟ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: 164) وهذا يقول هكذا والآخر يقول هكذا، ماذا يصنع القوم وماذا يصنع القوم، وما الشبهات التي يطرحونها، وكيف يرد عليهم؟ وما العقاب الذي حل بهم؟ على هذا تقوم سورة الأعراف ولذلك سورة الأعراف في بدايتها ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 165) تجد أنَّه زيد فيها حرف (صاد)، وفي سورة البقرة ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 165) وفي سورة آل عمران ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦٓ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ بِعَذَابٍۭ بَـِٔيسٍۭ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف: 165) لكن جاءت هذه السورة ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ (الأعراف: 7) قال بعضهم: (ص) -وهذا من باب الاستئناس ولا نقطع به -(ص): تدل على معنى اقتصاص القصة لذلك قال الله عز وجل ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ﴾ (الأعراف: 7) [سورة الأعراف:7]. فكأنَّ (ص): -دلت على أنَّ الحديث في السورة سيجري عن القصص -قصص الأنبياء والمرسلين -بعدها قال ﴿كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ (الأعراف: 2-4) حديث عن القرآن ﴿كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ (الأعراف: 2-4) [سورة الأعراف:2 -4].
من بداية السورة تأملوا ﴿كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ٱتَّبِعُوا۟ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ (الأعراف: 2-4) إذاً حديثٌ عن إهلاك القرى المكذبة سنة الله في إهلاك الأمم المكذبة، وفي نُصرَة أوليائه ورسله وأنبيائه فتُقرِّرُ السورة هذا، إذاً سورة الأنعام قعَّدتْ وردَّت على الشبهات، ثم بعد ذلك: -من الناس مَنْ يمتثل ومن الناس مَنْ يرفض، فما الذي وقع لمن امتثل؟ وما الذي وقع للذي أعرض؟ ولذلك بعضهم قالوا إنَّ هذه السورة الكريمة تبين أيضًا إنذار من أعرض عن الكتاب الذي جاء بيانه في السور السابقة ومنها سورة الأنعام، لأنَّ الله في سورة الأنعام بيَّن لنا ماذا في الكتاب؟ وما المراد من الكتاب وعليهم أنْ يتبعوا الكتاب.
لذلك في بداية السورة ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَىٰهُمْ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 5) وهذا التفتَ إليه البقاعي وغيره إذاً السورة إنذار قائمة على الإنذار، وعلى التهديد والوعيد لمن كذَّب وفيها ذكرى أيضًا لعباد الله المؤمنين إذا تأملت في هذه السورة المباركة -أعني سورة الأعراف -تجد أنَّها كما تقدَّم سرد تاريخي للأمم السابقة بداية بآدم عليه السلام وعدوه إبليس بذلك من البداية قال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ (الأعراف: 11) [سورة الأعراف:11].
من البديع والعجيب أنَّ سورة الأعراف ذكرتْ لنا المشاهد -مشاهد الاختلاف بين الناس -في الدنيا، وما يقع بينهم في الآخرة، لذلك تحدثت سورة الأعراف عن الجزاء الأخروي فكما تحدثتْ عن الجزاء الدنيوي بنصرة الله المؤمنين واهلاكه للمكذبين، ذكرتْ كذلك مواقف الناس في الآخرة ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12) ومضت الآيات، ﴿قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ (الأعراف: 13) ﴿قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الأعراف: 14)
وذكر الله الأعراف أيضًا في هذا المقام، ولنا مع الأعراف حديثٌ خاصٌ لأنَّ الأعراف عند الأكثرين قومٌ تساوتْ حسناتهم وسيئاتهم؛ لكنَّ هذا ليس القول الوحيد! هناك أقوال كثيرة للعلماء في الأعراف نقول إنَّ: مادة الأعراف تدل على العلو والرفعة، فجعلوا الأعراف هم: -الأنبياء وهم الشهداء وهم أهل العلم والفضل وهم الذين يقولون هذا للكفار الذين لم يستجيبوا لهم سيأتي التفصيل في ذلك..... الشاهد من ذلك أنَّها سورة فيها إقامة الحجج، وفيها الإنذار فيها الوعد وفيها الوعيد وما إلى ذلك.
أنت إذا تأملت سورة الأنعام تجد في بدايتها ﴿أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا ٱلْأَنْهَـٰرَ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَـٰهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ﴾ (الأنعام: 6) [سورة الأنعام:6]. فبدأ الله هناك في سورة الأنعام بذكر أنَّ هناك إهلاك للأقوام وقالوا هناك ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ﴾ (الأعراف: 15) كيف هذا الهلاك؟ وما الذي وقع بهم؟
الجواب: جاء في سورة الأعراف. إذاً سورة الأنعام أجملتْ في بيان إهلاك الأقوام بسبب الذنوب، وجاءت سورة الأعراف لتُفَصِّل القول في كل أمَّة ماذا وقع منها مع نبيها؟ وكيف أنذرها نبيها، وكيف دعاها إلى الله وهي لم تستجب له..! إلى غير ذلك تجد أيضًا في سورة الأعراف ما ذكروه هنا وبيان عاقبة المستكبرين في الدنيا والآخرة وهذا واضح.
لذلك سورة الأعراف كما أنَّ فيها إنذار ففيها أيضًا بيان لأسباب الانصراف عن الحق ومن أعظم أسباب الانصراف عن الحق:: التكبر، وهذا ظاهر في السورة لذلك صدقوا فيما قالوا وأحسنوا من مقاصد السورة ((بيان عاقبة المتكبرين في الدنيا والآخرة)) ويكفيك أنْ تعلم أنَّ سورة الأعراف هي أولى سور القرآن بحسب الترتيب المصحفي التي فيها سجدة رداً على استكبار المستكبرين وفي آخر السورة حديث عن ذلك ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسْجُدُونَ﴾ (الأعراف: 206) [سورة الأعراف:206]. إذاً ختام الأعراف يبين أنَّه -لا استكبار -لا استكبار.
ولذلك تأمل في سورة الأعراف لما ذكر الله قصة إبليس جاء التعبير في سورة الأعراف فريداً في بعض الكلمات ﴿قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ (الأعراف: 13) [سورة الأعراف:13]. هذا مناسب قضية الاستكبار التي وقعتْ منه، ثم أيضًا تمضي الآيات المباركة فتجد من حديث سورة الأعراف عن الاستكبار ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الأعراف: 36) [سورة الأعراف:36]. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 40) [سورة الأعراف:40]. في ذكر الاستكبار ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِىَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَكَانُوا۟ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ﴾ (الأعراف: 146) [سورة الأعراف:146]. تأتي ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍ مُّفَصَّلَـٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 133) [سورة الأعراف:133]. فيتكرر في السورة الكريمة الحديث عن المتكبرين وأنَّ الله سبحانه وتعالى قادر على مؤاخذتهم، ولذلك ما وقع أيضًا من الملأ ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُوا۟ يَـٰمُوسَى ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ (الأعراف: 134) [سورة الأعراف:آية 75وآية يتكرر ذكرُ الاستكبار وهذا معناه: -أنَّ -من أكثر -ما يصد الناس عن الحق هو الاستكبار فجاءت السورة المباركة لتقضي على ذلك؛ وليس معنى هذا أنَّ السورة الكريمة لم تذكر من أسباب انصراف الناس عن الحق إلّا الاستكبار إنَّما ذكرتْ ما هو أكثر من ذلك.
فالاستكبار ابتداءً تمثل في إبليس واستفيد من قصة إبليس: أنَّ إبليس نفسه من أسباب الانصراف عن الحق لذلك هذا من أسرار البدء بقصة آدم وإبليس ليس فقط للتقدم في الزمان ولكن لأنَّ إبليس هذا سبب في صرف الناس عن الحق ولذلك جاء ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 27) [سورة الأعراف:27]. إلى آخر الآيات الكريمة ففيها تحدث عن أنَّه من أسباب غواية الناس وإضلال الناس الشيطان الرجيم، وأيضاً تقليد الآباء والتقليد الأعمى، ولذلك قالوا ﴿وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28) [سورة الأعراف:28]. قالوا ﴿وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28) هكذا يقولون ﴿وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28) فردَّ الله عليهم ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 29)
فإذاً قال ﴿وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28) فردَّ الله عز وجل عليهم هذه الشبهة حينما يستندون إلى الآباء ونحن نتبع الآباء من التقليد الأعمى هذا كله تجده في السورة المباركة سورة الأعراف.
ولن أطيل عليكم الليلة بإذنِ الله تعالى فنتوقف عند هذا ونكمل بإذن الله في الدرس المقبل، وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعدُ: فمرحباً بكم -يا أيها الإخوة -الكرام مع مجلس من مجالس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم وما زلنا مع سورة الأعراف، وقد تحدثت إليكم في آخر اللقاء السابق عن بعض مقاصد سورة الأعراف وطرفٍ مما يتعلق بهذه السورة الجليلة المباركة.
ومما يضاف إلى ما سبق أنَّ الله سبحانه وتعالى في صدر سورة الأعراف حدثنا عن القرآن الكريم ﴿كِتَـٰبٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: 2) [سورة الأعراف:2]. وفي آخر السورة حديث عن القرآن أيضًا ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ وَأَنصِتُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: 204) [سورة الأعراف:204].
فهذا من المناسبات بين أول السورة وآخرها، وكذلك في السورة الكريمة في صدرها حدثنا الله سبحانه وتعالى عن هلاك الأمم السابقة بسبب إعراضها وتكذيبها ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَـٰتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ (الأعراف: 4) [سورة الأعراف:4] جاء بعد ذلك سرد تاريخي وبيان لبعض أحوال هذه الأمم المكذبة.
ولذلك جاء في سورة الأعراف ذكر عدد كبير من قصص الأنبياء والمرسلين، وما وقع لأقوامهم وما وقع منهم مع رسل الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، كذلك جاء في صدر السورة الكريمة ﴿وَٱلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ ٱلْحَقُّ ۚ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 8) [سورة الأعراف:8]. فهذا تذكير بأمر الآخرة وبأمر الثواب والعقاب، ولذلك فإنَّ المتأمل في سورة الأعراف كما تقدمت الإشارة إليه يجد أنَّ السورة الكريمة تحدثت عن الإيمان والدعوة إلى الإيمان وبيان ما كان عليه رسل الله وأنبياؤه.
كذلك فإنَّ السورة الكريمة حدثتنا عن الجزاء الأخروي فلذلك جاء في صدرها طرف مما يتعلق بذلك، ثم بعد ذلك وجدنا في السورة الكريمة حديثاً عن حال أهل الجنة وحال أهل النار، والحجاب الذي بين الجنة والنار وما يكون من أصحاب الأعراف كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى فهذا كله مما تُنبِئنا عنه هذه السورة المباركة. ونسأل الله سبحانه أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.
تحليل مقارن وربط بين السور
وعلى الطريقة التي سلكها بعض العلماء كالبقاعي -رحمه الله -من النظر بين العلاقة بين السورة البادئة والعائدة، والمناسبة الدائرية حينما نجد أنَّ سورة الأعراف هي السورة السابعة بحسب الترتيب المصحفي ويقابلها من الجهة الأخرى من جهة سورة الناس يقابلها سورة الكوثر، وفي سورة الكوثر {﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ﴾ أن شانئك هو الأبتر} يعني: -أنَّه المقطوع وهذا فيه:: -أنَّ مَنْ أبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّ الله يقطعه ويستأصله ويقضي عليه ويبين ذلك بجلاء ووضوح ما جرى للأنبياء والمرسلين السابقين حيث أنَّ الله شانئهم وقضى عليهم ونصر أنبيائه ورسله وأولياءه والعلم عند الله تعالى.
بعد هذا ندخل في المقصود أو ندخل في تفسير السورة بما يفتح الله ويمُنْ فنقول مستعينين بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله: -
قال الله سبحانه ﱡﭐ ﱁ ﱠ قالوا هنا في التفسير (تقدّم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة) وقد تقدّم أيضًا الكلام على ذلك في صدر سورة البقرة وسورة آل عمران، وما سبق معنا في الحواميم وغيرها ومما هو مشهور في ذلك: -أنَّ هذه الحروف: -هي حروف، والأصل أنَّ الحرف لا معنى له؛ لكن الحرف يُجَاء به لحكمة لا سيما وأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي تكلم به، وهو الذي أنزله وهو الحكيم سبحانه وتعالى،
ومن حِكم مجيء هذه الحروف في بدايات هذه السور التي جاءت فيها أنَّ الله سبحانه وتعالى يبين لهؤلاء أنَّ القرآن مؤلف من تلك الحروف وأمثالها، فهل تستطيعون الإتيان بمثل هذا القرآن أو بسورة مثله؟ فإذا كنتم تعرفون العربية وتعرفون تلك حروف، ولكنكم عاجزون عن الإتيان بالقرآن أو عن الإتيان بسورة مثله، فهذا يدل على أنَّ هذا القرآن ليس كلام البشر؛ وإنَّما هو كلام رب البشر سبحانه وتعالى ولذلك جاء بعد هذه الحروف المقطعة في أغلب السور الحديث عن القرآن كما في السورة التي معنا.
ﱡﭐ ﱃ ﱄ ﱅ ﱠ والمراد بالكتاب: -هو القرآن الكريم،وجاء مُنَكَّراً (كتابٌ) قال بعضهم: -نُكِّرَ للتعظيم أي: -كتاب عظيمٌ جليلٌ ﱡﭐ ﱄ ﱅ ﱠ أو نُكِّرَ: -باعتبار نوعية يعني: -كتابٌ مِنْ الكتب التي أنزلها الله للإشارة إلى أنَّ هناك كُتُبًا أخرى أنزلها الله أيضًا على رسله، قال عز وجل ﱡﭐ ﱃ ﱄ ﱅ ﱠ فهو كتاب أنزل إليك لتبلغه ولذلك تعدي بــ (إلى) ﱡﭐ ﱃ ﱄ ﱅ ﱠ فهو واصل إليك وأنت تُبَلِّغَه حتى ينتهي إلى مَن أرسلك الله عز وجل إليه.
ﱡﭐ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱠ قالوا هنا في التفسير (فلا يكن في صدرك ضيق ولا شك) وهذا حسنٌ منهم لأنَّ كلمة (حرج) فسرها كثير من المفسرين بــ: -الضيق، وفسرها آخرون بــ: -الشك؛ فأرادوا أن يجمعوا بين المعنيين فقالوا (فلا يكن في صدرك منه ضيق ولا شك) لا يكون في صدرك ضيق من هذا القرآن -فلا يضيق صدرك -وتقول: -إنَّ هذا القرآن سيجعلهم يكرهونني، ويبغضونني ويحاولون قتلي، ويحاولون معاداتي وما إلى ذلك -لا تلتفت إليهم ولا يضيق صدرك بالقرآن؛ بل يتسع صدرك به فإنَّه الحق المبين، وكذلك لا تكن في شك منه، وهذا توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشك؛ بل هو الإمام المصدِّق صلوات الله وتسليمات عليه بآيات الله عز وجل ﱡﭐ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱠ
وبعض العلماء قالوا: -إنَّ قوله ﱡﭐ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱠ الأصل أنَّ الخطاب هنا للحرج وكأنَّ الحرج نفسه قيل له: -لا تكن داخلاً في صدر رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس لك موقعٌ وليس لك مكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ﱡﭐ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱠ لا ﴿يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ صلوات الله وتسليماته عليه ﴿فَلَا يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ﴾ من تبليغه أو مما يقوله أو يردِّدُه هؤلاء المشركون، أو من إعراضهم عن دعوتك.
ﱡﭐ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱠ مِن غايات إنزال القرآن الكريم: -الإنذار والذكرى ﱡﭐ ﱌ ﱍ ﱠ) هذا بلاغ للناس ولينذروا به) فالإنذار من مقاصد إنزال القرآن الكريم كما قال الله أيضًا في صدر سورة يونس ﱡﭐ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱠ.
بعض العلماء قال: -إنَّ الله قال هنا ﱡﭐ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱠ فلم يبين لنا المفعول (لتُنْذِرَ): لتُنْذِرَ به مَنْ؟ هنا قال: -ﱡﭐ ﱎ ﱏ ﱠ فعرفنا أنَّه ذكرى للمؤمنين، فقال بعضهم: -لتُنْذِرَ به الكافرين؛ لكنَّه حذف ذلك وعُلِمَ من السياق مِنْ قوله ﱡﭐ ﱎ ﱏ ﱠ إذاً لتُنْذِرَ به الكافرين وذكرى للمؤمنين،
2. ولقائلٍ أنْ يقول: -بل العموم المراد بهذا العموم كما في قوله ﱡﭐ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱠ فهو إنذار للناس؛ لأنَّ المؤمن أيضًا يحتاج إلى إنذار، وذكرى للمؤمنين.
ﱡﭐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ والذي أُنزِل إلينا من ربنا كتاب الله وما شَرَحَ الكتاب وهو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك قالوا هنا في التفسير ((اتبعوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس الكتاب الذي أنزله ربكم عليكم وسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ولا تتبعوا أهواء من ترونهم أولياء من شياطين أو أحبار سوء)) ويشهد لهذا ﱡﭐ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﱠ فالكتاب مُنَزَّل والحكمة مُنَزَّلَة أيضًا وهنا قوله ﱡﭐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱠ فهنا قال ﴿مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم﴾ (الأعراف: 3) وقبلها (كتابٌ أُنْزِلَ إليك) فهو منزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأضيف إلى الأمة المحمدية تشريفاً لها وتكريماً لأنَّه يبْلُغُها ويصل إليها، وقوله ﱡﭐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱠ الجمع بين الأمر والنهي بمثابة أسلوب القصر وكأنَّه قيل: -لا تتبعوا إلا ما أُنزِلَ إليكم من ربكم فاستفيد من جملة الأمر ﱡﭐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱠ أي: -لا تتبعوا إلا ما أنزل إليكم من ربكم.
﴿فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَـٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓا۟ أَن يُجَـٰهِدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُوا۟ لَا تَنفِرُوا۟ فِى ٱلْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا۟ يَفْقَهُونَ﴾ قليلاً ما تذكرون، فكثيرٌ من الناس لا يتذكر ولا يتفهم آيات الله سبحانه وتعالى ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُ﴾ عز وجل.
ثم قال الله عز وجل ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱠ
نقل من المختصر وبيانُه
قالوا هنا في التفسير في قوله ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ قالوا (ما أكثر القرى التي أهلكناها) إذاً فسروا {وكم من قرية}: -ما أكثر القرى ولذلك يقول علماء التفسير: -إنَّ (كم) هنا خبرية ليست استفهامية؛ إنَّما هي خبرية بمعنى التكثير، فإذا معنى ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ وكثير من القرى أهلكها الله سبحانه وتعالى فيُرَاد مِن (كم) هنا التكثير فقالوا (ما أكثر القرى التي أهلكناها بعذابنا لما أصرتْ على كفرها وضلالها)، قال ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ
* هنا قد يرد إشكال: -وهو أنَّ الله قال ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ ثم قال ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱠ يعني: -فجاءها عذابنا ومجيء البأس أو العذاب سابق على الإهلاك؛ فالإهلاك يقع عقب مجيء البأس، وهنا قال ﱡﭐﱤ ﱥ ﱦ ﱠ فإذا قُلنا إنَّ الفاء تفيد التعقيب هذا معناه: -أنَّ الهلاك وقع ابتداءً ثم بعد ذلك جاء بأسنا أو جاء بأس الله وعذابه، والأصل: -أنْ يجيء بأس الله وعذابه أولاً فيُقال: -إنَّ معنى قوله ﱡﭐﱤ ﱠ 1
1. قال بعضهم أي أردنا إهلاكها ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ أي: أردنا إهلاكها ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ إذاً ما معنى (أهلكناها): -أردنا إهلاكها.
2. وبعضهم قالوا: -المراد الحكم عليها بالهلاك، ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ أي: -حكمنا عليها بالهلاك فماذا كان؟ ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ.
3. وثمَّ قول ثالث ووجيه: -وهو أنَّ قوله (فجاءها بأسنا) من باب التفصيل بعد الإجمال، إذاً ﱡﭐ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱠ نريد أن نعرف تفصيل هذا الهلاك كيف تم وكيف وقع؟ فجاء التفصيل بعد ذلك ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱠ أي: -عذابنا ﱡﭐ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ
قالوا هنا في التفسير (فنزل عليها عذابنا الشديد في حال غفلتها ليلاً أو نهاراً) إذاً ما معنى (بياتاً) يعني: -في حال الليل -في وقت الليل –
ﱡﭐ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ في وقت القيلولة، قالوا هنا في التفسير (في حال غفلتها) إذاً ما سر اختيار هذين الوقتين؟ وقت البيات ووقت القيلولة: أنَّه وقت غفلتهم، ومن ثمَّ فإنَّ العذاب يكون مُرَوِّعَاً مُرْعِبَاً؛ فالإنسان إذا كان في وقت نشاطه وهمته قد يتصدى للون من العذاب، وقد يجري وقد يهرب، أمَّا إذا كان في وقت سكونه وفي وقت نومه وفي وقت غفلته فإنَّ العذاب إذا داهمه فإنَّه يكون أشد وأفظع، لذلك جاء التنصيص على هذين الوقتين والعلم عند الله.
وأيضاً من باب السياق القرآني في السورة وهذا مهم جداً كما تقدّم أنَّنا دوماً نجد الآيات الأولى التي يذكرها الله عز وجل في السورة نراها مبثوثة في أثناء السورة المباركة.
فمن قوله ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ ٱلْقُرَىٰٓ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَـٰتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱠ
قال ﱡﭐ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱠ هنا (قائلون): -من القيلولة يعني: -في وقت قيلولتهم، ﱡﭐ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱠ
ﱡﭐ ﱬ ﱭ ﱮ ﱠ قالوا في التفسير (فما كان منهم بعد نزول العذاب إلا أن أقروا على أنفسهم بظلمهم بالكفر بالله) ﱡﭐ ﱬ ﱭ ﱮ ﱠ قال بعضهم: -الدعوى المراد بها الدعاء يعني: -ماذا كان دعاؤهم حينئذٍ؟ ﱡﭐ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱠ يعني: -قالوا معترفين إنَّا كنَّا ظالمين. أي: -هذا دعاؤهم وهذا نداؤهم وهذا كلامهم؛ لكن هذا بعد فوات الندم أو بعد وقوع الواقعة التي وقعتْ بهم من الهلاك والعذاب الذي قدَّره الله سبحانه وتعالى، وشبيه بهذه الآية قول الله سبحانه وتعالى ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱠ الأنبياء (11 -15).
ثم قال الله جل ذكره ﱡﭐ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﱠ
إذاً هناك سؤال سيُوَجَّه لمن أُرسِل إليهم الرُسُل؟ وهناك سؤال سيُوَجَّه للرسل أنفسهم. سؤال للمرسلين وسؤال لمنْ أُرْسِلَ إليهم الرُّسُل؛ أمَّا مَنْ أُرْسِل إليهم الرسل فإنَّه يوجه لهم سؤال التوبيخ والتقريع، وأيضاً ﱡﭐ ﲕ ﲖ ﲗ ﱠ، يُسأَلون ﱡﭐ ﲣ ﲤ ﲥ ﱠ ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱠ إلى غير ذلك من هذه الأسئلة وأمَّا المرسلون فإنَّهم يُسئلون لتظهر الحجة على أولئك من أقوامهم بأن يجيب الرسل قائلين: -بلغنا وأدينا ما علينا، إذاً هؤلاء قصَّروا وفرَّطُوا ولم يكن هناك تقصيرٌ ولا تفريطٌ من أنبياء الله ورسله صلوات الله وتسليماته عليهم.
وهنا قد يرد إشكال أيضاً: -إذ يقول قائل إنَّ الله أثبت السؤال هنا ﱡﭐ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﱠ فهنا بين أنَّه هناك سؤال وقد ورد آيات كقوله ﱡﭐﳕﳖ ﳗ ﳘ ﱠ إذاً هناك مواضع تدل على إثبات السؤال، وهناك مواضع أخرى في القرآن الكريم تبين أنَّ السؤال منفي كقوله عز وجل ﱡﭐ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ ﳇ ﳈ ﳉ ﳊ ﱠ الرحمن: ٣٩ فهذا يدل على أنَّه ليس هناك سؤال وأيضاً ﴿وَأَذَٰنٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجِّ ٱلْأَكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىٓءٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُۥ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى ٱللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ القصص: ٧٨ فكيف الجمع؟ كيف الجمع بين الآيات؟ أو كيف نجمع بين الآيات التي فيها إثبات السؤال يوم القيامة، والتي فيها نفي السؤال يوم القيامة؟
للعلماء في ذلك أجوبة أو لهم في هذا طرق من طرق الجمع: -
1. فمنهم من قال: -إنَّ السؤال المنفي هو سؤال الاستعلام والاستخبار. يعني: لا يُسأَلُون استخباراً سؤال مثبت هو سؤال التوبيخ والتقريع، إذاً هم لا يُسأَلُون من باب الاستعلام والاستخبار بأن يخبِروا ويُعلِموا؛ وإنما إذا سُئِلُوا فهو سؤال توبيخ وسؤال تقريع.
2. وقال بعضهم: إنَّ يوم القيامة يوم طويل، وإنَّ مواقفه متعددة ففي بعض المواقف لا يُسأَلُون وفي بعضها يُسأَلُون.
3. وكذلك جمع بعضهم: بأنّهم يُسأَلُون عن التوحيد وأصل الرسالة؛ وأمَّا ما يتعلق بالفروع فإنَّه حينئذٍ لا يكون هناك سؤال فيها. إلى غير ذلك من أوجه ذكرها العلماء في الجمع بين هذه الآيات.
قال ﱡﭐ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﱠ فلنقصنَّ عليهم بعلم وأفضل القص والقصص ما قصه الرب الكريم سبحانه وتعالى ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅﱆ ﱠ آل عمران: ٦٢، وكذلك المراد بالقص هنا: -الإخبار ﱡﭐ ﲀ ﲁ ﲂﲃ ﱠ لنخبرنهم بعلم
وقوله (بعلم): فيه إثبات صفة العلم لله سبحانه وتعالى، وفيه ردٌ على من نفى صفات الله جل وعلا كهذه الصفة. فهذا فيه أنَّ الله عليم ويتصف بصفة العلم عز وجل.
ﱡﭐ ﲀ ﲁ ﲂﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﱠ قالوا (وما كنا غائبين عنهم ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت من الأوقات) فالله لم يغب عنهم بل كان عالماً بكل شيء لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى كما قال ﱡﭐ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁ ﱠ المؤمنون: ١٧
قال الله سبحانه وتعالى بعدها ﱡﭐ ﲈ ﲉ ﲊﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﱠ الأعراف: ٨ -٩
{والوزن يومئذ الحق} أي: العدل، حديث عن اختلاف الناس يوم القيامة، وأنَّ الناس في يوم القيامة متفاوتون فمنهم الفائز الرابح ومنهم الخاسر المغبون. منهم من تثقل حسناته أو من يثقل ميزانه بسبب زيادة حسنة بزيادة الحسنات، ومنهم من يخف ميزانه بسبب كثرة السيئات ونسأل الله السلامة.
وهنا قوله ﱡﭐ ﲌ ﲍ ﲎ ﱠ فيه إثبات الوزن أو الميزان، والذي عليه أهل السنة: -أنَّ الميزان ميزانٌ حقيقي؛ لأنَّ بعضهم تأول الآيات الكريمة وجعل الميزان كناية عن العدل، وقالوا: -الله ليس بحاجة إلى أن يوجِد يوم القيامة ميزان وأن يكون لهذا الميزان كفتان... إلى غير ذلك.
فنقول: -قد ورد بذلك الدليل من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والأصل الأخذ بظاهر الأدلة وليس معنى أنَّ هذا الميزان موجود أنَّ هذا ينفي علم الله سبحانه وتعالى أو عدل الله بل هذا مما يريده رب العزة سبحانه وتعالى إظهاراً لكمال عدله وعلمه سبحانه عز وجل.
قال ﱡﭐ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﱠ
هنا: -جَمَعَ الموازين مع أنهم قالوا إنَّ الميزان واحد الذي توزن فيه الأعمال.
فقالوا: -إذاً المراد بالموازين هنا الموزونات (فمن ثقلت موازينه) أي: -موزوناته فباعتبار الموزونات جمعت أو أنَّ لكل ميزاناً كما قال بعضهم.
قال ﱡﭐ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﱠ امتن الله عز وجل علينا على الخلق بأنَّه مكننا في الأرض ويسر لنا السبل وذلل لنا فيها الأمور، فقال ﱡﭐ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦﲧ ﱠ أي: -في الأرض وتأمل هذا التعبير القرآني ﱡﭐ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦﲧ ﱠ وأصل الكلام: -(وجعلنا معايش لكم فيها)؛ لكن أخَّر كلمة (معايش)، وقدَّم (لكم) لأنَّ الإنسان إنَّما يستفيد مما في الأرض إذا كان مملوكاً له، فلذلك قال (وجعلنا لكم) فإذا علمتَ أنَّه مجعولٌ لك وأنَّه مملوكٌ لك فإنَّكَ تسعدُ بذلك، وقال ﱡﭐ ﲣ ﲤ ﲥ ﱠ أي: -هي متوفرة في أماكنكم ليست بعيدة عنكم، ولا بمنأى عنكم فلا يقع لكم تعب بسبب الوصول إليها قال ﱡﭐ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦﲧ ﱠ ومع ذلك ما المقابل؟ ﱡﭐ ﲨ ﲩ ﲪ ﱠ
ﱡﭐ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﱠ
ولقد خلقناكم امتن الله عز وجل علينا بنعمة الإيجاد فهنا في قوله ﱡﭐ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﱠ
هذا من الإمداد، وقوله سبحانه ﱡﭐ ﲬ ﲭ ﱠ هذه نعمة، هذا فيه التذكير بنعمة الإيجاد ﱡﭐﲭ ﲮ ﲯ ﱠ خلقنا أباكم آدم عليه السلام وصوره في أحسن صورة ﱡﭐ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﱠ اسجدوا لآدم سجود تحية وإكرام، وليس سجود عبادة ﱡﭐ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﱠ نعم.
من فوائد الآيات: -
· من مقاصد إنزال القرآن الإنذار للكافرين والمعاندين والتذكير للمؤمنين: فهذا من مقاصد القرآن ومقاصد هنا بمعنى غايات نزول القرآن الكريم، فالمقاصد تأتي بعدة معان منها غايات القرآن الكريم ويستفاد ذلك من أوصاف القرآن الكريم ومن تعليلاته، فهذه من الطرق المشهورة في ذلك فهنا قال ﱡﭐ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱠ فعرفنا من ذلك أنه من مقاصد القرآن الكريم الإنذار والذكرى، والمطلوب منكم أن تذكروا لنا ثلاثة مقاصد أخرى من مقاصد القرآن الكريم.
· أنزل الله القرآن إلى المؤمنين ليتبعوه ويعملوا به فإنَّ فعلوا ذلك كملتْ تربيتهم وتمت عليهم النعمة وهدوا لأحسن الأعمال والأخلاق: ﱡﭐ ﱑ ﱒ ﱓ ﱔ ﱕ ﱖ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛﱜ ﱠ
· الوزن يوم القيامة لأعمال العباد يكون بالعدل والقسط الذي لا جور فيه ولا ظلم بوجه: قال الله ﱡﭐ ﲈ ﲉ ﲊﲋ ﱠ فالحق العدل الذي لا جور فيه ولا ظلم.
· هيأ الله الأرض لانتفاع البشر بها بحيث يتمكنون من البناء عليها وحرثها واستخراج ما في باطنها للانتفاع به: ﱡﭐ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ ﲦﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﱠ.
قال الشيخ حفظه الله: -
قال الله سبحانه وتعالى ﱡﭐ ﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱠ
بعد أنَّ بين الله سبحانه وتعالى أنَّ ﴿إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ﴾ ٱلسَّٰجِدِينَ خاطبه رب العزة فقال له ﱡﭐ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇﱠ ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ هنا لم يقل: -(﴿مَا مَنَعَكَ﴾ أن تسجد إذ أمرتك) وهذا هو الأصل فيها ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾؟ ما الذي منعك من السجود؟ وليس المراد: -ما الذي منعك من عدم السجود؟ لأنَّه لم يسجد! لذلك اختلف المفسرون هنا،
1. فمنهم من قال: -إنَّها للتأكيد، إذًا هي لتأكيد عدم سجوده لأنَّ هذا هو المراد ﱡﭐ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇﱠ
2. ومنهم من قال: وهو أولى والعلم عند الله: -إنَّ المنع هنا تضمَّن معنى الصرف والحمل والدعاء كأنَّ المعنى: -ما صرفك ﴿أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أو ما حملك أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ أو ما دعاك أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ. وحينئذٍ لا إشكال في فهم الآية الكريمة.
فأجاب قال ﱡﭐ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱠ
وقوله ﱡﭐ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇﱠ هذا فيه أنَّ إبليس خوطب بالسجود فسواءً ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنَّه من الملائكة كما ذهب إليه فريق. أم ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: -إنَّه من الجن كما هو ظاهر قوله سبحانه وتعالى ﱡﭐ ﲒ ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﱠ الكهف: ٥٠ فإنَّه خوطب بالسجود لآدم عليه السلام، وفيه أيضاً: -أنَّ الأصل في الأمر المطلق أنَّه يقتضي الوجوب لأنَّه لو لم يكن مقتضياً للوجوب لقال أنتَ لمْ تُلزِمني بذلك؛ لكنَّه لمَّا أمره كان عليه أن يلتزم بهذا الأمر وأن يستجيب له.
ﱡﭐ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱠ وقد بحث العلماء كما تقدّم قبل ذلك بحثوا هذا الجواب المنكر الذي أجاب به إبليس على رب العزة إذ قال ﱡﭐ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ ﱎ ﱏ ﱐ ﱑ ﱒ ﱠ وذلك أنَّ هذه الدعوى من إبليس غير مقبولة من عدة أوجه منها: -
1. إنَّها في مقابلة النص، ولا ينبغي أن يذكر الإنسان رأيه أو قياسه أو ما يشتهي في مقابلة النص فلا اجتهاد مع النص. أي: -في مورد النص فإذا تعينَ النص فحينئذٍ لا ينبغي أن يخالفه الإنسان بدعوى فهنا إبليس قال هذا مع أنَّ الله أمره على سبيل الإلزام فما كان له أن يقول هذا القول هذا من جهة.
2. ومن جهة أخرى ومَنْ قال إنَّ النار خير من الطين؟ فبعض العلماء ردُّوا وقالوا الأصل في الطين أنَّ الطين يتميز بالرزانة، وفيه خيرٌ ويكون به الاستقرار والنار يكون فيها الطيش والخفة وما إلى ذلك.
ثمَّ هبْ أنَّ النار أفضل من الطين فلا يلزم بالضرورة إذا كان الأصل أفضل من الأصل أن يكون الفرع أفضل من الفرع فقد يكون فرع بعض الأصول أفضل من فرع بعض الأصول الأخرى، وبناءً عليه فلئن كانت النار أفضل فلا يلزم أن يكون إبليس المخلوق من هذه النار أفضل من هذا المخلوق من الطين وهو آدم عليه السلام.
وكذلك أيضًا إذا كان هذا في الأصل فقد يأتي الفرع بما يلام عليه وبما يعاتب عليه ويذم، ولذلك قالوا: أو كما جاء
لَئن فخرت بآباء ذوي حسبٍ........ لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
فهذا كله يُرَدُّ به على إبليس فيما زعم.... إلى غير ذلك من حجج ذكرها العلماء في مثل ذلك، وتقدّم بيانها قبل ذلك.
قال ﱡﭐ ﱔ ﱕ ﱖ ﱠ أي: -فاهبط من هذه الجنة ﱡﭐ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱠ تقدّم أيضًا في سورة البقرة وغيرها أنَّ العلماء اختلفوا في حقيقة الجنة التي سكنها آدم عليه السلام. أهي جنة الخلد لكن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تكون مستقراً لأهل الجنة في الآخرة وهم سكناها أو (أو هما أعني آدم وحواء عليهما السلام) سكناها على سبيل التوقيت وعلى سبيل التأكيد، فلم تكن دار خلود بالنسبة لهما لكنَّها هي جنة الخلد أم أنَّها مكان آخر وبستان آخر خلاف بين العلماء ولعل الأول أقرب.
الشاهد ﱡﭐ ﱔ ﱕ ﱖ ﱠ إن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إنَّها الجنة فالأمر واضح فاهبط منها، وإن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: -إنَّها مكان آخر يعني: -فاهبط من هذا المكان المرتفع بالنزول، أو المراد: -فاهبط من المنزلة ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾، ولذلك في الجنة إنَّما هي للمتواضعين؛ وليستْ للمتكبرين ﱡﭐ ﱗ ﱘ ﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱠ
قالوا في المختصر: (الحقيرين الذليلين).
ﱡﭐ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱠ أخِّرني وأجِّلني إلى يوم يبعثون ﱡﭐ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱠ وفي الآيات الأخرى ﴿إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾ والذي عليه كثيرون قالوا يعني: -إلى يوم البعث، وهذا يكون بالنفخة الأولى في الصور ولذلك قالوا هنا في المختصر (قال الله له إنَّك يا إبليس من الممهلين الذين كتبت عليهم الموت يوم النفخة الأولى في الصور حين يموت الخلق كلهم ويبقى خالقهم وحده) فهذا هو معنى الوقت المعلوم، وقد ذكر بعض المفسرين: أنَّ هذا لم يكن إجابة لدعوة إبليس أو لطلب إبليس فهو أحقر من أن يُجاب، ولكن بيَّن الله أنَّ هذا تقديره، فالله قدَّر ذلك سابقاً، وهو أنَّ إبليس سيمكث هذه المدة الطويلة؛ ليكون هناك صراعاً بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال.
ﱡﭐ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱠ
ﱡﭐ ﱮ ﱯ ﱠ بسبب اغوائك لي. تأملوا! هنا يستدل إبليس اللعين بقدر الله جل وعلا على معصيته وعلى ضلالة.
ولذلك قال بعض أهل العلم: إنَّ العبد إذا عصى ربه فاعترف بذنبه وتاب إليه فله إسوة في أبيه آدم عليه السلام، وإنَّ هؤلاء المشركين حينما رُدُّوا الأمر إلى القدر وعصوا ربهم ثم زعموا. وقالوا: -إنَّ هذا بقدر الله فإنَّهم بذلك يستندون إلى إبليس فهو أستاذهم وشيخهم في هذه الدعوى.
قال ﱡﭐ ﱮ ﱯ ﱠ بسبب إغوائك لي ﱡﭐ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱠ منهم من جعل الباء: -باء القسم أو قال: -إنها سببية كما قالوا هنا، قالوا في المختصر ((بسبب إضلالك إياي حتى تركت امتثال أمرك بالسجود لآدم لأقعدنَّ)) لكن هنا القسم بعد ذلك، أي: -والله لأقعدنَّ أو فبعزتك، كما جاء في بعض المواضع الأخرى.
قال ﱡﭐ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱠ وتعدى قوله (لأقعدنَّ) بقوله (صراطك) دون أن يدخل عليه حرف بمعنى لم يتعدَّ بالحرف بل تعدّى بنفسه فقال ﱡﭐ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱠ ولم يقل: -لأقعدنَّ لهم على صراطك فالأصل: أنَّ فعل (قعد) من الأفعال اللازمة إذا تعدت إلى المفعول فإنها تتعدى بحرف الجر؛ لكنَّه هنا عداها بنفسها فقال (لهم صراطك)؛ قالوا: -لأنَّها تضمنتْ معنى اللزوم أو الملازمة. أي: -لألزمنَّ صراطك المستقيم. يعني: -لن أفارقه ولن أتركه وهذا فيه أنَّ إبليس اللعين يتربص بأهل الإيمان ويأتيهم في أبواب الخير يحاول أن يصرفهم عنها نسأل الله السلامة والعافية.
ولذلك جديرٌ بأهل الحق وبالدعاة إلى الله وبأهل العلم والفضل والعباد والزهاد أن يتفطنوا لمثل ذلك فتجد بعض هؤلاء إذا كانوا في حقل الدعوة إلى الله يقول قائلهم مثلاً: -الحمد لله نحن في نعمة، ونحن في فضل ونحن همنا الدعوة وهمنا القرآن وأين الشيطان منَّا وأينْ نحن من الشيطان؟ الشيطان بعيد عنا كل البعد نحن مخلصون، ونحن صادقون ونسي هؤلاء أنّ الشيطان يتربص بهم ولا يتركهم فقد يكون نزغ لشخص منهم فكان سببًا في إفساد العمل الذي يسيرون عليه أو الذي يطلبونه والذي يتجهون إليه فنسأل الله السلامة والعافية.
قال ﱡﭐ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﱠ
هنا قالوا في التفسير ((لأتينهم من جميع الجهات بالتزهيد في الآخرة والترغيب في الدنيا وإلقاء الشبهات وتحسين الشهوات)) فذكر ﴿مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ﴾ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شمالهم، يعني من هذه الجهات كلها.
لذلك بعضهم اكتفى في التفسير بأنْ قال: -أيْ من جميع هذه الجهات، ولم يقل (ومَنْ فوقهم) قالوا لأنه لا يحول بينهم وبين رحمة الله سبحانه وتعالى، لذلك في الحديث (وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي) هذا بالنسبة لما تحت، وأيضاً من فوق فإنَّها تتنزل رحمات الله سبحانه وتعالى.
وبعض العلماء فسر على سبيل التخصيص فبدأ يفسر مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ فلذلك قالوا هنا في المختصر (بالتزهيد في الآخرة) قالوا: -(من بين أيديهم) يعني: من جهة الآخرة يقول له: -(الآخرة) ومتى ستأتي الآخرة؟ المهم الدنيا والذي في يدك خير مما تنتظره!! ﱡﭐ ﱺ ﱻ ﱠ وهو الترغيب في الدنيا فيجعله يأسى على ما فات، وفلان حصل وأنتَ لمْ تحصل.
ومنهم مَنْ عكس في المعنى ﱡﭐ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱠ كما تقدّم في تحرير المعنى في هذا.
ﱡﭐ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﱠ
1. قال بعضهم: بإلقاء الشبهات وكذلك بتحسين الشهوات،
2. وبعضهم قالوا: عن أيمانهم من جهة الحسنات بأنْ يجعلهم يغترون بتلك الحسنات، أو يراؤون بها أو يعجبون بها (وعن شمائلهم): من جهة السيئات بأن يمنيهم أنَّ الله سيعفو عنهم ويغفر لهم فإذا بهم يتمادون في المعصية ولا يرعون عن غيهم إلى غير ذلك مما يفعل الشيطان.
ثم قال ﱡﭐ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ ﱠ أي: -((ولا تجدُ -يا ربي -أكثرهم شاكرين لك لما أمليه عليهم من الكفر)) هكذا قال إبليس، وقال الله ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، لذلك أيضًا قال الله ﱡﭐ ﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﱠ.
قال ﱡﭐ ﲆ ﲇ ﲈ ﲉ ﲊﲋ ﱠ اخرج منها مذموماً ومطروداً من رحمة الله ﱡﭐ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ ﲒ ﱠ
ﱡﭐ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗ ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﱠ
وقلنا إنَّ قوله (اسكن) من السُكنى -اسكنْ من السُكْنَى – يعني: -ليكنْ هذا موطن لكم موضع سكنْ وليس من السكون فهما ليسا مأمورين بأن يسكُتَا؛ وإنَّما هما مأموران بأنْ يُقِيما في الجنة أو أُبِيحَ لهما أبيحت لهما الإقامة في الجنة، ولكن عليهما أنْ يتقيا هذه الشجرة التي منعهما الله عز وجل من الأكل منها قال ﱡﭐ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﱠ قالوا هنا في المختصر (شجرة عيّنها الله لهما) لذا اختلف المفسرون في حقيقة هذه الشجرة، وهذا لا يلزمنا معرفته فقد أخفاه الله عنَّا لكنَّنا نعتقد أنها شجرة معينة، ولذلك جاءت الإشارة إليها ﱡﭐ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﱠ إذًا هي شجرة معينة ﱡﭐ ﲡ ﲢ ﲣ ﱠ وقلنا هناك: -إنَّ هذا فيه إنَّ النهي المطلق يقتضي التحريم لأنَّه إذا قرب تلك الشجرة أو اقترب منها فإنَّ هذا يجعله من الظالمين، وهذا يدل على أنَّ النهي يقتضي التحريم؛ لأنَّ الإنسان لا يوصف بالظلم إلا إذا ترك واجباً أو فعل محرماً.
ﱡﭐ ﲥ ﲦ ﲧ ﱠ قالوا هنا في المختصر ((فألقى لهما كلاماً خفياً إبليس)) إذاً ما معنى (وسوس): ألقى لهما كلاماً خفياً -الله أعلم -بكيفية هذا الإلقاء (فألقى) ﱡﭐ ﲥ ﲦ ﲧ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﱠ.
ﱡﭐ ﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﱠ قالوا ((ما ستر عنهما من عوراتهما))، وقال بعضهم: بل السوء المراد بها الفرج ولكنها (السوءة)، إذ يسوء الإنسان أن تظهر هذه العورة نسأل الله السلامة.
ﱡﭐ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﱠ أي: كراهة ﴿أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ﴾، وهذا فيه أنَّ الإنسان جُبِلَ على حب الدنيا وجُبِلَ أيضًا على طول العمر وعلى مثل ذلك {أو تكون من الخالدين} فإنَّ الإنسان يميل إلى ذلك. ولذلك يكبر ابن آدم ويكبر معه اثنان (حب الدنيا وطول الأمل) فهو أتاهما من هذا الباب.
قال ﱡﭐ ﲿ ﱠ أي: حلف لهما بالله ﱡﭐ ﳀ ﳁ ﳂ ﳃ ﱠ ﴿إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ -وهذا فيه أنَّه ليس كل من يدعي النصح فهو ناصح؛ وإنَّما النصيحة تحتاج إلى دليل ولعلك سترى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم حينما نمر على الآيات في سورة الأعراف أنَّ قضية النصح لها نصيب من السورة الكريمة ولذلك رسل الله قالوا لأقوامهم ﱡﱄ ﱅ ﱆ ﱇ} قالوا ﱡﲂ ﲃ ﱠ وها هو إبليس في أول الأمر، قال لهما: ﱡﳀ ﳁ ﳂ ﳃ} وكذا لكنَّهم صدقوا -عليهم الصلاة والسلام -أعني رسل الله وأنبيائه.
قال ﱡﳅ ﳆﳇ} قالوا هنا في المختصر (فحطهما من المنزلة التي كانا فيها بخداع منه وغرور) فهذا معنى التدلية (دلاهما) يعني: -أسقطهما وأوقعهما في هذه المنزلة أو في هذه المعصية، فنزلا عن الرتبة الرفيعة التي جعلهما الله عز وجل فيها. (بغرور) يعني: -بخداع منه وغرور -غرهما -، وقد ذكر بعضهم: -أنَّ آدم عليه السلام ما ظنَّ أنَّ أحداً يحلف بالله كاذباً، لكن إبليس قاسمهما ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ (الأعراف: 9) قال
ﱡ ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ ﳝ ﳞ ﳟ ﳠ ﳡ ﳢ} أي: -فأخذا يلزقان عليهما من ورق الجنة ليسترا عوراتهما، وهذا فيه أنَّ الفطرة تميل إلى ستر العورات، وأنَّ الإنسان لا يُظهِر عورَته ولا يكشفها، فها هما سعيا جاهدين سعياً حثيثاً في أن يلزق عليهما ما يواريان بهما هذه السوءة التي كُشفتْ بسبب المعصية وفيه أيضاً: -انكشاف العورات هذه معصية وأنَّها عقوبة فكيف بمن يراها منقبة ومن يراها محمدة! قال الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (الأعراف: 10). نعم
من فوائد الآيات
· دلتْ الآيات على أنَّ من عصى مولاه فهو ذليل. ولذلك قال الله في حق إبليس ﱡ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ}
· أعلن الشيطان عداوته لبني آدم وتوعد أن يصدهم عن الصراط المستقيم بكل أنواع الوسائل والأساليب: ﱡﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿﲀ ﲁ ﲂ ﲃ ﲄ}.
· خطورة المعصية وأنَّها سبب لعقوبات الله الدنيوية والأخروية ﱡﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓﳔ} وأيضاً ﱡ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ}.
قال الشيخ حفظه الله: -
قال تعالى: ﱡﱁ ﱂ ﱃ ﱄ ﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ ﱍ}
بيَّن الله في سورة البقرة أنَّ هذا من إحسان الله إليهما ﱡﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ} [سورة البقرة:37] وذكرنا هناك أنَّ من خير ما يُفَسَّر به الكلمات جاء هنا في آية الأعراف فهناك أَجْمَلَ الله الكلمات وهنا جاء بيانها ﱡﱂ ﱃ ﱄ} أي: -يا ربنا ظلمنا أنفسنا ﱡﱅ ﱆ ﱇ ﱈ ﱉ ﱊ ﱋ ﱌ} وقوله (لنكونن) اُستدل به على أنَّ أول الكلام القسم أي: -والله لئن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ
﴿قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (قال اهبطوا
ﱡﱎ ﱏ} هكذا بالجمع فما المراد بهذا الجمع قالوا المراد أي اهبطوا يا آدم ويا حواء ويا إبليس ﴿ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ قالوا في المختصر (مكان استقرار إلى وقت معلوم وتمتع بما فيها إلى أجل مسمى) وهذا فيه أنَّ الإنسان في الأرض ليس مخلداً؛ وإنما هو ماكث في الأرض مدة ثم بعد ذلك يزول عنها فقال {ومتاع إلى حين}
ﱡﱜ ﱝ ﱞ ﱟ ﱠ ﱡ ﱢ} وهذا كقوله ﴿مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾.
ثم قال الله {يا بني آدم} ومما هو جدير بالذكر أنَّ هذه السورة الكريمة مما ورد فيها هذا النداء {يا بني آدم} {يا بني آدم} وناسب هذا أيضًا أن تُذكر قصة آدم في أول السورة الكريمة، فإذا كانت السورة الكريمة قد عرضت لجملة من قصص الأنبياء والمرسلين فإنَّها استفتحت هذا بالحديث عن أبينا آدم عليه السلام وبيان عداوة الشيطان الرجيم، وقد تقدّم أنَّ السورة الكريمة ذكرت الأسباب التي صرفت الناس عن الحق واتباع القرآن والرسول عليه الصلاة والسلام، وكان من بينها ومن أهمها عداوة الشيطان الرجيم أو إغواء الشيطان الرجيم لبني آدم فجاء هنا النداء العام ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا﴾
وهذا تذكير بقصة آدم عليه السلام وأن نتذَكَّر إنعام الله علينا بذلك قالوا هنا (لباساً ضروريا لأنَّه يواري السوءات) فهذا من اللباس الضروري {وريشا} (من الأمور الكمالية والتحسينية) ثم قال {ولباس التقوى ذلك خير} يعني بعد أن حدثنا الله عن اللباس الحسي ذكر لنا اللباس المعنوي وهو: -لباس التقوى، وهذا في القرآن الكريم وارد أن يُذكر الجانب الحسي ثم يُتبَع بالجانب المعنوي.
بل قال ﱡﱮ ﱯ ﱰ ﱱﱲ} فإصلاح الباطن أعظم وأجلَّ وهذا كقوله سبحانه وتعالى ﱡﱙ ﱚ ﱛ ﱜ ﱝﱞ} [سورة البقرة:197] فالآية لها سبب نزول كما تقدّم، وهو أنَّ أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون فأنزل الله الآية ﱡﱙ} إذًا هي في الأصل في التزود بالمال والطعام والشراب وما إلى ذلك لكن قال ﱡﱚ ﱛ ﱜ ﱝﱞ} لفت الأنظار إلى زاد أعظم وهو زاد التقوى، كذلك هنا أيضًا ﱡﱮ ﱯ ﱰ ﱱﱲ} وفيها قراءتان {ولباسَ} أي: -﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ﴾ والقراءة الأخرى على الاستئناف ﱡﱮ ﱯ ﱰ ﱱﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ}.
ﱡﱺ ﱻ} نداء آخر ﱡﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ ﲁ ﲂ ﲃ} إذاً من فوائد قصة آدم عليه السلام تذكير للناس -تذكير بني آدم -بعداوة الشيطان وأنَّه لا ينبغي لنا أن نسمح له بأن يُغوينا وأن يفعل بنا ما وقع للأبوين المكرمين ﱡﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑﲒ} هو وقبيله يعني هو وجنده وأتباعه أو ذريته كما تقدّم معنا في أصل المادة. قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَـٰكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَـٰكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ ٱلسَّـٰجِدِينَ﴾ (الأعراف: 11) فالشيطان وذريته يرونكم ويشاهدونكم وأنتم لا ترونهم، ولا والمعنى إنهم يتمكنون من ايذائكم ومن إلحاق الضر بكم ومن إلقاء الوساوس إليكم فأنتبهوا! ولذلك بيَّنَ الله أنَّ عداوة الشيطان عداوة بيِّنَة ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُوا۟ حِزْبَهُۥ لِيَكُونُوا۟ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ (فاطر: 6) [سورة فاطر:6] قال الله سبحانه ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) يعني: -هؤلاء هم الذين يتسلط عليهم الشيطان؛ وأمَّا أهل الإيمان فإنَّ الله يحفظهم ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) [سورة النحل:99] هنا قال ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99).
ثم قال ﴿إِنَّهُۥ لَيْسَ لَهُۥ سُلْطَـٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (النحل: 99) إذا فعل أهل الشرك فاحشة فهنا الضمير في قوله {فعلوا} يعود على مَنْ؟ على أهل الشرك على الذين أعرضوا عن الاستجابة لأوامر الله وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الإيمان بالله ورسوله {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها أباءنا} لسنا مبتكرين لها ولا مبتدعين لها؛ بل إننا نأتسي بالأباء وقد تقدَّم أيضًا أنَّ السورة الكريمة قررت وبينت صوارف الناس عن الهدى، وكان من بينها وكان من بينها تقليد الآباء
﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ كان من بينها التكبر، ومنها أيضًا عداوة الشيطان أو التأثر بوساوسه وأيضاً بزخارف الدنيا وأيضاً ما يتعلق بتقليد الآباء ﴿وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28) هذا افتراء منهم ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 29) تأملوا هم ذكروا شيئين 1 -وجدنا عليها آباءنا 2 -والله أمرنا بها لم يعقب رب العزة سبحانه وتعالى على قولهم {وجدنا عليها آباءنا} لأنَّ الآباء كانوا يصنعون ذلك؛ وإنّما عقب على قولهم ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُۥ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12) فردَّ وقال ﴿قَالَ فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ﴾ (الأعراف: 13) وذلك أنَّ الإنسان قد يقول كلاماً فيكون في كلامه حقٌ وباطلٌ فحينئذ يردُّ على الباطل الذي قال.
قال ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا افتراء وكذب ﴿قَالَ أَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الأعراف: 14) ربي لا يأمر بالفحشاء؛ وإنَّما يأمر ربي بالعدل فهو لا يأمر بالفحشاء والمنكر وإنما كما قال الله {﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي}
﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ﴾ (الأعراف: 15) (وأن تدعوه وحده مخلصين له الطاعة كما خلقكم من عدم أول مرة يعيدكم أحياء مرة أخرى) فقوله المراد بالإخلاص: -إخلاص عام في كل وقت وفي كل مكان ولا سيما ﴿فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ﴾ الله وفي مساجده، ويمكن أن يقال: -{عند كل مسجد} أي: -عند كل سجود ولا يكون المراد به المساجد فقط؛ وإنما ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ موضع من المواضع لأنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال ((وجُعِلتْ لي الأرض مسجداً وطهوراً)) فيخلص العبد لله سبحانه وتعالى.
﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ (ق: 11) كما فيقال له من الذي بدأ خلقك؟ إنّه الله فهو قادر على إعادتك في هذه الجملة ﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ (ق: 11) وكما قال في مثل ذلك ﴿رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِۦ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ﴾ (ق: 11) [سورة ق:11] فهذه الجمل عظيمة جليلة فيها الدلالة الواضحة على قدرة الله على البعث والنشور.
ثم قال ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ (الأعراف: 16) بيّنَ الله أقسام الناس فقال: ﴿ثُمَّ لَـَٔاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ﴾ (الأعراف: 17) هداه الله ويسر له أسبابها ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ﴾ أي وجبت عليهم الضلالة فضلوا عن طريق الحق. ما سبب ذلك؟ هل ظلمهم الله؟ ما ظلمهم الله ﴿قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف: 18) لم يوالوا الله، ولم يستجيوا لتعالميه وإنما اتبعوا أوامر الشيطان وعبدوا الشيطان ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ﴿وَيَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 19) وأيضا يظنون أنهم مهتدون إلى الصراط المستقيم.
مما ينظر له في هذه الآية الكريمة إنَّ الله قال هنا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36) وهناك في سورة النحل قال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36) [سورة النحل:36] فقال هناك حقت بتاء التأنيث وهذا هو الأصل مع الضلالة؛ لأنَّ الضلالة مؤنثة لكن هنا قال ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ لِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا وُۥرِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ﴾ (الأعراف: 20) بدون تاء التأنيث وهذا جائز ابتداءً باعتبار أنَّ التأنيث هنا مجازي ثم إنَّه هناك فاصل وهو قوله {عليهم} وهناك قال {عليه} فلما كان الفصل بــ {عليهم} أكبر ناسب ﴿إِلَّا﴾ تُذكَر التاء هنا؛ ثمَّ إنَّ هناك كان الحديث عن الأمة ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ﴾ (الأعراف: 21) يعني: وأمة حقت عليها فمقام هذا التأنيث على (الأمة) فيناسبها التأنيث، وأمَّا هنا ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ﴾ أي: -حق على هذا الفريق، فالفريق في الأصل مذكر فناسب هذا والله أعلم ﴿إِلَّا﴾ تذكر التاء كما ذكر بعض العلماء والعلم عند الله تعالى.
من فوائد الآيات
· من أشبه آدم بالاعتراف وسؤال المغفرة والندم والإقلاع إذا صدرت منه الذنوب اجتباه ربه وهداه، ومن أشبه إبليس إذا صدر منه الذنب بالإصرار والعناد فإنَّه لا يزداد من الله إلا بُعداً.
ولذلك تقدّم أن قُلنا إنه هناك فرق كبير بين معصية آدم ومعصية إبليس؛ فآدم عليه السلام وقع منه الذنب غرَّر به إبليس ثمَّ إنَّه تاب إلى الله وبادر بالتوبة إلى الله عز وجل؛ وأمَّا إبليس فإنَّه عاند وأبى واستكبر واستمر على عتوه وعلى استكباره وعناده ففرق بين هذا وذاك، فرقٌ بين من أذنب ووقع في الذنب جاهلاً ومغترَّاً ثم بادر بالتوبة إلى الله وبين من عاند واستكبر واستمرأ تلك المعصية ونسأل الله السلامة.
· اللباس نوعان ظاهري يستر العورة وباطني وهو التقوى الذي يستمر مع العبد وهو جمال القلب والروح ﴿فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ ۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (الأعراف: 22).
· كثير من أعوان الشيطان يدعون إلى نزع اللباس الظاهري لتنكشف العورات فيهون على الناس فعل المنكرات وارتكاب الفواحش. وهذا تقدّم أيضًا في الآيات السابقة فيما وقع لآدم عليه السلام وثم بعد ذلك ما جاء هنا أيضًا في قوله {﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23) هناك في قصة آدم وقعت كعقوبة ثم تاب الله عز وجل عليهما وهنا بيَّن الله سبحانه أنَّ الشيطان يسعى أيضًا بهذا الأمر وهو ﴿قَالَ ٱهْبِطُوا۟ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ (الأعراف: 24).
· أنَّ الهداية بفضل الله ومنَّه وأنَّ الضلالة بخذلانه للعابد إذا تولى بجهله وظلمه الشيطان وتسبب لنفسه بالضلال. قال ﴿وَيَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 19) نعم.
قال الشيخ حفظه الله
قال الله سبحانه ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (الأعراف: 25)
نداء آخر من الرب الكريم لبني آدم، وكما تقدّم فهذه السورة تكرر فيها النداء لبني آدم بهذا الوصف ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 26) ولذلك مطلوب منكم أيضًا أن تذكروا لنا كم مرة ورد النداء ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 26) في هذه السورة الكريمة؟ وهل ورد النداء بـ ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 26) في غير السورة الكريمة؟
﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَٰتِهِمَآ ۗ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف: 27) قالوا هنا في المختصر (البسوا ما يستر عوراتكم وما تتجملون به من اللباس النظيف) والظاهر أنَّ قوله ﴿وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28) أشمل وأوسع من ستر العورة فلذلك قال ﴿وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28) إذاً المطلوب من المؤمن ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يأتي مسجداً من المساجد أن يستر عورته، وأن يتزين ويتجمل ويلبس من أحسن ثيابه، وقد استدل كثير من الفقهاء بهذه الآية على وجوب ستر العورة فقالوا: إذا كان المؤمن مأموراً بأخذ الزينة فهو مأمور بستر العورة من باب أولى.
لأنَّ هذا أقل ما يقال في باب التزين؛ وإن كان كثير من الأئمة يجعلون ستر العورة لا واجباً فحسب وإنما يرقونه إلى الشرطية وهذا له مجاله في البحث الفقهي.
قال ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 29) وقوله ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 30) أصل كبير في باب الأكل والشراب ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۗ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: 30) إذاً كل ما شئت من حلال وكذلك اشرب ما شئتْ مما هو حلال ولكنْ لا تسرف ولكن لا تسرف! ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَقِيمُوا۟ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَٱدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (الأعراف: 29) قالوا في المختصر (ولا تتجاوزوا حد الاعتدال) لا تتجاوزوا حد الاعتدال. فإذاً لنا أن نأكل وأن نشرب لكنَّنا لا نتجاوز حد الاعتدال. وإن قال قائل: إنَّ قوله ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31) هكذا جاء بصيغة الأمر فهل معنى هذا أنَّ الأكل والشرب على سبيل الوجوب؟
فيُجابُ عن ذلك بأجوبة منها: -
1. أن يقال إنَّ الأمر يأتي أحيانًا لمعان أخرى بحسب قرينة السياق فهذا في مقام الامتنان. فقوله ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31) أي: -امتنان من الله علينا فيكون هذا على سبيل الإباحة.
2. وقد يقول قائل: بل هذا معطوف على قوله ﴿وَإِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً قَالُوا۟ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 28) وأيضاً ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ خُذُوا۟ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا۟ وَٱشْرَبُوا۟ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31) هذا على سبيل الوجوب ولكن المراد بذلك وجوب الأصل ووجوب الجنس مع إباحة النوع. بمعنى: -أنَّ الإنسان يجب عليه الأكل والشرب لأنَّ الإنسان إذا لم يأكل ولم يشرب فإنَّه يتلف ويموت؛ لكن كونه يأكل من كذا أو يشرب من كذا فهذا على سبيل الإباحة. إذاً الإباحة في الأنواع وأما الجنس فهو على سبيل الوجوب.
ثم قال ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 32) ولذلك ورد في السنة ((كل ما شئتَ والبس ما شئتَ من غير إسراف ولا مخيلة) من غير اسراف ولا مخيلة فالإنسان يبتعد عن الإسراف، ويبتعد عن المخيلة. قال ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ ۚ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 32) لِمَ؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّىَ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلْإِثْمَ وَٱلْبَغْىَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا۟ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَأَن تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 33)
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34) رد على هؤلاء الذين يحرمون زينة الله ﴿يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى ۙ فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الأعراف: 35) ﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ قالوا في المختصر (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول إنَّ تلك الطيبات للمؤمنين في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ وإن شاركهم غيرهم فيها في الدنيا فهي خاصة بهم يوم القيامة لا يشاركهم فيها كافر) ﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ ولكنّها تكون خالصة وخاصة ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ يوم القيامة وفيها القراءتان أيضًا (خالصة) ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الأعراف: 36) على الحال يوم القيامة؛ لكن هنا فائدة أيضًا في قوله ﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ لم يقل (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هي للذين ءامنوا خالصة يوم القيامة) وإنما قال ﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ قال بعضهم هذا فيه أنها ليست للكافرين في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ بل هي عليهم، كما في شأن تحريم الخمر. ﴿لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوٓا۟﴾ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: -إنَّ الله نفى الجناح عما وقع من المؤمنين من شرب الخمر قبل تحريم الخمر، وذلك أنَّ الكافر يُحَاسب على ما تلذذ به وتمتع به حتى وإن كان مباحاً؛ لأنَّه يقال له: -قد متعك الله وأنعم عليك باللباس، وأنعم عليك بالطعام والشراب، فأين شكرك لله على هذه النعم؟ لذلك قال ﴿قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ حتى الكافر يحاسب على هذا النعيم وعلى هذا الذي تمتع به كذا. قال بعض أهل العلم والعلم عند الله.
ثم قال ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوٓا۟ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأعراف: 37) أي: -مثل هذا التفصيل ﴿نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍ مُّفَصَّلَـٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 133) وهذه الآية أصل كبير في ذكر المحرمات ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ ٱلضَّلَـٰلَةُ ۚ فَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ (النحل: 36) الظاهر منها والمستتر أو الباطن. قال ﴿قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 38) قالوا هنا في المختصر (وحرم المعاصي كلها) فيكون هذا من قبيل عطف العام بعد الخاص أو على الخاص. فالفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ هذا خاص ثم قال ﴿قَالَ ٱدْخُلُوا۟ فِىٓ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ فِى ٱلنَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُوا۟ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَىٰهُمْ لِأُولَىٰهُمْ رَبَّنَا هَـٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ ٱلنَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 38) جميع المعاصي ﴿وَقَالَتْ أُولَىٰهُمْ لِأُخْرَىٰهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: 39) وهو الاعتداء ظلماً على الناس (والبغي بغير الحق) وهذا لبيانه فالبغي يكون بغير حق قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِى سَمِّ ٱلْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 40) حرم الشرك ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 41) والقول على الله بلا علم خطره عظيم وشديد.
وبعض العلماء قال: -بل إنَّ الله ذكر المحرمات على سبيل التدرج فتدرج فيها شيئًا فشيئاً حتى انتهى بقوله ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 41) لأنَّ القول على الله بلا علم يُفضِي بالعبد إلى الشرك، وإلى التكذيب بآيات الله، وإلى كل معصية وكل منكر نسأل الله السلامة.
ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الأعراف: 42) أي لكل جيل وقرن مدة وميقات محدد لآجالهم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَـٰرُ ۖ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ ۖ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ ۖ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف: 43) فلكل أمَّة أجلها وحينئذٍ إذا جاء الأجل ﴿فَلَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
ثم جاء النداء أيضًا ﴿وَنَادَىٰٓ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا۟ نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌۢ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (الأعراف: 44) أي: -إذا جاءكم رسلٌ مني من أقوامكم يتلون عليكم ما أنزلت عليه من كتبي فأطيعوهم وحينئذٍ ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ﴾ (الأعراف: 45) والمعنى فسينقسم الناس إلى قسمين إلى مطيع وإلى عاص، إلى مؤمن وإلى كافر ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ كَـٰفِرُونَ﴾ (الأعراف: 45) والسورة فيها حديث عن الإصلاح كما فيها حديث عن الفساد والإفساد كما سيأتي التنبيه عليه بإذن الله في مواضعه، قال الله في مقابل المتقين المصلحين ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱسْتَكْبَرُوا۟ عَنْهَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (الأعراف: 36)
دروس مشابهة
- لمحة في سورة الشرح
- لمحة في سورة الرعد (الجزء الأول)
- سورة المطففين
- وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا
- وقفات مع قوله تعالى الطلاق مرتان.....جزء1خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- المجلس الأول - التعليق على تفسير الجلالين - مقدمة تعريفية بالجلالين وتفسيرهما ومنهجهما فيه