سورة الأنعام — الجزء 7
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
وهناك قلت إنه من عادات القرآن الكريم أن الله عز وجل بعد الحديث عن التوراة يأتي الحديث عن القرآن الكريم؛ لما بينهما من توافق في كثير مما في الكتابين، ولأن التوراة كتاب هدى والقرآن الكريم كتاب الهدى أيضًا، قال ﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
﴿أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ﴾
ثم قال: ﴿أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا﴾ قدر أكثر المفسرين قالوا: "كراهة أن تقول"، أو "لئلا تقولوا" إذًا هنا تعليل، لئلا، أو "كراهة أن تقولوا ﴿أَنَّمَا﴾ أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا".
يعني من أسباب نزول القرآن الكريم: ﴿إِلَّا﴾ يحتج المشركون قائلين لم ينزل علينا كتاب، ولم تبلغنا رسالة يقول العرب: "ما بلغتنا رسالة ولا علم لنا"، وأما من قبلنا كاليهود والنصارى نزلت كتب على أنبيائهم وعلى رسلهم.
فقال ﴿أَن تَقُولُوٓا۟ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلْكِتَـٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ﴾ يعني ونحن لا ندري شيئًا من ذلك بلغتهم ولم تبلغنا
﴿وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ﴾ وقوله ﴿وَإِن﴾ هي المخففة من الثقيلة ﴿وَإِن كُنَّا﴾ هذا فيه تأكيد ﴿وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ﴾ بدليل دخول اللام الفارقة، وتقدم من هذا نظائر، فعرفنا أن ﴿وَإِن﴾ هنا هي المخففة من الثقيلة، فلذلك إذا جعلنا اسمها ضمير الشأن، وهو وجه، فيقول "وإنه كنا عن دراستهم لغافلين"، أو ﴿وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَـٰفِلِينَ﴾، فالمعنى على كل: إثبات وتأكيد أنهم كانوا عن ذلك لغافلين، لو لم ينزل هذا الكتاب، لكن الكتاب نزل، فالحجة قد انقطعت عنهم
﴿أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَـٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ﴾
قال ﴿أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ﴾ تحتجون وتقولون نحن أعقل، ونحن أقرب هداية من اليهود والنصارى فلو نزل علينا كتاب لاتبعناه.
قال: ﴿فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ وتقدم نظير هذه الآية ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ قالوا هنا: وانصرف عنها.
إذا ما معنى ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾؟ انصرف عنها أو أعرض عنها.
وبعض العلماء جعل ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أي: وصرف الناس عنها.
إذًا لنا أن نقول أن ﴿وَصَدَفَ﴾ أيضًا لازمة أو متعدية فيكون معنى ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ يعني: أعرض هو عنها،أو "وصدف الناس عنها"، يعني صد الناس عنها.
كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ في الفعل "صد"، فإنك تقول: "صد غيره"، و"صد هو"، "صد هو": أعرض، "صد غيره": أضل غيره، فتكون الآية بينت أنهم ضالون مضلون، كما تقدم معنا في آية أخرى سابقة في سورة الأنعام وهي: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ﴾، ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: غيرهم، ﴿وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ﴾ بأنفسهم، فهم يضلون ويضلون أيضًا.
قال: ﴿سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَـٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ﴾
من فوائد الآيات:
*لا يجوز التصرف في مال اليتيم إلا في حدود مصلحته، ولا يسلم ماله إلا بعد بلوغه الرشد.
* سبل الضلال كثيرة وسبيل الله وحده هو المؤدي إلى النجاة من العذاب.
*اتباع هذا الكتاب علما وعملا من أعظم أسباب نيل رحمة الله.
قال الشيخ حفظه الله:
* لا يجوز التصرف في مال اليتيم إلا في حدود مصلحته، فإن كان فيه مضرة له لا يجوز التصرف في هذا المال بهذه المضرة، وإنما فيما فيه منفعة له، ولا يسلم ماله إلا بعد بلوغه الرشد ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ﴾
*سبل الضلال كثيرة وسبيل الله وحده هو المؤدي إلى النجاة من العذاب ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ﴾
* اتباع هذا الكتاب علما وعملا من أعظم أسباب نيل رحمة الله؛ لذلك قال الله سبحانه وتعالى في شأن القرآن ﴿فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فمن اتبع الكتاب العزيز رحمه الله سبحانه وتعالى
﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾
قال الله سبحانه: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ أي: ما ينظرون، ما ينتظر هؤلاء؟ فـ ﴿هَلْ﴾ هنا استفهام بمعنى النفي، ما ينتظر هؤلاء وتقدم أن النظر إذا تعدى بنفسه فهو بمعنى الانتظار.
فما معنى ﴿يَنظُرُونَ﴾؟ يعني ينتظرون ﴿هَلْ يَنظُرُونَ﴾ أي: ما ينتظر هؤلاء؟ ما ينتظر هؤلاء المكذبون؟ الذين لا يستجيبون لدعوتك ولا يؤمنون بآيات الله.
﴿إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ أي: تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم في الدنيا، أو يحل بهم العذاب أو تأتيهم الساعة لا ينتظرون إلا هذا، والمعنى هم مستمرون على الضلال، والإضلال، والتكذيب إلى أن يموتوا
وإلى أن تأتيهم الساعة.
فقال ﴿أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ﴾ أي: للفصل بين الخلق إتيانا يليق بكماله سبحانه وتعالى.
﴿أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ﴾ هذه الآيات التي حينها لا ينفع الندم، ولا ينتفع الإنسان بالإيمان؛ لأن الغيب يصير شهادة.
ومن هذه الآيات: طلوع الشمس من مغربها،كما جاء عن رسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حينما بين أنه حين تطلع الشمس من مغربها لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا ﴿لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ أو كسبت في إيمانها خيرا، ولذلك قال أيضًا: "من تاب ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه"، فقال: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾.
﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ يعني لا ينفع نفسًا ﴿لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾، فقوله ﴿لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ هو وصف للنفس، يعني هذه النفس التي لم تكن آمنت لا تنتفع؛ لأن الإيمان جاء بعد ذهاب وقته، لأن الإيمان ﴿أَنَّمَا﴾ ينفع في وقت معين، وذلك قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من المغرب، وقبل حلول العذاب ﴿فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا﴾ فات الأوان.
قال ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا﴾أيضًا لا ينتفع المؤمن الذي لم يعمل خيرًا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، قالوا هنا ﴿مِن قَبْلُ﴾: عمله، بمعنى أن المؤمن المقصر العاصي الذي يريد التوبة، إذا أخر التوبة وسوَّف إلى أن طلعت الشمس من مغربها، فإنَّ هذه التوبة الحادثة لا تنفعه، وإنما هو على ما سبق.
وبعض العلماء فسر قوله ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًا﴾ أي: بالإخلاص، فقالوا المراد بها: "أهل النفاق"، والمعنى أن من أظهر الإيمان ولم يكن مخلصا في الحقيقة، فلما طلعت الشمس من مغربها أو جاءت آيات الله أراد أن يقدم الخير بالإخلاص، فيقال له ذهب وقت الإخلاص، كان هذا في سابق الأمر.
﴿قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ انتظروا هذه الآيات، وانتظروا هذا الوقت، وكذلك قد كانوا ينتظرون هلاك النبي صلى الله عليه وسلم يتربصون به ريب المنون، فلينتظروا ﴿قُلِ ٱنتَظِرُوٓا۟ إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾.
ثم قال الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾
تحذير من التفرق في أمر الدين، ودعوة إلى الاجتماع ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، وهذا فيه أن من طرق الضلال التي ضل بها اليهود والنصارى: التفرق، فتفرقوا في الدين، ونسبوا هذا التفرق إلى الدين، والدين منه بريء.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ﴾ جعلوا دينهم متفرقا من اليهود والنصارى، وكيف تفرقهم في الدين؟ أخذوا ما يشاؤون وتركوا ما يشاؤون.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، لذلك قالوا هنا: حيث أخذوا بعضه وتركوا بعضه
والقراءة الأخرى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ﴾، فارقوا هذا الدين، لم يتمسكوا به، وإنما فارقوه وتخلوا عنه وعن تعاليمه، وكانوا شيعا أحزابا.
﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ﴾ لست ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول منهم في شيء، فأنت بريء مما هم عليه من الضلال، وليس عليك إلا إنذارهم، لست مسؤولا عنهم؛ ولذلك قالوا: لست عن عقابهم في شيء، أو لست من تفرقهم في شيء ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾.
﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وهذا من إكرام الله للعباد، أن الحسنة بعشر أمثالها ويضاعفها، فالله سبحانه وتعالى يجزي على الإحسان إحسانا، قال: ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ إلى سبعمائة ضعف" في الأحاديث "إلى أضعاف كثيرة"، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وأيضا جاء في القرآن ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ إلى آخر الآية الكريمة.
﴿وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ لا يعاقب إلا بمثل هذه السيئة، قالوا هنا: في الخفة والعظم
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وتأمل ﴿وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ﴾؛ لأن الإنسان قد يسيء ولا يجيء بالسيئة، قد يغفرها الله له قبله، وقد يتوب إلى الله عز وجل العبد، لكن إذا لم يتب منها ولم تغفر وجاء ﴿بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا﴾، قال ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾
ثم قال ﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يلقن الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم ﴿إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
ولعلكم تذكرون ما تقدم من أن سورة الأنعام سورة تقرر قضايا الهداية والضلال، ولعلكم على ذكر مما مضى في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، فهنا H0.
﴿دِينًا قِيَمًا﴾ فهو دين قيَم، وكذلك دين قيِّم، كما جاء في القراءة الأخرى ﴿دِينًا قِيَمًا﴾.
وقالوا هنا: ﴿إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ إلى طريق مستقيم هو طريق الدين القائم بمصالح الدين، الدنيا والآخرة؛ إذًا دين قيِّم به إصلاح دنيا الناس، ودين الناس، وأحوال الناس، فهو يقيم شؤونهم ويصلح أحوالهم.
﴿مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا﴾ مائلا عن الشرك إلى التوحيد ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾.
﴿ٱلْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيضًا ﴿إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى﴾ قال كثيرون المراد بالنسك: الذبح، ذبحي لله، وهذا مناسب لما سبق في الأنعام، والحديث عن الأنعام ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾، فبين أن قضية النسك قضية غاية في الأهمية، فالصلاة والتقرب إلى الله والنسك والذبائح لا تكون إلا لله، وبعضهم قال النسك المراد بها: العبادات.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ تدبير أمر حياتي، وأمر مماتي لله، أو شؤوني وأعمالي في الحياة لله.
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾.
﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
ثم في ختام السورة ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا﴾ وهذا الاستفهام للإنكار ويراد به التوبيخ والتقريع لهم
﴿أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا﴾ وهذا مناسب لأول السورة المباركة، فلذلك هذا من العلاقة بين البدء والختام.
وتقدم معنا أن السورة في أولها كان فيها تقرير التوحيد؛ ولذلك مضى معنا ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾، وكذلك ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةً ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾، وهنا قال ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ﴾.
﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ يعني لا يحمل بريء ذنب غيره، هذا معنى قوله ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ قال ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ كل إنسان يكسب الكسب الذي يكون عليه، فالله لا يظلم أحدا سبحانه وتعالى ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ وهذا معنى "ولا يحمل بريء ذنب غيره".
﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ تذكير بالآخرة.
﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾
﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ﴾ قالوا: والله هو الذي جعلكم تخلفون من سبقكم في الأرض، إذًا ﴿خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ﴾ تخلفون من سبقكم.
والمعنى الثاني: يخلف بعضكم بعضا، وتقدم معنا ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ﴾ فالناس يتفاضلون ويتفاوتون في أمر دنياهم ﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ﴾ أي: فيما أعطاكم، فهذا من حكم التفاضل بين الناس.
﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ بهذا ختمت السورة المباركة، تقرر أيضًا الوعيد والوعد والترغيب والترهيب ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ وتدعو إلى التوحيد، وتنهى عن التنديد، وهكذا سورة الأنعام من أولها إلى آخرها حديث عن العقيدة، وحديث عن التوحيد، وحديث عن التحذير من الشرك،حديث عن الآخرة، نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
من فوائد الآيات:
*أن الدين يأمر بالاجتماع وينهى عن التفرق والاختلاف.
*من تمام عدله تعالى وإحسانه أنه يجازي بالسيئة مثلها، وبالحسنة عشرة أمثالها، وهذا أقل ما يكون من التضعيف.
*الدين الحق القيم يتطلب تسخير كل أعمال واهتماماته لله، فله وحده يتوجه العبد بصلاته، وعبادته ومناسكه، وذبائحه، وجميع قرباته، وأعماله في حياته، وما أوصى به بعد وفاته.
قال الشيخ حفظه الله:
*أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف وينهى عن التفرق والاختلاف ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ﴾.
*من تمام عدله تعالى وإحسانه أنه يجازي بالسيئة مثلها، وبالحسنة عشرة أمثالها، وهذا أقل ما يكون من التضعيف؛ ولذلك تقدم أنه في بعض النصوص إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وهنا قال ﴿مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا﴾.
*الدين الحق القيم يتطلب تسخير كل أعمال العبد واهتماماته لله سبحانه وتعالى، فله وحده يتوجه العبد بصلاته، وعبادته، ومناسكه، وذبائحه ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾.
وبهذا نكون قد فرغنا بفضل الله وتوفيقه من التعليق على سورة الأنعام، ونسأل الله الإعانة والتوفيق
وبهذا نكون قد أتممنا ربع القرآن الأول، كما أتممنا ربع القرآن الأخير ونسأل الله الإعانة على الربعين الآخرين حتى يمن الله علينا بتمام هذا التفسير المبارك، ونسأل الله الإعانة والتوفيق