سورة الأنعام — الجزء 6
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
ثم قال: ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ خسروا أي خسران؟ خسران عظيم.
﴿قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ما معنى بغير علم؟ يعني: بغير حجة.
﴿قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ﴾ أو ﴿سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: لا يعلمون العقوبة، ولا يعلمون ماذا سيكون عليهم فيها.
قال: ﴿قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾
فإذا قال قائل: إن قوله ﴿قَدْ ضَلُّوا۟﴾ يساوي ﴿وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾، ما فائدة ذكر ﴿وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾؟ الإنسان قد يكون ضالا لكن بعد ذلك يهتدي، لكن هنا قال: ﴿قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾، فهم على ضلال مستمر.
﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾
ثم قال الله: ﴿۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ عدنا إلى مثل هذا النوع من الآيات التي فيها تقرير، أن الله هو الإله الحق، وهو، وتقدم أن هذا كثير جدًا في السورة الكريمة.
﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾، وآيات كثيرة جدًا في هذا، ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ﴾ إلى غير ذلك
﴿۞ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ فهناك بساتين مبسوطة على وجه الأرض دون ساق
كما يكون في البطيخ ونحوه، فيكون قريبًا من الأرض، وهناك ما يكون عاليا مرتفعا، فهناك بساتين تكون قريبة من الأرض، مبسوطة على وجه الأرض دون ساق وهناك مرفوعة عليها ذات ساق، فهو أنشأ هذا وذاك المرفوع وغير المرفوع القريب من الأرض ﴿وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ﴾ فمنه متشابه ومنه غير المتشابه
﴿كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ﴾
﴿كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ﴾ قال بعضهم: ما فائدة قوله ﴿إِذَآ أَثْمَرَ﴾؟ قالوا: يعني من بداية الإثمار؛ لأنه قد يفهم من قوله كلوا من ثمره إذا صار ناضجا، لكن قال: ﴿كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ﴾ ولو من بداية الإثمار، فالأمر مفتوح
﴿وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ﴾ قالوا: وءاتوا زكاته يوم الحصاد، والقراءة الأخرى ﴿وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ﴾ (الأنعام: 141)
فبعضهم استدل بذلك على وجوب زكاة الزروع عند الحصاد.
ومنهم من قال: بل هذا حق آخر غير الزكاة؛ لأن السورة سورة مكية، ووجوب الزكاة كان في المدينة.
ورد الآخرون: بل وجوب الزكاة كان في مكة، ولكن المقادير والأنصبة على سبيل التعيين كانت في المدينة النبوية
والكلام في ذلك كثير وبناء عليه اختلفوا في المراد بالحق هنا، أهو الزكاة أم حق آخر؟
ثم إن عطف ﴿وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ﴾على قوله: ﴿كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ﴾ يدل على أن الأوامر قد تأتي متعددة بحسب السياق، ولذلك حينما يقولون دلالة الاقتران ضعيفة، يقصد بها إذا كانت جملا مستقلة، وهذه فائدة في هذا، في باب الأصول، يعني هناك جمل تعطف على بعضها، فيكون لكل جملة استقلال في الحكم
فقوله: ﴿كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ﴾ والأكل مباح، لكن ﴿وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ﴾ هذا على سبيل الوجوب، فإذا أنت قد تعطف جملة على جملة، ويكون حكم جملة: الإباحة
﴿كُلُوا۟﴾ كل إن شئت، لكن ﴿وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ﴾ على سبيل الوجوب.
بخلاف إذا كانت المعطوفات لحكم واحد، فإنها لا تكون ضعيفة حينئذ، ولذلك حينما قيل في مسألة حرمة المعازف: سيأتي على الناس زمان يستحلون فيه الحر والحرير والخمر والمعازف
فرَدَّ بعضهم وقال: "إن دلالة الاقتران ضعيفة، فلا يقال إذًا المعازف مثلها مثل الحر والحرير والخمر"
فرُدَّ على ذلك: إن هذه المعطوفات لحكم واحد وهو "يستحلون"، معنى أنه حرام، فلذلك الدلالة فيه قوية وليست ضعيفة، والله تعالى أعلم
قال: ﴿وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ نهي عن الإسراف.
﴿وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ أيضًا أنشأ لكم من الأنعام وخلق لكم من الأنعام حمولة وفرشا.
قال: ﴿كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾، ما معنى ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾؟ قالوا: ما هو ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ لأن يُحمل عليه ككبار الإبل؛ إذًا ﴿حَمُولَةً﴾ يعني: يحمل عليها ككبار الإبل، ﴿وَفَرۡشٗاۚ﴾: كالصغار ما ليس صالحا لذلك، ولذلك قيل له ﴿وَفَرۡشٗاۚ﴾، كأنه كالفراش يفترش يعني قريب من الأرض، وليس كبيرا
قال: ﴿كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ أي: في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحله ﴿إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
من فوائد الآيات:
*ذم الله المشركين بسبع صفات هي: الخسران، والسفاهة، عدم العلم، وتحريم ما رزقهم الله، والافتراء على الله، والضلال، وعدم الاهتداء، فهذه أمور سبعة، وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم.
*الأهواء سبب تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله.
*وجوب الزكاة في الزروع والثمار عند حصادها، مع جواز الأكل منها قبل إخراج زكاتها ولا يحسب من الزكاة.
*التمتع بالطيبات مع عدم الإسراف ومجاوزة الحد في الأكل والإنفاق.
قال الشيخ حفظه الله:
* ذم الله المشركين بسبع صفات هي: الخسران، والسفاهة، وعدم العلم، وتحريم ما رزقهم الله، والافتراء على الله، والضلال، وعدم الاهتداء، فهذه أمور سبعة، وكل واحد منها سبب تام في حصول الذم، كل واحد من هذه الأسباب يستحق صاحبه الذم، فكيف إذا اجتمعت! قد خسر، فهذا خسران
وسفاهة، سفها، وعدم العلم، وتحريم ما رزقهم الله ﴿وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ فنعوذ بالله من أوصاف المشركين، ونسأل الله أن يرزقنا الهداية
* الأهواء سبب تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله، فالذي حملهم على ذلك هو اتباع الهوى
قال بعد ذلك *وجوب الزكاة في الزروع والثمار عند حصادها ومع جواز الأكل منها قبل إخراج زكاتها، ولا يحسب من الزكاة، أخذوا هذا من قوله: ﴿وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ﴾ فقالوا: ﴿وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ﴾ فمعناه: أنه ما كان قبل ذلك فهو معفو عنه، هذا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن الآية في زكاة الزروع والثمار، كما ذهب إليه فريق من أهل العلم.
* التمتع بالطيبات مع عدم الإسراف ومجاوزة الحد في الأكل والإنفاق، قال الله سبحانه: ﴿كُلُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
قال سبحانه: ﴿ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾
هذا تفصيل بعد إجمال، فبعد أن قال: ﴿وَمِنَ ٱلْأَنْعَـٰمِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ بدأ التفصيل، ما أنواع هذه الأنعام؟ ففصلها الله في هذه الآية، وهذا مناسب، وهي طريقة معروفة وجليلة من طرق التعليم، وهو أن يبدأ بالإجمال ثم بعد ذلك يتبعه التفصيل.
فقال هنا: ﴿ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ﴾، وقَدَّروا هنا فقالوا: خلق لكم ثمانية أصناف، إذًا﴿ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ﴾ يعني خلق لكم ثمانية أزواج، ﴿مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ﴾ يعني ذكرًا وأنثى، و﴿وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ﴾أيضًا ذكر وأنثى.
ثم بعده قال: ﴿وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ﴾، فهذه ثمانية، الذكر والأنثى
قال: ﴿ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ﴾
ثم قال: ﴿قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾
هذه الآيات الكريمة ترد على هؤلاء المشركين مزاعمهم وتبين اضطرابهم، فهم في بعض الأحيان يحرمون الذكور، أحيانًا يحرمون الإناث من الأنعام، أحيانًا يفرقون بين ما يكون في بطون هذه الأنعام، فعلى أي أساس أقاموا هذا الكلام؟ وعلى أي أساس قالوا هذا الحكم وادعوا هذا الحكم؟ فأحلوا ما شاءوا وحرموا ما شاءوا
فربنا يقول: ﴿آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ هل حرم الله تعالى الذكرين منهما لعلة الذكورة؟ هل العلة الذكورة؟ هل العلة في تحريم هذا النوع الأنوثة؟ ﴿أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ أم أن العلة اشتمال أرحام الأنثيين عليه؟، وما يشتمل عليه أرحام الأنثيين قد يكون ذكرًا وقد يكون أنثى، فلماذا أيضًا تخالفون بين هذا وذاك؟ ما الدليل؟ ما وجه التفريق؟ بين تحريم هذا وتحليل هذا مع اضطرابكم؟
لذلك فهذا استفهام فيه إنكار عليهم
وقوله: ﴿أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هل عندكم حجة؟ هل عندكم دليل؟ هل عندكم برهان؟ وقد ذكروا أن المراد بالإنكار هنا: إنكار التحريم من الأساس.
تأملوا التعبير القرآني، قال: ﴿قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ كأن الكلام على النوع: نوع التحريم، هل التحريم للذكور أم للإناث؟ مع أنَّ الأصل المراد هو: إنكار التحريم أساسا، يعني ليس لكم أن تحرموا ذكورا أو إناث فليس لكم هذا، فتحريم نوع من الأنواع أو صنف من الأصناف هو لله سبحانه وتعالى، فهو الذي يحل وهو الذي يحرم، لكن جاء بهذا الأسلوب وهو أسلوب معروف؛ لأنه إذا نفي المحل ذكرا كان أو أنثى فالمراد به أيضًا الحال، وهو التحريم
وأيضا يرد هذا في مواضع مثل ذلك، ولذلك الشيخ عبد القادر الجرجاني ذكر في دلائل الإعجاز مثل ذلك: "كما أنك إذا أنكرت على شخص شيء ادعاه أنه فعل كذا وكذا، وأنت تعلم أنه ما فعل، وأنت تنكر عليه، فلا تقل له أأنت فعلت هذا؟، وإنما تقول له فعلته الليل أم في النهار؟ وأنت تعرف أنه لم يقل لك لا في الليل ولا في النهار، إذًا المراد نفي الفعل أصلا، فأنت لما سألته عن الزمان ما قصدت الزمان لذاته، وإنما نفي الفعل، فكذلك هنا والعلم عند الله
﴿وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾
ثم قال: ﴿وَمِنَ ٱلْإِبِلِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾
﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا﴾ هل كنتم حاضرين حين وصاكم الله بهذا الذي زعمتموه؟
وهذا فيه نفي هذا؛ لأن هذا لم يقع، فلماذا قلتم بهذا القول وادعيتم هذا الادعاء؟ هل كنتم حضورًا وربنا وصاكم بهذا؟
ثم قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ وهذا استفهام آخر أيضًا، فيه بيان أنهم أظلم الناس
ولك أن تقول إن قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ فيه التفات؛ لأن الأصل في الكلام فمن أظلم منكم؛ لأنكم مفترون على الله الكذب، لكن قال: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ فالتفت من الحديث عن المخاطَب إلى الغيبة
وهنا أيضًا فيه إثبات أن الأظلمية جاءت مع الافتراء على الله الكذب، ﴿فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ يضل الناس بغير علم يلحق بهم أيضًا، فيكون هذا أعم في المدلول.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ لا يوفقهم ما داموا على ظلمهم، أو هذا فيمن يكون على ذلك.
وهذا مضى معنا كثيرًا في تفسير مثل هذه الآيات ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾، القوم الفاسقين، الكافرين، فالمراد بهم: "إما يقال عام أريد به الخصوص"، "أو لا يوفقهم ما داموا على هذا من كفر، أو فسق، أو ظلم"
﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
ثم قال: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ ردٌ عليهم
ربنا يقول للرسول: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ﴾ الأمر ليس كما تزعمون من تحريم الذكور تارة، وتارة وتحريم الإناث، تارة وتحريم ما في أرحام الأنثيين تارة، ليس هذا هو المحرم، ليست العلة الذكورة أو الأنوثة، وإنما كما قال الله: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾، هذا هو المراد: ﴿مَيْتَةً﴾ سواء كانت ذكرا أم كانت أنثى، فالتعويل عليه ميتة أو ليست ميتة، هل هي مذكاة أم هي ميتة؟
قال: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾
وهنا قد يقول قائل: هل معنى ذلك أنه لا يحرم إلا ما هو مذكور في الآية؟ فهناك محرمات أخرى غير ما ذكر في الآية الكريمة، فكيف الجواب عن ذلك؟
بعض علماء علوم القرآن يورد هذه الآية حينما يتحدثون عن أسباب النزول، ويقولون إن من فوائد معرفة أسباب النزول دفع توهم الحصر، يعني أن الآية سيقت في مساق معين، فهي ترد على المشركين مزاعمهم، من أنهم يحلون ما حرم الله ويفرقون بين الذكور والإناث وما في أرحام الأنثيين.
فربنا يقول ليس هذا هو المحرم، ﴿أَنَّمَا﴾ المحرم ما أوحاه الله عز وجل إليه، ولا يمنع أن تكون هناك محرمات أخرى أوحي بها أيضًا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذًا ليس المراد بذلك الحصر، وإن كان الحصر هو الأصل في الأسلوب ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ﴾ لأن فيه (لا وإلا) لكن هذا باعتبار السياق
ثم أيضًا يجاب عن ذلك -والعلم عند الله_ : أن الله قال: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ﴾ بالماضي، ولم يقل: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا أجد فيما يوحى إلي، ﴿فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ﴾ إلى هذا الوقت، ولا يمنع أن يوحى إليه محرمات أخرى تضاف إلى هذا المذكور
﴿إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ فعلم أن قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ﴾ هناك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن المراد بالدم: الدم المسفوح بدليل هذه الآية الكريمة، ويشهد لذلك الحديث "أحلت لنا ميتتان ودمان"
قال: فهذا أيضًا تخصيص لما ورد هنا، فالكبد والطحال هذا تخصيص لما جاء
﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ﴾ منهم أعاد الضمير على "اللحم"، ومنهم من أعاده على "الخنزير"
قال: ﴿فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ قوله: ﴿أَوْ فِسْقًا﴾ معطوف على قوله: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾
﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ قالوا: أو كان مما ذبح على غير اسم الله، كالمذبوح لأصنامهم
ثم قال: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ يعني: غير طالب تلذذا بأكلها، وغير متجاوز حد الضرورة، وتقدم مثل ذلك في سورة المائدة، وإن كان بعضهم ذكر في ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ يعني قالوا: غير باغ على الحاكم أو والي الأمر
وبعضهم قيد ذلك بمواضع، والأقرب ما ذكروه هنا
﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ يعني طالب التلذذ بالأكل، لماذا؟ لأنه أقرب للسياق، ولأنه أعم في الدلالة.
قال: ﴿وَلَا عَادٍ﴾: متجاوز الحد، أو متجاوز قدر الضرورة، أو ما يحتاج إليه من سد الرمق.
﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ۚ ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ ۖ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾
ثم قال: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾ ما وجه ذكر هذه الآية؟
أحسنوا هنا في التفسير قالوا: ولما ذكر الله ما حرمه على الأمة، ذكر ما حرمه على اليهود، وكأن الله يقول: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون هذا التحريم الذي جئتم به ﴿مِنْ أَىِّ﴾ دين أتيتم به؟ وعلى أي ملة قلتموه؟ أهذا موجود عند اليهود؟ أهذا موجود عند أهل الإسلام؟ أهذا في القرآن؟ أهذا في التوراة؟ أهذا في الإنجيل؟ هذا ليس في وحي، ليس في كتاب منزل، اليهود هناك أشياء حرمت عليهم، لكن هذا يختلف عما تصنعون
﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾ قالوا: ما لم تتفرق أصابعه كالإبل والنعام، هذا كان محرما عليهم وقد قال الله: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَـٰتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَوٰا۟﴾ الآيات
﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ ۖ وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ﴾ لذلك قالوا ﴿حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾: فدخل فيه الإبل، بقي البقر والغنم، فهل البقر والغنم حلال؟ قال: ﴿وَمِنَ ٱلْبَقَرِ وَٱلْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَآ﴾ يعني الأصل أنهما حلال بالنسبة لليهود، إلا الشحوم، ثم استثنى ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ﴾ أي: ما علق بظهورهما، أو ما حملته الأمعاء، قال: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلْحَوَايَآ﴾ وهذا هو المراد بالحوايا، فهذه مباحة
قال: ﴿أَوْ مَا ٱخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ كالألية والجنب، فهذا مما استثني أيضًا ﴿ذَٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم بِبَغْيِهِمْ﴾ بسبب بغيهم ﴿وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾ لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن هذا مما حرمه الله بسبب ما وقع منه من معاصي.
وهذه الآية الكريمة نستطيع أن نقول أنها المحال عليها في قوله في سورة النحل ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ فقوله: ﴿حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ ما الذي قصه الله ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾؟ هو هذه الآية الكريمة، ولذلك استدل بهذا على تأخر سورة النحل عن سورة الأنعام، أو على أقل تقدير تأخر نزول الآية في سورة النحل على نزول الآية هنا في سورة الأنعام، والعلم عند الله تبارك وتعالى
من فوائد الآيات:
* في الآيات دليل على إثبات المناظرة في مسائل العلم، وإثبات القول بالنظر والقياس.
* الوحي وما يستنبط منه هو الطريق لمعرفة الحلال والحرام.
* إن من الظلم أن يقدم أحد على الإفتاء في الدين ما لم يكن قد غلب على ظنه أنه يفتي بالصواب.
* من رحمة الله بعباده الإذن لهم في تناول المحرمات عند الاضطرار.
قال الشيخ حفظه الله:
* في الآيات دليل على إثبات المناظرة في مسائل العلم، وإثبات القول بالنظر والقياس، وهذا علمنا الله ﴿قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ﴾ هذه مناظرة، قال: ﴿نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾.
* الوحي ما يستنبط منه والطريق لمعرفة الحلال والحرام، ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآية الكريمة، فهذا معناه: أن معرفة الحلال والحرام بالوحي.
* أن من الظلم أن يقدم أحد على الإفتاء في الدين، ما لم يكن قد غلب على ظنه أنه يفتي بالصواب الذي يرضي الله، ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ ولذلك قال قبلها: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا﴾ يعني هل معكم حجة؟ وإلا كنتم مفترين على الله الكذب.
*من رحمة الله بعبادة الإذن لهم في تناول المحرمات عند الاضطرار، قال: ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
ونقف عند هذا الحد، والله أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، مع التعليق عليه، وما زلنا مع سورة الأنعام؛
قال الله عز وجل: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾
فإن كذبوك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الكريم، ولم يصدقوا بما جئت به، فقل لهم مرغبا ﴿رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ﴾
ومرهبًا ومخوفًا ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾
هذه الآية الكريمة فيها بيان أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يترك الدعوة، بل يستمر في تبليغ الدعوة، وإن وقع التكذيب من قومه، فربنا قال له فإن كذبوك فاستمر في دعوتك، وبشرهم ورهبهم، رغبهم وخوفهم
﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ وهذا تلطف كبير، من الرب الكبير اللطيف سبحانه وتعالى، لم يقل فإن كذبوك فقل سأفعل بهم كذا وكذا، ﴿أَنَّمَا﴾ بدأ بجانب الرحمة واللطف ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ لا يزال الباب مفتوحا أمامكم، لتعاودوا ولتعودوا إلى رشدكم، ولتعودوا ولترعووا عن غيكم
﴿فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: إذا وقع، فمعنى ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ﴾ أي: إذا جاء، لا يرد عذابه عن القوم المجرمين، فهو سبحانه لا يظلم أحدا، وإذا جاء بأسه وجاء عذابه، فإنه ينزل بمن يستحقه من أولئك المجرمين، فقوله: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ ترغيب، وقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ترهيب
ثم قال الله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟﴾ هذا إخبار من الله جل ذكره أن المشركين سيرددون هذه العبارة، وسيقولون هذه المقالة على سبيل الاحتجاج والاعتذار لأنفسهم، حينما يقال لهم: لم لا تؤمنون؟ لما لا تقرون بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ووحدانية الله عز وجل؟
فيقولون رادين محتجين: نحن نفعل ما شاء الله، فلو أن الله شاء لنا الإيمان لآمنا، لكنه لم يشأ، فهذا يعني أننا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، ونحن في قبضة الله وتحت مشيئته، بهذا يحتجون وعلى هذا يعتمدون ويتكئون، وفي حقيقة أمرهم هم بذلك يريدون الهروب من الحقيقة، وهم في أنفسهم يقرون بالتقصير والتفريط؛ لأنهم لا يطبقون باب القدر في كل شيء.
هذه الآية الكريمة إخبار عما سيكون ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟﴾ وجاءت آيات أخرى تدل على أنهم قد قالوا هذا حقيقة، فقال الله في سورة النحل: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ نَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ فَهَلْ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾.
فهناك في سورة النحل قال:﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟﴾، وهنا قال: ﴿سَيَقُولُ﴾ وهذا يدل على أن هذه الآية الكريمة متقدمة على آية سورة النحل، ولعلكم تذكرون ما سبق في قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾ وقلنا أنه في سورة النحل قال الله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾، فدل على أن آيات سورة الأنعام سبقت آيات سورة النحل، وهذا ما يقال له الإحالة، وهنا ما يقال عنه "التحديث عما سيكون في المستقبل"، وأيضا ﴿وَقَالُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَا عَبَدْنَـٰهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ فهذا أيضًا قرره الله وبينه، وبين أنهم سيحتجون بمثل ذلك
فرد الله عليهم ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ سلك القرآن الكريم في الرد على هؤلاء المشركين، المحتجين بهذا الكلام مسلكا آخر غير المسلك السابق ذكره في الآيات السابقة، فإنَّ الله جل وعلا في الآيات السابقة بين لنا بطلان ما هم عليه من اعتقاد في شأن المحرمات، وفي شأن الأنعام، وما يتعلق بالحل والحرمة في الأطعمة، ففصل القول هناك ورد عليهم اعتقادهم الفاسد، سنا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل عندكم........وكانت مناظرة واضحة جلية كما تقدم معنا في الآيات السابقة ﴿قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ إلى آخر الآيات
أما هنا فرد الله عز وجل عليهم بطريقة أخرى، فقال: ﴿كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا﴾ أي: مثل هذا التكذيب كذب الذين قبلهم، يعني هم لم يأتوا بجديد، ﴿أَنَّمَا﴾ رددوا كلاما سبقوا إليه، فهم توارثوه ونقلوه، ورددوه، ولا يكفيهم ولا ينفعهم بدليل قوله:﴿حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا﴾ أي: حتى ذاقوا عذابنا،ومن المعلوم أن هذا الكلام لو كان مقبولا ولو كان صحيحا ما عذبهم الله سبحانه وتعالى، فلما قال ﴿حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا﴾ علمنا أن الله لم يقبل منهم هذا الكلام، وأنها شبهة داحضة، وليست حجة صحيحة، فقال:﴿حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا﴾
ثم رد الله عز وجل عليهم ردا واضحا فقال: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ﴾ لماذا تدعون هذا الادعاء؟ هل عندكم من دليل يدل على أن الله رضي منكم أن تشركوا؛ لأنهم لم يفرقوا في كلامهم بين مشيئة الله، وبين رضا الله عز وجل عن الأشياء، فهناك فرق كما تقدم معنا مرارا، بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وهم في كلامهم لم يميزوا بين هذا وذاك؛ فلذلك لم يصح كلامهم
◂فالإرادة الكونية بمعنى المشيئة نقول ما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن،
◂وأما الإرادة الشرعية بمعنى الإرادة، والمحبة، والرضا؛ فإنَّ هذا يكون فيما يرضي ربنا سبحانه وتعالى، وما يأمر الله به عباده، لكن الله جل وعلا قد يقدر الشيء ويشاء الشيء مع أنه لا يحب ذلك الشيء ولا يرضاه، ولكنه قدره لحكم أخرى، ولفوائد أخرى كثيرة علمها من علمها وجهلها من جهلها، فربنا قال: ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ﴾، لكنه يعلم أن فلانا سيكفر وأن فلانا سيؤمن، فهو قدر على هذا الإيمان وعلى هذا الكفران، ولا يعني ذلك أنه صار راضيا للكفر، أو أنه رضي الكفر إذ قدره، ليس هذا مرادا لكنهم لم يميزوا بين هذا وذاك، فرد الله منكرًا عليهم موبخًا، فقال: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ﴾ أي: هل عندكم من دليل؟من حجة من برهان؟
وتأمل هنا جاء ﴿مِّنۡ عِلۡمٖ﴾ نكرة، ودخلت عليها ﴿مِّنْ﴾ أيضًا، وجاءت في سياق الاستفهام، يعني "هل عندكم أي علم؟ أي حجة؟ أي دليل؟ أي برهان؟" لكنه يقال له علم، ليس شبهة
﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ﴾ وجاء التعبير بقوله ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ﴾ والمراد "فتظهروه لنا"، تظهرون هذا الدليل والبرهان، فتصدعون به وتقولون: ها هو الدليل الذي يدل على أن الله قد رضي منا الشرك، ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ كتاب قرر الله ذلك؟ وكتب الله المنزلة كلها تدعو إلى التوحيد وتذم الشرك وتنفر منه، وتتوعد من يموت على الشرك
قال: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ﴾ حقيقة الأمر ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾ أي: ما تتبعون إلا الظن، الظن الذي لا علم معه ولا حجة فيه
﴿وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ إلا تكذبون في دعواكم، ولستم محقين فيها في شيء مما تدعونه
قال: ﴿قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ﴾ فهذا رد عليهم، بأن تطلب من المدعي الدليل والبرهان، ولذلك جاء في القرآن ﴿قُلْ هَاتُوا۟ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ من يدعي دعوى عليه أن يأتي بالدليل
ثم عقب الله فقال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
أيضًا يلقن الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، ونحن له تبع، يلقنه الحجة ويبين له كيف يرد عليهم، وهذا أسلوب متكرر في سورة الأنعام كما تقدم مرارا ﴿قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ﴾
وتأملوا يا أيها الإخوة الكرام هنا كيف جاء التعبير القرآني، لم يقل "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لله الحجة البالغة"، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ﴾، فعلم من ذلك أن الفاء متعلقة بكلام أو أنها جواب لكلام آخر، وإن كان مقدرا؛ لذلك ماذا قالوا هنا في المختصر هنا في التفسير حين نقرأ؟ "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول للمشركين إن لم تكن لكم حجج إلا هذه الحجج الواهية، فإنَّ لله الحجة القاطعة" إذًا قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ﴾ أي: إن لم تكن لكم حجة إلا ما ذكرتم، مما ليس بحجة على وجه التحقيق، ﴿فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ﴾
إذًا طلب الله منهم أن يعدلوا عن تلك الشبهات التي يطرحونها، إذ يقولون أن الله قدر علينا ذلك
والواقع يشهد بأنهم لا يقرون بذلك في واقع حياتهم
لذلك هؤلاء الذين يقولون ﴿لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا﴾ لو أن أحد الناس اعتدى على هذا المشرك، أو سرق ماله، أو طعن في عرضه، أو فعل شيئًا يكرهه، هل سيقول لنفسه هذا بقدر الله وقد شاء الله ذلك، ويترك هذا الاعتداء؟ لا شك أنه لن يقبل منه ذلك،
فإذا كنت لا تقبل ذلك مع غيرك، ولا تقبله مع نفسك في أمورك الخاصة، فلا تمتنع عن الطعام ولا تمتنع عن الشراب وغير ذلك مما يمارسه الإنسان في حياته، لا تمتنع عن ذلك كله بدعوى أن الله لو شاء سيقع كذا وكذا، ولكنك تأخذ بالأسباب تأكل وتشرب لتستمر بك الحياة،
وكذلك إذا سرقك إنسان عاقبته، لن تقل قدر الله على أن أسرق، فإذا كان الأمر كذلك فلم تحتجون بالقدر في هذا الباب؟
فبين الله أن هذه حجة داحضة، أو أنها شبهة على الحقيقة، وبناء عليه فاعدلوا عن هذا الكلام، وأخرجوا لنا علما آخر، فإلم تكن لكم حجج أخرى فحينئذ اعلموا أن لله الحجة البالغة
﴿فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ﴾ أي: القاطعة التامة، وهذا معنى البالغة، لذلك قالوا هنا: القاطعة التي تنقطع عندها معاذيركم، لذلك سماها بالبالغة، فهي البالغة التي لا يبلغها كلامهم ولا يصلون إليها؛ لم؟ لأنَّها تقطع الأعذار، فهي تامة من عند الله سبحانه وتعالى
ثم قال: ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تأملوا الكلام هم قالوا في البداية: ﴿لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا﴾ وهنا قال ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لا تناقض؛ لأننا نعتقد أن كل شيء بقدر، لكن الله لا يرضى الكفر، ﴿وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ﴾، وهيأ الأسباب، وأعطى الإنسان الإرادة والمشيئة، وهو يحاسب الإنسان على مشيئته، وعلى اختياره، لا يحاسب الإنسان على ما يخرج عن طوقه، أو عن طاقته، أو استطاعته، والإنسان الذي يتأمل النصوص الشرعية، وكذلك يعتقد في هذا الأمر، لا ينبغي أن يعتقد خلاف ذلك،
من حيث إننا حينما نعتقد أن الله هو الإله، وأنه الخالق، وأنه القادر، وأنه العليم، فكيف مع اعتقادنا ذلك؟ نقول إن ما يقع في الكون لا يكون تحت مشيئة الله! لا يمكن، لذلك الذي يجعل الإنسان يستريح في باب القدر، اعتقاده الحق في أسماء الله الحسنى
لذلك بعضهم عرف القدر بعلم الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال الشافعي في مسألة القدرية: خاصموهم بالعلم، فإنَّ أقروا به خصموا، وإن لم يقروا به كفروا،كما نقل عنه، يعني القضية أنت تعتقد أن الله يعلم ولا لا يعلم؟
فإنَّ قلت أن الله يعلم، إذًا سلِّم، فالله يعلم والله لا يظلم أحدا، فهو يعلم أن هذا سيؤمن، وأن هذا سيكفر، وأن هذا سيفعل كذا، وأن هذا سيفعل كذا، ويقع هذا بمشيئته دون أن يظلم أحدا سبحانه وتعالى
ولذلك قالوا لا يستدل بالقدر في باب المعايب، يستدل بالقدر في باب المصائب من باب التسلية، من باب أن يصبر الإنسان نفسه، فيقول هذا الابتلاء وقع بقدر الله، فأنا أسلم أمري لله سبحانه وتعالى،
أما أن يقع الإنسان في الخلل ويقول هذا بقدر، من أعلمك أنك ستعصي الله؟ من أعلمك أنك ستسلك هذا الطريق المنحرف؟
﴿قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لو شاء توفيقكم لهداكم أجمعين، كما قال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ ۚ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهؤلاء الذين يحرمون ما أحل الله، ويدعون أن الله هو الذي حرمه، هذا متصل بالكلام السابق في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله
﴿هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ﴾ يعني أحضروا شهداءكم، و"هَلُمَّ" تستعمل مع المفرد، والمثنى، والجمع بهذه الصيغة "هلم"، وقد يقال "هلما" مع المثنى، "هلموا"، فهذا أيضًا معروف لغة
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا﴾ من يشهد لكم أن الله حرم هذه الأشياء؟ هذه الأشياء التي ادعوا حرمتها، كما تقدم معنا في الآيات الكثيرة ﴿وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ إلى غير ذلك ما وقع منهم ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ لأن الأمر يقتضي ﴿إِلَّا﴾ يجدوا شهداء، فحينئذ عليهم أن يعلموا أنهم على الباطل؛ لأن أحدًا لا يرضى بهذا، فإنَّ شهد معهم أحد فلا شك أنه مبطل مثلهم، فلا يلتفت إليه وإلى شهادته
لذلك وجه الله النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ﴿فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ لا تكن موافقا لهم
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ لم يقل "ولا تتبع أهواءهم" لكن صرح هنا فوضع الاسم الظاهر في موضع الضمير أو المضمر فقال: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ إذًا ما الذي حملهم على هذا؟ أنهم مكذبون بآيات الله، وأيضًا ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ﴾ إذا جمعوا بين التكذيب بآيات الله وعدم الإيمان بالآخرة
﴿وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يعدلون عن الله سبحانه وتعالى إلى عبادة غيره، أو يسوون الله عز وجل بخلقه، وتأمل هنا ﴿وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ مع ما تقدم في أول السورة عود على بدء ﴿ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
وتقدم معنا أنك تجد مناسبات كثيرة بين بدايات السورة وختام السورة، وهذا في كل سور القرآن الكريم، العلاقة بين المطلع والمقطع أو بين البداية والنهاية
﴿۞قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ١٥١﴾
ثم قال الله ﴿قُلْ﴾ وتأمل الآيات (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾) آيات متجاورة، متناسقة، متلاصقة،كلها تدعو إلى الأسلوب العظيم المتكرر في سورة الأنعام وهو أسلوب التلقين
قال: ﴿۞ قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تعالوا أقرأ ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ إلى آخر الآية.
هذه الآية والآيتان اللتان جاءتا بعدُ يقال لها: الوصايا العشر؛ لأنك حينما تجمع هذه الآيات تجد فيها وصايا عشر، كلها دعت إلى الخير ونهت عن الشر.
هذه وصايا قالوا: أجمع عليها أهل الملل، أو أجمعت عليها الرسالات كلها، فقيل لها الوصايا العشر، وتقدم معنا أن هناك آية يقال لها: الحقوق العشرة، آية الحقوق العشرة، وهي آية ﴿وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى﴾ إلى آخر الآية الكريمة.
* هنا إشكال في فهم الآية ﴿قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾ هنا ﴿مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ ثم قال ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾ يعني عدم الشرك به، هل هذا حرمه الله؟ أم أمر الله به؟ يعني حينما ننظر ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إذًا ربنا سيقص المحرم، فقال في المحرم ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾ وهذا مأمور به، عدم الشرك ليس محرما، مأمور به، ﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ أيضًا مأمور، ثم قال ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ۚ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا﴾ هذا منهي عنه، هذا محرم، وكذلك ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ﴾، وكذلك ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ﴾ فكيف التوجيه؟ بعض العلماء لهم في ذلك توجيهات:
◂المناسب للمقام هنا: أن بعضهم يقول معنى ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ يعني "ما وصاكم الله به" فالتحريم هنا بمعنى الوصية التي تشمل ﴿إِلَّا﴾ يترك الإنسان واجبًا أو ﴿إِلَّا﴾ يفعل محرمًا؛ لأن ترك الواجب محرم، كما أن فعل المنهي محرم، فلذلك لما قال ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾ لأن هذا واجب، وتركه حرام، فجاء التفسير بعد ذلك بحسبه، وكذلك ﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ لأن عقوق الوالدين محرم.
إذًا استفيد من ذلك أن ما جاء في الآيات إما أن يكون مأمورا به فتركه حرام، وإما أن يكون منهيا عنه ففعله حرام.
وقالوا إن "أن" هنا مفسره، وقال ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾ أي شيء صغيرا كان أو كبيرا، قليلا كان أو كثيرًا ﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ وتقدم أن الله سبحانه في باب بر الوالدين لا ينهانا عن العقوق فحسب، وإنما يأمرنا بالإحسان؛ لأنه لا يكفي ترك العقوق، وإنما يلزم البر والإحسان، فأنت مثلًا مع بعض الناس إذا كان مسيئا لك، حَسْبُك أن تترك أذاه، وأن تجتنبه، وحينئذ نقول قد أديت عليك، أما في حق الوالدين لا يكفي أن يقول الإنسان أنا لن أوذي الوالدين، هذا لا يكفي، بل عليه أن يبرهما وأن يحسن إليهما.
ثم قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ قالوا هنا: بسبب الفقر، إذًا ﴿مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾: بسبب الفقر، هذا مر معنا أن ﴿مِّنْ﴾ فسروها بأنها سببية، وأن الإملاق: معناه الفقر، وهذا ليس قيدًا للاحتراس، وإنما هذا لبيان ما كان يقع منهم في الغالب.
فقالوا ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ لأنهم كانوا يقتلون الأولاد؛ من أجل الفقر الواقع، كما هنا، أو من أجل فقر مظنون ومتوقع، كما في آية الإسراء ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾ لكن هل معنى ذلك أنه إذا قتل ولده لسبب آخر يجوز؟ لا يجوز، أو قتل ولده بدون سبب، ﴿أَنَّمَا﴾ لأن عقله اختل أو يعني لأن عنده خللا، وسوء تصور، فإذا كان لا يجوز قتل الولد مع الفقر، فمن باب أولى مع عدم الفقر.
كذلك هنا قال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ وهناك في الإسراء قال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ قالوا: لأن الآية هنا تتحدث عن فقر واقع حال، في الحال؛ لذلك قال ﴿مِّنْ إِمْلَـٰقٍ﴾ يعني من فقر موجود، فطمأنهم، فقال: ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾.
أما في سورة الإسراء ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ﴾ يعني الإنسان قد لا يكون فقيرا، لكنه يقول إذا أتاني الولد سيحل بي الفقر، إذًا هو يخشى على نفسه الفقر في المستقبل، فقال هناك ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ﴾ ما تخشون عليه في المستقبل يؤمنكم عز وجل إياه،فيقول ﴿نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾
قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ما كان ظاهرا منها وما كان باطنا.
قال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ ما المراد بالنفس هنا؟ النفس هنا: المعصومة، فيدخل فيها النفس المسلمة، والنفس كذلك المعصومة كالذمية، والمعاهدة، والمستأمِنة، من وقع لها شيء يمنع من الاعتداء عليها، تحقق فيها وصف يمنع من الاعتداء عليه، فهي داخلة في معنى النفس
﴿وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ﴾ قالوا هنا: كالزنا بعد الإحصان، والردة بعد الإسلام، ومعهما القِصاص، ويدل عليه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- المتفق عليه "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" إذا هذا الذي يقع فيه القتل أو به القتل: "الزنا" بعد الإحصان لأن حده الرجم، وكذلك "الردة"؛ "من بدل دينه فاقتلوه"، وكذلك "القصاص" ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ﴾.
﴿ذَٰلِكُمْ﴾ أي: ذلكم المذكور ﴿وَصَّىٰكُم بِهِۦ﴾ وتأمل كلمة "وصاكم به"، يلائمها أو نفهم قوله: ﴿أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ أن المراد به الوصية.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وفيه أن من أخذ بأحكام التشريع فهو العاقل، وكلما كان الإنسان أعقل كان أقرب إلى اتباع الهدى وترك الهوى، والله أعلم.
من فوائد الآيات:
*الحذر من الجرائم الموصلة لبأس الله لأنه لا ﴿يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾
*الاحتجاج بالقضاء والقدر بعد أن أعطى الله تعالى كل مخلوق قدرة وإرادة يتمكن بهما من فعل ما كلف به ظلم محض وعناد صرف
*دلت الآيات على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به
*النهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها
قال الشيخ حفظه الله:
*الحذر من الجرائم الموصلة لبأس الله لأنه لا ﴿يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾؛ لذلك قال ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾
*الاحتجاج بالقضاء والقدر بعد أن أعطى الله تعالى كل مخلوق قدرة وإرادة يتمكن بهما من فعل ما كلف به ظلم محض وعناد صرف؛ لذلك رد الله عز وجل عليهم وقال: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ هذا لا يقبل منه
*دلت الآيات على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله عز وجل به؛ لذلك قال: ﴿ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
*النهي عن قربان الفواحش أبلغ من النهي عن مجرد فعلها، فإنه يتناول النهي عن مقدماتها ووسائلها الموصلة إليها؛ لذلك قال ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ﴾ ولا تقربوا، إذًا نهي عن إتيان الفواحش وعن قربأنها كقوله ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلزِّنَىٰٓ﴾ نهي عن الزنا وعن قربان الزنا، وهذا فيه أيضًا سد الذريعة، وكنا قد طلبنا منكم أن تذكروا بعض الأدلة الدالة على سد الذرائع، فيدخل فيها هذا أيضًا، والله أعلم.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ ۖ وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ﴾ هذا نهي عن قربان ﴿مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾، فهذا أيضًا من الوصايا التي وصى الله عز وجل بها عباده.
﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ﴾ واليتيم كما قالوا: وهو الذي فقد أباه قبل البلوغ؛ لأنه قد ورد لا يتم بعد احتلام ﴿وَلَا تَقْرَبُوا۟ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾.
﴿إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ قالوا: إلا بما فيه صلاح ونفع له وزيادة لماله، هذا معنى ﴿إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ ولذلك العمل في مال اليتيم:
◂إما أن يكون فيه ضرر عليه، فهذا ممنوع.
◂وإما أن يكون لا نفع فيه ولا ضرر، هذا أيضًا لا يُفعل.
◂وإما أن يكون فيه نفع له، فهذا هو الذي يفعل، ويقدم له.
﴿حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ﴾ قالوا ﴿حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُۥ﴾ يعني: حتى يبلغ، يصير بالغا، يبلغ الحلم، لكننا إذا تأملنا آية سورة النساء نجد أن رب العزة قال ﴿وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ فعلق الله عز وجل دفع الأموال إلى اليتامى على أمرين:
وهو بلوغ النكاح وهو البلوغ، وإيناس الرشد في التصرف
لذلك أحسنوا هنا في التفسير إذ قالوا: حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد، فهذا استفادوه من آية سورة النساء.
قال الله سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ﴾ تأملوا هذا أمر، إذًا ﴿تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ فُهِمَ أنها تشمل هذا وذاك ﴿وَأَوْفُوا۟ ٱلْكَيْلَ وَٱلْمِيزَانَ بِٱلْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ قوله ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ هذا رحمة من الله بعباده، فالإنسان يجب عليه أن يعدل في كيله وفي ميزانه، لكن الإنسان قد يقع في شيء من الخلل دون قصد ودون عمد، فهذا معفو عنه، فهذا قوله: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
لذلك قالوا هنا: فما لا يمكن منه من الزيادة أو النقصان في المكاييل وغيرها لا مؤاخذة فيه، والمعنى أن الإنسان يجتهد قدر استطاعته في ﴿إِلَّا﴾ يظلم أحدا، وأن يكون عادلا، وأن يكون مقسطا في ميزانه وفي كيله، فإنَّ وقع في ذلك خلل دون قصد منه عمد، فإنه لا يؤاخذ به.
قال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟﴾ بعض العلماء قال العدل هنا بمعنى الصدق، لأنه المناسب للقول ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟﴾ قالوا: فاصدقوا
◂وأيضا يقال المراد "العَدْل" لم؟ لأن القول قد يكون لقريب وقد يكون على عدو، وحينئذ يكون المراد هنا: العدل، فالإنسان قد يقول لشخص يحبه يقول قولا من أجله، وهو على غير الحق، وقد يقول على شخص ما لا يصح، لأنه عدوه.
فقال ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟﴾ أي: سواء أكان للمقول له أم كان على المقول عليه، في كل الأحوال كونوا على عدل، ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَٱعْدِلُوا۟ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ ما معنى ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾؟ أي: ولو كان المقول له أو المقول عليه ذا قربى، ولو كان الذي المقول له أو المقول عليه ذا قربى فاعدلوا، كما تقدم معنا ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
قال ﴿وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا۟﴾ وفوا بعهد الله سبحانه وتعالى، ولا تنقصوا ولا تنقضوا العهود، واعلموا أن الله سبحانه وتعالى قال وبين أن الوفاء لازم، فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ وقال: ﴿وَأَوْفُوا۟ بِٱلْعَهْدِ ۖ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْـُٔولًا﴾.
هنا قالوا في التفسير: وحرم عليكم نقض عهد الله إن عاهدتم الله، أو عاهدتم بالله؛ إذًا هنا أمران: أن تعاهد الله على شيء، كأن تعاهد الله على أن تصلي وعلى أن تتقيه وعلى أن تترك الحرام، إذا أوف بهذا العهد.
وكذلك أن تعاهد غيرك بالله، فتقول بالله لأفعلن كيت وكيت، فإذا أوف أيضًا بعهد الله سبحانه وتعالى.
﴿ذَٰلِكُمْ﴾ المذكور ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، قراءتان وهما معروفتان.
﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ﴾ قال بعضهم أي: ولأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، فكان هذا تعليل ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ﴾ لأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ﴾.
وقد جاء.
وتأملوا أيضًا ختام الآيات ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ فإنَّ التعقل يؤدي إلى التذكر، والتذكر يؤدي بالعبد إلى التقوى.
ثم قال ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾
﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ﴾ هنا إشكال في فهم ﴿ثُمَّ﴾ ف"ثم" المشهور أنها تفيد التراخي في الزمان، فتقول "فعلت كذا ثم فعلت كذا" إذًا ما جاء بعد "ثم" متأخر عما سبقها، عما سبق كلمة "ثم"، فهنا قال: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ﴾ وقد ءاتى موسى الكتاب قبل ذلك، يعني هو هنا قال في الآيات التي قبل ﴿قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ﴾ وقد ءاتى موسى سابقا، فكيف هذا؟
فأجابوا عن ذلك بأن قالوا: إن "ثم" تأتي أحيانًا للترتيب بين الأخبار، ولا يلزم التراخي في الزمان، كأنك تتكلم عن كلام ثم، تقول "ثم"، يعني وسأخبرك أيضًا عن كذا، وأنت لا تقصد بذلك أن ما يأتي بعد "ثم" متأخر في زمانه عما سبقه، كما مضى في سورة البلد ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ ولا شك أن الإيمان أسبق من اقتحام العقبة، ومن فك الرقبة، ومن فعله الخيرات.
فإذًا يقال إن "ثم" هنا ليست للتراخي في الزمان، ﴿أَنَّمَا﴾ للترتيب في الأخبار، ولذلك انظر ماذا قالوا في المختصر مع أنه مختصر، أجادوا قالوا: "ثم بعد الإخبار بما ذكر، نخبر أنا أعطينا موسى التوراة"، فجعلوا أن هذا ترتيب في الأخبار، يعني نحن أخبرنا بشيء ونذكر أخبارا أخرى.
﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ﴾ بعضهم جعل هذا معطوفا على ما سبق، كأنه قال: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ذلك ثم ءاتينا موسى، أو ثم نقول ثم ءاتينا موسى، أو نقول ثم ءاتينا موسى، كل هذا كلام،
بعضهم قال: إن "ثم" بمعنى الواو كقوله ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ﴾ يعني "والله شهيد على ما يفعلون"
ولك أن تقول والعلم عند الله كما قال بعضهم أن مجيء "ثم" هنا فيه إشعار بمعنى التعجيب من صنيعهم، وكأننا نعود على صدر السورة ﴿ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ فتقدم معنا أن "ثم" جاءت للتعجيب من أحوالهم، وكأن الله يقول "هذه وصايا موجودة في الكتب، وتقدم أن هؤلاء من بني إسرائيل صنعوا وصنعوا" ﴿تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ إلى غير ذلك مما يقع منهم.
ثم قال الله: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ﴾ ومع هذا، ومع ما يقع منهم إلا أن الله قد ءاتى موسى عليه السلام الكتاب على التمام ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ﴾، ﴿تَمَامًا﴾ قالوا: إكمالا للنعمة، فكان مجيء التوراة من إتمام نعمة الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام.
﴿تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ﴾ قالوا هنا: جزاء على إحسانه، يعني جزاء على إحسان موسى عليه السلام
ومنهم من قال ﴿عَلَى ٱلَّذِىٓ أَحْسَنَ﴾ هنا ﴿ٱلَّذِيٓ﴾: بمعنى الذين، فالمعنى: على الذين أحسنوا، فمجيء التوراة من إحسان الله إلى بني إسرائيل، ومن إنعامه عليهم.
﴿وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ ففي التوراة تفصيل الأحكام التي كانوا يحتاجون إليها، والتي بها صلاحهم.
ثم قال: ﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُوا۟ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
لعلكم تذكرون يا أيها الإخوة الكرام أن هاتين الآيتين لهما ما يقاربهما في السورة نفسها، فقد تقدم معنا ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ﴾ إلى آخر الآية، وبعدها ﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، وهنا قال أيضًا: ﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ﴾ وبعدها قال: ﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ﴾.
فوائد من هذا الدرس
- قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ
- قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ…