سورة الأنعام — الجزء 5
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
قال: ﴿يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ فهم متبعون للظن بدون حجة وعلم، وكذلك ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون ويفترون على الله الكذب.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾
ثم قال الله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ فهو سبحانه وتعالى الأعلم بمن يضل عن سبيله، ولذلك جاء هنا بهذا الأسلوب ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ فهو سبحانه وتعالى الأعلم على وجه الحقيقة والكمال والتمام ﴿مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾
والمعنى: فإذا رمت الهداية فاسلك ما أمرك الله أن تسلكه، واجتنب ما نهاك الله سبحانه وتعالى عنه، كما قال: ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا﴾
قال: ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَـٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ﴾
انتقلت السورة الكريمة إلى أمر يتعلق بحكم الله وبالحل والحرمة، فإنَّ الشياطين قد أغوت المشركين، فحرمت عليهم ما أحل الله وأحلت لهم ما حرم الله، فوقع منهم افتراء في باب الذبائح وفي باب المطعومات
فقال الله هنا: ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَـٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: من طرق الهداية: أن ﴿تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وألا تمتنعوا عنه، كما يزعم هؤلاء من أهل الشرك
من فوائد الآيات:
*يجب أن يكون الهدف الأعظم للعبد اتباع الحق، وأن يطلبه بالطرق التي بينها الله، ويعمل بذلك ويرجو عون ربه في اتباعه، ولا يتكل على نفسه وحوله وقوته.
قال الشيخ حفظه الله:
*يجب أن يكون الهدف الأعظم للعبد اتباع الحق، ويطلبه بالطرق التي بينها الله، ويعمل بذلك، ويرجو عون ربه في اتباعه، ولا يتكل على نفسه وحوله وقوته، ومن دلائل ذلك أن يعلم أن الهدى بيد الله سبحانه، ولذلك نستفيد ذلك من أكثر من معنى ﴿مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ وأيضا في باب الضلال ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ وأيضا ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ إلى غير ذلك.
*من إنصاف القرآن للقلة المؤمنة العالمة: إسناده الجهل والضلال إلى أكثر الخلق، فقال ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.
*من سنته تعالى في الخلق: ظهور أعداء من الإنس الجن للأنبياء وأتباعهم؛ لأن الحق يعرف بضده من الباطل ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا﴾ فبالضد تتبين الأشياء وتظهر.
*القرآن صادق في أخباره، عادل في أحكامه، لا يعثر في أخباره على ما يخالف الواقع ولا في أحكامه على ما يخالف الحق، كما قال سبحانه: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ﴾
قال الله سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ﴾
هذه الآية الكريمة رد على هذه المزاعم التي زعمها أهل الشرك بوساوس الشياطين لهم أو بوسوسة الشياطين لهم، حيث إنهم قالوا لهم: كيف تمتنعون عن أكل الميتة، والميتة أماتها الله، وتأكلون ما ذبحتموه أنتم بأيديكم، فإذا كان شيء من هذا أولى بالأكل أو بالطعام، فإنَّ الذي يذبحه الله أو فإنَّ الذي يقتله الله أولى، فكانت هذه شبهة
كانوا يقولون كيف تمتنعون عن أكل الميتة؟ مع أنَّ الميتة قتلها الله، وكيف تذبحون ما ذبحتموه بأيديكم؟ فرد الله ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ ما يمنعكم ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فالله قد أباح لكم ذلك، وأنتم حين ذبحتم، ذبحتم بإذن الله، وحين سميتم قائلين بسم الله، الله أكبر، فهذا إذن من الله لكم بأن كلوا من هذه الذبيحة
فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ لا تلتفتوا إلى تلك الشبهة التي أثارها أولئك
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾
لكن في قوله سبحانه ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ قد يرد سؤال وهو: ما فائدة ذكر "من" في قوله ﴿مِمَّا﴾؟ لأن قوله ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ﴿مِمَّا﴾ تتكون من: "من" و"ما"، فلم يقل "وما لكم ﴿إِلَّا﴾ تأكلوا ما ذكر اسم الله عليه"؟ والأصل أننا نأكل ما ذكرنا اسم الله عليه، لكن الآية جاءت هكذا ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا﴾ من بعض ما ﴿ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ فهل هناك شيء ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَـٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ﴾ لا نأكله من هذه الذبائح؟
أجاب بعض العلماء عن ذلك فقالوا:
1- بأنهم ربما ذكروا اسم الله، لكنهم يشركون مع اسم الله غيره أو يتقربون بهذا كذبائح للأصنام، فهذا ليس مرادًا في الآية الكريمة، فلذلك جاءت من لبيان أن المراد: ما ذبح وذكر اسم الله عليه وأريد به وجه الله عز وجل، ولم يقصد به التقرب للأصنام، هذا شيء
2- والشيء الثاني أنه: هناك في هذه ما لا يستطعمه الإنسان، فمثلًا هذه البهيمة لها أظفار، أو لها عظم، أو لها شيء قد يتركها الإنسان، أو يتركه الإنسان ولا يقربه ولا يأكله، فلا حرج عليه في ذلك
لذلك قال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾
ثم قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾
﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وهناك قراءة بالمبني لما لم يسم فاعله ﴿فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾
وهنا السؤال أين هذا التفصيل؟ هذه الآية تحيلنا على مكان آخر ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ إذًا معناه أن الله عز وجل فصل لنا في موضع آخر ما حرم علينا، فأين هو؟
فمن أهل العلم من قال: في قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ﴾، الآية المشهورة في سورة المائدة وقد تقدم تفسيرها
ويرد على هذا أن سورة المائدة سورة مدنية بالاتفاق، وسورة الأنعام سورة مكية، فكيف يحال بآية في الأنعام على آية في المائدة؟ والأصل أن المحال عليه يكون متقدمًا وآية المائدة متأخرة، فكيف ذلك؟
لذلك بعضهم قال ﴿وَقَدْ فَصَّلَ﴾ معناها: ويفصل لكم، فجعلوا الماضي بمعنى المضارع.
فرد آخرون وقال: وهذا خلاف الأصل.
فقال بعضهم: بل إن قوله ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ جاء بيانه في الآية التي ذكرت بعد ذلك في الأنعام نفسها، لكنها وإن تأخرت في ورودها في السورة، لكنها متقدمة في النزول، وهي قوله: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ الآية الكريمة
ومعلوم أنه في بعض الأحيان قد تنزل بعض الآيات وتكون أسبق من الأخرى، لكنها في الترتيب تكون متأخرة عنها، ومن أشهر الأمثلة على ذلك عدة المتوفى عنها زوجها في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ فإنَّ الجمهور كما تقدم أن هذه الآية منسوخة بقوله ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ مع أنَّ آية ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ مذكورة متقدمة في الترتيب المصحفي، لكنهم يقولون هي في نزول متأخرة عنها، هذا قول.
ومنهم من قال ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أي: بينته السنة، فجعلوا هذا التفصيل والبيان في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم جاء التمام والكمال والبيان الشافي في القرآن الكريم، في هذه الآية وما تلتها من آيات أخرى
قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ فيه القاعدة الفقهية المشهورة وهي: أن الضرورات تبيح المحظورات، فالأصل أن الحرام يمتنع عنه الإنسان ولا يقربه، ولكن عند الضرورة فالضرورة لها أحكامها، لذلك قالوا الضرورات تبيح المحظورات وهي تقدر بقدرها، يدل على ذلك: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ أي: ما اضطررتم إليه فارتكبتم من أجله الحرام أو شيئًا منه
ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
﴿لَّيُضِلُّونَ﴾ أي: يضلون الناس ﴿بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لأن قوله يضل فعله الماضي "أضل"، والقراءة الثانية ﴿لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ففعله الماضي "ضل"، إذًا عندنا قراءتان :"وإن كثيرًا ليُضلون"، "وإن كثيرًا ليَضلون"، فقوله "ليُضلون" يعني: يضلون غيرهم، وقوله "ليَضلون" يعني: يضلون في أنفسهم، فهم جمعوا بين الوصفين، هم في أنفسهم ضالون، وهم أيضًا مضلون لغيرهم.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم﴾ أي: بسبب الآراء الفاسدة، فهي التي ضلتهم وجعلتهم يضلون غيرهم.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾: بدون حجة ولا برهان ولا علم صحيح.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ﴾ أي: هو وحده سبحانه وتعالى أعلم بالمعتدين، الذين اعتدوا فأحلوا ما حرم الله أو حرموا ما أحل الله.
﴿وَذَرُوا۟ ظَـٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ﴾
ثم قال: ﴿وَذَرُوا۟ ظَـٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ﴾ قالوا هنا: اتركوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس ارتكاب المعاصي في العلأنية والسر، إذًا جعلوا ﴿ظَـٰهِرَ ٱلْإِثْمِ﴾: المعلن، ﴿وَبَاطِنَهُۥٓ﴾: ما كان في إسرار أو في خفاء، فقال: ﴿وَذَرُوا۟ ظَـٰهِرَ ٱلْإِثْمِ﴾أي: ما كان في الظاهر والعلن، ﴿وَبَاطِنَهُۥٓ﴾
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ﴾ بما كانوا يكسبون
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ﴾ يرتكبون الآثام، سواء أكانت ظاهرة أم كانت باطنة ﴿سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ﴾
﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾
ثم قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌ﴾
﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ بعد أن أمر بالأكل ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَـٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَـٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ﴾
قالوا:ا ﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾: نهي عن أكل ما ﴿لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ﴾ عز وجل عليه ﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌ﴾، ﴿وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌ﴾ أي: وإن الأكل منه لخروج عن طاعة الله سبحانه وتعالى، إذًا نحن منهيون عن أكل ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ومأمورون بأكل ما ذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليه
وهنا ورد كلام طويل لعلماء الفقه فيما إذا نسي الإنسان ذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليه:
فمنهم من يرى أن هذا ليس شرطًا لحل الذبيحة، وإنما هو مستحب أو واجب ولا يصل إلى حد الشرطية، فحين إذ يأكل.
ومنهم من أخذ بظاهر هذه النصوص فقال: بل هو شرط، فشرط الحل ذكر اسم الله سبحانه وتعالى عليه، وقالوا: أنه لا يتجاوز في حق الشرط عمدًا كان أو نسيانً، وأما الذين رأوا أنه سنة أو أنه واجب فإنَّ الواجب يسقط مع النسيان.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ﴾ أيضًا مما يقع من الشياطين هذه الوسوسة، أنهم يوسوس بعضهم إلى بعض هذا من جهة، وكذلك يتعاونون من أجل مجادلتكم، وصرفكم عن الحق.
قال: ﴿وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ﴾ قالوا: ليوسوسون إلى أوليائهم أي: بإلقاء الشبه ليجادلوكم.
﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ قالوا هنا: وإن أطعتموهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلمون فيما يلقونه من الشبه لإباحة الميتة، كنتم أنتم وهم سواء في الشرك.
وهذا الجزء من الآية يحتاج إلى فهم دقيق؛ لأن بعض الناس قد يأخذ الآية بظاهرها دون أن يعي المراد منها فيقرأ: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ فيقول: إذًا كل من أطاع من عصى الله سبحانه وتعالى، أو من تحاكم إلى غير شرع الله، أو من كان على ضلال إذا أطاعه فهو مشرك، فيحكم بالشرك مطلقا لكل من أطاع من عصى الله أو من أمره بمعصية الله سبحانه وتعالى، والآية ليس هذا هو المراد بها
ولذلك بعض العلماء نقل الاتفاق على أن الآية الكريمة في حق المستحل لأكل الميتة، فيكون المعنى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾: فاستحللتم الميتة، يعني اعتقدتم حل الميتة ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾؛ لأنه فرق بين من يأكل الميتة وبين من يستحلها، فمن يأكل الميتة ارتكب حراما..
إنسان أكل ميتة وهو غير مضطر نقول هذا عاص، لكن إنسان قال من الذي قال أن الميت حرام؟ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ له أن الله حرم أكل الميتة، قال: لا، بل أنا أقول أنها حلال، فهو يستحل ما حرم الله، فهذا شرك بالله سبحانه وتعالى، وهذا اعتراض على حكم الله جل وعلا
إذًا تُحمل الآية على معنى ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ أي: في الاستحلال وليس في الأكل، ولذلك تجد بعض المفسرين يقولها مختصرة : وإن أطعتموهم في استحلال الميتة، فيقرؤها قارئ دون أن يعيها، فيظن أن المراد بأكل الميتة، وليس هذا هو المراد، ﴿أَنَّمَا﴾ المراد الاستحلال، هذا شيء
الشيء الثاني: يمكن أن يقال: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾أطعتم من؟ أطعتم الشياطين
فالمراد: إن أطعتم الشياطين، وطاعة الشيطان شرك بالله سبحانه وتعالى ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا۟ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ وَأَنِ ٱعْبُدُونِى ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ فيكون المعنى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ أطعتم هؤلاء الشياطين، فحينئذ ستصرفون العبادة لهم
ولذلك قال أبو حيان في أن المراد ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ قال: أولياء الشياطين، قال لأن طاعتهم طاعة للشياطين، لأن طاعة هؤلاء الأولياء طاعة لمن؟ للشياطين، قال: وذلك إشراك، ولا يكون شركا حقيقة حتى يطيعه في الاعتقاد، يعني يعتقد مثل اعتقاده. وأما إذا أطاعه في الفعل وهو سليم الاعتقاد، فهو فاسق؛ إذًا أطاع، لكنه يعتقد عقيدة صحيحة، لكن وقعت منه المعصية فإنَّ هذا فسق، أو هذا شرك دون شرك، وليس مخرجا من الملة.
ثم هناك وجه ثالث ذكره بعض المفسرين كابن عاشور وهو: أن قوله ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في ماذا؟ ليس في أكل الميتة وإنما وإن أطعتموهم في المجادلة، في المجادلة في آيات الله والتشكيك في دين الله؛ لأنّّ الله قال قبلها: ﴿وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ﴾ إذًا ما صنيعهم؟ المجادلة، وإن أطعتموهم في تلك المجادلة والطعن في الدين إنكم لمشركون.
قال: وليس المراد ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ يعني: إن وقعتم في الشرك؛ لأنه لا يقال وإن أشركتم إنكم لمشركون، فما الفائدة إذا؟ ثم إن الأسلوب جاء مؤكدا هكذا ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ يعني أن الأمر يحتاج إلى تأكيد، وكأن المعنى: إن من تشكك في دين الله، وطعن في دين الله، وجادل في دين الله سبحانه، حقيق بأن يُلحق بأهل الشرك والعلم عند الله، فهذه أوجه صحيحة في تفسير الآية الكريمة
وإنما نبهت على ذلك؛ لأن بعض الناس أخذ هذه الآية وجعلها سببًا في أن يكفر المجتمعات عمومًا استدلالًا بهذا، بل رأيت رسالة كاملة قوامها أو مقامها، أو تقوم على الاستدلال بالآية الكريمة بفهم خاطئ، بأنه ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ وأنتم تطيعون هؤلاء فيما يشرعون من أحكام مخالفة لشرع الله، إذًا أنتم كذلك، أو هم مشركون وأنتم مشركون، وهذا كله ليس بمراد في الآية الكريمة، والعلم عند الله تبارك وتعالى
ثم قال: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾
﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ﴾ لعلكم تذكرون أن السورة الكريمة -أعني سورة الأنعام- ذكر الله سبحانه وتعالى فيها حديثا واضحا وجليا عن قضية الضلال والهدى، وقضية الإضلال والهداية وقضية العلم والجهل، فالعلم هداية، والجهل ضلال، وكذلك الجهل والكفر والموت يقترن بعضها ببعض، ألفاظ مقترنة، جهل وكفر وموت، وكذلك وعلم وحياة
فقال هنا: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ﴾ أي: أحييناه بماذا؟ بالإيمان وبالهداية
﴿وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ لا يستويان، هذا السؤال أو الاستفهام ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ﴾ المراد منه: النفي، يعني لا يستوي هذا وذاك، ولذلك هذا التشبيه أطلق عليه بعضهم بالتشبيه السلبي، يعني أن المراد بالتشبيه ليس تشبيه، ﴿أَنَّمَا﴾ تشبيه سلبي، بمعنى: أن يعود علينا بأن نقول هذا لا يشبه هذا، وهذا يختلف عن هذا.
فلا يستوي ﴿مَن كَانَ مَيْتًا﴾ كان على الضلال، "كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهديكم" فهداه الله سبحانه
﴿وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ﴾ وتأمل ﴿وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ﴾ دلالة على أن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أعطى العبد الهداية والنور، فإنه يتحرك بها هنا وهنالك؛ لأن النور يحمل صاحبه على أن ينتفع وينفع غيره
أما الضال ﴿كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ﴾ ولأن الظلمات قد أحاطت به وأحدقت به من كل جانب قال ليس بخارج منها، ولذلك يقول: ﴿كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ﴾ يعني هو في داخل ظلمات أحاطت به، فكأنه مقيد فلا يستطيع الخروج ولا يستطيع الانصراف عنها
قال ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ ولك أن تقول إن قوله: ﴿كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ هذا فيه جواب على سؤال قد يَرِد؛ لأنه قد يقول قائل وهذا الذي في الظلمات ما الذي يحمله على أن فيكون فيها؟ وهو يرى نفسه مغلولا، ويرى نفسه مقيدا، فيقال: ﴿كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ إنه التزيين، فمع أنه في الضلال، ومع أنه غير منتفع، ولا نافع غيره، إلا أنه مع هذا كله راض بما هو عليه من ضلال.
فقال: ﴿كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ قالوا هنا: وهل يستوي الذي كان قبل هداية الله له ميتا؛ لما هو فيه من الكفر والجهل والمعاصي فأحييناه بهدايته للايمان.
وهذا كثير في القرآن ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾
والعلماء لهم تفاصيل في هذا: هل هذا استعارة تمثيلية أو يقال مفرد مقابله مفرد؟ فيقال إنها استعارة تصريحية، باعتبار التعبير بالميت عن الضلال بالموت، والتعبير عن الهداية بالحياة.
قالوا هنا: مع من هو في ظلمات الكفر والجهل والمعاصي، لا يستطيع الخروج منها، قد التبست عليه الطرق وأظلمت عليه المسالك، كما حُسِّن لهؤلاء المشركين ما هم عليه من الشرك، وأكل الميتة، والجدال بالباطل، حُسِّن ﴿لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي، نعم هذا وجه الشبه، أو هذا هو التشبيه.
﴿كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾، ﴿كَذَٰلِكَ﴾ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ كاف تشبيه، تشبيه ماذا بماذا؟ هنا قالوا في التفسير: كما حُسِّن لهؤلاء المشركين ما هم عليه من الشرك، وأكل الميت والجدال، حُسِّن لهم ﴿مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ مَنْ﴾ المعاصي؛ إذًا كما حُسِّن لهم الباطل في الاعتقادات الباطلة، والشرك وأكل الميتة، كذلك حُسِّن لهم أيضًا ما كانوا يعملون
ومنهم من قال: بل هو تشبيه للشيء بنفسه، وهذا وارد، يعني التزيين شُبِّه بنفسه، كما يقولون السفاهة كاسمها، يعني لا تستطيع أن تعرفها بأكثر من أن تقول: "السفاهة"
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾، كلمة "للكافرين" عامة، يعني تزيين هؤلاء الكفار وهو تزيين خاص، مثل هذا التزيين الخاص زُيِّن لعموم الكافرين ما كانوا يعملون، فجعلوا الفرق بين هذا وذاك أنه تشبيه في قوله ﴿كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ المراد به العام، أي: التزيين للكافرين عموما، وأما قبله فالمراد به: التزيين الخاص لجماعة معينة.
ثم قال وأما إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنهم هم فإننا نقول للكافرين لم يقل كذلك زين لهم، فيكون من وضع الظاهر في موضع المضمر
قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ أيضًا ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ قالوا هنا: ومثلما حصل من المشركين في مكة من صد عن سبيل الله، ﴿جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ رؤساء وعظماء يعملون حيلةم وكيدهم، كقوله فيما تقدم ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ﴾ يعني بيان أن هذا العداء عداء مستمر
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ﴾ فالمكر يعود عليهم ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ ۖ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَـٰكِرِينَ﴾ قال: ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ﴾
﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ﴾ لعلك تذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم حين كنا نتكلم في مقاصد السورة الكريمة، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن السورة الكريمة أصل في الرد على الشبهات، وفي حجاج أهل الشرك، ومن ذلك ما أورده هؤلاء في الطعن في النبوة
ومن ذلك ما جاء في هذه الآية الكريمة ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ﴾ أيضًا هذه شبهة تضم إلى الشبهات السابقة
﴿ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ [يونس: 20] وغير ذلك مما تقدم
قالوا هنا: ﴿قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ﴾ يعني الرسول ليس أفضل منا، فلماذا يعطى الرسالة دوننا؟ بل يعطى كل واحد منا رسالة، فبعضهم يطلب أن تنزل له رسالة خاصة به، أو أن ينزل له كتاب خاص به، بل بعضهم تطاول بأن طلب أن تكون الصحف منشرة، يعني تكون صحف حتى غير مغلقة، لا يتكلفها أو لا يتكلف فتحها، بل منشورة أو مكتوب عليها اسمه، قال: ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ﴾
فرد الله ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ﴾ رب العزة يعلم من الذي يستحق أن يكون رسولا من الذي يكون أهلا لحمل هذه الرسالة الله يعلم ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ﴾ هكذا بالإفراد، والقراءة الأخرى (حيث يجعل رسالاته)
ثم قال: ﴿سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ﴾ ذل وهوان صغار عند الله ﴿وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ﴾
من فوائد الآيات:
*الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة، فإذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها فإنه باق على الإباحة.
*كل من تكلم في الدين بما لا يعلمه، أو دعا الناس إلى شيء لا يعلم أنه حق أو باطل، فهو معتد ظالم لنفسه وللناس، وكذلك كل من أفتى وليس هو بكفء للإفتاء.
*منفعة المؤمن ليست مقتصرة على نفسه، بل متعدية لغيره من الناس.
قال الشيخ حفظه الله:
*الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة، وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها فإنه باق على الإباحة؛ لأنّّ الله قال: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ تأملوا لم يقل ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا﴾ أحل لكم؛ لأن الحلال أكثر، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، فمعروف أن القليل ينضبط وأما الكثير فيعسر انضباطه أو ضبطه، فلذلك ذكر الله المحرمات لأنَّها قليلة، فالأصل في الأشياء الإباحة، وقد مضى معنا ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾: استدل بها كثير من الأصوليين أيضًا على أن الأصل في الأشياء الإباحة
*كل من تكلم في الدين بما لا يعلمه، أو دعا الناس إلى شيء لا يعلم أنه حق أو باطل، فهو معتد ظالم لنفسه وللناس؛ ولذلك ربنا قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ﴾ فقوله: ﴿أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ﴾ أي: وهم معتدون
بعد ذلك قالوا: *منفعة المؤمن ليست مقتصرة على نفسه، بل متعدية لغيره من الناس، وهذا في قوله ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ﴾ ومعلوم أن الإنسان إذا مشى بالنور الذي معه فإنه يفيد غيره، وكذلك المؤمن، ولذلك شبه الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنخلة، والنخلة معطائة تفيد غيرها بلا شك.
﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
ذكر الله سبحانه وتعالى المهتدٍ وحال الضال، فقال: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ﴾ وبعدها قال: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ﴾ فاستفيد من ذلك: أن الهداية والضلال بإذن الله سبحانه وتعالى، فالمهتدي من هداه الله، والضال من أضله الله، ﴿مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيًّا مُّرْشِدًا﴾
قال: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ﴾ فيوسع الله سبحانه وتعالى صدره، ويفسح في صدره، ويهيئه لقبول الإسلام، فتراه يقبل الإسلام ويستجيب له.
﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ ومن يرد الله أن يضله، ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الله إضلال عبد فإنَّ صدره يكون ضيقًا حرجًا، ضيق لا يقبل الإسلام، بل يضيق به ذرعا، وتراه لا يرى في الإسلام إلا الشبهات، ولا يرى في الإسلام إلا الشدة، ولا يرى في الإسلام إلا كذا، وكذا مما ينفره
﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا﴾ ولم يقل ضائقًا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ضيقًا، فهي صفة مشبهة تدل على هذا الضيق له، بخلاف الضائق، فالضائق اسم فاعل قد ينفك عن الإنسان، فالإنسان يصاب بالضيق أحيانًا، ولذلك قال الله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌۢ بَعْضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيْكَ وَضَآئِقٌۢ بِهِۦ صَدْرُكَ﴾ ما قال "وضَيِّقٌ به صدرُك".
أما هنا قال: ﴿ضَيِّقًا﴾ ثم أكد ذلك بقوله ﴿حَرَجٗا﴾: وهي شدة الضيق.
والقراءة الأخرى ﴿حَرِجٗا﴾، قال بعضهم أيضًا تكون صفة، وهنا ﴿حَرَجٗا﴾ على المصدرية فيها مبالغة، "ضيقا شديد الضيق"
﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: يكلف الصعود في السماء ولا يقدر عليه، كهذا الذي يُحمل على أن يصعد إلى السماء، ولا يقدر عليه من شدة ضيقه وكراهيته للإسلام، ولذلك بعض الناس يكرهون الإسلام كراهية شديدة، ولا يحبون أن يسمعوا اسم هذا الدين، ﴿وَلَآ أَن﴾ يسمعوا شيئًا عن تعاليمه
قال: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ ولذلك من نعمة الله على العبد أن يشرح صدره للحق، وأن يشرح صدره للهدى، وكذلك فإنَّ شرح الصدر يعين الإنسان على الدعوة إلى الله، ولذلك صدق الكليم موسى عليه السلام حين سأل ربه أول سأل حينما أمره ربه سبحانه وتعالى بأن يذهب إلى فرعون، دعا موسى عليه السلام فقال: ﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى﴾ إلى آخر هذه الدعوات المباركة.
﴿كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ كما جعل الله حال الضال بهذه الحال من الضيق الشديد، يجعل العذاب ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ به، فهذا وجه التشبيه.
ثم قال: ﴿وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ إذا أردتم الهداية فها هو صراط الله، وها هو القرآن الكريم
هذا هو الدين الذي شرعناه.
﴿وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ ومستقيما وإن كان حالا لكنها حال لازمة، فصراط الله المستقيم في كل الأحوال لا اعوجاج فيه ﴿قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾
ثم قال: ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ قالوا: لهم دار يسلمون فيها من كل مكروه وهي الجنة، فالمراد بدار السلام: الجنة؛ لأن الجنة فيها السلامة من الآفات، ومن المكدرات والمنغصات، وكل الهموم والاحزان
قال: ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وأيضا هي دار السلام؛ لأنه يُسَلَّم عليهم فيها ﴿سَلَـٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾، ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ﴾، ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ إلى غير ذلك مما ورد في التسليم على أهل الجنة
قال الله سبحانه: ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهو السلام سبحانه ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ فهو ناصرهم ومؤيدهم سبحانه وتعالى، جزاء على ما كانوا يعملون من الصالحات بسبب عملهم، وهو الرحيم بهم سبحانه
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
ثم قال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ والقراءة الأخرى ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، فصار فيها التفات ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، بعد أن كان الكلام ﴿۞ لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ فجاءت التفات ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾، وأما القراءة التي معنا فعلى أصلها ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾
﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ﴾ قالوا هنا: واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول، إذًا قوله ﴿وَيَوْمَ﴾ يعني: واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول يوم يحشر الله الثقلين من الإنس والجن
ثم يقول: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ﴾ ما معنى ﴿قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ﴾؟ قالوا: قد استكثرتم من إضلالهم ﴿وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ حدث استمتاع من بعضهم ببعض، كيف هذا الاستمتاع؟ قالوا هنا تمتع كل منا بصاحبه، فالجني تمتع بطاعة الإنس له، والإنسي تمتع بنيل شهواته، فالإنس تمتع بنيل شهواته وتلبية رغباته، والجن يلبي له ما يريد، وفي المقابل فإنَّ الجن نال منه أنه عبده ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، إلى غير ذلك مما يقع
﴿وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا﴾ وهو يوم القيامة الموعد.
﴿قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ نسأل الله السلامة ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
﴿قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ هذا الاستثناء ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما المدة التي استثنيت من خلودهم في النار؟
قالوا هنا في التفسير: إلا ما شاء الله من قدر مدة ما بين مبعثهم من قبورهم إلى مصيرهم إلى الجنة، فتلك المدة التي استثناها الله من خلودهم في النار، إذًا قوله ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ في هذه المدة: حينما يقومون من القبور إلى أن يدخلوا جهنم، هذا أحد الأقوال في ذلك
ومنهم من قال ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾: وهو خروجهم من جهنم أحيانًا من أجل أن يشربوا من الحميم جعلوا أن الشرب من الحميم بمثابة تهوية لهم، لكنها في الحقيقة أيضًا من النار، ولذلك في الآية القرآنية:﴿هَـٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا ٱلْمُجْرِمُونَ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ﴾ وكأن ﴿حَمِيمٍ ءَانٍ﴾ شيء آخر، مع أنه أيضًا من جنس العذاب وقال: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى ٱلْجَحِيمِ﴾ فهذا قول ثاني.
أو أن المعنى ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ يعني: غير ما شاء الله، يعني خالدين فيها غير ما شاء الله،أي: وما شاء الله أيضًا من زيادة، فهذا دلالة على المكث الدائم.
أو أن الأمر معلق بمشيئة الله، فخلودهم ﴿أَنَّمَا﴾ هو بمشيئته عز وجل، ولعله يأتي مزيد أكثر لهذا في سورة هود بإذن الله تبارك وتعالى.
قال الله بعدها: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾
قالوا: وكما ولينا المردة من الجن وسلطناهم على بعض الإنس ليضلوهم
تأملوا هذا في التفسير جيد، حينما تجد ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ تريد أن تعرف ما الذي شُبه بالآخر؟ أين المشبه به وأين المشبه؟ فهم يراعون هذا في التفسير، قالوا: وكما ولينا المردة من الجن وسلطناهم على بعض الإنس، ولذلك استكثرتم من الانس
وأيضا إذا ﴿رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾
فقال بعد ذلك: ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾، قالوا: وكما ولينا المردة من الجن وسلطناهم على بعض الناس ليضلوهم، نولي كل ظالم ظالما يحثه على الشر ويحضه عليه، وينفره عن الخير ويزهده فيه
فتجد هذا ضالا وفوقه من يكون عونا له على الضلال، وكذلك فوق الآخر من يعينه أكثر على الضلال، وهكذا دواليك
﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾
ثم قال الله سبحانه: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾ قوله ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يكون هذا الكلام؟ يكون يوم القيامة بدلالة السياق؛ لأنه قال: ﴿قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا﴾، وقال أيضًا: ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا﴾ إذًا الكلام في يوم القيامة، لذلك تجد في التفسير ماذا قالوا؟ "ونقول لهم يوم القيامة"، من أين أتوا بهذا الكلام؟ من سياق الآية الكريمة
قال: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ﴾ أي: ونقول لهم يوم القيامة يا معشر الجن والانس ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾ هذا على سبيل التقرير، والتوبيخ لهم، والتقريع على ما وقع منهم.
﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾قالوا: من جنسكم، فهم من الإنس، ولذلك أوردوا هنا مسألة: فقوله: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾ هل معنى أن الجن من فيهم رسل؟ لأن الآية تقول: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾
فبعضهم يقول: ليس هذا هو المرادـ، ﴿أَنَّمَا﴾ منكم من جنسكم وهو ذكر الجن والإنس، فيكون من أحدهما وأحيانا يعبر به منكم ويراد به أحد الموجودين
وبعضهم يستدل بقوله تبارك وتعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا ٱللُّؤْلُؤُ وَٱلْمَرْجَانُ﴾ ويقولون ﴿أَنَّمَا﴾ يخرج من البحر لا من النهر، وإن كان هذا قد رد عليه؛ لأنّّ الله قال في الآية الأخرى: ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ لكن هذا الأسلوب نفسه من حيث إن الكلمة تعود على أحد المفردين قبلها، هذا سائغ من حيث اللغة
ومنهم من قال: وقوله سبحانه: ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾ وهم الرسل الذين استمعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو استجابوا لهم من الجن حينما آمنوا به، أو رسل يبلغون رسالة الإنس، فإنَّ الجن يبلغون رسالة الرسول الذي أرسله الله سبحانه وتعالى إليهم، إلى غير ذلك مما قيل في ذلك
قال: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾ هنا ذكر الشهادة مرتين، شهدنا على أنفسنا، وشهدوا على أنفسهم
فقال بعضهم: شهدنا على أنفسنا بأن الرسل قد جاءتنا، وأن الحجج قد قامت علينا؛ إذًا هذه شهادة حق بأن الرسل قد جاءت وبلغت، ثم أيضًا شهدوا عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَٰفِرِينَ، وهم قابلوا هذا بالكفران، نعوذ بالله من الكفران.
من فوائد الآيات:
*سنة الله في الضلال والهداية أنهما من عنده تعالى، أي: بخلقه وإيجاده، وهما من فعل العبد باختياره بعد مشيئة الله.
*ولاية الله للمؤمنين بحسب أعمالهم الصالحة، فكلما زادت أعمالهم الصالحة زادت ولايته لهم والعكس.
*من سنة الله أن يولي كل ظالم ظالما مثله، يدفعه إلى الشر ويحثه عليه، ويزهده في الخير وينفره عنه.
قال الشيخ حفظه الله:
*سنة الله في الضلال والهداية أنهما من عنده تعالى، أي: بخلقه وإيجاده، وهما من فعل العبد باختياره بعد مشيئة الله؛ ولذلك قال: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ﴾ وقال بعده: ﴿وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ﴾ وهنا قالوا: من عنده يعني بخلقه وإيجاده، هو الذي خلقه سبحانه وتعالى فالله خالق لكل شيء، وهما من فعل العبد باختياره بعد مشيئة الله، فالعبد هو الذي يختار الضلال أو يختار الهداية؛ ولذلك أثبت الله للعبد مشيئة واختياره، وإن كانت مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب سبحانه وتعالى.
*ولاية الله للمؤمنين بحسب بأعمالهم الصالحة، فكلما زادت أعمالهم الصالحة زادت ولايته لهم والعكس، ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ فتزداد الولاية بازدياد الطاعة.
*من سنة الله أن يولي كل ظالم ظالما مثله يدفعه إلى الشر، ويحثه عليه، ويزهده في الخير، وينفره منه، قال الله: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾.
قال الله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ﴾
﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: ذلك الإعذار وإقامة الحجة بإرسال الرسل، ولذلك في الآية السابقة ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾ فهذا معناه الإعذار وإقامة الحجة، فقال ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: هذا الإعذار أو هذه الإقامة للحجة
﴿أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ﴾ ربنا لا يظلم العباد ولا يهلكهم إذا كانوا غافلين عن الرسالة وغافلين عن الحجة، فهذا معنى ﴿وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ﴾
إذًا ما معنى ﴿وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ﴾؟ يعني: لم تبلغهم الدعوة ولم تبلغهم الحجة ولا الرسالة.
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
ثم قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟﴾ لكل منهم درجات فالناس يتفاوتون، فأهل الخير متفاوتون وأهل الشر متفاوتون فقال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
﴿وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾
﴿وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ﴾ فهو سبحانه الغني عن عباده، فعبادة العابد تنفعه ولا تنفع الله سبحانه وتعالى. العابد، إذا عبد فإنما ينتفع بهذه العبادة هو، وأما الله فهو الغني سبحانه.
﴿وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ﴾ ومع ذلك فهو رحيم بعبادة، لطيف بهم، يكافئهم على عبادتهم، مع أنه غني عنها سبحانه ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ وهذا من غناه
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾ قالوا: إن يشأ إهلاككم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ العباد العصاة، يستأصلكم بعذاب من عنده، ويوجد بعد إهلاككم ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾، ممن يؤمنون به ويطيعونه، كما خلقكم أنتم من نسل قوم آخرين كانوا قبلكم
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ فربنا قادر على كل شيء ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾
﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَـَٔاتٍ ۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾
قال: ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ ما أحد يستطيع أن يعجز الله سبحانه وتعالى وأن يفوت من عذابه
﴿قُلْ يَـٰقَوْمِ ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾
قالوا هنا: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول يا قوم اثبتوا على طريقتكم، ﴿ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ﴾: اثبتوا على طريقتكم وما أنتم عليه من الكفر والضلال، ما دمتم مصرين على الكفر فاثبتوا ﴿عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾.
هو لا يدعوهم إلى أن يكونوا كافرين، وإنما هم باقون على الكفر، فيقول: اثبتوا ﴿عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ وأنا ثابت على ما أنا عليه، كقوله: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلَآ أَنتُمْ عَـٰبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ السورة الكريمة
﴿ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنِّى عَامِلٌ﴾ والقراءة الأخرى وهذه قراءة شعبة يقول: ﴿ٱعْمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ﴾ وهكذا حيث وردت فإنه يقرأها بالجمع "مكانات"، مد النون في الكل، شعبة، فهو يمد ويقول "مكاناتكم"، وأيضا بنفس المعنى لأن كل شخص له مكانة، كل شخص له عمل ومقصد.
﴿إِنِّي عَامِلٞۖ﴾ وتأمل لم يقل إني عامل على مكانتي؛ لأن الرسول دوما في ازدياد، فهنا الحذف أفاد التعميم الأوسع؛ إني عامل وسأعمل، وسأزيد في العمل الصالح
قال: ﴿إِنِّى عَامِلٌ ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَـٰقِبَةُ ٱلدَّارِ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾
﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًا فَقَالُوا۟ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا ۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ ۗ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
ثم بين الله سبحانه وتعالى بعض صنيعهم الذي يصنعونه، مما يدل على قبحهم، ويدل على سوء فعالهم، وعدم توقيرهم لله سبحانه وتعالى، بل حتى في الشرك لا يسوون بين الله وبين ما يشركون به مع الله سبحانه وتعالى، سبحان الله، مع أنَّ الله هو الإله الواحد سبحانه عز وجل
فقال: ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًا﴾
وأذكر بما قلت في بدايات السورة، إن السورة سميت بسورة الأنعام ليس فقط لأن فيها ذكرًا للانعام أو بعض قضايا الأنعام، ولكن لأن قضية الأنعام قضية مشهورة عندهم، فالأنعام يأكلونها ويشربون من ألبانها ويركبونها، وكانوا يحلون ما حرم الله فيها ويحرمون ما أحل الله سبحانه وتعالى، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في الآيات بعد ذلك ﴿ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ﴾ إلى آخره، فهم حرموا وأحلوا، وسورة الأنعام تبين أن الله سبحانه هو الإله المستحق لإلهية، فهو الذي يحكم ما يريد سبحانه وتعالى
﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ﴾، ﴿ٱلْحَرْثِ﴾: الزروع، ﴿وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًا﴾: قسمة، يعني قالوا: هذا الزرع وهذه الأنعام لله، ونجعلها في أبواب الخير وفي أبواب طاعة الله
فقالوا هذا لله بزعمهم، والقراءة الأخرى ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ وهي لغة فيها، وبعضهم قال: لغة بني أسد وهي لغة معروفة من لغات العرب، فيقال زَعم وزُعم
﴿فَقَالُوا۟ هَـٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا﴾ هذا نصيب لله، وهذا نصيب لشركائهم وهم الأصنام ﴿فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ﴾ في كل الأحوال مهما دارت عليهم الدوائر، ومهما أصيبوا ومهما أصابهم جوع، أو قحط،أو أي شيء، فالنصيب الخاص بالآلهة لا يفرطون فيه، بالشركاء.
﴿وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ﴾ لكن قد يعتدون أحيانًا فيأخذون ما لله ويصرفونه لأصنامهم
﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾
﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أيضًا هنا التشبيه، كذلك ماذا؟ قالوا: كما حسن الشيطان للمشركين هذا الحكم الجائر، حسن لكثير من المشركين شركاؤهم من الشياطين أن يقتلوا أولادهم خشية الفقر
فيكون كما حسن الشيطان هذا الصنيع السابق، كذلك وقع هذا ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾
هنا الآية الكريمة هكذا تُقرأ ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ هذه قراءة الجمهور
وعليه ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ﴾ أين فاعل ﴿زَيَّنَ﴾؟ من الذي زين؟ شركاؤهم، إذًا أصل الكلام: "وكذلك زَيَّن الشركاءُ لكثير من المشركين قتلَ أولادِهم"؛ إذًا الفاعل هنا متأخر ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾، فالمُزَيِّن هم: الشركاء، ماذا زينوا؟ زينوا ﴿لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ﴾ الأولادِ، وهذا كما أخبر الله سبحانه: ﴿وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنۢبٍ قُتِلَتْ﴾ وكما قال الله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
فالشاهد من ذلك: أن أحدهم إذا بشر بالأنثى، رأى أن الفقر سيصيب ويحدق به، فيقتلها حية، من الذي دعاه إلى ذلك، ووسوس له؟ إنهم الشركاء
فهذا معنى الآية ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ قال: ليهلكوهم وهذا معنى ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾، فيردوهم يعني: يهلكوهم
قال ﴿وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ يعني: ليخلطوا عليهم دينهم
﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾
هناك قراءة مشهورة قراءة ابن عامر، هي قراءة متواترة ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ هكذا، فوقع فيها إشكال كبير، ومنهم من طعن هذه القراءة وهي قراءة متواترة، ولا يجوز الطعن في قراءة متواترة، وحملهم على ذلك أنه فصل بين المضاف والمضاف إليه، والحق أن الآية الكريمة جاءت بذلك، فلذلك الحق في ذلك ما جاء في الآية الكريمة، وهناك أو على هذه القراءة ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا۟ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ ۖ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾
"زُين" فلم يبين "المزَيِّن"، لكن هنا بين أنهم شركاء
"قتلُ": على أنه نائب الفاعل
﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ﴾ أصل الكلام "قتلُ شركائِهم أولادَهم"، ف"الأولاد" هي مفعول "القتل"، و"الشركاء" هي المضاف إليه
وكيف يقتل الشركاءُ الأولادَ؟ يعني هم سبب في ذلك، فالشركاء يقولون لهم "إن البنات سيكونون سببًا في فقركم"، أو يأمرونهم بذبح بعض الأولاد تقربًا إلى الأصنام.
على كل فالقراءة متواترة، ولذلك قال ابن مالك رحمة الله في الكافية:
وعمدتي في ذلك قراءة ابن عامر وكم لها من معاضد وناصر
يعني لا ينبغي الاعتراض على قراءة متواترة بدعوى أنه في النحو لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه، وهذا من الفوائد في مثل هذا، والعلم عند الله.
قال الله: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾.
من فوائد الآيات:
*تفاوت مراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات يوجب تفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب.
*اتباع الشيطان موجب لانحراف الفطرة حتى تصل لاستحسان القبيح، مثل: قتل الأولاد، ومساواة أصنامهم بالله سبحانه وتعالى.
قال الشيخ حفظه الله:
*تفاوت مراتب الخلق في أعمال المعاصي والطاعات يوجب تفاوت مراتبهم في درجات العقاب والثواب، ولذلك قال: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
*اتباع الشيطان موجب لانحراف الفطرة حتى تصل الاستحسان القبيح، مثل: قتل الأولاد ومساواة أصنامهم بالله عز وجل، ولذلك قال: ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ نَصِيبًا﴾ وأيضا بعدها: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَـٰدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ﴾
﴿وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـٰمٌ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾
قال الله سبحانه: ﴿وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ وقالوا أي: قال هؤلاء المشركون مما زين لهم أيضًا الشركاء أو الشياطين ﴿وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌ﴾
انظر إلى هذه الاعتداءات المتعددة في باب الأنعام، ولذلك سميت بسورة الأنعام؛ لأنَّها ذكرت ألوانًا كثيرة من باطلهم في هذا الباب
قال: ﴿وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ﴾ وأيضا يلحق بذلك الزرع، فهذا يتعلق بالأنعام وبالحرث
﴿حِجۡرٞ﴾ أي: ممنوعة، ولذلك يقال للعقل حجر؛ لأنه يمنع صاحبه من التهور ومن فعل القبيح ﴿وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ﴾ يعني: موقوفة وممنوعة.
﴿لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ﴾قالوا: وهم خدام الأوثان السدنة، خدام الأوثان الذين يقفون بجوار الأصنام يخدمونهم، الذين يأكلون هذا، هذا نصيب لهم ليبقون على أماكنهم في خدمتهم لتلك الأصنام.
﴿وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾فلا تركب ولا يحمل عليها، وهي البحيرة والسائمة والحام، كما جاء في قوله ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍ﴾ الآية في سورة المائدة وقد تقدمت ﴿وَأَنْعَـٰمٌ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ﴾ ﴿لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا﴾ عند الذبح.
قال: ﴿سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾
﴿وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
ثم قال: ﴿وَقَالُواْ﴾ أيضًا من قولهم الفاسد الباطل وعقيدتهم الفاسدة
﴿وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا﴾
﴿مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ أي: المراد بها السوائب والبحائر من الأجنة، هكذا فسروها" إن ولد حيا"
إذًا الآن هو على نوعين: إما أن يولد حيا، وإما أن يكون ميتا
فيقولون ﴿خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا﴾ حلال للذكور، ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا﴾ على الأزواج: على النساء
وهنا تأملوا قوله إن قوله سبحانه: ﴿خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا﴾، جاء بالتأنيث، ثم قال: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا﴾، فلفظ ﴿مَا﴾ مذكر ﴿مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾، هذا مذكر
فقالوا: ﴿وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ هذا باعتبار ما جاء وهو محرم
ولكن ﴿وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ وهو من الأنعام فيستعمل معه المؤنث باعتبار المعنى، فهنا قدم باعتبار المعنى، ثم بعد ذلك باعتبار اللفظ
قال: ﴿وَإِن يَكُن مَّيْتَةً﴾ والقراءة الأخرى ﴿وَإِن تَكُن﴾ ﴿وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ إذا كانت ميتة يأكلها الجميع، الذكور والإناث، أما إذا ولدت حية؛ إذا خرجت أو ولد ما في بطن الأجنة، إذا خرج وكان حيا فإنه حلال للذكور فقط دون الإناث، من أين أتوا بهذا؟
قال: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
وتأمل تكرر هذين الوصفين في سورة الأنعام، تجد هذا متكررا أيضًا في السورة الكريمة، فالله سبحانه الإله الحق، وهو العليم، وهو الحكيم سبحانه وتعالى
﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾
فوائد من هذا الدرس
- يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ…
- إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ…