مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الأنعام — الجزء 4

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 292 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قوله﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله ﴿وَمَا قَدَرُوا۟﴾؟ من هؤلاء الذين لم يقدروا الله حق قدره؟ اختلف المفسرون في ذلك اختلافًا كبيرًا وتعددت الروايات في ذلك

فمن قائل يقول: أنهم المشركون، ويستدل لذلك بسياق الآيات، فإنَّ الآيات السابقة كان الحديث فيها عن المشركين، بل إن عموم سورة الأنعام تتحدث عن المشركين، والسورة مكية بإجماع كما تقدم

وبناء عليه فقالوا إن قوله ﴿وَمَا قَدَرُوا۟﴾ أي: وما عظم المشركون الله حق تعظيمه، وهذا ما اختاروه هنا في التفسير.

إذا ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ هذا بيان أن المشركين لم يعظموا الله حق تعظيمه، لكن أورد على هذا القول أن الله عز وجل رد عليهم، فقال: ﴿إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ رد عليهم فقال: ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ والمشركون لا يقرون بموسى عليه السلام، ولا بالكتاب الذي أنزل عليه، فكيف يحتج عليهم بهذا؟ رب العزة رد على المشركين حينما زعموا قائلين ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ فرد الله عليهم ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ وهؤلاء المشركون لا يؤمنون بموسى عليه السلام ولا بالكتاب المنزل عليه، فكيف يحتج عليهم بهذا؟

لذلك قال جماعة من المفسرين بل إن المراد بهم: اليهود، فالحديث هنا عن اليهود، فالمعنى ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ﴾ أي: وما قدر اليهود الله حق قدره ﴿إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ وهم يقصدون بذلك نفي رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فحينما قالوا كلاما متناقضًا، فقالوا ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ بهذه الكلية السالبة؛ لأن قولهم ﴿مَآ﴾ هذا نفي، هذا يقال له في علم المنطق، ولذلك بعضهم استخرج من ذلك القياس المشهور في ذلك، وهو أن القضية جاءت سالبة كليًا، يقولون ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ لم ينزل الله على بشر أي شيء أو شيئًا.

فهم ينفون إنزال شيء على رسول أو على نبي من عند الله سبحانه، فرد الله عليهم ﴿شَىْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ﴾ لأنهم يقولون إن السالبة الكلية تُنْقَضُ بالموجبة الجزئية، يعني حينما يقال ﴿مَآ﴾ كما قالوا هنا ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ فرد الله ﴿مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ والمعنى: موسى نزل عليه كتاب، وإذا ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتْلُوا۟ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا۟ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَـٰرُوتَ وَمَـٰرُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ ۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَـٰقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا۟ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ موسى كتاب، فلا يصح هذا النفي بهذه الكلية؛ لأن مقتضى قولهم ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ أنه لم ينزل توراة ولا إنجيل ولا زبور، فإذا ثبت نزول شيء ولو كان واحدًا انتقضت هذه الكلية السالبة، فهذا هو نقضها،

* لكن قد يقول قائل: هم يقرون بموسى عليه السلام ويقرون بالتوراة، وبناء عليه فكيف ﴿قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾؟

فأجيب عن ذلك بأن هذا من تناقض اليهود؛ لأن اليهود مشهورون بالتناقض يقولون القول وينقضونه، فكأنهم قالوا ابتداء ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾، ونسي هؤلاء أنهم يقرون بنبوة موسى فكان الرد عليهم إذًا هل تنكرون نبوة موسى؟ هل تنكرون نزول الكتاب التوراة؟ فإذا كنتم لا تنكرون التوراة وهي منزلة من عند الله، فكذلك القرآن منزل من عند الله فما الفرق إذًا؟

ولكن يرد على هذا أيضًا أن الله بعدها قال ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ﴾ فقالوا ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ﴾: هذا في حق المشركين؛ لأن المشركين لا يعرفون وحيًا، فإذًا هذا في حق المشركين، ولا يقال في حق اليهود ﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ﴾ لذلك ورد إشكال كبير في فهم ذلك، والكلام في ذلك يطول ليس هذا مقامه

لكن من الأقوال التي اختارها بعض العلماء: أنه يحتمل أن يدخل الفريقان في الآية الكريمة، فيكون المعنى وما قدر المشركون ولا اليهود الله ﴿إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ إلى آخر الآية، ولا يلزم أن يكون الجميع قد قالوا أو قيل فيهم هذا الذي ذكره الله عز وجل في الآية من أولها إلى آخرها، وإنما يقال في حق بعضهم شيء، ﴿وَقِيلَ﴾ في بعض بعضهم شيء، فقيل في اليهود شيء ﴿وَقِيلَ﴾ في المشركين شيء، وعرف ذلك بالسياق.

وكتقريب للمثال في قول الله سبحانه ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾وهذا مضى معنا في سورة البقرة ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ﴾ فقوله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾هذا خطاب للمسلمين،خطاب للمؤمنين ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا۟ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓا۟ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ هُزُوًا ۚ وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعني: انقضت عدتهن ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ هل الذي طلق هو الذي يقال له لا تعضل؟ هو يريد أن يعاودها بعد أن انقضت عدتها.

لذلك اختار كثير من المفسرين أن يكون المعنى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأزواج ﴿ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأولياء، الخطاب صار لولي الأمر

" إذا طُلقت المرأة وانقضت عدتها وأراد زوجها أن يتزوجها من جديد، ولم يكن الطلاق طلاقا بائنا بينونة كبرى، فيقال لولي أمرها لا تمنعه"

الشاهد أن الخطاب ﴿طَلَّقْتُمُ﴾: أريد به الأزواج، وقوله ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أريد به الأولياء مع أنَّ هذا غير مذكور في الآية، لكن فهم هذا من سياق الآية فيقال أيضًا في هذه الآية أن قوله ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ للمشركين واليهود، كل بحسبه وهذا قول له وجاهته والعلم عند الله تبارك وتعالى

قال ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ فهنا كما قلت موجبة جزئية، فهي تنفي هذه السالبة الكلية التي زعموها.

قال ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ وهذا من الذي صنعه؟ اليهود فهم الذين جعلوا التوراة قراطيس أي: دفاتر، ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ يعني يظهرون منها ما يوافق أهواءهم ويكتمون ما يخالفها، كصفة محمد صلى الله عليه وسلم.

والقراءة الأخرى ﴿قَرَاطِيسَ يُبۡدُونَهَا وَيُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ﴾ وهنا جاء بالخطاب ﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾

﴿وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ﴾ قالوا هنا: وعلمتم أنتم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ العرب من القرآن ﴿مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ﴾ أسلافكم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، كقوله ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ وفي الأخرى ﴿مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ هذا يكون في حق المشركين.

قال ﴿قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ ما معنى ﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾؟ هنا السؤال في أول الآية ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ جاء الجواب:﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾، إذًا هنا تقدير، أي: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله أنزل، إذا ﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾ هذا جواب لقوله ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ فجاءت الإجابة ﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾ أي: "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله أنزل الكتاب الذي جاء به موسى" أو "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله هو الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى" وبناء عليه فكلمة ﴿ٱللَّهُ﴾ لها خبر،أي: الله أنزل الكتاب،

* وبعض الناس أخذ من هذا التعبد لله سبحانه وتعالى بكلمة الله منفردة، فيسبح الله قائلا،وفيذكر الله قائلا الله بدعوة أن الله قال ﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾.

وهذا فهم خطأ للآية الكريمة، فإنَّ قوله ﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾ معها تقدير، أي: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله أنزل، ثم إن قولنا "الله، الله" ماذا تقول عن الله؟ أين الثناء عليه؟ هل تقول سبحان الله، فأنت تسبحه؟ هل تقول الحمد لله، فأنت تحمده؟ ولله المثل الأعلى إذا تكلمنا فيما بيننا فذكرنا اسم فلان ولم نتبعه بمدح ولا بثناء ولا بذم يقال هذا مجرد إخبار، أين الثناء عليه؟ ولله المثل الأعلى إذا قيل الله إذًا الله أكبر، الحمد لله، سبحان الله، وما إلى ذلك ثم إن هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك معروف، ولم يثبت عنه أنه كان يذكر الله سبحانه وتعالى باسمه جل وعلا منفردًا، وإنما يقوله مقترنًا بتهليل أو بتكبير أو تسبيح أو بحمد.

﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ قد أقمت عليهم الحجة فاتركهم في خوضهم يلعبون، جمعوا بين الشبهات والشهوات، تقدم معنا أن الخوض يدل على الشبهات، وأن اللعب يدل على فتنة الشهوات.

﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾

﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ﴾ في القرآن الكريم يتكرر اقتران ذكر القرآن بالتوراة، فتجد إذا ذكرت التوراة اتبعت بالقرآن ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ﴾، ثم قال ﴿وَهَـٰذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَـٰهُ﴾ وفي سورة الإسراء قال الله سبحانه ﴿وَءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلْنَـٰهُ هُدًى لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ ثم بعدها بآيات ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ﴾ هذا من عادات القرآن الكريم، أنه يذكر التوراة ويذكر القرآن الكريم

قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فهو كتاب مبارك، مبارك في ألفاظه، مبارك في معانيه، مبارك في الخيرات التي تعود على الناس به، فالقليل مع القرآن يكون كثيرًا؛ لذلك من أخذ بالقرآن بورك له في صحته، بورك له في ماله، بورك له في أولاده، بورك له في وقته بركة لا يعدلها بركة، وقد تحدثت في خطبة كاملة عن بركة القرآن.

قال الله سبحانه ﴿مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما معنى ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ هنا؟ أي: الكتب السابقة، فبين يديه هنا: الكتب السابقة بقرينة السياق

﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أم القرى: وهي مكة ومن حولها ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ﴾ قالوا هنا: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾: وسائر الناس في مشارق الأرض ومغاربها، إذا هذا هو معنى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾؛ لأن بعض الناس أتى بهذه الآية وأورد إشكالا وقال إن دعوة الرسول دعوة محلية، دعوة الخاصة، واستدل بالآية ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.

فيجاب عن ذلك يقال: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ يدخل في جميع الأمصار والأقطار والبلاد، إذا هذا رد.

الرد الثاني أن الله قال هنا ﴿وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وسكت عن بقية البلاد، ولكن جاءت الآيات الأخرى مصرحة بذلك ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِۦ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيرًا﴾، ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ فيكون بقية البلاد من المسكوت عنه، إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن قوله ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ القريب منها، ولكن المنطوق جاء بأنه رسول إلى الناس كلهم، فحينئذ لا مناص عن ذلك، والله أعلم.

ثم إننا نقول أن من صحح دعوة الرسول لأمة خاصة، فصحح أنه رسول وأنه نبي، كما قال بعضهم هو نبي لكن للأميين فقط أو للعرب، نقول وهل النبي يكذب؟ لا يمكن أن يكذب، وإذا اعترفت أنه نبي هو يقول أنه للجميع، إذا يثبت أنه للجميع صلوات الله وتسليماته عليه.

قال ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾.

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ﴾

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ وقد مضى معنى هذا الأسلوب قريبا ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ تقدم الكلام فيه وذكرنا كلام العلماء: "لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا"، أو "لا أحد في جانب الافتراء أظلم ممن افترى على الله كذبا"، أو "أن هذا في موصوف وهم الكفار"

﴿كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ﴾ ادعى أنه يوحى إليه، ويلحق بذلك هؤلاء الذين يزعمون أن بينهم وبين الله صلة مباشرة، وأنهم لا يحتاجون إلى رسالة ولا إلى نبوة وأنهم يأخذون من الله مباشرة بوحي، كيف يكون هذا؟ هذا من الكذب الصراح.

قال ﴿وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ معاذ الله.

قال ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ﴾: شدة الموت ﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ﴾أي: بالتعذيب والضرب ﴿أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ﴾ ولذلك في الآية الأخرى ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ﴾

﴿أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ﴾

استدل بعض العلماء بهذه الآية على عذاب القبر؛ لأن قوله ﴿ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ﴾وهذا عند خروج الروح، وهذا يكون عقب الموت وقبله، فقالوا: يستدل بذلك على عذاب القبر، وهو وإن لم يكن صريحا في ذلك، لكن هناك أدلة أخرى دلت على ذلك، كما سبق في موضعها.

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

قال الله ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ﴾ أي: يقال لهم يوم البعث، فهذا حديث عن يوم البعث، أي: يقال لهم، كما قالوا هنا في التفسير: ويقال لهم يوم البعث....

﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ﴾ يعني ما أعطيناكم ومنحناكم ﴿وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ولذلك ذهب المتاع وذهب النعيم

قال الله سبحانه ﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ولذلك جاء في الحديث: يقول الإنسان أو يقول ابن ءادم: (مالي، مالي)، (وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت)

قال الله سبحانه ﴿وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟﴾

أين الأصنام؟ وأين الآلهة؟ أين هي؟ لماذا لا تدفع عنكم ضرا؟؟وتجلب لكم نفعا؟ قال﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ أي: لقد تقطع الوصال بينكم، أو تقطع وصل بينكم، على حسب التقدير في هذا

وأما على قراءة من قرأ ﴿بَيۡنُكُمۡ﴾، ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾، فيكون البين بمعنى الوصال، وحينئذ تكون كلمة "البين" من الأضداد، تستعمل في معنى البين وهو الفراق، وتستعمل في معنى الوصال.

﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾

من فوائد الآيات:

* إنزال الكتب على الأنبياء هو سنة الله في المرسلين والنبي صلى الله عليه وسلم واحد منهم.

* أعظم الناس كذبا وفرية هو الذي يكذب على الله تعالى، فينسب أو ينفي ويثبت في حق الله تعالى أمرًا ليس عليه دليل صحيح.

* كل أحد يبعث يوم القيامة فردًا متجردًا عن المناصب والألقاب فقيرًا، ويحاسب وحده.

قال الشيخ حفظه الله:

* إنزال الكتب على الأنبياء هو سنة الله في المرسلين والنبي صلى الله عليه وسلم واحد منهم، ولذلك قال ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ﴾ يعني أن الذي يزعم أن الله لا ينزل كتبًا على رسله، فهذا لم يقدر الله حق قدره، ولذلك فالرسالات والكتب من دلائل رحمة الله سبحانه وتعالى، فهو إذ خلق الخلق لم يتركهم هملا، وإنما وضع لهم المنهج وأنزل الكتب؛ لتُقِيمَ عليهم الحجج، ولتنير لهم الطريق الذي يسلكونه ويتبعونه، وأيضًا فالنبي صلى الله عليه وسلم واحد منهم، وكما قال ﴿قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ﴾ فهو كذلك صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه القرآن.

*أعظم الناس كذبا وفرية هو الذي يكذب على الله تعالى فينسب أو ينفي أو يثبت في حق الله تعالى أمرًا ليس عليه دليل صحيح ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾.

* كل أحد يبعث يوم القيامة فردًا متجردًا عن المناصب والألقاب فقيرًا، ويحاسب وحده ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾

انتقلت بنا الآيات الكريمة إلى الحديث عن بعض دلائل قدرة الله سبحانه وتعالى، ودلائل استحقاقه للإلهية عز وجل، فقال سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ﴾ فهو وحده الذي يشق الحب فيخرج منه الزروع، ويشق النوى فيخرج منه الشجر، سبحانه وتعالى القادر على كل شيء فالق الحب والنوى

قال: ﴿يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ﴾ وتقدم معنا في التفسير قريب من هذه الآية في إخراج الحي من الميت وإخراج الميت من الحي، فللعلماء في ذلك أقوال:

من ذلك ما قالوه هنا: إذ يخرج الإنسان وسائر الحيوان من النطفة، فالنطفة هي الميتة، والإنسان هو الحي، فهنا إخراج الحي وهو الإنسان وسائر الحيوان من النطفة الميتة

﴿وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ﴾ قالوا: إذ يخرج النطفة من الإنسان أي: يخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي، ويخرج البيضة أيضًا من الدجاج إلى غير ذلك.

وبعضهم جعل هذا على سبيل المجاز فقالوا: يخرج من المؤمن الكافر، ويخرج من الكافر المؤمن، فقد يولد المؤمن من الكافر وكذا العكس

قال الله سبحانه: ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ﴾ ذلكم الله وحده سبحانه وتعالى لا إله غيره ﴿فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ كيف تصرفون عن الحق؟ مع ما تشاهدونه من بديع صنعه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون

ثم قال ﴿فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾

﴿فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ﴾ أي: يشق ضوء الصباح من ظلمة الليل

قال ﴿وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا﴾ للسكون والراحة فيه

قال ﴿وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ قالوا هنا أي: يجريان بحساب مقدر، وهذا معنى ﴿حُسۡبَانٗاۚ﴾ كقوله سبحانه وتعالى ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5] فالمراد بذلك أي: بحساب مقدر، وكما قال: ﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ﴾ [يس: 38-39] فقال هنا ﴿حُسۡبَانٗاۚ﴾ أي: بحساب مقدر، ﴿ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5]أي: بتقديرٍ، سبحانه وتعالى قدره

﴿ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ أي: هذا التقدير تقدير العزيز الذي لا يُغلب، والعليم بكل شيء سبحانه وتعالى

﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾

قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾ وقد تقدم أن للنجوم عدة فوائد، منها ما ذكر الله عز وجل هنا: لتهتدوا، كما قال ﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ ۚ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16]

قال ﴿قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾

﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ قالوا: أي: خلق لكم

قال: وهو ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، هي نفس أبيكم آدم؛ إذًا من المراد بالنفس الواحدة هنا؟ آدم عليه السلام

قال ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أي: وخلق لكم ما تستقرون فيه كأرحام أمهاتكم، ومستودعا تستودعون فيه كأصلاب آبائكم، ولذلك الذي عليه أكثرون من المفسرين أن "المستقر" المراد به: أرحام النساء، وأن "المستودع" أي: أصلاب الرجال

وقوله ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ فيها القراءتان ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ يعني موضع استقراء، ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾: يعني هذا الجنين يستقر في هذا الرحم

﴿قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ ولما كان هذا الدليل فيه شيء من الحاجة إلى الدقة وإلى الفطنة، ختم الآية بقوله يفقهون، وما قبله قال يعلمون، وهذا تدرج؛ لأن الفقه أخص من مطلق العلم

﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّـٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ وتلاحظون الأسلوب التقريري "وهو الذي أنزل" "وهو الذي أنزل" هكذا تتكرر الآيات لتقرر هذا

قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا﴾ يعني يركب بعضه بعضًا كما يقع في السنابل.

قال ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا﴾ أي: من طلع النخل قنوان دانية وخص الطلع لأنه أشهى وأجمل منظرًا وطعمًا

قال ﴿قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ﴾ أي: قريبة ﴿وَجَنَّـٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾ على ما عطف قوله وجنات؟ هنا ﴿وَجَنَّٰتٖ﴾ معطوفة على ﴿نَبَاتَ﴾، ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ أي: بالمطر، بالماء جنات، فقوله﴿وَجَنَّٰتٖ﴾ معطوفة على ﴿نَبَاتَ﴾، من باب عطف خاص على العام

قال ﴿وَجَنَّـٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ﴾

وتلاحظون يا أيها الإخوة الكرام أن الله عز وجل إذا ذكر التمر فإنه يذكر شجرته وهي النخل، وإذا ذكر الأعناب فإنه يذكر الثمرة وهي الأعناب ولا يذكر الشجرة؛ لذلك يعطف الأعناب على النخل.

والمعنى في ذلك -والله أعلم- أن شجرة الأعناب ليست مرادًا وإنما المنَّة في الأعناب نفسها، فلذلك تُذكر الأعناب، وأما التمر فلا يقتصر عليه، وإنما يذكر النخل؛ لأن النخلة يستفاد من كل شيء فيها، فلما كان النفع بالنخل أعم وأكثر ذكر النخل، وأما الأعناب لما كانت هي المقصودة ذكرت الأعناب.

قال ﴿وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ﴾قالوا هنا: متماثلًا ورقهما ومختلفًا ثمرهما، يحتمل أن ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ﴾ أي: في الزيتون على حدة، وفي الرمان على حدة، فمع تشابه بعض الزيتون مع بعض إلا أن الطعم يختلف

أو أن يكون ﴿وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ﴾ مُتَشَٰبِهٍ، وإن كان بين الشجر، أي: بين شجر الزيتون والرمان شيء من ذلك، وعدم تشابه في ذلك لكن الطعم مختلف، فالتشابه في الورق لكن الاختلاف فيه في الطعم

قال ﴿وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ﴾

قال ﴿ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ﴾ يعني حين ينضج، كم فيه من منظر جميل تحبون أن تروه؟ فمن الذي أنعم عليكم بذلك؟ إنه الله سبحانه ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾

﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَـٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ﴾

ثم نعى الله على هؤلاء المشركين فقال ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ أي: وصيروا ﴿لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾.

وأصل الكلام "وجعلوا لله الجن شركاء"، لكنه قدم كلمة "شركاء"؛ لأنَّها أهم، ويُبدأ بما هو أهم كما هو معروف؛ لأن المعنى ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ﴾، فلم يقل وجعلوا لله الجن شركاء؛ لئلا يتوهم أن الأشكال وارد لأنهم جعلوا الجن شركاء، ولو جعلوا غير الجن شركاء ما كان هناك إشكال، فهذا مرفوض وهذا مرفوض، فكل شريك لله مرفوض، ولكن قدم كلمة شركاء لأن هذا موضع الذم، وهو أن جعلوا لله شركاء

◂ وبعضهم يقول إن كلمة ﴿ٱلْجِنَّ﴾ بدل من قوله ﴿شُرَكَآءَ﴾

إذًا إما أن نقول أن ﴿ٱلْجِنَّ﴾ هو المفعول الأول ﴿شُرَكَآءَ﴾ الثاني وقدم لأهميته، أو أن قوله ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ﴾ ماذا جعلوا؟ ﴿ٱلْجِنَّ﴾

ثم قال ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾، كيف تكون الجن آلهة؟ وكيف تكون الجن شريكة لله؟ مع أنَّ الجن مخلوقة مقهورة من الله سبحانه

﴿وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَـٰتٍۭ﴾ أي: اختلقوا واخترعوا له بنين وبنات ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ﴾

﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾

﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ فهو خالقهما على غير مثال سابق ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌ﴾ كيف يكون؟ ومِن أين يكون له ولد؟ ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌ﴾ أي: وما كانت له صاحبة، وإذا لم تكن له صاحبة فلا يكون له ولد؛ فلذلك إذا انتفى السبب وهو عدم وجود زوجة، انتفى ما يترتب عليه وهو وجود ولد.

قال ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ فالكل مخلوق له فكيف يكون ولدا له؟ فكيف يكون له ولد سبحانه وتعالى؟.

قال ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ولم يقل ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ۖ وَهُوَ﴾ به عليم، لكنه قال ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهذا كما يقال من وضع الظاهر في موضع مضمر فكرر كلمة كل شيء.

وأيضًا في قوله﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ﴾ احتراس بديع جليل؛ لأنه لما قال ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ قد يظن ظان إذًا يخفى عليه علم بعض هذه الأشياء لكثرتها

فقال ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو خالقها، وهو العليم بها ولا يخفى عليه شيء من أمرها، سبحانه عز وجل

من فوائد الآيات:

* الاستدلال ببرهان الخلق والرزق: تخليق النبات ونموه، وتحول شكله وحجمه، ونزول المطر، وببرهان الحركة: حركة الأفلاك، وانتظام سيرها وانضباطها، وكلاهما ظاهر مشاهد على انفراد الله سبحانه بالربوبية واستحقاق الألوهية

* بيان ضلال وسخف عقول المشركين في عبادتهم للجن

قال الشيخ حفظه الله:

* الاستدلال ببرهان الخلق والرزق: تخليق النبات ونموه، وتحول شكله وحجمه، ونزول المطر، وبرهان الحركة: حركة الأفلاك، وانتظام سيرها وانضباطها، وكلاهما ظاهر مشاهد على انفراد الله عز وجل واستحقاق الألوهية؛

تقدم مرارا يا أيها الإخوة الكرام أن القرآن الكريم دلنا على وحدانية الله سبحانه ببراهين عقلية فالقرآن نفسه حدث العقل أو وجه العقل إلى النظر والاعتبار، فمن أراد النظر والتأمل فليتأمل في آيات القرآن وفي دلائله

فمن ذلك: برهان الخلق والرزق، فالذي خلق ورزق هو الله، ومن خلقه كذا وكذا، ومن رزقه كذا وكذا، إذًا هو المستحق للعبادة، فمن ذلك ما قال ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ وأيضا قوله ﴿فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ﴾ إلى غير ذلك وأيضا الرزق ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ إلى آخر الآية

وأيضا حركة الأفلاك: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا﴾وقبلها ﴿وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾بحساب مقدر، فهذا كله يدل على إلهية الله سبحانه وتعالى

قال بيان ضلال وسخف عقول المشركين في عبادتهم للجن؛ لذلك قالوا ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ فقوله ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ تقبيح وتشنيعة على صنيعهم، كيف تسوون بين الخالق والمخلوق؟ ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾

قال الله ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾

ذلكم الله ربكم الذي هو بديع السماوات والأرض، والذي خلق كل شيء، والذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا والذي هو بكل شيء عليم، ذلكم الله ربكم.

هذه الآيات كما ترون حجج واضحة جلية على إثبات إلهية الله وبطلان ما عليه أهل الشرك.

﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَٱعْبُدُوهُ﴾ فالله خالق كل شيء وهذا من دلائل ربوبيته، وإذا كان ربنا سبحانه خلق كل شيء، فكذلك لا ينبغي أن يعبد إلا هو سبحانه.

فقال ﴿فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ فهو على كل شيء حفيظ سبحانه.

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾

﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾: يعني لا تحيط به الأبصار، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾يحيط بها، ﴿وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾

والآية الكريمة لا تدل على نفي رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة؛ لأن الله لم يقل لا تراه الأبصار، وإنما قال ﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾، وفرق بين الإدراك والرؤية، فإنَّ الإدراك أخص من الرؤية، فأنت قد ترى الشيء ولا تدركه، يعني لا تحيط به، ولذلك قال الله ﴿فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: 61] فأثبت لهم الترائي، ونفى الإدراك، فأنت ترى القمر ولا تحيط به، ولله المثل الأعلى، فربنا قال ﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾يعني لا تحيط به ولم يقل لا تراه الأبصار

وقد جاءت الأدلة الأخرى تدل على إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، كقوله سبحانه ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23] والأدلة في ذلك كثيرة جدًا من الكتاب والسنة.

بل يقال أن الله لما قال ﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ فنفي الخاص أو الأخص، دل على ثبوت العام؛ لأن الأولى في ذلك لو كانت الرؤيا منفية أن يُنفى بالعام فيقال لا تَرى، فلما قال ﴿لَّا تُدْرِكُهُ﴾ إذًا لم ينفِ العام وهو الرؤية، وإنما نفى الإدراك

فقال ﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ سبحانه وتعالى يحيط بها ﴿وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ واللطيف من معناه: الذي يعلم الدقيق الخفي، وهنا يناسب لقوله وهو يدرك الأبصار

وأيضا ﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ فالأبصار لا تراه، مع أنَّ دلائله واضحة وجلية، لكن الله سبحانه وتعالى غَيْب عنا.

وأيضا ﴿ٱللَّطِيفُ﴾: الرفيق بعباده سبحانه وتعالى.

وهناك قول في معنى ﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ﴾ حملَ هذا على الدنيا، وأما في الآخرة فإنَّ المؤمنين يرون ربهم كما جاءت بذلك الأدلة.

﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾

ثم قال ﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ﴾ حجج واضحة جلية، وهي بصائر للقلوب ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا﴾ من أبصر فلنفسه هو المستفيد، ومن عمي فعليها يضر نفسه.

﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ الذي يقول "وما أنا عليكم بحفيظ" هو الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مع أنه ما جاء في الآية هنا "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾"، لكن هذا معلوم من السياق؛ لأن بعض الناس طعن في القرآن، فقال: القرآن فيه أدلة على أنه ليس من عند الله؛ لأنه في بعض المواضع جاء الخطاب من الرسول مباشرة أو الكلام من الرسول؛ لأن الله لا يقول "وما أنا عليكم بحفيظ"، كيف وقد قال قبل ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾؟ فقلنا أن "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾" هنا مقدرة، أي: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ وكثيرًا ما يأتي تقدير القول بما يدل عليه السياق، فحينئذ يرتفع الإشكال ولا إشكال والحمد لله.

قال ﴿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

أيطعن هؤلاء في دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون له درست، أي: درست عن أهل الكتاب وتعلمت على أيديهم كقوله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ﴾

فمعنى ﴿دَرَسْتَ﴾: على يد أهل الكتاب،

والقراءة الأخرى ﴿دَارَسۡتَ﴾ أيضًا من المدارسة.

والقراءة الأخرى وليقولوا ﴿دَرَسْتَ﴾، أي: محيت هذه، ومع ذلك فأنت تدعي النبوة، فنحن لا نصدق بدعوتك

﴿وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

﴿ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾

اتبع يا رسول الله مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ﴿لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾

﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾

﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟﴾ فالله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء

ولا يستدل بقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟﴾ على ما يصنع المشركون إذ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا، فإنَّ الله رد عليهم كما سيأتينا أيضًا في هذه السورة المباركة.

﴿أَنَّمَا﴾ في قول ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني يا رسول الله بلغ الرسالة وأد الأمانة ولا عليك، فإنَّ هدايتهم بيده سبحانه وتعالى، وأمره نافذ فيهم ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾

ولذلك لا يستدل بهذا أي: بقدر الله سبحانه على المعايب، فيترك الإنسان الإيمان ويشرك بالله بدعوى أن ذلك مقدر، يقال له هلا أخذت بالأسباب، وهلا آمنت بربك سبحانه وتعالى؟

قال ﴿وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ لست رقيبًا تحصي عليهم الأعمال، وما أنت عليهم بوكيل ﴿أَنَّمَا﴾ عليك البلاغ

﴿وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

ثم قال الله: ﴿وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ نهى الله سبحانه وتعالى عن هذا السب فقال وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لا تسبوهم مع أنهم يدعون ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ وهم أهل للسب بسبب ما يصنعون، ولكن مع ذلك فلا تسبوا هؤلاء ﴿تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ ولا تسبوا تلك الأصنام التي يعبدها المشركون،

لماذا؟ ﴿فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لأنهم قد يكافئونكم ويجازونكم بسب إلهكم الحق وهو الله سبحانه وتعالى، فمن باب سد الذريعة لا تسب آلهة المشركين حتى لا يسبوا إلهنا الحق

ولذلك استدل العلماء بهذه الآية أو استدل كثير من العلماء بهذه الآية على أصل كبير وهو أصل سد الذرائع

فلما كان سب آلهة المشركين يفضي إلى سب الإله الحق، مُنع المؤمنون من سب آلهة المشركين لئلا يسب الله سبحانه وتعالى، وهذا أصل كبير وعليه أدلة كثيرة

ونطلب منكم أن تذكروا لنا ثلاثة من الأدلة فيها الدلالة على هذا الأصل وهو سد الذرائع.

ثم قال الله ﴿كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ فيزين لكل أمة العمل الذي تعمله، ثم يجازى كل بما عمل

وهنا قال ﴿زَيَّنَّا﴾ فنسب التزيين إليه، وفي بعض الآيات "وزين لهم الشيطان أعمالهم"، فنسبته إلى الله؛ لأن الله هو الخالق المقدر، ونسبته إلى الشيطان لأنه السبب في ذلك، ولا تعارض

﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هكذا يزعمون، فرد الله ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ ومن الآيات التي أرادوها تلك الآيات التي اقترحوها

﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ مما اقترحوه، فإنهم سيؤمنون، فقال الله ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

لأنه قد يقول قائل أو كأن المؤمنين يقولون: يا ربنا إذا كان الأمر كذلك فأجبهم إلى ما يريدون، لبِّ لهم رغبتهم، وأنزل الآيات التي اقترحوها.

فقال الله ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾أي: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمن ﴿أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، هؤلاء مستمرون على غيهم، حتى وإن نزلت الآيات ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾.

ومن لطف الله أنه لم يعجل من نزول الآيات؛ لئلا تعاجل لهم العقوبة، أو لئلا تنزل عليهم العقوبة، وبهذا يرتفع الإشكال، ولذلك أحسنوا هنا في التفسير إذ قالوا: وما يدريكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون فجعلوا الخطاب للمؤمنين؛ لأن الآية ورد فيها اختلاف كثير في التفسير

ومنهم من يرى أن "لا" هنا صلة، ويقول أصل الكلام: "وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون" ولكن الأقرب ما قالوه هنا: وما يشعركم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون ﴿أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وفيها القراءتان ﴿أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يعني وما يشعركم إيمانهم؟ "لا يتأتى أنها إذا جاءت لا يؤمنون".

﴿وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

ثم قال ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يعني نحول بينهم وبين الاهتداء للحق.

﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كما حُلنا بينهم وبين الإيمان بالقرآن أول مرة، فكما أنهم لم يوفقوا للإيمان أول مرة لا يوفقون له بعد ذلك.

وبعض العلماء استفاد من ذلك أن العبد عليه أن يبادر بالاستجابة؛ لأنه إذا أعرض أول مرة عساه لا يوفق بعد ذلك ﴿كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ولم يؤمن به أول مرة فلم يوفق له بعد ذلك، ولذلك بعضهم جعل الكاف للتعليل، هنا جعلوها للتشبيه وهذا أحد الوجهين؛ لذلك قالوا "كما حُلنا".

وهناك من قال كما أي: لأنهم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فلماذا قلب الله أفئدتهم وأبصارهم وجعلهم لا يوفقون؟ لأنهم ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.

قال ﴿وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.

من فوائد الآيات:

* تنزيه الله تعالى عن الظلم الذي ترسخه عقيدة الجبر، وبيان أن كفر العباد وشركهم أمر يحدث باختيارهم.

* ليس بمقدور نبي من الأنبياء أن يأتي بآية من عند نفسه أو ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ شاء، بل ذلك أمر مردود لله تعالى فهو القادر وحده على ذلك، وهو الحكيم الذي يقدر نوع الآية ووقت إظهارها.

* النهي عن سب آلهة المشركين حذرًا من مفسدة أكبر وهي التعدي بالسب على جناب رب العالمين.

* قد يحول الله سبحانه وتعالى بين العبد والهداية ويصرف بصره وقلبه على غير الطاعة؛ عقوبة له على اختياره الكفر.

قال الشيخ حفظه الله:

*تنزيه الله تعالى عن الظلم الذي ترسخه عقيدة الجبر وبيان أن كفر العباد وشركهم أمر يحدث باختيارهم، فمع أن الله قال ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ إلا أن الله أثبت أن هؤلاء وقع منهم شرك، ولذلك قال ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فهم أيضًا لا يقبلون على الإيمان، فلذلك لا يوفقون إليه، كما قال الله ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓا۟ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ [الصف: 5].

*ليس بمقدور نبي من الأنبياء أن يأتي بآية من عند نفسه أو ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ شاء، بل ذلك أمر مردود لله تعالى فهو القادر وحده على ذلك، وهو الحكيم الذي يقدر نوع الآية ووقت إظهارها؛ ولذلك قال ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ﴾.

*النهي عن سب آلهة المشركين حذر من مفسدة أكبر وهي التعدي بالسب على جناب رب العالمين ﴿وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.

*قد يحول الله سبحانه وتعالى بين العبد والهداية ويصرف بصره وقلبه على غير الطاعة؛ عقوبة له على اختياره الكفر، ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهذه الفائدة يناسبها أن تكون الكاف للتعليل، وهذا أحد القولين، والقول الثاني أنها للتشبيه.

ونقف عند هذا الحد، ونسأل الله العون والتوفيق، هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فمرحبا بكم يا أيها الإخوة الكرام مع مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، وما زلنا مع التعليق على سورة الأنعام؛

﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾

قال الله سبحانه: ﴿۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾

بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى دأب هؤلاء في الإعراض عن دعوة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وأنهم يقسمون كاذبين ﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فرد الله ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

ثم إن الله سبحانه وتعالى بين حقيقة أمرهم، فقال: ﴿۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أي: لو أننا فعلنا ما أرادوا من الآيات المقترحة التي اقترحها المشركون وطلبوها من الرسول الكريم على سبيل التعنت

﴿۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ أي: أجبناهم إلى طلبهم حينما طلبوا أن يَنزل عليه ملك، فقال ﴿وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ والموتى كلموهم وأخبروهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق، وليس هذا فحسب

﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا﴾جمعنا لهم كل شيء يريدونه، وكل شيء كانوا يطلبونه ﴿قُبُلٗا﴾ يعني: عيانا يرونه، والقراءة الأخرى توضح هذا ﴿قِبَلٗا﴾

﴿۞ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾: يعني معاينة، وقُبلا كما في القراءة معنى أيضًا جمع قبيل، يعني أفواجا، كقوله ﴿إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ وجاء: ﴿أَوْ تَأْتِىَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ قَبِيلًا﴾، فسواء أكان المعنى معاينة أم كان المعنى جماعات وأفواجا، فإنهم مع ذلك ﴿مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾.

﴿وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ فالمهتد هداه الله؛ ولذلك المهتدٍ تكفيه آية يسمعها من كتاب الله، ولا يتعنت ولا يطلب غير ما يسر الله سبحانه وتعالى إنزاله ﴿مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ﴾ تقدم مرارا أن قوله ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أو كلمة كذلك تتكون من: كاف التشبيه، ومن كلمة "ذلك" اسم الإشارة، فيكون هناك تشبيه، هناك مشبه به ومشبه، وهنا قال "وكذلك"، فقالوا هنا في التفسير: وكما ابتليناك بمعاداة هؤلاء المشركين لك، ابتلينا كل نبي من قبلك

إذًا ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا﴾ يعني: كما وقع لك،وكما ابتليناك، ﴿جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ﴾ فالمراد بذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يأتسي بالأنبياء من قبله، وهو ليس بدعا من الرسل، فلئن كان له أعداء من شياطين الإنس والجن، فإنَّ الأنبياء من قبله كان لهم أعداء أيضًا، فقال: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا﴾ ثم بين فقال: ﴿شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ﴾

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا﴾ الوحي هنا المراد به: الوسوسة، ودلالة ذلك ذكر شياطين الجن، والذي يفعله شيطان الجن هو الوسوسة، فقال: ﴿يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا﴾أي: يوسوس بعضهم لبعض، فيزينون لهم الباطل ليخدعوهم.

قال الله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ لو ﴿شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾، وما استطاعوا أن يزخرفوا القول، ﴿وَلَآ أَن﴾ يغروا الناس.

قال: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ اتركهم يفترون من الكفر والباطل ولا تعبأ بهم.

﴿وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾

ثم قال: ﴿وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾

﴿وَلِتَصْغَىٰٓ﴾ أي: لتميل إليه، يعني هذا الوحي الذي يقع منهم من الذي يميل إليه؟ ومن الذي يتأثر به؟﴿وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ﴾ تصغى: معناها تميل، كقوله ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ أي: مالت، فقوله ﴿وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ﴾ أي: ولتميل، واللام التعليل، ولذلك جاءت مكسورة، بخلاف لام الأمر، لذلك لا يقرأ هكذا و"لْتصغى"، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿وَلِتَصْغَىٰٓ﴾ أي: ولتميل، ولكي تميل ﴿إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ﴾

وكذلك ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لا يقال "ولْيرضوه"؛ لأنه لو قيل "ولْيرضوه" إذًا هذا أمر، وهذا خطأ، ﴿أَنَّمَا﴾ المعنى ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾: يعني وليقع منهم ذلك

﴿وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ أي: وليكتسبوا ما هم مكتسبون من المعاصي والآثام، فعُلم من ذلك أنه هناك شياطين، يزخرفون الأقوال، ويغرون الناس، ويؤثرون في الناس، وأن الذي يتأثر بذلك هو الذي لا يؤمن بالآخرة

فالجواب: الذي لا يؤمن بالآخرة، وكلما كان العبد أقوى إيمانًا كان أثبت، وأرسخ، وأبعد عن وساوس الشيطان وفتنه.

﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾

ثم قال الله سبحانه: ﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًا﴾

﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ عُلم أن المتكلم بذلك هو من؟ هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فالسياق يدل عليه.

ولعلكم تذكرون قلت في لقاء سابق أيضًا في تفسير سورة الأنعام أنه قد تأتي الآية على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله سبحانه ﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾، فالله لا يقول "وما أنا عليكم بحفيظ" فهي تنصرف تلقائيا إلى السياق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

وهنا ﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ كأن المعنى ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا رسول الله، كأن المعنى: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، كما هو كثير في سورة الأنعام، وقد تقدم أن سورة الأنعام برز فيها أسلوبان ظاهران، وهما أسلوب التقرير وأسلوب التلقين، فهنا بمثابة التلقين ﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ ولذلك قالوا هنا في التفسير وأحسنوا: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لهؤلاء المشركين الذين يعبدون مع الله غيره.

تأملوا من أين أتوا بهذه الجملة؟ من دلالة السياق، لأن الله لا يقول ﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾؛ فهو الحكم فكيف يبتغي حكما سبحانه وتعالى؟

﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ قالوا: هل يعقل أن أقبل غير الله حكما بيني وبينكم؟ وقد ذكروا أن سبب ذلك: أنهم قالوا يا محمد تعال لنتحاكم إلى حكم بيننا وبينك، فرد رب العزة سبحانه وتعالى عليهم معلمًا نبيه صلى الله عليه وسلم ماذا يقول، إلى مَن يرجع الرسول وإلى من يتحاكم؟ أيتحاكم إلى أهل الباطل ويترك الحق الذي جاءه به الوحي من عند الله سبحانه؟

﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًا﴾ أي: هل يعقل أن أقبل غير الله حكمًا بيني وبينكم؟ فالله هو الذي أنزل عليكم القرآن مبيِّنا مستوفيًا لكل شيء، أو مبيَّنًا مستوفيًا لكل شيء، فالله سبحانه وتعالى هو الذي بيَّن، والقرآن بُيِّن؛ بينه الله عز وجل، وهذا معنى "المفصل"

إذًا "المفصل"، يمكن أن يقال من معاني التفصيل: البيان أو التبيين.

ومن معاني التفصيل الاستيفاء، أنه واف، وهذا ما يدل عليه الآية التي جاءت بعد ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾

﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا﴾ وهنا جاء التعبير بقوله ﴿حَكَمٗا﴾ وهو أبلغ من أن يقول "حاكما"، ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿حَكَمٗا﴾ دل على أنه يلزم حكم الله سبحانه وتعالى، وأن الحُكم حُكم الله في كل الأحوال.

﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًا﴾ والقرآن فيه الحكم، فلماذا لا نتحاكم إليه؟ والله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾

قال: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ﴾ إذًا في القرآن عدة مزايا:

وتأمل لم يقل يؤمنون ﴿أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ﴾، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿يَعْلَمُونَ﴾ لكن منهم ﴿مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن﴾ جحد وعاند

قال الله: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ أي: فلا تكونن من الشاكين فيما أوحينا اليك، والرسول صلى الله عليه وسلم لا يقع منه شك، لكن هذا النهي المراد منه: الدوام عليه، بأن يدوم الرسول صلى الله عليه وسلم على تلك الحال وهي: اليقين وترك الشك

أو أن يكون المراد بذلك: اقتداء أمته بهذا الأمر بألا يشك المؤمنون في أن الله عز وجل هو الحق، وأن كتابه هو الصدق

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾

ثم قال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾، والقراءة الأخرى ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بالجمع

﴿صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ قالوا: صدقًا في الأخبار والأقوال، وعدلا في الأحكام، فكلمات الله صادقة، ما أخبر الله به، فهو صدق، وما حكم الله عز وجل به فهو عدل، فلذلك توصف آيات الله وكلمات الله بالصدق والعدل؛ الصدق في الأخبار والأقوال، والعدل في الأحكام ﴿لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ﴾ لا مغير لكلماته لا يجرؤ أحد، ولا يقدر أحد على أن يغير كلمات الله أو أقدار الله سبحانه وتعالى.

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾

تحذير من الله للرسول صلى الله عليه وسلم عن أن يطيع هؤلاء، فبعد أن ذكر الله أن هناك شياطين من الإنس، جاء هنا أيضًا التحذير من أن يطيع أمثال هؤلاء الذين يضلون الناس عن سبيل الله، وهذا فيه تحذير للأمة

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ هذا فيه أن ﴿أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ﴾ على الضلال

وأن المهتدين قلة

فإنْ قال قائل "أو ليس المهتدون أيضًا كثيرين؟" والله يقول: ﴿يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا ۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًا ۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ٢٦﴾ فيقول قائل: إن الله قال: ﴿وَيَهْدِى بِهِۦ كَثِيرًا﴾ وهنا قال: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾.

فيقال: إن المهتدين كثيرون في أنفسهم، عدد كبير، لكن إذا قورن بأهل الضلال كانوا قليلين، فالشيء قد يكون في نفسه كثيرًا، لكن إذا قورن بغيره يكون قليلا ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾، كقوله: ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾

دروس مشابهة