مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الأنعام — الجزء 3

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 291 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا﴾ أي: من هذه المحنة، ﴿وَمِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ فهنا تعميم بعد التخصيص، ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾

وتذكر معي ما جاء في أول السورة ﴿ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾، وهنا ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ وقلنا إن هذا الأسلوب فيه تعجيب من حالهم، يعني ربنا ينعم عليكم، ويعطيكم، ويسدي لكم المعروف والخيرات، ومع ذلك يقع من هؤلاء الشرك

﴿قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾

ثم قال الله سبحانه وتعالى ﴿قُلْ﴾ وتأمل معي ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم﴾، تلقين ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم﴾ تلقين، ﴿قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ﴾ تلقين، ما أكثره في هذه السورة الكريمة.

﴿قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ﴾ سبحانه وتعالى ﴿عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ قالوا هنا: من فوقكم مثل الحجارة،والصواعق، والطوفان، ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾

قال: ﴿قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ فسروا هنا ﴿مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ : مثل الزلازل والخسف، أو الخسف، وما أشبه ذلك

وقد قرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- الآية، كما في حديث جابر رضي الله عنه في البخاري: "﴿قُلْ هُوَ ٱلْقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ﴾ قال: ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بوجهك، وقرأ ﴿أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قال: ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ بوجهك، قال ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال: هذا أهون أو قال: ذلك أيسر"

ولذلك قالوا هنا: أو يخالف بين قلوبكم، فيتبع كل منكم هواه، فيقاتل بعضكم بعضًا، وهذا موجود، لكن الرسول استعاذ بالله من أن يهلك هذه الأمة، أو أن يستأصلها بعذاب من فوقها كالصواعق، أو بعذاب من تحتها كالزلازل

قال ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾

﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾

﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ﴾ أي: وكذب بالقرآن، وتأمل تجد في السورة الكريمة أن الضمير -وهو الهاء- ورد في مواضع عديدة منها، أو في مواضع متعددة وأريد به القرآن، وكأن هذا المتحدث عنه وإن غاب بالضمير لكنه حاضر؛ لأنه مشهور بينهم

﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ﴾ وهو أحد الأوجه في قوله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ﴾

ويمكن أن يقال أيضًا في قوله سبحانه فيما مضى معنا ﴿قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ﴾ كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه يعود على البرهان المستفاد من البينة، ويمكن أن يقال ﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ﴾ أي: القرآن الكريم، وأيضًا ﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾

﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ ۚ قُل﴾ أيضًا تلقين آخر ﴿لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ﴾، -صلوات الله وتسليماته عليه- أي: لست موكلا بالرقابة عليكم، فما أنا إلا منذر ﴿لَّكُم بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾

﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾

﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ أي: لكل خبر مهم -"النبأ" هو الخبر المهم- وقت يستقر فيه، ونهاية ينتهي إليها كما قال الله ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: 42]

ما وجه صلة الآية بما سبق؟ أي ومن ذلك خبر مآلكم وعاقبتكم، فسوف تعلمون ذلك حين تبعثون، عندما تبعثون يوم القيامة

فهؤلاء الذين يستعجلون العذاب يقال لهم: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ هذا وعيد شديد لهم

﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

ثم قال ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ﴾ أي: لا تجالسهم وأعرض عن مجالستهم، فإن وقع منك نسيان فجالستهم ثم تذكرت ﴿فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

وهذه الآية هي الآية التي أحال الله عز وجل عليها وبينها في سورة النساء حين قال: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْكَـٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140] فمن المعلوم أن سورة النساء سورة مدنية، وهي متأخرة عن سورة الأنعام المكية، فيكون قوله ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ﴾ المراد به ما جاء هنا في الآية على قول الأكثرين ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ﴾ الآية الكريمة

◂واستفاد بعض العلماء من ذلك عدم مجالسة المستهزئين بآيات الله والمجادلين في آيات الله، وعدم مجالسة أهل البدع والأهواء، وما إلى ذلك مما ربما يصاب الإنسان في دينه بسببهم، أو يكونون سببًا في ضلالة أو إضلاله، أو أن يسمع ما يوجب غضب الله وسخطه.

إثبات أن النوم موت وأن الأرواح تقبض فيه ثم ترد عند الاستيقاظ

الاستدلال على استحقاق الله تعالى للألوهية بدليل الفطرة، فإنَّ أهل الكفر يؤمنون بالله تعالى، ويرجعون لفطرتهم عند الاضطرار والوقوع في المهالك، فيسألون الله تعالى وحده

إلزام المشركين بمقتضى سلوكهم وإقامة الدليل على انقلاب فطرتهم بكونهم يستغيثون بالله وحده في البحر عند الشدة ويشركون به حين يسلمهم وينجيهم إلى البر

قال الشيخ حفظه الله:

إثبات أن النوم موت، وأن الأرواح تقبض فيه ثم ترد عند الاستيقاظ، وهذا في قوله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ﴾

الاستدلال على استحقاق الله تعالى للألوهية بدليل الفطرة، فإنَّ أهل الكفر يؤمنون بالله ويرجعون لفطرتهم عند الاضطرار والوقوع في المهالك، وهذا كثير، ورد في القرآن الكريم بكثرة ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: 22] إلى آخر الآية، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [العنكبوت: 65]، إلى غير ذلك من آيات وهذا يدل على أن الفطرة تجعلهم يتجهون إلى الله وحده؛ لأنهم يعلمون أنه الإله الحق سبحانه وتعالى

إلزام المشركين بمقتضى سلوكهم، وإقامة الدليل على انقلاب فطرتهم بكونهم يستغيثون بالله وحده في البحر عند الشدة ويشركون به حين يسلمهم وينجيهم إلى البر، لذلك قال الله ﴿ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ وهذا فيه تعجيب من حالهم

عدم الجلوس في مجالس أهل الباطل واللغو، ومفارقتهم وعدم العودة لهم إلا في حال إقلاعهم عن ذلك، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ إلى آخر الآية الكريمة.

ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، ونقف عند هذا الحد،

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛أما بعد: فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، وما زلنا مع آيات سورة الأنعام:

قال الله سبحانه ﴿وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾

هذه الآية الكريمة بينها وبين الآية التي سبقتها مناسبة ظاهرة، فإنَّ الله جل وعلا قال في الآية السابقة: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ فإذا أعرض المؤمنون عن أولئك الذين يخوضون في آيات الله جل وعلا ولم يستجيبوا لكلامهم، ولم يسمحوا لأنفسهم بسماع هذا الباطل الذي يردده هؤلاء من أهل الباطل، فالله يقول ﴿وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ أي: ما على هؤلاء الذين يتقون ويتجنبون مجالسة هؤلاء ويعرضون عنهم ليس عليهم من ذنب في ذلك، وإنما الذي عليهم أن يذكروهم بالله سبحانه وتعالى وأن يوجهوهم إلى الحق

لذلك قالوا هنا: وليس على الذين يتقون الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه من حساب هؤلاء الظالمين من شيء.

والمعنى: أنهم قد أدوا ما عليهم لأنهم أعرضوا، ولم يستجيبوا لهم، ولم يسمعوا لهم بل قاموا أيضًا بالنصح، قال ﴿وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ فهذا الذي عليهم.

ولذلك قالوا هنا: وإنما عليهم أن ينهوهم عما يرتكبونه من منكر، لعلهم يتقون الله فيمتثلون أوامره ويجتنبون نواهيه، فتكون الآية السابقة بينت أن المؤمن عليه أن يعرض عن حديث أهل الباطل، وهذه الآية بينت أنه إذا فعل ذلك فقد أدى ما عليه، وإن كان من شيء فعليه أن يعظ هذا الذي خاض في آيات الله، فينتقل من سماع الباطل إلى الإعراض عن الباطل، وينتقل من الإعراض عن الباطل إلى الموعظة، ودعوة هذا المعرض وهذا الذي يخوض في آيات الله إلى اتباع الحق وترك الباطل الذي هو عليه.

﴿وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ﴾

ثم قال الله: ﴿وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ وقوله ﴿وَذَرِ﴾: يعني ودع ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الكريم

﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾ أي: صيروا دينهم لعبًا ولهوًا، هذا معنى ﴿ٱتَّخَذُواْ﴾ أي: صيروا دينهم لعبًا ولهوًا، ما معنى أنهم ﴿ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾؟ يعني يسخرون منه ويستهزئون به

﴿وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ تقدم معنا يا أيها الإخوة الكرام أن الضمير في ﴿بِهِۦٓ﴾ مر معنا في آيات سابقة، كقوله ﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾، وكقوله سبحانه وتعالى ﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوْمُكَ وَهُوَ ٱلْحَقُّ﴾ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن المراد به: هو القرآن الكريم، وكذلك هنا في هذه الآية ﴿وَذَكِّرْ بِهِۦٓ﴾ أي: وذكر بهذا القرآن العظيم الذي فيه النفع والخير والبركة

﴿وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ﴾ قالوا هنا: حتى لا تُسلم نفس إلى الهلاك، إذا ما معنى ﴿أَن تُبْسَلَ﴾؟ يعني: أن تُسلم، وترتهن، وتحبس، وتهلك، أقوال قالها المفسرون وكلها صحيحة ومتلازمة، لكننا معها كلها نقدر لئلا، فمعنى ﴿أَن تُبْسَلَ﴾: يعني لئلا تبسل، لئلا تسلب.

وهذا كثير في القرآن الكريم، وتقدم معنا في آخر سورة النساء ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟﴾ أي: لئلا تضلوا، فكذلك هنا ﴿وَذَكِّرْ بِهِۦٓ﴾ أي: وذكِّر بالقرآن لئلا تبسل نفس، أي: تُسلم نفسك إلى الهلاك

﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ فإنَّ الله ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ إهلاكها لم يقدر أحد عن صرف العذاب عنها.

قال ﴿وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَآ﴾ إذًا ليس لها ولي ينصرها، ولا شفيع يشفع لها، وهي إن أرادت أن تفدي نفسها بكل فداء فإنه لا يؤخذ منها ولا يقبل منها.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟﴾ وقوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟﴾ أي: أولئك الذين أُسلموا إلى الهلاك بسبب كسبهم، وتلاحظ أن هذا الأسلوب جاء بأسلوب القصر، فقوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟﴾

أولئك: مبتدأ، وهو معرف لأنه اسم إشارة، واسم الإشارة من المعارف وقوله ﴿ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟﴾هذا هو الخبر، الذين اسم موصول وهو من المعارف.

وتقدم معنا أن تعريف جزئي الجملة أعني المبتدأ والخبر يدل على القصر، أو من أساليب القصر والقصر هنا قصد به المبالغة، أي: أولئك ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا﴾ هم الذين أهلكوا الهلاك الذي لا خير معه ولا مرد له، فلذلك جاء بهذا الأسلوب.

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبْسِلُوا۟ بِمَا كَسَبُوا۟ ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ لأن الإنسان يحتاج إلى الشراب ولا يستغني عنه، لا سيما في وجود العذاب، نسأل الله السلامة، فحينئذ يطلب الشراب، فيكون شرابه كما قال الله: لهم شراب من حميم متناهي الحرارة ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفرهم.

﴿قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

﴿قُلْ﴾ بهذا الأسلوب المتكرر في السورة الكريمة أسلوب التلقين، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا رسول الله ﴿قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾، ومن المعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولن يفعل ذلك عند نزول الآية، فهو لم يفعل، الآية سابقا.

ولذلك نقول أن قوله ﴿قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ هذا الاستفهام المراد به: إنكار الوقوع، فهو غير واقع، وكذلك ينكر وقوعه، يعني لن يقع من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

وأيضًا فيه تيئيس لهم، يعني: لا تنتظروا، ولا تتمنوا، ولا تظنوا أننا في يوم من الأيام أو في مستقبلنا سندعو ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾.

ولم يقل "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أنشرك بالله"، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ ببيان أنه لماذا لا يشرك بالله؛ لأن هذه الآلهة لا تدفع ضرًا ولا تجلب نفعًا، وهي عاجزة، فكيف تستحق العبادة! ﴿أَنَّمَا﴾ الذي يُعبد هو الذي يملك النفع والضر ويقدر على كل شيء، وهو الله سبحانه وتعالى.

﴿قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا﴾ قد من الله عز وجل علينا بالهداية، فكيف نترك الهداية ﴿وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا﴾: وننكص على أعقابنا ونرتد، لا يمكن هذا، وهذا معنى ﴿وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ﴾ فيكون حالنا ﴿كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا﴾.

فحينئذ نكون كالذي أضلته الشياطين، فصار يهيم لا يهتدي سبيلًا ولا يعرف خيرًا، ولا يعرف حقًا، فهو ضال لا يهتدي سبيلا، كيف وقد هدانا الله وعرفنا الحق والطريق الذي نسلكه؛ ولذلك جاء في القرآن الكريم بيان حال الضال المضل بأنه في حالة حيرة، ودهشة، واضطراب، وقلق، وعدم وضوح كقوله ﴿أَفَمَن يَمْشِى مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِۦٓ أَهْدَىٰٓ أَمَّن يَمْشِى سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

قال: ﴿لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا﴾ وهو لا يصل إليهم ولا يعرف الوصول إليهم؛ لأنه صار يهيم في الطريق وهو ضال، نسأل الله السلامة، فهو يمتنع عن إجابتهم إلى ما يدعونه إليه.

﴿قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ﴾ نحن ثابتون على ديننا، غير تاركين له؛ لأننا نعلم أنه الهدى، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ﴾ أيضًا إن هدى الله وحده هو الهدى، لا غير هذا الدين.

﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾أي: وأمرنا ربنا أن نسلم له سبحانه وتعالى، وأمرنا أيضًا أن نقيم الصلاة، وأن نتقي ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ وحده سبحانه وتعالى.

﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾

ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ على الأسلوب المتكرر أيضًا من التقرير، فيقول ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ ۚ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾الآية كلها حديث عن الله سبحانه وتعالى وما يقع يوم القيامة من تقديراته

﴿وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ﴾ ومن الحق أن يُحاسِب العباد على ما يصنعون في تلك الحياة، إذ سخر لهم السماوات والأرض وذلل لهم الأمور، وذلل لهم الأحوال والمخلوقات، ومن ثم فإنَّ الله لا يخلق الخلق عبثا، وإنما هناك غاية وهناك حكمة من خلقهم: وهي عبادته سبحانه وتعالى ثم يكون بعد ذلك الجزاء؛ ولذلك قال ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ ما الحكمة؟ ﴿لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾.

﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ﴾ اختلف المفسرون في قوله ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ﴾ فمنهم من قال: أي: واذكر يا رسول الله يوم يقول كن فيكون، فهذا اليوم يقول كن فيكون، وأمره سبحانه كن فيكون﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ لكن المراد به: التذكير بيوم القيامة؛ بدليل ما بعده ﴿قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ ۚ وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ﴾.

◂وبعضهم قال: واتقوه في قوله ﴿وَٱتَّقُوهُ ۚ وَهُوَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾أيضًا واتقوه يوم يقول كن فيكون، يعني: اتقوا عذابه يوم يقول كن فيكون، عذاب يوم القيامة إلى غير ذلك مما قيل.

قال: ﴿قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ﴾ فقوله سبحانه وتعالى هو الحق كله الذي لا شك فيه ولا مرية فيه.

﴿وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ﴾ والله عز وجل ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۖ لَهُ ٱلْمُلْكُ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ في كل وقت، لكنه خص يوم النفخ في الصور؛ لأنه في هذا اليوم لا منازع له ولا مناوء له ﴿لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ ٱلْوَٰحِدِ ٱلْقَهَّارِ﴾؛ فلذلك قال: ﴿وَلَهُ ٱلْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ﴾، كما قال الله في سورة الفاتحة: ﴿مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ مع أنه مالك كل شيء سبحانه وتعالى

﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِى ٱلصُّورِ﴾ قالوا هنا: يوم القيامة حين ينفخ إسرافيل في القرن النفخة الثانية، وذلك لأن الصور جاء تفسيره في السنة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (الصُّور قرن يُنفخ فيه)، والمراد بها النفخة الثانية لأنَّها نفخة البعث.

و"إسرافيل" لأن أهل العلم وقد نقل هذا عدد من العلماء، كالحليمي وغيره نقلوا الإجماع والاتفاق على أن النافخ في الصور هو إسرافيل عليه السلام.

﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ﴾ أي: هو عالم الغيب والشهادة ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ سبحانه وتعالى، وانظر ﴿وَهُوَ﴾، وبعد ذلك ﴿قَوۡلُهُ﴾، وبعدها ﴿وَلَهُ﴾، وبعدها ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ﴾ يعني هو، وبعدها ﴿وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ كل هذا حديث عن الله سبحانه وتعالى كما هو كثير في سورة الأنعام

من فوائد الآيات:

* الداعية إلى الله تعالى ليس مسؤولا عن محاسبة أحد، بل هو مسؤول عن التبليغ والتذكير

* الوعظ من أعظم وسائل إيقاظ الغافلين والمستكبرين

* من دلائل التوحيد أن من لا يملك نفعًا ضرًا ولا تصرفًا هو بالضرورة لا يستحق أن يكون إلهًا معبودًا

قال الشيخ حفظه الله:

* الداعية إلى الله تعالى ليس مسؤولا عن محاسبة أحد، بل هو مسؤول عن التبليغ والتذكير، قال ﴿وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾

* الوعظ من أعظم وسائل إيقاظ الغافلين والمستكبرين، ولذلك قالوا ﴿وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، يعني ذكرهم بذلك، وأيضا بعدها قال: ﴿وَذَكِّرْ بِهِۦٓ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌۢ بِمَا كَسَبَتْ﴾ فهذا أمر بالتذكير

* من دلائل التوحيد أن من لا يملك نفعًا ولا ضرًا ولا تصرفًا هو بالضرورة لا يستحق أن يكون إلهًا معبودًا؛ لذلك أنكر عليهم فقال ﴿قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾ إلى آخر الآية الكريمة

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾

قال الله سبحانه ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾

قص الله سبحانه وتعالى علينا في سورة الأنعام هذا الجزء من قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، وهي قصته مع أبيه وقومه، حين بين لهم بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام وأنها غير حَرِيَّة بأن تُعبد، وأن الحقيق بأن يُعبد هو الله وحده لا شريك له.

وبين الله عز وجل لنا في هذه الآيات ما وقع بين الخليل إبراهيم عليه السلام وقومه من المحاجة والمناظرة.

ولعلكم تذكرون يا أيها الإخوة الكرام ما ذكره القرطبي من أن هذه السورة الكريمة أصل في محاجة المشركين، وبناء عليه فإنما ذكر من هذه القصة أو ما ذكر من قصة الخليل إبراهيم جاء مناسبا لمقصود السورة الكريمة، فلم يذكر هنا مثلًا في قصة إبراهيم ما يتعلق بولده الذبيح وقصة الذبيح، أو قصة رفع القواعد من البيت، وإنما ذكر المناسب لمقصود السورة، وهذا في القرآن الكريم كله، لذلك هناك تناسب وثيق بين القصة ومقصود السورة التي تذكر فيها هذه القصة، هذا شيء

بعد ذلك ﴿قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً﴾ أي: واذكر يا رسول الله حين قال إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾

﴿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ ظاهر الآية أن آزر هو أبوه، وهذا هو القول الصحيح والقول المختار والمرجح، ولسنا في حاجة إلى أن نصرف ظاهر الآية الكريمة فنقول أن آزر هو عمه، كما ذهب إليه جماعة من المفسرين بدعوى أن إبراهيم ﴿أَنَّمَا﴾ هو معروف بأنه ابن تارخ أو تارح فقالوا هنا: قال آزر، وهذا ليس في التاريخ فنقول أن ما جاء في القرآن أصدق مما ورد في التاريخ على أن الرجل قد يسمى بأكثر من اسم فقد يقال له آزر وقد يقال له اسم آخر، وكذلك قد يكون أحدهما اسمًا وقد يكون الآخر لقبًا، إلى غير ذلك مما وجَّه العلماء به ذلك، على كل لا يترك ظاهر الآية لا سيما وقد جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يلقى إبراهيم أباه آزر، فهذا أيضًا يدل على أن آزر هو أبوه وهو الأقرب وقد فصلت القول في ذلك أيضًا في تحفة الأريب ونحن نتكلم عن هذه المادة وأصلها، وما ذكر العلماء في ذلك في قضية الاشتقاق، هذا من جهة.

الأمر الثاني أن هناك قراءة متواترة في كلمة ءازر ﴿ءَازَرَ﴾ بالرفع.

فنحن عندنا هنا ﴿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾على أن ﴿ءَازَرَ﴾ بدل من قوله ﴿لِأَبِيهِ﴾، وهناك قراءة ﴿ءَازَرَ﴾ بالضم فتكون على تقدير حرف النداء، أي: يا آزرُ، فهو يناديه.

وبعضهم قالوا هو لقب له فناداه بهذا اللقب، "ءازرُ" وهنا ﴿ءَازَرَ﴾.

﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً﴾ ينكر عليه ذلك، فهذا فيه إنكار وتوبيخ لهذا الصنيع.

وقوله ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً﴾ بالجمع باعتبار الواقع، فهم في واقع أمرهم لم يكونوا يتخذون صنمًا واحدًا، وإنما مجموعة من الأصنام، كما دلنا على ذلك قوله ﴿مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِىٓ أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ﴾ ولذلك جاء هنا بصيغة الجمع ﴿أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً﴾ وليس المراد أنه لو كان متخذًا صنمًا واحدًا لما أنكر عليه، وإنما هو ينكر الكثرة والقلة لأنه ليس هناك إله إلا الله وحده لا شريك له، وكل التماثيل وكل تلك الأصنام باطلة ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾.

﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾

﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ﴾ هنا تشبيه، ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ مثل ماذا؟ قالوا هنا: وكما أريناه ضلال أبيه وقومه، نريهم ملك السماوات والأرض الواسع، إذًا ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ﴾ كما أريناه ضلال هؤلاء، أريناه كذلك ملكوت السماوات والأرض.

قال ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ يمكن أن يقال أن قوله ﴿وَلِيَكُونَ﴾ معطوف على كلام، فقالوا هنا ليستدل بذلك الملك الواسع على وحدانية الله، إذًا ﴿نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ ليوحد الله وليكون من الموقنين.

﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾

قال بعدها ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا﴾ أي: حين أظلم رأى كوكبا فقال ﴿قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ هنا وقع اختلاف بين المفسرين:

هل الذي قاله إبراهيم عليه السلام كان من باب المناظرة والمجادلة والمحاورة؟ أم أن إبراهيم عليه السلام كان يريد الوصول إلى الله جل وعلا؟ فلم يكن الأمر واضحا إليه، فكان ناظرا فهل هو في مقام النظر؟ أم هو في مقام المناظرة؟

فمنهم من قال: هو في مقام النظر، فهو تدرج في هذا قال هذا ربي، ثم بعد ذلك استبان أن هذا الذي غاب لا يصلح أن يكون إلها، وهكذا تدرج به الأمر إلى أن وصل إلى الحقيقة، فيكون قد عرف الله سبحانه وتعالى بهذه الأدلة العقلية ومن الله عز وجل عليه بعد بالرسالة، هذا قول

والقول الآخر: قالوا: بل هو في مقام المناظرة، وبناء عليه فقوله هذا ربي بعضهم قال: أنه إن فيه استفهامًا مقدرًا، أي: أهذا ربي؟ أو أنه قاله على سبيل التنزل مع الخصم والمجاراة له سنسلم لكم أو سأسلم لكم ونقول هذا ربنا، فلننتظر أين هو إذا به يغيب؟ ولا يملك شيئًا لنفسه فضلًا عن غيره، وانتهى الانتفاع به من ضوئه أو من نوره، فكيف يقال رب أو أنه إله! فكان هذا على سبيل مجاراة الخصم أو التنزل معه.

ويشهد لهذا القول الثاني أن الله عز وجل قبلها قال ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾ فبحسب ترتيب الآيات الآية التي قبلها بينت أنه موقن، وإذا كان الأمر كذلك فلا يقال أنه كان في طريقه إلى معرفة الله بل كان متيقنا هذا شيء.

والأمر الثاني أن الله قال بعد ذلك ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ﴾ وهذا يدل على أن ما مضى كان حجة أعطاها الله عز وجل لإبراهيم عليه السلام على قومه، وبناء عليه فيكون هذا في مقام المناظرة والمحاجة، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

﴿قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ٧٦﴾ يعني لا أحب من يغيب، ولا يصلح أن يكون إلها.

﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ﴾

﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلْقَمَرَ بَازِغًا﴾ أي: طالعا قال هذا ربي ﴿فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلضَّآلِّينَ﴾ فسأل الله التوفيق والهداية، وهذا فيه أن العبد يلجأ إلى الله، ويسأل الله أن يهديه؛ ولذلك كان من دعاء صلى الله عليه وسلم: اللهم اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾

﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمْسَ بَازِغَةً﴾ أي: طالعة ﴿قَالَ هَـٰذَا رَبِّى هَـٰذَآ أَكْبَرُ﴾يعني: هذا الطالع أكبر من الكوكب، وأكبر من القمر ﴿فَلَمَّآ أَفَلَتْ﴾ أي: غابت.

﴿قَالَ يَـٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ أي: هذه كلها لا تصلح، وهذا فيه أن قوم عبدوا الأصنام وكان لهم تعلق بعبادة النجوم والكواكب، فبين لهم أن هذه غير صالحة لأن تكون آلهة، أو لأن تعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ سبحانه وتعالى.

والخليل إبراهيم عليه السلام -إذا قررنا أن هذا كان في مقام المناظرة- فإنما سلك معهم مسلك التدرج، فلم يأتِ مباشرة إلى الشمس ويقول أنها أكبر وكذا، وإنما تدرج معهم شيئًا فشيئا، فإنَّ هذا يكون أدعى لقبول الكلام وأرسخ في الذهن والبيان، فلذلك تدرج بهم الخليل إبراهيم عليه السلام حتى لا يكون هناك أدنى منفذ لدعواهم ولما يصنعون من باطل.

ثم قال معلنا ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾

هنا في المختصر قالوا: ولما تبرأ مما يعبدون ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ كأنهم سألوه ما تعبد إذًا؟

وكأن الجملة ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ﴾ بمثابة الاستئناف في البيان الذي يقال له أنه جواب عن سؤال مقدر ولذلك لم تدخل عليه الواو العاطفة.

لم يقل إني بريء مما تشركون وإني وجهت وجهي؛ لأنه عند هذا الباب يقال: لا يكون هناك عطف ما يسمونه في البلاغة بشبه كمال الاتصال ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا أيضًا في استفتاحه في الصلاة صلوات الله وتسليماته عليه ﴿إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد.

﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾

﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ﴾ يعني: خاصمه قومه المشركون في توحيد الله، قالوا: هنا وخوفوه من أصنامهم، هذا من أين استفيد؟ استفيد مما جاء بعد في السياق ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا﴾.

وكأنهم خوفوه، قالوا له يا إبراهيم إن لم تنتهِ، لئن لم تنتهِ عما تدعي فإنَّ آلهتنا لن تتركك، وإن آلهتنا ستصيبك، وهذا يجري من الكفار ومن المشركين كما قال قوم هود عليه السلام ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعْتَرَىٰكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٍ﴾ هكذا زعموا وادعوا.

قال: ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ﴾

﴿قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى﴾ يعني أتخاصمونني، تحاجوني يعني: أتخاصمونني في توحيد الله وإفراده بالعبادة وقد وفقني ربي إليه، فأنا بفضل الله ثابت على ديني، وأعلم أنني ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وأنكم على الباطل.

وقوله ﴿أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي﴾ هكذا بالنون المشددة، وهناك قراءة بالتخفيف لحذف إحداهما تخفيفًا، وإن لم يكن المقام مقام حذف من حيث الإعراب لأنَّها ليس هناك ناصب ولا جازم، لكنه تخفيف وهذا وارد في القراءات.

﴿أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ﴾ والحال أن الله قد هداني إليه.

﴿وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ﴾ أنا لا ﴿أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ﴾ ولا أخاف تلك الأصنام.

﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا﴾استثناء الخليل إبراهيم عليه السلام إعلان منه لافتقاره إلى ربه، ولأنه لا يدري ماذا يكون في المستقبل، فهو الآن مهتد وهو أيضًا يسأل الله الثبات على الهداية.

ولذلك قال الخليل إبراهيم ﴿وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ﴾ فمع أنه الخليل عليه إلا أنه سأل ربه عز وجل أن يجنبه وأن يجنب بنيه عبادة الأصنام، ولذلك إبراهيم التيمي ورد عنه أنه قال "ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟" يعني إذا كان الخليل إبراهيم عليه السلام يسأل ربه ذلك فماذا يقول بقية الناس؟ لذلك قال هنا: ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا﴾ فهذا أيضًا من تضرعه إلى الله وافتقاره إلى الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال أيضًا ﴿قَدِ ٱفْتَرَيْنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا ۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾

فقوله ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا﴾ أيضًا تضرع إلى الله سبحانه، وليس فيه أنه سيقع في الشرك لأن الأنبياء والمرسلين معصومون من ذلك كما لا يخفى

قال﴿وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ فهو عالم بما كان وما يكون وما سيكون ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾

﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا﴾

﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ فهو ينكر وقوع ذلك، هو في الواقع غير واقع، هو في الواقع غير موجود، لأن خوفه غير موجود، وينكر أيضًا وقوعه يعني أقول أنا الآن غير خائف،﴿وَكَيْفَ أَخَافُ﴾ يعني كيف يحدث مني خوف؟ ولذلك فيه إنكار عليهم ذلك، وفيه تعجيب أيضًا من هذا الأمر:

" وإن كان خوف فليكن منكم أنتم، خافوا من الله، ﴿إِلَّا﴾ تخافون الله القادر على كل شيء الذي بطشه شديد، وتخوفونني بتلك الأصنام الباطلة التي لا تنفع ولا تضر؟"

فقال ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ﴾ هذا عجب ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا﴾

وتأمل في أول الجملة قال ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ وأطلق، ما قال "وكيف أخاف ما أشركتم ما لم ينزل به عليكم سلطانا"، ﴿أَنَّمَا﴾ أغلق الباب ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ أنا لا أخاف شيئًا مما أشركتم، ثم جاء التفصيل بعد ﴿وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ عَلَيْكُمْ سُلْطَـٰنًا﴾ وهذا أيضًا نستطيع أن نقول أنه وصف كاشف، أو لبيان واقع؛ لأن كل الآلهة وكل ما عبد ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن﴾ ينزل الله به سلطانا، فليس هناك برهان ولا حجة على عبادة غير الله، فهو كقوله ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ﴾

ثم قال ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ﴾ فريق المؤمنين أم فريق الكافرين؟ ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لا شك أنه يعلم أن فريق المؤمنين هم أحق بالأمن، وأن هؤلاء الكافرين لا أمن لهم، لكن هذا الأسلوب كما يقولون من أسلوب الكلام المنصف، يعني: أنك حينما تحدث خصمك تتنزل معه، كقوله سبحانه وتعالى إذ علمنا في تعليمه رسوله صلى الله عليه وسلم ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾

ومن المعروف أن الرسول، وأن الرسل، وأن المؤمنين، هم على الهدى، وأن المشركين على الضلال، لكن هذا يقال له الكلام المنصف، كأن تقول للقائل أحدنا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ والآخر على الباطل، وأنت تحدثه وأنت تحاوره، وأنت تعلم أنك ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وأنه على الباطل

فقال ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقد قالوا أن كلمة أحق هنا مسلوبة التفضيل؛ لأنهم ليسوا مشتركين في الأمان أو في الأمن وأحدهما أعلى من الآخر، بل الأمن كله لأهل الإيمان، وغيرهم أعني من أهل الشرك فهم في الخوف

قال ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ هنا قالوا في التفسير: فأي الجمعين: جمع الموحدين وجمع المشركين أولى بالأمن والسلامة؟ إن كنتم تعلمون أولاهما فاتبعوه، وأولاهما دون ريب هو جمع المؤمنين الموحدين؛ ولذلك جاء بعد ذلك ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

من فوائد الآيات:

* الاستدلال على الربوبية بالنظر في المخلوقات منهج قرآني.

* الدلائل العقلية الصريحة توصل إلى ربوبية الله.

قال الشيخ حفظه الله:

* الاستدلال على الربوبية بالنظر في المخلوقات منهج قرآني، وهذا واضح في قوله ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا﴾ فهذا فيه استدلال، ولذلك نحن نقول نستدل على ربوبية الله سبحانه وتعالى بآياته ومخلوقاته؛ فلذلك إذا قيل كيف عرفت ربك؟ فنقول عرفناه بآياته ومخلوقاته

* الدلائل العقلية الصريحة توصل إلى ربوبية الله، وهذا ما استعمله الخليل إبراهيم عليه السلام مع قومه في كلامه عن الكوكب وعن القمر وعن الشمس.

قال سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

فهؤلاء هم أهل الأمن ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ﴾

قوله ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ﴾أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك، فسر النبي -صلى الله عليه وسلم- الظلم الوارد في الآية بالشرك؛ ولذلك في رواية الصحيحين في حديث ابن مسعود رضي الله عنه حين شق ذلك على المسلمين وقالوا: "يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟" لأن الآية ظاهرها أن من ظلم نفسه فاته شيء من الأمن، لأن قوله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ﴾ إذا طبقنا عليه قواعد اللغة والأصول أو التفسير، فإننا نقول أن كلمة ظلم نكرة في سياق النفي، فيكون ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بأي ظلم ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

وهكذا تفطن الصحب الكرام لذلك وفهموا ذلك، فأتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن المراد بالظلم في الآية: هو الشرك، فقال ألم تسمعوا ما قَالَ لُقْمَٰنُ ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَـٰنُ لِٱبْنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فالمراد بالظلم في الآية الكريمة: هو الشرك

﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

وذلك أيضًا لصلة الآية بالآيات السابقة، فالآية التي قبلها ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ والفريقان: فريق مؤمن وفريق مشرك كافر، هذا معنى، فلذلك قوله ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ﴾أي: لم يخلطوا إيمانهم بشرك ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

ثم بعد ذلك لا يمنع أن يفهم من الآية الكريمة أن الإنسان كلما قوي إيمانه ازداد الأمن له، وإذا وقع في ظلم أو معصية ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ بحسب ذلك من الأمن المصحوب له، لكن أصل الأمن لكل مؤمن، فكل من ءامن بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وبما يجب عليه أن يؤمن به فله حظ ونصيب من هذا الأمن

ثم الناس يتفاوتون بحسب إيمانهم والله تعالى أعلم

﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾

وينبغي للمؤمن أن يشعر بهذا، فالمؤمن في أمان حتى وإن ابتلي، حتى وإن تعرض إلى ما تعرض له، فإنه في أمن لأن الله يحفظه، ثم إن أعظم ما يكون من ذلك أن يؤمنه الله عز وجل من عذابه

والله سبحانه من أسمائه المؤمن سبحانه وتعالى

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ هداهم الله فجعلهم مؤمنين

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

قال ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ﴾أي: تلك الحجة في قوله ﴿فَأَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِٱلْأَمْنِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

أو إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه كان في مقام المناظرة، فتلك حجتنا من أول القصة هي من الحجج التي جعل الله عز وجل الخليل إبراهيم منصورًا بها على قومه يحتج عليهم بهذا، قال ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾

وقوله ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ فيها قراءتان ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ بدون تنوين،

فإذا هناك قراءة ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ فعلى قراءة التنوين أي: نرفع من نشاء درجات، فيمكن أن يقال أن ﴿دَرَجَٰتٖ﴾ هنا تمييز أو أن يقال "نرفع من نشاء درجاتٍ"، يعني إلى درجات، فقالوا على تقدير حرف أو أنها ظرف، وبناء عليه نرفع من نشاء إلى درجات وإلى منازل رفيعة عالية

وأما على قراءة من قرأ بدون تنوين، ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ فيكون قوله ﴿مَّن﴾ مضافًا إليه، وليس مفعولًا به، كما في القراءة الأولى، ويكون المعنى هنا أن الله يرفع درجات ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾، وإذا رفع الله درجة إنسان فقد رفع هذا الإنسان؛ لأنه إذا رفع درجة العبد فقد رفع العبد، فبين القراءتين تلازم

قال ﴿نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ وفيه أيضًا ثناء على إبراهيم، فقد رفعه الله عز وجل درجات، وجعل له مقامًا عظيمًا عاليًا كما لا يخفى

﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ فهو سبحانه يرفع هذا ويخفض هذا، وهو الحكيم العليم سبحانه، بحكم وعلم

﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾

ثم قال ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: عوضنا الخليل إبراهيم عليه السلام بأن ﴿وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ﴾، قال ﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾

فهذا من تعويض الله عز وجل له، وهذا من باب من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه

قال ﴿كُلًّا هَدَيْنَا﴾ فالله هدى إبراهيم، وهدى إسحاق، وهدى يعقوب.

قال ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾ فنوح عليه السلام سابق في الهداية؛ لأنه قبل الخليل إبراهيم كما لا يخفى، وهذا معناه أن الله عز وجل ﴿يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ﴾ بالهداية من السابق، من البداية

قال ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾

قال ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ قال ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ﴾ ومِنْ ذرية من؟

منهم من قالوا: ومن ذرية نوح عليه السلام؛ لأنه أقرب مذكور، ولأن الله قال في مواضع أخرى ﴿۞إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾

ومنهم من قال ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ﴾: من ذرية إبراهيم عليه السلام،وذلك أن الله جعل الأنبياء بعد إبراهيم من نسل الخليل إبراهيم عليه السلام، كما قال ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ﴾

قال الله سبحانه ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيْمَـٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾

كلهم من الصالحين، والأنبياء والمرسلون يقال لهم أيضًا صالحون، ولذلك قال يوسف عليه السلام ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِٱلصَّـٰلِحِينَ﴾

قال ﴿وَإِسْمَـٰعِيلَ وَٱلْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

فذكر الله عز وجل في هذه الآيات المباركة ثمانية عشر نبيًا ورسولًا، نوح وإبراهيم ومعهم ستة عشر نبيًا أو رسولًا في هذه السورة أو في هذه الآيات الكريمة، وذكر الله منهم من بينهم عيسى عليه السلام.

وهنا ترد فائدة وهي أن عيسى عليه السلام ﴿أَنَّمَا﴾ هو من ذرية نوح أو من ذرية إبراهيم عن طريق أمه؛ لأنه لا أب له" عيسى ابن مريم"، ويمتد نسب مريم إلى الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبالتالي أيضًا إلى نوح عليه السلام.

ولذلك استفاد العلماء من ذلك أن أولاد البنات يدخلون في الذرية.

هم ليسوا عصبة؛ لذلك في باب العصبات في الميراث لا ميراث لهم:

في مسألة العصبات (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر)، فإذا وجد رجل من العصبات فهو مقدم، فابن الابن، وابن البنت، ابن الابن يأخذ فله الباقي تعصيبا، وليس ذلك لابن البنت، لكنهم يدخلون في الذرية.

ولذلك قالوا لو أن رجلًا أوقف شيئًا وقال: أوقفت هذا الشيء أو وهبت هذا الشيء لذريتي، قالوا يدخل فيه أبناء البنات أيضًا، يدخل فيه أولاد البنات كما دخل عيسى عليه السلام في ذلك.

﴿وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ ۖ وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

قال الله سبحانه بعدها ﴿وَمِنْ ءَابَآئِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوَٰنِهِمْ﴾ قالوا هنا: ووفقنا بعض آبائهم، وبعض أبنائهم، وبعض إخوإنهم، فجعلوا من للتبعيض كما هو ظاهر.

﴿وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

وتقدم أيضًا يا أيها الإخوة الكرام أن سورة الأنعام فيها حديث واضح وجلي عن قضية الهداية وقضية الضلال، لذلك تكرر هنا الحديث عن الهداية والضلال.

ثم قال﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ كما قال الله ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ فمن محبطات الأعمال الشرك بالله سبحانه وتعالى.

وإذا كان الله خاإذاً الرسول بذلك وقال هذا في حق الأنبياء فما الظن بغيرهم؛ ولذلك قال الله أيضًا في شأن الملائكة ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّىٓ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ وهذا فيه تحذير للأمة؛ لأن الملائكة لا يقع منهم شرك، ولأن الأنبياء والمرسلين لا يقع منهم شرك، ولأن النبي محمدا صلى الله عليه وسلم لا يقع منه شرك

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ﴾

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ﴾ قالوا: أعطيناهم الكتب، ما معنى الكتاب هنا؟ الكتب المنزلة

قال ﴿وَٱلْحُكْمَ﴾ قالوا: أعطيناهم الحكمة والسداد والنبوة؛ لذلك كما قلت هذا يدل على نبوة هؤلاء، ولذلك كل من ذكر هنا في هذه الآيات فهو نبي، كإلياس عليه السلام وأليسع وغير ذلك

قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ۚ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـٰٓؤُلَآءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ﴾

﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا﴾ قالوا هنا: فإن يكفر قومك بما أعطيناهم من هذه الثلاثة؛ إذًا على ما يعود الضمير؟ على هذه الثلاثة من الكتب المنزلة والحكمة والنبوة

فمن يكفر بهذه، بهذا الدين، يكفر بهذه الثلاثة التي تمثل الدين ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ﴾ يعني: إن أعرض عنك هؤلاء، ولم يستجب لك هؤلاء ولم يؤمنوا بالكتاب المنزل عليك ولا بالنبوة التي منحك الله إياها ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ﴾ مَن هؤلاء القوم الذين ليسوا بها بكافرين؟

قال جماعة من المفسرين: هم الصحابة ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾، وكأن المعنى: يقول الله عز وجل إذا كان هؤلاء المشركون مستمرون على شركهم، ولا يرعون عن غيهم، ويفعلون ما يفعلون فلا تلتفت إليهم، فإنَّ الله قد عوضك بمن هم خير منهم ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلْأَوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ ثم من اتبعوهم بإحسان.

فيدخل فيها أيضًا من اتبعوهم بإحسان، وهذا ما اختاروه هنا في التفسير، قالوا: وهم ﴿ٱلْمُهَـٰجِرِينَ وَٱلْأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَـٰنٍ﴾ إلى يوم الدين.

ومن المفسرين من قال: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا۟ بِهَا بِكَـٰفِرِينَ﴾ وهم الأنبياء والمرسلون، أي: قد وكل الله بهذه النبوة وبهذه الكتب أناس حفظوها وأدوها، وهم الأنبياء والمرسلون.

ومن أهل العلم من قال لا مانع من حملها على الوجهين

﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾

ثم قال الله: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ أولئك الأنبياء والمرسلون الذين هدى الله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ﴾ أي: أولئك الذين هداهم الله الهداية الكاملة، بهذا الأسلوب؛ إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾: المبتدأ، ﴿ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ الذين: الخبر، أي: أولئك الذين هدى الله هداية تامة وكاملة، فلا أكمل في الهداية من أنبياء الله ورسله.

قال ﴿فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهؤلاء الأنبياء والمرسلين، وإذا كان الرسول مأمورًا بذلك فنحن أيضًا مأمورون بذلك؛ لأننا متبعون للرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنه أنه سجد في سجدة "ص"، وسئل عن ذلك فقال: "سجدها داوود عليه السلام وهو ممن أمر نبيكم بالاقتداء به" ثم قرأ الآيات وفيها ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ﴾ لأن الله ذكر فيمن ذكر من هؤلاء داوود عليه السلام

﴿فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾

﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ هذه دعوة الأنبياء والمرسلين، أنهم لا يطلبون من الناس أجرًا ولا ثوابًا، ولا يريدون منهم جزاءً ولا شكورًا

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ قالوا هنا: فالقرآن ليس إلا موعظة للعالمين من الإنس والجن؛ إذا على ما يعود الضمير ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾؟ على القرآن الكريم

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ وهنا جاء التعبير بذكرى، مع أنَّ هذه الآية تكررت لكن بلفظ "ذكر" ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ لكن التعبير هنا بذكرى -والعلم عند الله- مناسب للسياق؛ فإنَّ الله عز وجل قال قبلها ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا﴾ فعبر عنها بالمؤنث، فقال هنا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ﴾أي: هذا الذي نزله الله؛ ولأن الله عز وجل كرر كلمة ذكرى في الآيات، كما قال ﴿وَلَـٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، فكان هذا مناسبًا لذلك، بخلاف ما جاء مثلًا في سورة التكوير، فإنه قال قبلها ﴿إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ فناسب هذا أيضًا ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ والعلم عند الله تبارك وتعالى.

من فوائد الآيات:

* من فضائل التوحيد أنه يضمن الأمن للعبد خاصة في الآخرة حين يفزع الناس

* تقرر الآيات أن جميع من سبق من الأنبياء ﴿أَنَّمَا﴾ بلغوا دعوتهم بتوفيق الله تعالى لا بقدرتهم

* الأنبياء يشتركون جميعا في الدعوة إلى توحيد الله تعالى مع اختلاف بينهم في تفاصيل التشريع

* الاقتداء بالأنبياء سنة محمودة وخاصة في أصول التوحيد

قال الشيخ حفظه الله:

* من فضائل التوحيد أنه يضمن الأمن للعبد خاصة في الآخرة حين يفزع الناس، قال الله سبحانه وتعالى ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ﴾ وهذا في حق ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟ إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ

* تقرر الآيات أن جميع من سبق من الأنبياء ﴿أَنَّمَا﴾ بلغوا دعوتهم بتوفيق الله تعالى لا بقدرتهم، فهذا كان من توفيقه سبحانه وتعالى، ولذلك قال ﴿كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ﴾ فكل هؤلاء ربنا سبحانه وتعالى هو الذي وفقهم، وأيضًا ﴿وَٱجْتَبَيْنَـٰهُمْ وَهَدَيْنَـٰهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

* الأنبياء يشتركون جميعًا في الدعوة إلى توحيد الله تعالى مع اختلاف بينهم في تفاصيل التشريع، ولذلك قال ﴿ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾فهذا معناه أنهم كلهم دعوا إلى توحيد الله عز وجل

*الاقتداء بالأنبياء سنة محمودة وخاصة في أصول التوحيد ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ وأما في الشرائع فبينهم اختلاف كما بين الله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.

والهاء في قوله ﴿ٱقۡتَدِهۡۗ﴾يقال لها هاء السكت، لكنها هنا تثبت في السكت وكذلك في الوصل، مطابقة لرسم المصحف كما هو معلوم.

قال الله سبحانه ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة