مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الأنعام — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 290 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

من عدل الله تعالى أنه يجمع العابد والمعبود والتابع والمتبوع في عرصات القيامة؛ ليشهد بعضهم على بعض، من جمع الله سبحانه وتعالى العابد والمعبود ما يجيء في قوله ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ والتبرؤ هذا كثير في القرآن ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ [الأحقاف: 6]

ليس كل من يسمع القرآن ينتفع به، فربما يوجد حائل ختم القلب، أو الصمم عن الانتفاع، أو غير ذلك كما في قوله سبحانه ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾

قال الله سبحانه ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾

﴿بَلْ﴾ حرف إضراب، والآيات التي قبلها أو الآية التي قبلها ﴿فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾

فرد الله عليهم ﴿بَلْ﴾، ليس الأمر كما قالوا من أنهم لو ردوا لآمنوا، ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ قالوا هنا أي: بل ظهر لهم ما كانوا يسترون من قولهم ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ حين شهدت عليهم جوارحهم، فحينئذ تنطق الجوارح وتبين أنهم كاذبون في دعواهم

ولذلك لا تعارض بين الآية التي سبقت معنا ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ من قولهم وبين قوله ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 42]، فإنَّ مقامات يوم القيامة طويلة، أو المواقف في يوم القيامة طويلة

◂وقال بعضهم هم يقولون ذلك، ثم إذا شهدت الأرجل أو إذا شهدت الجوارح فحينئذ ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا﴾

قال الله بعدها ﴿وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ أي: لو قدر لهم أنهم رجعوا إلى الدنيا، لرجعوا إلى ما نهوا عنه من الكفر والشرك، ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ في وعدهم بالإيمان إذا رجعوا

وهذه الآية من الأدلة التي يضرب بها العلماء المثال لقول أهل الاعتقاد أن الله سبحانه وتعالى عالم بما لم يكن لو كان كيف يكون، فالله سبحانه وتعالى يعلم خبث هؤلاء، وأنهم وإن ادعوا أنهم إذا رجعوا إلى الدنيا عملوا الصالحات، فإنهم في هذا الأمر ليسوا بصادقين ﴿وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾

﴿وَقَالُوٓا۟ إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

﴿وَقَالُوٓاْ﴾ أي: وقالوا أيضًا: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا﴾ هكذا بأسلوب الحصر

﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ فهم ينكرون البعث، ولا يقرون إلا بالحياة الدنيا

﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ ۚ قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا ۚ قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

قال الله ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمْ﴾ أين جواب ﴿وَلَوْ﴾؟ مقدر، وهذا كثير في القرآن الكريم، وهو يدل على أن هذا الجواب فخم وأنه عظيم، وفيه زيادة تهويل فلتذهب النفس فيه كل مذهب

فالمعنى ﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟﴾ أي: حبسوا على ربهم لرأيت العجب من سوء حالهم

ثم قال: ﴿قَالَ أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ﴾ وهذا أسلوب استفهام تقريري، يقرِّعهم الله عز وجل، وهذا التقرير يتبعه التوبيخ لهم، والإنكار عليهم أيضًا، لكن في الأصل هو أسلوب تقرير

﴿أَلَيْسَ هَـٰذَا بِٱلْحَقِّ﴾ يعني: أليس هذا البعث الذي كنتم تكذبون به حقًا ثابتًا لا مرية فيه ولا شك

بناءً عليه، فعلى ما يعود الضمير في قوله "هذا"؟ يعني أليس هذا البعث الذي كنتم تنكرونه في الدنيا؟ أليس حقًا وقد وقع ولا شك ولا مرية فيه، ﴿قَالُوا۟ بَلَىٰ وَرَبِّنَا﴾ يقسمون على صحته لأنه وقع ولا مجال لإنكاره

﴿قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ ولأن المقام في مقام المحاورة أو المقاولة لم تأتِ الفاء كما تقدم التنبيه على ذلك مرارا قال: ﴿قَالَ فَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي: بسبب كفركم

﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ ۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾

﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ﴾ كذبوا بلقاء الله وكذبوا بالبعث ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتْهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ ﴿يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا﴾ يعني: قصرنا فيها، في جنب الله

﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ يعني: يحملون سيئاتهم فوق ظهورهم، ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾، قالوا هنا: ﴿إِلَّا﴾ قبح ما يحملون من تلك السيئات؟ نعوذ بالله من ذلك

﴿وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

ثم قال الله ﴿وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ إن الذي صرفهم عن طاعة الله، وعن الإيمان بالله، والإيمان بالبعث، الاغترار بالحياة الدنيا

﴿وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ بهذا الأسلوب أيضًا وهو أسلوب القصر، وفيه قصر موصوف على الصفة، فقصر "﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾" على "اللعب واللهو"، وهو قصر كما يقال قصر تنزيلي؛ لأن الحياة فيها أشياء أخرى، لكن هؤلاء كانت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ لا تمثل عندهم إلا اللعب واللهو

ونقول هنا إنه قصر تنزيلي، وهذا أدب من أن نقول أنه قصر ادعائي، من باب التأدب مع القرآن الكريم

قال ﴿وَلَلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والقراءة الأخرى ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾

والفرق بين القراءتين أنه على قراءة الجمهور ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.. يكون هناك التفات لأن المعنى ﴿قَالُوا۟ يَـٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ﴾ فكان المتوقع أن يقال أيضًا ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ لكن جاء الخطاب لهم والتفت إليهم ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أما لديكم عقل تعتبرون به وتتعظون وتعودون إلى الله سبحانه وتعالى؟

ثم قال ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

هنا إشكال في الظاهر، قد يقرأ قارئ هذه الآية فيقول:"إن الله يقولإنهم لا يكذبونك كيف لا يكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن نسمع في كل وقت وفي كل مكان من يكذب برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم"

فيقال: المعنى فإنهم لا يكذبونك في أنفسهم، يعني قد يعلنون بألسنتهم التكذيب، لكنهم في قرارة أنفسهم، وفي حقيقة أمرهم، لا يكذبون بالرسول -صلى الله عليه وسلم-

لذلك أحسنوا هنا في التفسير حينما قالوا: "نحن نعلم أنك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول يحزنك تكذيبهم لك في الظاهر فاعلم أنهم لا يكذبونك في أنفسهم"، فقولهم هنا في المختصر "في أنفسهم" قيد مهم في التفسير، يعني فإنهم لا يكذبونك في أنفسهم، وإن كانوا في ظاهر الأمر قد يكذبون

﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، ولم يقل "ولكنهم بآيات الله يجحدون"؛ لتسجيل الظلم عليهم، فهذا من وضع الظاهر في موضع المضمر

﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾

ثم قال ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، يعني إن كُذبت ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا﴾

﴿أُوذُوا﴾: تعرضوا للإيذاء ﴿حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ أي: لما كتبه الله عز وجل من النصر ووعد به رسله صلوات الله وتسليماته عليه

﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ والمراد بكلمات الله هنا: ما بينه الله من النصر، والتمكين، وما إلى ذلك؛ لأن بعض الناس يستدلون بهذه الآية ونظائرها، كقوله ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ [يونس: 64] يقولون إذًا ليس هناك في القرآن نسخ؛ لأن الله نفى تبديل كلمات الله.

◂فيقال: المراد بكلمات الله هنا: الكلمات المتعلقة بتأييده ونصره وما إلى ذلك

ثم إنه ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ أو ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ أي: من الخلق، وأما الله سبحانه وتعالى فإذا شاء أن ينسخ نسخ، فإنَّ الأمر له هذا كلامه سبحانه

﴿وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾

وقوله ﴿حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا﴾ يعني ألفت إلى لفتة يسيرة إلى قوله ﴿حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا﴾؛ لأن إتيان النصر حين جاء، كان قبل مجيئه غيبًا عليهم، أو غيبًا عنهم؛ فلذلك عبر بقوله ﴿أَتَىٰهُمْ﴾؛ لأن الإتيان يكون مع الشيء الغائب، بخلاف المجيء، فإنه يكون في حالة الوضوح، لذلك بعدها قال ﴿وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾؛ لأن هذا المجيء مجيء وضوح لا غموض فيه، والكلام عن الفرق بينهما كلام طويل، وقد فصلت القول فيه في تحفة الأريب

﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾

قال الله سبحانه بعد ذلك ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي: شق عليك إعراضهم، ﴿فَإِنِ ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى ٱلسَّمَآءِ فَتَأْتِيَهُم بِـَٔايَةٍ﴾ أي: فافعل، يعني: إن كان شق عليك إعراضهم، مع أنَّ الله أيدك بالمعجزة الباهرة بالقرآن الكريم، فماذا أنت صانع؟ إن ﴿ٱسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقًا فِى ٱلْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ تأتيهم بأي آية، فتأتيهم بآية فافعل فإنهم لن يؤمنوا، يعني: لا تتعب نفسك، مهما صنعت فهؤلاء لا يؤمنون ولا يستجيبون

﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ أي: "بذلك" فتذهب نفسك حسرات على أنهم لم يؤمنوا

ومن المعلوم أن النهي في قوله ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ لا يستلزم أن الرسول صلى الله عليه وسلم وقع في الجهل؛ لأن النهي عن الشيء لا يلزم أن من نُهي عنه قد وقع في هذا المنهي عنه، وإنما هو تحذير له، وأيضًا بيان ليستمر الرسول صلى الله عليه وسلم على تركه الجهل، وهو كذلك صلى الله عليه وسلم تارك للجهل وما يقتضيه مقبل على العلم، قائم به -صلوات الله وتسليماته عليه-

بيان أن المشركين وإن كانوا يكذبون في الظاهر فهم يستيقنون في دواخلهم بصدق النبي صلى الله عليه وسلم

تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته بإعلامه أن هذا التكذيب لم يقع له وحده، بل هي طريقة المشركين في معاملة الرسل السابقين

قال الشيخ حفظه الله:

بيان أن المشركين وإن كانوا يكذبون في الظاهر فهم يستيقنون في دواخلهم بصدق النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِى يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾

تسلية النبي عليه الصلاة والسلام ومواساته بإعلامه أن هذا التكذيب لم يقع له وحده، بل هي طريقة المشركين في معاملة الرسل السابقين ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟﴾ الآية، فهذه فيها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ معه

قال الله سبحانه ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

المناسبة ظاهرة بين هذه الآية الكريمة وما سبق من آيات، فالآيات السابقة تحدثت عن القوم المعرضين الذين كذبوا الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأعرضوا عن دعوته

بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية مَن هذا الذي يستجيب، ما صفته؟ ما صفة المستجيبين لله؟ وما صفة المستجيبين لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ هؤلاء فقط هم الذين يستجيبون بهذا الأسلوب الذي هو أسلوب حصر، بقوله ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ المراد بالسماع هنا أيضًا: سماع الاستجابة، وسماع القلب؛ لأن الكفار يسمعون بآذانهم، لكن لا ينتفعون بها، فهذا معنى ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أي: يسمعون الكلام سماع استجابة وسماع قلب ويفهمونه

ثم قال ﴿وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

من المفسرين من قال أن المراد بالموتى: الكفار لأن الكفار كالموتى، فالمعنى على ذلك: "والكفار الموتى يبعثهم الله"، أي: هؤلاء الكفار لا يسمعون ولا يستجيبون، فيستمرون على غيهم إلى أن يموتوا، وبعد أن يموتوا يبعثهم الله سبحانه وتعالى

ومن أهل العلم من قال "والموتى" على بابها، فالمراد بالموتى: جميع الأموات يبعثهم الله أي: الذين يستجيبون هم الذين يسمعون وينتفعون وغيرهم معرض، والجميع يبعثهم الله سبحانه وتعالى يوم القيامة.

﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وتأملوا هنا قال ﴿يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وكأن البعث غير الرجوع، فلذلك قال بعضهم: ﴿يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ﴾: وهذا بإخراجهم من القبور﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾: بأن يصيروا إلى الله للموقف وللحساب وما إلى ذلك.

﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

ثم قال: ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ معروف أن الضمير هنا يعود بدلالة السياق على المشركين، ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: المشركين، قالوا ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ "لولا" يعني: هلا نزل عليه آية، أي: من الآيات التي يقترحونها على سبيل التعنت، فكانوا يقترحون بعض الآيات تعنتًا

قال: ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ فرد الله عليهم ﴿قُلْ﴾، وهذا أسلوب التلقين الذي مضى معنا مرارًا ﴿قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً﴾

ولعلكم تذكرون ما ذكرت في أول اللقاء، في أول الكلام في سورة الأنعام في مقاصدها أنها ردت على الشبهات، أعني شبهات المشركين تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وتجاه الوحي، من ذلك هذه الآية ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ﴾ يعني: نحن الذين نقترح، فقال الله ﴿قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ولا يلزم أن يأتي الله بما تقترحون، ثم إن الله سبحانه وتعالى يرحمكم ويلطف بكم، فإنه من سنة ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أنزل آية مما اقترحها هؤلاء ثم لم يؤمنوا أهلكهم الله سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا طَـٰٓئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾

فالكل مجموع إلى الله سبحانه وتعالى، والكل في قبضة الله فلا يعجزه شيء، ولا يعجزه أن ينزل آية سبحانه وتعالى، وقوله هنا ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ قالوا: وما من حيوان يتحرك فوق ٱلْأَرْضِ وَلَا طَٰٓئِرٍ ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾، يعني أجناس مثلكم

وقد قالوا في قوله ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ -ومعروف أن الطائر يطير بالجناحين لا بغيرهما-:

لكن قوله ﴿بِجَنَاحَيْهِ﴾ قالوا هذا أسلوب تأكيد، وهذا معروف في لغة العرب، فجاء القرآن بما هو معروف لديهم، كما يقال فلان يمشي برجليه، ويقال فلان يقول بلسانه، أو يقول بفمه وما إلى ذلك.

وأيضا قالوا: إن قوله ﴿وَلَا طَـٰٓئِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ فيه تصوير هذا المشهد؛ لأنه مشهد عجيب يدل على عظيم قدرة الله، ولا طائر يطير تذكروا أن هذا الطائر يطير بالجناحين، فهذا خلق الله مع أنه ضعيف لكن الله قواه بالجناحين.

وقالوا أيضًا لدفع توهم المجاز؛ لأن الطائر قد يطلق على غير الطائر المشهور، كقوله ﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُۥ فِى عُنُقِهِۦ﴾ [الإسراء: 13] فلما قال ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ علم أن المراد به هو الطائر المعروف.

قال ﴿إِلَّآ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾ أي: أجناس أمثالكم

﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ﴾: يعني ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبتناه، أي: هذا جميعه مثبت في اللوح المحفوظ؛ إذًا المراد بالكتاب في قوله ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ﴾: اللوح المحفوظ

وقد تقدم معنا أن الكتاب ورد في القرآن الكريم على عدة أوجه، منها ما جاء هنا وهو أن الكتاب جيء وأريد به اللوح المحفوظ، ودليل ذلك السياق ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾؛ لأن المقام مقام التحدث عن عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى، وأن الكل محفوظ عنده فالمراد به هو اللوح المحفوظ

ومن أهل العلم من فسر الكتاب بالقرآن الكريم ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ﴾، وبناء على هذا القول الذي قالوه، فيكون المراد ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلْكِتَـٰبِ مِن شَىْءٍ﴾ أي: مما ينتفع به الخلق بصفة عامة، وليس المراد أن في القرآن الكريم ذكر كل شيء على سبيل التفصيل، فيكون هذا كقوله سبحانه ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ تِبْيَـٰنًا لِّكُلِّ شَىْءٍ﴾ [النحل: 89] أي: مما ينتفع الناس به أو يحتاجون إليه في أمر دينهم

وإن كان القول الأول أقرب، وهو أن المراد بالكتاب هنا: اللوح المحفوظ

ثم قال ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ وهذا مقابل لما مضى في قوله ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

ثم قال الله: ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ ۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ ما وصفهم؟ كالصم والبكم في الظلمات، فيمكن أن نقول أن هذا هو التشبيه، ولنا أن نسميه بالتشبيه البليغ؛ لأنه حذفت فيه أداة التشبيه وهي الكاف وكذلك وجه الشبه، وهذا مضى معنا في سورة البقرة في قوله ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18]

وهناك قدرنا قوله "هم صم" لكن هنا لا نحتاج إلى تقدير؛ لأن الله صرح فقال ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ﴾ لذلك هناك اختلفوا في وجهها أتشبيه أم استعارة؟ أما هنا فالأمر واضح

﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا صُمٌّ﴾ لذلك قالوا هنا: مثل الصم الذين لا يسمعون، والبكم الذين لا يتكلمون، ما معنى في الظلمات؟ يعني وهم في الظلمات إذا في معنى "لا يبصرون"، فهي في معنى عمي في الآيات الأخرى، والله أعلم

ثم قال ﴿مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وأذكرك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، بأن السورة الكريمة -أعني سورة الأنعام- عنيت بذكر، أو اهتمت بذكر قضايا الضلال والهداية، والفرق بين حال المضل، وحال المهتدي.

﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾

ثم قال الله ﴿قُلْ﴾، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيضًا، عدنا إلى التلقين ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ هذا الأسلوب تكرر في هذه السورة ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾، ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾، ومتكرر أيضًا في القرآن الكريم أعني ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾، وكثير من المفسرين كما تقدم يفسرون ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ ونحوها من كلمات بأنها بمعنى "أخبروني"، لكننا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها تذكر في المقامات التي فيها تعجب، فيها شيء عجيب أو فيها أمر عجيب، ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ يعني: أخبروني هذا الشيء العجيب

وبعضهم يقول ﴿أَنَّمَا﴾ التعبير بقوله﴿أَرَءَيۡتُمۡ﴾، ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾: فيه استحضار الأمر المستفهم عنه، فليس المراد معنى أخبروني فقط، وإنما ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾ يعني: استحضروا هذا المستفهم عنه فإنه شيء عجيب، فكأنه حاضر أمامكم تبحثون فيه؛ لتراجعوا أنفسكم لو كان لديكم عقول، فكأن فيه تصوير هذا المستفهم عنه في الذهن، فلذلك يسأل عنه بقوله ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾ أو ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾

قال ﴿أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ لا شك أنهم وقت الضراء لن يدعوا إلا الله سبحانه وتعالى

﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾

﴿بَلْ إِيَّاهُ﴾ أيضًا جاء الجواب ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ وتقدم ﴿إِيَّاهُ﴾ للدلالة على الحصر، فأصل الكلام "بل تدعونه"، قال ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ يعني: لا تدعون إلا هو؛ لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وهنا تقدم المفعول وهو قوله ﴿إِيَّاهُ﴾، ﴿بَلْ إِيَّاهُ﴾أي: وحده سبحانه ﴿تَدۡعُونَ﴾، ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾

وقوله ﴿إِن شَآءَ﴾ فيه تقييد للمطلق في بعض المواضع كقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186] فيقال إذا شاء الله، بدليل هذا، وهذا فيه بيان ما ورد في السنة (ما من داع يدعو إلا كان بذلك إحدى ثلاث)، وبناء عليه فإذا تأخرت الدعوة، وما إلى ذلك فهذا داخل في قوله ﴿إِن شَآءَ﴾

﴿وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ يعني: تنصرفون عنهم ولا تلتفتون إليهم، فكما أنكم في وقت الضراء لا تسألون إلا الله فينبغي أن يكون هذا أيضًا في السراء أو في الرخاء

ثم قال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾

يبين الله سنته في خلقه، وأن الله عز وجل يبتلي الخلق ليتوبوا إلى الله وليرتدعوا عن غيهم، فهذه من سنة الله عز وجل في خلقه.

قال ﴿فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ ما معنى ﴿بِٱلۡبَأۡسَآءِ﴾؟ وهذا تكرر معنا كثيرًا، أو في مواضع عديدة في القرآن، "البأساء" قالوا: بالشدائد كالفقر، والضراء مثل المرض، قالوا: ما يضر أبدانهم كالمرض

﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ من أجل أن يتضرعوا، ويستكينوا، ويرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى، ويذلوا

﴿فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟ وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

﴿فَلَوْلَآ إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟﴾ يعني: فهلا ﴿إِذْ جَآءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا۟﴾ وتراجعوا عن غيهم ﴿وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ إذًا من فوائد الابتلاء:

◂أن يعود العبد إلى الله سبحانه وتعالى

◂أنها تكفير للسيئات وتذكير بالذنوب التي يقع فيها العبد؛ ليتوب منها إلى الله سبحانه وتعالى،

◂وأيضًا ليتضرع العباد إلى الله

﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾

قال ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ ما معنى ﴿نَسُوا۟﴾؟ قالوا :فلما تركوا، إذًا النسيان بمعنى الترك، كما مضى معنا في قوله ﴿۞ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]

قال ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾، والقراءة الأخرى ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾ ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: فتح استدراج، لا فتح إنعام؛ لأن الفتح فتحان:

فتح إنعام وهذا إذا كان العبد يطيع الله فيعطيه الله عز وجل، فهذا من فتح الإنعام.

وأما إذا كان العبد يعصي ومع ذلك يعطيه، لا، فهذا من فتح الاستدراج، ولذلك قالوا هنا: استدرجناهم بفتح أبواب الرزق عليهم، وإغنائهم بعد الفقر، وصححنا أجسامهم بعد المرض، حتى إذا أصابهم البطر وهذا معنى ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟﴾ واستولى عليهم الإعجاب بما متعوا به جاءهم عذابنا فجأة وهذا معنى قوله: ﴿أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً﴾ فهذا فتح استدراج، ولذلك H0

وقوله ﴿فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ قالوا: متحيرون يائسون مما يأملون، فهذا كله في معنى قوله ﴿مُّبْلِسُونَ﴾

من فوائد الآيات:

تشبيه الكفار بالموتى بأن الحياة الحقيقية هي حياة القلب بقبوله الحق واتباعه طريق الهداية

قال الشيخ حفظه الله:

تشبيه الكفار بالموتى؛ لأن الحياة الحقيقية هي حياة القلب بقبوله الحق واتباعه طريق الهداية، وهذا في قوله ﴿وَٱلْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ﴾ وهذا على أحد القولين في تفسير الآية الكريمة، وهذا موجود في القرآن ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ [الروم: 52] فقد قيل أن المراد بهم أيضًا الكفار

من حكمة الله تعالى في الابتلاء: إنزال البلاء على المخالفين؛ من أجل تليين قلوبهم، وردهم إلى ربهم، وهذا في قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾

وجود النعم والأموال بأيدي أهل الضلال لا يدل على محبة الله لهم، وإنما هو استدراج وابتلاء لهم ولغيرهم، وذلك في قوله ﴿فَلَمَّا نَسُوا۟ مَا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَٰبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُوا۟ بِمَآ أُوتُوٓا۟ أَخَذْنَـٰهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾، ولذلك قرر الله هذا في مواضع: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: 55-56]، وقال في قوله ﴿فَأَمَّا ٱلْإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَـٰنَنِ﴾ [الفجر: 15-16]، فأجاب الله، ﴿كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ إلى غير ذلك من آيات كريمة

قال الله ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ۚ وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

﴿دَابِرُ ٱلْقَوْمِ﴾ يعني آخر القوم الذين كفروا باستئصالهم جميعا بالإهلاك

﴿وَٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فالله يحمد على نصرته لأهل الإيمان، وعلى إهلاكه للكافرين، فالله يحمد على الأمرين، ولذلك في ختام سورة الزمر، بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى ما آل إليه الكفار، وما آل إليه أهل التقوى قال: ﴿وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الزمر: 75]، فنصرة المؤمنين، وإهلاك الكافرين هذا مما يقتضي حمد الله سبحانه وتعالى عليه.

ثم قال ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَـٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾

لذلك ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ لا يقال فقط أنها بمعنى أخبروني، لكن أعلى من ذلك أنه يستحضر المستفهم عنه، وكأنه مشاهد أمامك، من منا يتحمل هذا، إذا أخذ الله سمع الإنسان، أو بصره، أو ختم على قلبه؟ هل هناك إله غير الله يعود بهذه الأشياء إلى الإنسان؟ ﴿مَّنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ﴾ ولذلك هذا الاستفهام فيه إنكار

قال ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ :يعني يعرضون عنها

﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾

﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ﴾ وهنا جاء بالتأكيد بذكر الكاف،وقبلها ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ﴾، هنا قال ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ﴾ لأن الأمر أشد، فهذا مناسب للمقام

﴿إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ﴾ وليس فقط ﴿إِنْ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمْعَكُمْ﴾ وَأَبْصَٰرَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا ٱلْقَوْمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ وقوله ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾: يعني لا يهلك إلا قوم الظالمون فالله لا يظلم أحدا

ثم قال ﴿وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ۖ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

وهنا ذكر التبشير والإنذار؛ لأن هذا من مقاصد الرسالة، قال ﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وفيه أيضًا: أن الرسل وأتباعهم يجمعون بين الإيمان، وبين الصلاح، بل والإصلاح؛ لذلك قال ﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ﴾ فهم يجمعون بين الإيمان والإصلاح ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلْعَذَابُ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾

﴿بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ أي: بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله.

﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾

يعني أنا بشر، ولست إلها، ولا أزعم أني إله، وأنا لا أعلم الغيب ولا أدعي شيئًا من ذلك، وإنما أنا عبد الله ورسوله، فالله يلقنه هذه الحجة ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾ هذه رسالتي

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ﴾ "هل" أيضًا استفهام بمعنى النفي، أي: لا يستوي الأعمى والبصير

﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ وهذا الاستفهام هنا إنكاري، وفيه أيضًا التوبيخ، وفيه الحث على التفكر في آيات الله سبحانه وتعالى

﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾

ثم قال ﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله ﴿وَأَنذِرْ بِهِ﴾؟ على القرآن الكريم أي: وأنذر بالقرآن ﴿ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾

وأنت حينما تتأمل الآيات القرآنية تجد أن الإنذار بالقرآن جاء في بعض المواضع على سبيل العموم، وفي بعضها جاء على سبيل الخصوص:

◂فمن العموم قوله سبحانه ﴿أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ [يونس: 2]، فالقرآن إنذار لجميع الناس.

◂وفي بعض المواضع جاء بالتخصيص كهذه الآية، ﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾

فما السر في ذلك؟

◂أما على وجه العموم فلأن دعوة الرسول عامة

◂وأما ما جاء على وجه الخصوص كهذه الآية، فلأنهم المنتفعون بالإنذار، فالإنذار وإن كان عامًا لكن من الذي ينتفع بالإنذار بالقرآن؟ إنهم الذين يخافون ربهم والذين يخافون الحشر، والنشور، والبعث، والآخرة كقوله تعالى ﴿فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: 45]

ولذلك تقدم معنا أيضًا في سورة يس ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: 11]

قال ﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ قالوا هنا في قوله سبحانه وتعالى ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، قالوا: يتقون الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأيضا يتقون النار؛ لذلك تقدم أن حذف المتعلق يدل على العموم يعني يتقون الله ويتقون النار، وبينهما تلازم؛ فإنه من اتقى الله فقد اتقى النار

قال ﴿وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

هذه الآية الكريمة جاءت بعد الآيات السابقة؛ للدلالة على أنه إذا كان هؤلاء قد أعرضوا وكذبوا، فهناك قوم آخرون آمنوا بك يا رسول الله، لكنهم مبتلون بالضراء، أو مبتلون بالفقر، فهذا لا يحملك على أن تتركهم، أو عن أن تمتنع من مجالستهم، بل هم أولى بالمجالسة؛ لأنهم يقبلون دعوتك ولعل هؤلاء هم المذكورون وأمثالهم هم المذكورون في قوله ﴿وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾ وهذا من وجه الارتباط، أي: ومن ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوٓا۟ إِلَىٰ رَبِّهِمْ هؤلاء الذين ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ﴾، والمشركون يريدون منك أن تطردهم

وقد ثبت أن هذه الآية الكريمة نزلت في حق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "نزلت فيَّ هذه الآية وفي ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم"، سمى منهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، حينما قالوا: "تدع هؤلاء وتدني هؤلاء منك، تجلس هؤلاء وهم فقراء وهم كذا وكذا، كيف تجلسهم وتريد منا أن نجلس إليك؟ وأن نجلس معك؟"، فأنزل الله ﴿وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ﴾ ومعنى ﴿بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ﴾ كما فسروا هنا: في أول النهار وآخره، يعني أنهم في عبادة مستمرة لله سبحانه يريدون وجهه أي: عندهم إخلاص

﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ﴾ قالوا هنا: ليس عليك من حساب هؤلاء الفقراء شيء، ﴿أَنَّمَا﴾ حسابهم عند ربهم، وظاهرهم أنهم يطيعون الله ويستجيبون رسول الله صلى الله عليه وسلم

﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ أي: إن فعلت ذلك فطردتهم ﴿فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ ولذلك جاء قوله ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ بالنصب هنا؛ لأن الفاء هنا فاء سببية جاءت في جواب النهي في قوله ﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾

قال بعد ذلك ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ أي: إن وقع منك ذلك، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يدنيهم منه، ويقربهم منه -صلوات الله وتسليماته عليه-.

وفي معنى هذه الآية آية سورة الكهف ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: 28] إلى آخر الآية الكريمة.

من فوائد الآيات:

الأنبياء بشر ليس لهم من خصائص الربوبية شيء البتة، ومهمتهم التبليغ، فهم لا يملكون تصرفَا في الكون، فلا يعلمون الغيب، ولا يملكون خزائن رزق، ونحو ذلك

قال الشيخ حفظه الله:

الأنبياء بشر ليس لهم من خصائص الربوبية البتة، ومهمتهم التبليغ، فهم لا يملكون تصرفًا في الكون، فلا يعلمون الغيب ولا يملكون خزائن رزق ونحو ذلك، وهذا واضح كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ﴾

اهتمام داعية بأتباعه وخاصة أولئك الضعفاء الذين لا يتبعون سوى الحق، وهذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُۥ﴾

أيضًا إشارة الآية إلى أهمية العبادات التي تقع أول النهار وآخره، وذلك في قوله ﴿بِٱلْغَدَوٰةِ وَٱلْعَشِىِّ﴾

قال الله سبحانه ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

كما أن الله سبحانه وتعالى بين لنا تفاوت الناس في حظوظهم، وتفاوت الناس في أعمالهم، فهناك الكافرون الذين ينكرون وجود هؤلاء الأصحاب الفقراء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهناك الفقراء المؤمنون بالله وبرسوله

﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ مثل ذلك ﴿فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ وقعت الفتنة من بعضهم ببعض. هذا وجه في قوله ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ في التشبيه في المشبه به والمشبه

◂وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل هو من تشبيه الشيء بنفسه، إلى غير ذلك مما ذكروه

﴿فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾ قالوا هنا: ابتلينا بعضهم ببعض، فجعلناهم متفاوتين في حظوظهم الدنيوية، كما قال الله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20]، فهناك الغني وهناك الفقير، وهناك القوي وهناك الضعيف، فهؤلاء التفتوا إلى المؤمنين من الضعفاء وقالوا: ﴿أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ﴾ بهذا الاستفهام الذي فيه إنكار وتعجب، كيف يمن الله على هؤلاء ويكونون أفضل منا؟ وخفي على هؤلاء أن العبرة ليست بالقوة، ليست بالمال ولا بالحسب ولا بالنسب، ولكن من أقبل بقلبه على الله فهو الموفق الذي وفقه الله

فرد الله عليهم ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ وفيه تقرير؛ فالله أعلم بالشاكرين، وأعلم من يستحق أن يؤمن ومن لا يؤمن، وهو سبحانه وتعالى أعلم بمن هو أهل للهدى ومن هو ليس كذلك

ثم قال الله ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

﴿فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ﴾: يعني رحب بهم يا رسول الله ﴿فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ﴾، رُدَّ عليهم السلام؛ إكرامًا لهم، وبشرهم ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾ بشرهم بذلك ﴿أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

وقد تقدم معنا في سورة النساء في قوله ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ [النساء: 17] بأن العلماء قالوا: "إن كل من عصى الله فهو جاهل"، والإنسان إذا وقع في المعصية فبسبب جهل منه؛ فلذلك قال هنا ﴿مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ﴾ فهنا التوبة والإصلاح، ﴿فَأَنَّهُۥ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ سبحانه وتعالى.

﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾

ثم قال ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْءَايَـٰتِ﴾ أي: وكما بينا لك ما ذكر نبين أدلتنا، إذًا بينوا المشبه به والمشبه، وكذلك أي: مثل التفصيل الذي فصلناه، والبيان الذي بيناه نبين الآيات أو نفصل الآيات

﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾: لتتضح سبيل المجرمين، فحين تتضح يبتعد عنها أهل الإيمان، ولذلك هذا من باب: "عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه *** ومن لا يعرف الشر يقع فيه"

ومن باب قول حذيفة رضي الله عنه (كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير

وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني)

ومنهم من قال هنا أسلوب اكتفاء، أي: ولتستبين سبيل المجرمين والمؤمنين، ومعلوم أنه إذا استبان سبيل المجرمين، فإنه يعلم سبيل أهل الإيمان

وقوله ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ فيها ثلاثة قراءات:

﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ وهذا فيه: أن السبيل يستعمل معه المؤنث، فتقول تستبين سبيل: تقول هذه سبيل.

والقراءة الأخرى ﴿وَلِيَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾، فالسبيل أيضًا يستعمل معه التذكير؛ لذلك يقال: هذا سبيل وهذه سبيل.

والقراءة الثالثة ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾: يعني: "ولتستبين أنت يا رسول الله سبيل المجرمين".

﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾

يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يبين لهم أنه منهي عن عبادة ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ، ﴿قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾

﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ أي: إذا اتبعت أهوائكم وأنا لا أتبع أهوائكم، ولذلك فهو مهدي -صلى الله عليه وسلم-

﴿قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ﴾

﴿قُلۡ إِنِّي﴾، تأملوا (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾) يتكرر هذا وهو أسلوب التلقين،﴿عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى﴾ على حجة وبرهان دليل ساطع في أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق، ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِۦ﴾ لكنكم تكذبون بالله سبحانه وتعالى، أو تكذبون بآيات الله؛ لذلك قالوا هنا في التفسير: وأنتم كذبتم بهذا البرهان، مع أنَّ قبلها ﴿عَلَىٰ بَيِّنَةٍ﴾، فجاءت مؤنثة، ثم قال ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِۦ﴾ بالتذكير؛ لأن البينة في معنى البرهان، ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِۦ﴾أي: بهذا البرهان الذي هو البينة

﴿مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ﴾ لأنهم كانوا يستعجلون بالعذاب، ليس عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ من العذاب، أو الآيات الخارقة التي طلبتموها، هذا ليس إلي، وإنما هو إلى الله سبحانه وتعالى، ومن استعجالهم العذاب ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [يونس: 48] وقال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ [الحج: 47] فهذا معروف ووارد عنهم بكثرة.

قال الله سبحانه ﴿قُلْ إِنِّى عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّى وَكَذَّبْتُم بِهِۦ ۚ مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦٓ ۚ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ﴾ والقراءة الأخرى: ﴿يَقْضِي ٱلۡحَقَّۖ﴾، ﴿يَقُصُّ ٱلْحَقَّ﴾ و ﴿يَقْضِي ٱلۡحَقَّۖ﴾ فالله سبحانه يقص الحق ويبينه، ويقضي به سبحانه ﴿وَهُوَ خَيْرُ ٱلْفَـٰصِلِينَ﴾، سبحانه عز وجل

﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

﴿قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ لانتهى الأمر، لكن الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده.

قال: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لهم لو كان عندي وفي قبضتي ما تستعجلون به من العذاب لأنزلته بكم، لكن الله سبحانه وتعالى لا يعجل لعجلة أحد، وإنما جعل لكل شيءأجلًا سبحانه وتعالى فهو منتهٍ إليه.

قال ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِٱلظَّـٰلِمِينَ﴾.

ثم ذكر الله وبين أنه عالم الغيب وعالم كل شيء سبحانه، قال:

﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾

وتأمل هذه الآية فيما سبق في قول الله للرسول ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ الذي يعلمه هو الله سبحانه وتعالى، وكما قال الله ﴿عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا﴾ [الجن: 26-27]

قال هنا: ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾

فسر النبي صلى الله عليه وسلم مفاتح الغيب كما في حديث ابن عمر في البخاري قال: مفاتيح الغيب خمس أي أعظمها خمس، ثم ذكر خاتمة سورة لقمان، ثم قرأ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِى نَفْسٌۢ بِأَىِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌۢ﴾ [لقمان: 34]

قال هنا ﴿لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾ فهو يعلم سبحانه ما هو كامن في البر والبحر، يعلمه الله

﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ وتأمل هنا ﴿مِن وَرَقَةٍ﴾ نكرة في سياق النفي ودخلت عليها ﴿مِن﴾، وكل هذا للدلالة على العموم، بل على التنصيص في العموم "وما تسقط ﴿مِنْ أَىِّ﴾ ورقة ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾

﴿وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ﴾ هذه الحبة الضعيفة الصغيرة في ظلمات الأرض يعلمها الله، لا تخفى عليه، ثم عمم بعد تخصيص، قال: ﴿وَلَا رَطْبٍ﴾ أي رطب، ﴿وَلَا يَابِسٍ﴾ ولا أي يابس ﴿إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ قالوا: إلا كان مثبتا في كتاب واضح هو اللوح المحفوظ، فالمراد بالكتاب المبين أيضًا: اللوح المحفوظ

من فوائد الآيات:

الله تعالى يجعل العباد بعضهم فتنة لبعض، فتتفاوت درجاتهم في الرزق وفي الكفر والإيمان، والكفر والإيمان ليس من بسعة الرزق وضيقه

على الداعية اجتناب الأهواء في عقيدته، ومنهجه، وسلوكه

إثبات تفرد الله عز وجل بعلم الغيب وحده لا شريك وسعة علمه في ذلك، وأنه لا يفوته شيء ولا يعزب عنه من مخلوقاته شيء إلا وهو مثبت مدون عنده سبحانه بأدق تفاصيله

قال الشيخ حفظه الله:

الله تعالى يجعل العباد بعضهم فتنة لبعض، فتتفاوت درجاتهم في الرزق وفي الكفر والإيمان، والكفر والإيمان ليس منوطا بسعة رزق وضيقه، قال ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ وقد تقدم معنا في سورة الزخرف بيان أن الله سبحانه وتعالى فاضل بين الناس في الرزق؛ لحكم كثيرة

◂منها: الابتلاء، كهذه الآية ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ﴾ فهذا يدل على أن التفاضل في الأرزاق من حكمه: الابتلاء، وكقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: 20]

◂ومن حكم ذلك: منع الفساد في الأرض، ﴿۞ وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرٌۢ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: 27]

◂ومن أيضًا فوائد ذلك خدمة بعضنا لبعض، كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32]

من أخلاق الداعية طلاق الوجه، وإلقاء التحية، والتبسط والسرور بأصحابه، وذلك في قوله ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ﴾ رحب بهم﴿فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾أي: وبشرهم

على الداعية اجتناب الأهواء في عقيدته، ومنهجه، وسلوكه؛ ولذلك أمر الله نبيه ﴿قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾

إثبات تفرد الله عز وجل بعلم الغيب وحده لا شريك له وسعة علمه في ذلك، وأنه لا يفوته شيء ولا يعزب عنه من مخلوقاته شيء إلا وهو مثبت مدون عنده سبحانه بتفاصيله، وذلك في قوله ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾

قال الله سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌ مُّسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

هذه الآية الكريمة فيها تقرير وبيان لم؟ لقدرة الله سبحانه وتعالى، أو لبعض مظاهر قدرة الله عز وجل ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ﴾ أي: وهو سبحانه الذي يقبض أرواحكم عند النوم قبضًا مؤقتًا، وهذا كما قال الله سبحانه ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَٱلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ ٱلَّتِى قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلْأُخْرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ [الزمر: 42]

ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ من نومه قال: "الحمد لله الذي أحيانًا بعدما أماتنا وإليه النشور"

﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيْلِ﴾ باعتبار أن غالب النوم يكون بالليل

﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِٱلنَّهَارِ﴾ أيضًا باعتبار أن غالب الكسب يكون بالنهار، وإلا فقد يكسب الإنسان في الليل، فذكر هنا الأغلب من الحالين، ﴿وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم﴾ يعني كسبتم بالنهار

﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ قالوا: يبعثكم فيه أي: في النهار؛ لتقوموا بأعمالكم، ﴿لِيُقْضَىٰٓ أَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ حتى تنتهي آجال حياتكم ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾

﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ﴾ أيضًا هذا أسلوب تقريري، وتقدم أن هذا أحد أسلوبين تكررا في السورة الكريمة أسلوب التقرير، وأسلوب التلقين، فهنا تقرير، تأمل ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُم﴾ وقبلها ﴿۞ وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ وهنا ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ﴾ وتقدم قوله ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ وهذه الآية ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ قالوا أيضًا: والله هو الغالب على عباده، هذا من معاني القاهر، القاهر: الغالب على عباده، المذلل لهم، لذلك يقال قهرهم أي: ذللهم

قالوا: العالي عليهم من كل وجه، أيضًا من معاني القهر العلو، قالوا: الذي خضع له كل شيء فوق عباده فوقية تليق بجلاله، أي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه (أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء)

قال ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ أي: ملائكة تحصي أعمالكم حتى ينتهي أجل أحدكم بقبض ملك الموت وأعوانه روحَه، وهم لا يقصرون وهذا معنى ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ﴾ حضرته المنية ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ أي: الملائكة، ﴿وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾

* ولا تعارض بين هذه الآية والآيات الأخرى، كقوله سبحانه ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلْأَنفُسَ﴾ ففيه أن الذي يتوفى هو الله، وتقدم وهو الذي يتوفاكم بالليل، وقوله سبحانه ﴿قُلْ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ﴾ [السجدة: 11]

◂فإن المتوفِّي على التحقيق هو الله، هو الذي يتوفى، وهو الذي يأذن بذلك سبحانه وتعالى، وملك الموت يباشر ذلك، والملائكة أعني ملائكة الموت تكون أعوانا له، فلا تعارض بين الآيات كلها بفضل الله سبحانه

﴿ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ﴾

قال ﴿ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ﴾ و"ردوا" أي: رُدُّوا جميع من قبضت أرواحهم إلى الله ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ﴾ ما معنى ﴿مَوْلَىٰهُمُ﴾؟ أي: مالكهم، وخالقهم الحق سبحانه وتعالى

* ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله سبحانه في سورة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوْلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾؛ ففي آية محمد صلى الله عليه وسلم نفى أن يكون هناك مولى للكافرين، وهنا قال ﴿ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ﴾؛

◂فيقال لأن "المولى" في سورة محمد ﴿وَأَنَّ ٱلْكَـٰفِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ بمعنى: لا ناصر لهم، وأما "المولى" هنا ﴿ثُمَّ رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلَىٰهُمُ ٱلْحَقِّ﴾ أي: إلههم، ومالكهم الحق سبحانه وتعالى، وهو إله الخلق كلهم كما لا يخفى

قال ﴿أَلَا لَهُ ٱلْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ ٱلْحَـٰسِبِينَ﴾.

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم﴾ انتقلنا إلى أسلوب التلقين، ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ﴾ والاستفهام هنا للتقرير الذي يتبعه الإنكار، ففيه تقرير لهم، ﴿مَن يُنَجِّيكُم﴾، وفيه إنكار لهم، لماذا لا تلجأون إلى الله في السراء كما تلجأون إليه في الضراء؟

﴿مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ والقراءة الأخرى ﴿وَخُفْيَةً﴾ قراءة شعبة ﴿لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ أي: تدعونه في التضرع متضرعين له، وأيضًا تدعونه سبحانه وتعالى في خفائكم، وفي ابتعادكم عن الناس، تسألون الله سبحانه وتعالى أن ينجيكم، ولذلك قال ﴿تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾

قالوا هنا: متذللين مستكينين في السر والعلن، في كل الأحوال، في حالة الضراء ﴿لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَـٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾

﴿قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ﴾

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة