سورة الأنعام — الجزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
تَفْسِيرُ سُورَةِ الأنعام
قالوا في المختصر " سورة الأنعام سورة مكية من مقاصد السورة تقرير عقيدة التوحيد والرد على ضلالات المشركين "
التعريف بالسورة
سورة الأنعام قالوا " سورة مكية " وهذا اتفاق، فسورة الأنعام سورة مكية باتفاق أهل العلم، وأنت ترى أن السورة التي قبلها بحسب الترتيب المصحفي بعد سورة الفاتحة كلها سور مدنية.
فسورة البقرة وسورة آل عمران وسورة النساء وسورة المائدة كلها سور مدنية، ثم جاء هنا انتقال من هذه السور المدنية إلى السورة المكية، ولكنك حينما تقرأ هذه السورة الكريمة تجد ارتباطًا وثيقًا بينها وبين السور المدنية التي قبلها.
ولذلك فسورة الأنعام : فيها حديث عن بعض القضايا التشريعية وقضايا التحليل والتحريم وإن كان المراد بها التأصيل وبيان : أنَّ الحلال ما أحل الله وأن الحرام ما حرم الله وأن الله سبحانه وتعالى يأمر وعلى العباد أن يسمعوا وأن يطيعوا.
كذلك السورة مناسبة للسور التي قبلها في طولها وكذلك في هذه السورة الكريمة مناسبة للسور التي قبلها في ردودها، فكما رأينا في سورة المائدة رد واضح وصريح على اليهود والنصارى، وكيف أن السورة الكريمة فضحت النصارى، وبيّنت باطل صنيعهم وسوء معتقدهم. وكذلك مضى معنا في سورة آل عمران ومضى معنا في سورة النساء، وكذلك قبل ذلك في سورة البقرة، جاءت سورة الأنعام لتتمم هذا الباب؛ بل صارت السورة خالصة لهذا الباب وهو الرد على شبهات المنكرين لتوحيد الله سبحانه وتعالى.
فإذا كانت السور السابقة بيّنت بطلان ما هم عليه؛ فإنَّ هذه السورة الكريمة استقصت أكثر الشبهات وردت عليها وبالأخص شبهات المشركين، فإذا كانت السور السابقة تحدثت عن شبهات اليهود والنصارى فهذه السورة تحدثت عن شبهات أهل الشرك، وهذا مناسب في كونها سورة مكية، وقد ذهب كثيرون من أهل العلم إلى أن هذه السورة الكريمة نزلت جملة واحدة، واستدلوا على ذلك ببعض الروايات الواردة في هذا الباب؛ وإن كانت لا تخلو من مقال، وإن كانت لا تخلو من مقال أي من ضعف - من حيث الصحة - يعني من حيث الرواية، لكن قال بذلك كثيرون من أهل العلم.
هذه السورة الكريمة تسمى بسورة الأنعام. قالوا هنا " من مقاصد السورة تقرير عقيدة التوحيد والرد على ضلالات المشركين " إذاً، هذه السورة الكريمة لها مقاصد، مقصودها الأكبر والأم والأعظم :-
تقرير عقيدة التوحيد والرد على ضلالات المشركين.
لأن تقرير عقيدة التوحيد موجود في سور كثيرة، لكن الذي تعتني به سورة عن سورة ويكون ظاهرًا في سورة عن سورة. هذا ما يتعلق به مقصود السورة.
تحليل مقارن وربط بين السور
فمثلاً سورة الإخلاص تتحدث عن تقرير التوحيد، تقدم معنا أن سورة آل عمران تتكلم عن تقرير للتوحيد، لكن كل سورة لها ما يخصها من هذا الباب. فسورة الأنعام سورة الحِجَاج " الرد على شبهات المشركين أو الرد على شبهات المبطلين من أهل الضلال " فهي أصل كبير في هذا الباب. لذلك قال القرطبي: قال العلماء هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور.
وقال " وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة ". يعني يستدل بذلك على أنها نزلت جملة واحدة لأنَّها من أولها إلى آخرها في الرد على الشبهات " لأنَّها في معنى واحد " لأنَّها في معنى واحد.
لكن هذا الكلام وحده ليس بكاف في الدلالة على هذا : لأننا نرى أن السورة وإن نزلت في أوقات متفاوتة؛ بل ومتباعدة فإنَّ المناسبة تبقى بينها وبين سابقتها ولاحقتها في السورة، وهذا لأن الذي أنزل القرآن هو الله سبحانه وتعالى. إذاً هذه السورة تقرر عقيدة التوحيد وترد على شبهات المشركين فهي أصل في هذا الباب. ولذلك من تعلم سورة الأنعام تعلم فقه المناظرة، وتعلم كيف يرد على الخصوم، وكيف يرد على شبهات المشركين، وسنعرض لذلك بإذن الله تعالى بشيء من التفصيل في أثناء تفسير السورة، لكننا نعرض للمقصود إجمالاً وندلل عليه فنقول مستعينين بالله ونسأل الله العون والثبات والتوفيق.
هذه السورة الكريمة تقرر عقيدة التوحيد منذ البداية. فأولاً سورة الأنعام ما أولها؟ أولها : الحمد ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (الأنعام: 1) [سورة الأنعام:1]، تأمل لم تكتفِ السورة بتقرير " أنَّ الحمد لله "، لم تكتفِ السورة ببيان أن الله له ملك كل شيء!، أو أن الله خالق كل شيء!، ﴿أَنَّمَا﴾ بيّنت السورة ماذا ستتحدث عنه ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 2) ينصرفون عن الله إلى غيره أو يسوّون بالله غيره.
وبناءً عليه فالسورة ستتكلم عن هؤلاء الذين عدلوا عن عبادة الله أو عدلوا بالله سبحانه وتعالى غيره من قوله ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 2)، لذلك تفطن إلى هذا شيخ المفسرين الطبري رحمة الله فكان في تفسير بعض الآيات يقول ما لم يقله غيره - رحمة الله - بأن يقول " واذكر " أو " وقال الله لهؤلاء العادلين عن عبادة الله، فانظر إلى هذا يقول مخاطباً هؤلاء العادلين عن الله سبحانه أو عن عبادة الله". هذا من أين أتى به؟ من قوله ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 2) وكأنه يقول كل السورة تخاطب هؤلاء: لمَ تعدلون عن عبادة الله؟ لمَ تسوّون الله عز وجل بخلقه؟ أيضًا مما يبين هذا بعد أن بيّنا أن السورة بدأت بالحمد.
وهنا أيضًا وقفة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نستكمل الكلام، أن هذه السورة ابتدأها الله عز وجل بالحمد وهي السورة المنفردة في السبع الطوال التي ابتدأها الله عز وجل بالحمد؛ وإلا فهناك سور أخرى ابتدأها الله بالحمد، فعندنا سورة الفاتحة وعندنا بعد ذلك سورة الكهف وسورة سبأ وسورة فاطر ابتدأ الله هذه السور بالحمد، لكن في السبع الطوال سورة الأنعام. وتجد أن السور التي ابتدأها الله سبحانه وتعالى بالحمد بينها اتصال وثيق﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) [سورة الفاتحة:2].هنا ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ﴾ (الكهف: 1) ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ﴾ (الكهف: 1) [سورة الكهف:1] فالكتاب نعمة تستوجب الحمد، ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ (سبأ: 1) [سورة سبأ:1] إلى آخر الآية الكريمة، ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُو۟لِىٓ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۚ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فاطر: 1) [سورة فاطر:1] فبينها صلة وثيقة.
ولذلك قلت أيضًا مما يتصل بعلم مقاصد السور وعلم المناسبات النظر في السور التي اتفقت في الافتتاح، فإنَّ الاتفاق في المفتتح يؤذن بصلة وتناسب ولو ابتعدت في المكان، يعني إذا كانت سورة في أول سور القرآن وأخرى في وسط القرآن وثالثة في آخر سور القرآن، لكن إذا كان الافتتاح واحداً، إذاً بينها مناسبة، فيمكن أن نقول هناك تناسب بين كل السور التي افتتحها الله بالحروف المقطعة مثلاً، هناك اتصال بين السور التي افتتحها الله بالتسبيح والتي افتتحها الله بالحمد وما إلى ذلك. وهذا باب فسيح يتسع للتأمل والتدبر، والعلم عند الله، هذا من جهة.
بعد ذلك ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164) أول الآيات مناسب لآخر الآيات، ففي أواخر السورة: ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164) [سورة الأنعام:164]، فهو يقول: ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164) ثم يقول له: يا رسول الله، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم: ﴿أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ﴾؟ أنا لست مثلكم، لا أبغي ربًّا غير الله.
فالله هو ربي ورب كل شيء سبحانه وتعالى فهذا من التناسب بين البدء والختام وأيضا في ختام سورة المائدة ﴿لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌۢ﴾ (المائدة: 120) [سورة المائدة:120] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌۢ﴾ (المائدة: 120)
إذًا : ﴿لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌۢ﴾ وَهُوَ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ﴾ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ. فجمع أو جمع بين السورتين أو في السورتين الجمع بين الملك والقدرة والخلق، وأن الله خالق كل شيء سبحانه وتعالى ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164) المتأمل في سورة الأنعام يجد أن فيها أسلوبين واضحين جليين متكررين تكررا بالغا بما لا يكاد يوجد في غير السورة الكريمة، وكلا الأسلوبين يقرران عقيدة التوحيد والرد على الشبهات هذان الأسلوبان :
أسلوب التقرير.
وأسلوب التلقين.
أسلوب التقرير وأسلوب التلقين، كيف ذلك؟ إذا نظرنا إلى السورة ماذا نجد؟ نجد أن الله يتحدث عن نفسه بضمير الغيبة، ويقرر ما ينبغي للناس كلهم أن يعتقدوه، وكأنه يبين بذلك أن هذا الذي يتحدث عنه أمر ينبغي أن يكون مُسَلَّماً لا يتنازع فيه أحد فيحوله من الحديث عنه بضمير الغيبة إلى أنه كالأمر المشاهد الذي لا ينبغي أن يتنازع فيه أحد هذا اسمه أسلوب تقرير في سورة الأنعام لذلك تأمل في سورة الأنعام ﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُۥ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 2) [سورة الأنعام:2].يتكلم عن الله هذا تقرير ثم بعدها يقول ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام: 3) [سورة الأنعام:3] ثم تبدأ بعد ذلك يقول ﴿وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: 13) [سورة الأنعام:13].وتجد تسير الآيات الكريمة (وهو، وهو) تأمل مثلاً يقول ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: 97) [سورة الأنعام:97] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: 98) [سورة الأنعام:98] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّـٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 99) [سورة الأنعام:99] وقبل ذلك يقول ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: 18) [سورة الأنعام:18] ﴿وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِۦ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (الأنعام: 61) [سورة الأنعام:61] ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 59) [سورة الأنعام:59] وكثير جدًا في القرآن في سورة الأنعام الحديث عن رب العزة بهذا الضمير (وهو، إنه)
كل هذا للدلالة على أن الله سبحانه وتعالى هذه صفاته، وهذه أفعاله فلا ينبغي أن ينافسه، أو أن يعبد غيره سبحانه وتعالى هذا اسمه " أسلوب تقرير " تجده كثيرًا جدًا في السورة الكريمة.
ثم جاء الأسلوب الثاني وهو " أسلوب التلقين " وهذا كثير جدًا في السورة الكريمة حتى إنه بالاستقصاء حينما تراه ترى أن كلمة (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾) تكررت في السورة اثنتين وأربعين مرة وإذا أضفنا إليها (فقل) فقد جاءت في موضعين فيكون عدد (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾) ومعها (فقل) ذكرت في أربعة وأربعين مرة هذا عجيب في السورة!!
فقوله (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾) هذا ما اسمه؟ أسلوب تلقين. يعني : - أن الله يقرر يلقن رسوله، يقول : يا رسول الله لا تلتفت إليهم، أي شبهة يقولونها لك عندنا الرد (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم كذا) (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم كذا) (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم كذا).
بل أن تعجب فاعجب في السورة الكريمة في آية واحدة منها ذكرت (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾) أربع مرات إن تعجب فاعجب من تكرر (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾) في آية واحدة أربع مرات وذلك في قوله ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةً ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 19) [سورة الأنعام:19] هذا كثير في السورة الكريمة (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أرأيتم) (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أرأيتم) (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هو القادر) كثير في هذا يأتي تتكرر هذه الكلمة أو تتكرر كلمة (﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾) وأيضا ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا فَقُلْ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُمْ ۖ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ ۖ أَنَّهُۥ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوٓءًۢا بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام: 54) [سورة الأنعام:54] فيأتي في هذه السورة.
إذا في السورة الكريمة أسلوبان واضحان جدًا ولذلك أريد منكم أن تحرصوا على مراعاة الأسلوبين في أثناء قراءة السورة الكريمة، وفي أثناء تفسيرها تجد مدار السورة (أما على تقرير وأما على تلقين).
إما أن الله يقرر (وهو) : يبين أفعال الله سبحانه وتعالى وصفاته سبحانه، أو أن الله يلقن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجة قال ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَٰسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُۥ عَنِ ٱلْقَوْمِ ٱلْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام: 147) [سورة الأنعام:147] عندك الجواب مباشرة إذا تأملت السورة الكريمة أيضًا : وجدت أن الله سبحانه وتعالى رد في السورة على شبهات المنكرين للنبوة لأن جماعات الشرك - المشركين - جحدوا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالسورة كما تقرر التوحيد، تقرر ما يتعلق بالتوحيد كما هو المعروف في السور المكية بصفة عامة من تقرير التوحيد وتقرير أمر الرسالة وتقرير البعث والنشور هذا موجود في السورة الكريمة.
فمثلا إذا نظرنا في السورة ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ (الأنعام: 8) [سورة الأنعام:8] تجد أيضًا مما تكرر (وقالوا) فكلمة (وقالوا) تفيد ماذا؟ أن هذه شبهة وانتظر الرد! هذا كثير فمثلا مما يجمع في هذا ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ (الأنعام: 8) [سورة الأنعام:8] ثم جاء الرد عليه ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ (الأنعام: 8) [سورة الأنعام:8] ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۚ قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: 37) [سورة الأنعام:37].فيرد الله سبحانه وتعالى عليه، وأيضا ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: 91) [سورة الأنعام:91].إلى آخر الآية الكريمة.
﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 109) [سورة الأنعام:109] إلى آخر الآيات الكريمة، ﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ﴾ (الأنعام: 124) [سورة الأنعام:124] حتى في باب القدر ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا۟ بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام: 148-149) [سورة الأنعام:148-149].
كلام في غاية الوضوح والجلاء، كما قلت سورة تعلم المسلم كيف أن عقيدته حق، وأن شبهات أولئك المشركين شبهات داحضة.
ومما ينبئك عن ذلك أيضًا ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ نتجاوز هذا وندخل في السورة بإذن الله تعالى قصة الخليل إبراهيم عليه السلام في السورة : فإنَّ قصة الخليل إبراهيم عليه السلام تكررت في القرآن الكريم لكن كما تقدم مرارا أن القصة يذكر منها ما يناسب مقصود السورة : فمثلا قصة إبراهيم جاءت في القرآن منها ما يتعلق برفع القواعد منها ما يتعلق بهمّه بذبح ولده عليه السلام إسماعيل عليه السلام، منها ما يتعلق بإيذاء قومه له إلى غير ذلك وأن الله سلمه ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ (الأنبياء: 69) [سورة الأنبياء:69] إلى غير ذلك من الذي جاء من هذا في سورة الأنعام ما يتعلق بالمحاجة ﴿۞ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةً ۖ إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام: 74-76) [سورة الأنعام:74-76].إلى آخره ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 83) تأمل المحاجة ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 83) ثم تمضي الآيات ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَـٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَآءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 83) [سورة الأنعام:83].إذًا السورة لما ذكرت قصة إبراهيم، ما ذكرت المناظرة، ذكرت المحاجة كيف أنه انتصر عليهم، وبين لهم بطلان ما هم عليه من عقيدة فاسدة إلى غير ذلك مما هو متضمن في هذه السورة الكريمة.
إذًا هذه السورة تدور حول قضية التوحيد، وما يتبعها من إثبات الرسالة وإثبات اليوم الآخر، وأيضا تصحيح المفاهيم حول قضية القدر والإيمان بالقدر، ومضت الآيات منذ البداية إلى الختام، لذلك تجد في ختام السورة الكريمة ما يناسبه أو يناسب الختام ما جاء قبل في البداية :-
فتجد في آخرها ﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 161) [سورة الأنعام:161].أيضاً التلقين.
﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُۥ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلْمُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 161-164) [سورة الأنعام:161-164].أسلوب التلقين، ثم بعد ذلك جاء في الختام أسلوب التقرير مرة أخرى ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ (الأنعام: 165) [سورة الأنعام:165].كما أنه في أولها قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ (الأنعام: 165) ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ (الأنعام: 165) فالسورة من أولها إلى ختامها تدور حول هذا والعلم عند الله تعالى.
خلاصة وتثبيت الفكرة
فإنْ قال قائل وما مناسبة ذلك لاسم الأنعام؟ أذلك لذكر الأنعام فحسب؟
قالوا لا، تقدم أن تسمية السورة لها علاقة وثيقة بالمقصود، صحيح أن الأنعام ذكرت في السورة وجاء تفصيل بعض أحكامها في السورة. ﴿ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍ ۖ مِّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ ۗ قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلْأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۖ نَبِّـُٔونِى بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الأنعام: 143) [سورة الأنعام:143].إلى آخر الآيات الكريمة؛ لكن ليس فقط لذكر الأنعام ولكن لأن المشركين كان لهم شأن مع الأنعام. فالأنعام بالنسبة لهم أكلهم وشربهم وعليها ركوبهم، فمنافعهم المتعددة على الأنعام أكلاً وشرباً وركوباً وسيراً وما إلى ذلك.
وهم قد حللوا منها ما شاؤوا وحرَّموا منها ما شاؤوا. فلما قرر الله قضية التوحيد بيَّن أن الله سبحانه وتعالى بيده مقاليد كل شيء وأن الأمر أمره، فالحلال ما أحل والحرام ما حرم والإذن إذنه. لذلك ذكر الله في سورة الأنعام ما يتعلق بالتحليل والتحريم في قضية الأنعام ﴿وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـٰمٌ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 138) [سورة الأنعام:138].إلى آخره، ﴿وَقَالُوا۟ مَا فِى بُطُونِ هَـٰذِهِ ٱلْأَنْعَـٰمِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِنَا ۖ وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ ۚ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 139) [سورة الأنعام:139].هذا كله لبيان أنهم أحلوا ما شاؤوا وحرَّموا ما شاؤوا، فبيَّن الله سبحانه أنَّ هذه الأنعام خلق من خلقه، فالتصرف فيها يكون بإذنه سبحانه وتعالى لا بما تشاؤون. فهذا مما يقتضيه توحيد الله، فكما أن الله خلقكم فقد خلق الأنعام فعليكم أن تتقوا الله فيما أحل وفيما حرم. إلى غير ذلك مما يناسب هذا المقام. والعلم عند الله تبارك وتعالى.
ونحن إذا سرنا على ما سار عليه البقاعي من وجه المناسبة الدائرية حينما نظر إلى أوائل السور وختام السور فجعل هناك مناسبة بين الفاتحة والناس وبين البقرة والفلق وبين آل عمران والإخلاص، ومشى على هذا في عدة سور. فإنَّ السورة التي تقابل سورة الأنعام هي سورة الكافرون ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَهُمْ سَفَهًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا۟ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا۟ وَمَا كَانُوا۟ مُهْتَدِينَ﴾ (الأنعام: 140)
نجد المطابقة، لسنا على دين هؤلاء وأننا نبرأ إلى الله من دينهم. ولم نبرأ إلى الله من دينهم؟ لأن دينهم دين باطل، وماذا عن كلامهم؟ إنها شبهات وترهات جاء إبطالها في السورة المقابلة وهي سورة الأنعام. كما أن السورة التي قبلها هي سورة المائدة كان في مقابلها سورة النصر ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: 3) [سورة المائدة:3].﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِى دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابًۢا﴾ (النصر: 1-3) [سورة النصر:1-3].
هذا طرف وغيض من فيض مما يتعلق بالسورة إجمالاً ومقصودها، ثم نشرع في المقصود من تفسيرها، ومن الله العون والتوفيق.
مما أحب التنويه عليه أيضًا قبل الدخول في تفسير الآيات أن المتأمل في سورة الأنعام يجد أنها عرضت كثيراً لقضية الهداية والضلال، ولذلك في بعض سور القرآن ذُكرِتْ الهداية وكثر التعبير عن كلمة الهداية ومشتقاتها، وفي بعض السور جاء الحديث عن الضلال ومشتقاته، لكن لعل أكثر السور ذكراً للمقابلة بين الهداية والضلال هي هذه السورة، سورة الأنعام في المقابلات. وهذا كثير في سورة الأنعام.
وهذا يجعلنا نعود بهذه السورة إلى البدء منذ الفاتحة ثم البقرة ثم ما بعدها. فإذا كانت الفاتحة قالت ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الفاتحة: 6-7) [سورة الفاتحة:6-7].
وجاءت البقرة ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109) [سورة البقرة:2].ثم آل عمران في الثبات على الهداية إلى غير ذلك، فجاءت سورة الأنعام لتبين بطلان ما عليه أهل الشرك، ولتبين ضلالهم ولتبين هداية المؤمنين. لذلك تجد في السورة الكريمة ﴿قُلْ إِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهْوَآءَكُمْ ۙ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (الأنعام: 56) [سورة الأنعام:56]. وأيضاً ﴿قُلْ أَنَدْعُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِى ٱسْتَهْوَتْهُ ٱلشَّيَـٰطِينُ فِى ٱلْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُۥٓ أَصْحَـٰبٌ يَدْعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلْهُدَى ٱئْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 71) [سورة الأنعام:71].وجاء ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 125) [سورة الأنعام:125]. إلى آخر الآيات الكريمة، وجاء أيضًا ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 122) [سورة الأنعام:122].إلى آخر الآية، وجاء في آخرها ﴿قُلْ إِنَّنِى هَدَىٰنِى رَبِّىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 161) [سورة الأنعام:161].
وجاء في قصة الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَءَا كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَـٰذَا رَبِّى ۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلْءَافِلِينَ﴾ (الأنعام: 76) [سورة الأنعام:76].إلى آخره ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوْمُهُۥ ۚ قَالَ أَتُحَـٰٓجُّوٓنِّى فِى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنِ ۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّى شَيْـًٔا ۗ وَسِعَ رَبِّى كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ۗ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 80) [سورة الأنعام:80].تأمل المحاجة ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 90) ولما ذكر الله عدداً من الأنبياء والمرسلين قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ۗ قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الأنعام: 90) [سورة الأنعام:90] هذا كله في السورة الكريمة. إذاً هذا يُضَمُّ إلى ما قلناه سابقاً وهو تقرير قضية الهداية والضلال وأن ما عليه أهل الشرك ﴿أَنَّمَا﴾ هو الضلال وما عليه أهل التوحيد هو الهداية.
﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164)
هنا قالوا في قوله ﴿وَمَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ إِذْ قَالُوا۟ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَىْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ ٱلَّذِى جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوٓا۟ أَنتُمْ وَلَآ ءَابَآؤُكُمْ ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأنعام: 91) "الوصف بالكمال المطلق والثناء بالمحاسن العليا مع المحبة "
وهذا فيه أن حمد الله ﴿أَنَّمَا﴾ يتحقق بمحبة العبد لله أيضًا وقولهم "مع المحبة " هذا قيدٌ لإخراج المدح، لأن بعض العلماء يفرق بين الحمد والمدح بأن الحمد يكون مع محبة وتعظيم، فأنت قد تمدح غيرك لكنك تمدحه خوفاً من بطشه أو طلباً لنواله دون محبة له أو تعظيم.
أما الحمد فليس كذلك، فالحمد وصف بالكمال مع المحبة والتعظيم. لذلك قالوا: ذكر محاسن المحمود مع حبه وتعظيمه.
﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُۥ عِوَجَا ۜ﴾ (الكهف: 1)
أيضاً ذكر بعض العلماء أن الله لما ذكر قضية الظلمات والنور، هذا للرد أو لبيان بطلان عقيدة المجوس التي لم تتعرض لها السور السابقة، فهذا أيضًا من تتمة الرد على الشبهات، فلا يقال هناك آلهة للنور وإله للظلمة كما يقول هؤلاء من الثنوية، ﴿أَنَّمَا﴾ نقول إن الله خالق كل شيء فهو سبحانه جعل الظلمات والنور. ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164)
قال ﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (الأنعام: 92) ثم إنَّ الظلمات تُستعمل في معنى الضلالة، والنور يُستعمل في معنى الهداية، وهذا مؤذِنٌ بأن السورة بعده ستتحدث عن هذا وذاك. قال ﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (الأنعام: 92) لذلك في قوله ﴿وَهَـٰذَا كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (الأنعام: 92) الوجهان فيها، الوجهان يعني :-
1-هناك من يفسر الظلمات بالظلمات الحقيقية، والنور بالنور الحقيقي.
2-وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ الظلمات المراد بها الكفر والنور المراد به الإيمان، ويكون فيها استعارة كما هو معروف. فقال ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ فِى غَمَرَٰتِ ٱلْمَوْتِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓا۟ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوٓا۟ أَنفُسَكُمُ ۖ ٱلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ ٱلْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيْرَ ٱلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهِۦ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (الأنعام: 93) هذا أسلوب تعجيب.
لذلك ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَـٰكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ ۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمْ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَـٰٓؤُا۟ ۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (الأنعام: 94) هنا لما جاءت أفادت التعجيب من حالهم، يعني ربكم ﴿ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ﴾، ما المنتظر من الخلق؟ أن يعبدوا هذا الإله العظيم الذي خلق سبحانه وتعالى، لكن الواقع ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164) تعجيب من حالهم.
لذلك في الآية التي بعدها أيضًا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ (الأنعام: 95) على المنوال ذاته.
قال ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164) قوله ﴿فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (الأنعام: 96) بما يتعلق؟ فيه احتمالان ويترتب على ذلك اختلاف في التفسير!
1- فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنَّ قوله ﴿فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (الأنعام: 96) يتعلق بكفرهم يعني ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا۟ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: 97) إذًا ﴿فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (الأنعام: 96) متعلقة بكفرهم، فيكون معنى ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: 98) أي :- يعدلون عن الله إلى غيره، فيكون ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: 98) يتعلق بها مقدر أي :- يعدلون عن الله أي :- ينصرفون عن الله إلى غيره، إذن ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164) عن عبادة الله إلى عبادة غيره، فيكون معنى (عدل) يعني : انصرف، عدل عن الشيء إلى شيء انصرف عن شيء إلى شيء، فانصرف عن عبادة الله إلى عبادة غيره.
2-المعنى الثاني أنَّ قوله ﴿فَالِقُ ٱلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَنًا وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ﴾ (الأنعام: 96) يتعلق بقوله ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (الأنعام: 98) أي ﴿قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِى رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَىْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (الأنعام: 164) يعني :- يعدلون بربهم، فيكون معنى (يعدلون ويساوون)، يعني :- يسوون بربهم غيره، فيجعلون غيرهم مناظرًا لله. فكقوله ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ ۗ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 17) [سورة النحل:17].وكما قال الله في شأن المشركين ﴿إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الشعراء: 98) [سورة الشعراء:98].وكلا المعنيين متجه، يعني قال به بعض المفسرين.
قال ﴿إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الشعراء: 98) ولذلك تقدم أن العدل يُستعمل في مقام المدح، عدلٌ (مقسط)، ويأتي العدل ويراد به عدل عن الحق وانصرف عنه إلى الباطل، وقرينة السياق تدل على المراد.
قال ﴿إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الشعراء: 98) لذلك من الخطأ البين أن يقرأ قارئ الآية فيقول ﴿إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الشعراء: 98) أن رب العزة قد أثنى على الذين كفروا ووصفهم بالعدل، فهذا لا شك من الخلل البين، ولذلك فالسياق له أهمية كبيرة جدًا في بيان المعنى المراد.
ثم قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّـٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 99)
بدأنا في أسلوب التقرير هنا بالضمير ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ ٱلنَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّـٰتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۗ ٱنظُرُوٓا۟ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكُمْ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 99)
قالوا ﴿وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا۟ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَـٰتٍۭ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنعام: 100) أي : " مدة لإقامتكم في ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾"، وأجلًا مسمى عنده، أي : أجل عنده سبحانه وتعالى سماه، جعل عنده البعث وعنده النشور وما إلى ذلك، جعله لبعثكم يوم القيامة. ثم الواقع ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ (الأنعام: 95) إذًا ذكرت هاتان الآيتان من أول سورة الأنعام، ذكرت العقيدة الفاسدة التي يدين بها هؤلاء المشركون في جانب التوحيد وفي جانب البعث، فهم في جانب العقيدة التوحيد يعدلون عن الله إلى غيره، وفي جانب البعث ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبِّ وَٱلنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ ٱلْمَيِّتِ مِنَ ٱلْحَىِّ ۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ (الأنعام: 95)
﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام: 3)
ما معنى ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 101) قالوا أي (المعبود بحق )، ولذلك تعلق به قوله ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَٱعْبُدُوهُ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ﴾ (الأنعام: 102) وهذا من دلائل من قال إنَّ اسم الله سبحانه وتعالى (الله) مشتق، ويقصدون به من حيث اللغة يعني أصل المادة الإله تدل على مادة الإله التي تدل على التعبد، فلذلك يقولون (وهو الإله) أي : ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 101) أي : الإله، والإله معناه المألوه، وعلى ذلك يكون بمعنى المعبود. وقالوا ( المعبود بالحق أو بحق )، لأنَّ هناك معبودات أخرى، فلا بد أن يُقيَّد الأمر بالحق، كما قالوا في قولهم " لا إله إلا الله " لا معبود حق إلا الله. فهذا معنى قولهم مشتق.قالوا إنه تعلق به في الجار والمجرور.
بخلاف من قال إنه اسم جامد ليس مشتقًا من غيره، والأقرب أنه مشتق كما هو معروف، لكن الكلام في اشتقاقه كلام طويل سبق بيانه في مواضع من التفسير.﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ ۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ (الأنعام: 103)
هنا في قوله ﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام: 104) إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ وهو المألوه المعبود في السموات وفي الأرض، فالأمر واضح. إذا حينما نسأل ما معنى ﴿قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام: 104) يعني :
1-ربنا هو المعبود الحق في السموات وفي الأرض.
2-هناك من أهل العلم من يرى أن الوقف على قوله (الله) فيقول ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ صَـٰحِبَةٌ ۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 101) ثم يقول ﴿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلْءَايَـٰتِ وَلِيَقُولُوا۟ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (الأنعام: 105)، فيجعل ﴿ٱتَّبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: 106) يتعلق بقوله ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ ۗ وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام: 107).
3-ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰٓئِفَ ٱلْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾ (الأنعام: 165) ثم بعد ذلك يستأنف يقول ﴿وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 108)
فهي أقوال ثلاثة، والقول الأول أشهر، وهو الوصل على أن المراد : وهو المعبود بحق سبحانه وتعالى ﴿فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ لا يخفى عليه شيء سبحانه ويعلم ما تكسبون.
قال ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ ۖ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام: 3) وبناء عليه فلا يلزم من ذلك لوازم باطلة كأن يُقال كيف يكون ﴿ٱللَّهُ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَفِى ٱلْأَرْضِ﴾! لأن المراد هناك أنه المعبود الحق في السموات وفي الأرض فلا إشكال.
ثم قال ﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 109)
ما تأتيهم من حجة إلا كانوا عنها معرضين، فقد كذبوا وقوله ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْـِٔدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الأنعام: 110) نكرة في سياق النفي تفيد العموم. ثم قال ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا۟ لِيُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (الأنعام: 111) وهذا وعيد شديد، سيأتيهم العذاب ويأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوًّا شَيَـٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 112)
﴿وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام: 113) تذكير بالماضي، لأن الإنسان إذا علم الماضي والتاريخ السابق، وماذا وقع للأمة المكذبة فإنَّ عليه أن ينزجر، وهذا كثير في القرآن الكريم. وقوله ﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ (الأنعام: 114) لتقرير الرؤية، والرؤية هنا بمعنى العلم، لأننا ما رأينا الأمم السابقة وهلاكها، لكننا سمعنا بذلك وعلمناه، فقوله ﴿أَفَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ إِلَيْكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مُفَصَّلًا ۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِٱلْحَقِّ ۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ﴾ (الأنعام: 114) يعني ألم يعلموا. فالرؤية تأتي بمعنى العلم.
﴿وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام: 113) القرن : الزمان، والمراد به الحل في الزمان وهي الأمم. فمعنى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: 115) يعني : من أمة.
﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: 116) أي : أمطارًا متتابعة غزيرة، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾ (الأنعام: 117) يعني : رزقهم مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم.
﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَـٰتِهِۦ مُؤْمِنِينَ﴾ (الأنعام: 118) هذا سبب الهلاك، وهذا كثير في القرآن أن يُبيَّن الله سبحانه أن سبب هلاك هذه الأمم الذنوب، فأخذهم الله بذنوبهم فأهلكناهم بذنوبهم ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 40) [سورة العنكبوت:40]. قال ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 40) أمة أخرى وهكذا، أمة وراء أمة.
قال ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 40) لو نزلنا عليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول كتابًا مكتوبًا في أوراق، وهذا معنى ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا ٱضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَآئِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُعْتَدِينَ﴾ (الأنعام: 119).
﴿وَذَرُوا۟ ظَـٰهِرَ ٱلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْسِبُونَ ٱلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا۟ يَقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام: 120) يعني : شاهدوه بأعينهم ولمسوه بأيديهم، هل هناك بعد ذلك من حجة؟ ومع ذلك قال الذين كفروا ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ (الحجر: 14-15) كما قال في الآية الأخرى في سورة الحجر ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ (الحجر: 14-15) [سورة الحجر:14-15].هكذا قال.
ثم قال سبحانه ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّوا۟ فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوٓا۟ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَـٰرُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ (الحجر: 14-15) هذه شبهة، أول شبهة يذكرها هنا صراحة عن أقوال المشركين. قالوا: لماذا لم ينزل عليه ملك؟ قال الله: ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِىَ ٱلْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ﴾ (الأنعام: 8)
نقل من المختصر وبيانُه
قالوا هنا "لو أنزل الله مع محمد ملكًا يكلمنا ويشهد أنه رسول لآمنا ولو أنزلنا ملكًا على الوصف الذي أرادوا لأهلكناهم إذا لم يؤمنوا " يعني : لا يكون هناك إمهال؛ لأنَّه صار هناك شهادة ليس هناك مجال للابتلاء. والأصل أن الإيمان قائم على الابتلاء (الذين يؤمنون بالغيب)، وهذا معنى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: 121) يعني لا يمهلون؛ لكنَّ الله سبحانه لطفًا بعباده ورحمة بهم لم يفعل ذلك سبحانه وتعالى.
من فوائد الآيات
شدة عناد الكافرين وبيان إصرارهم على الكفر على الرغم من قيام الحجة عليهم بالأدلة الحسية : فعندهم عناد، ولذا قال ﴿وَأَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ۖ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 109)
التأمل في سنن الله تعالى في السابقين لمعرفة أسباب هلاكهم والحذر منها : وهذا في قوله ﴿وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ﴾ (الأنعام: 113) الآية.
من رحمة الله بعباده أنه لم ينزل لهم رسولًا من الملائكة، لأنهم لا يمهلون للتوبة إذا نزل.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 125)
قالوا " ولو جعلنا المرسل إليهم ملكًا لجعلناه في صورة رجل ليتمكنوا من سماعه، فهم لا يتمكنون من سماعه والتعامل معه " كما قال الله ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) [سورة الإسراء:95]. فقال هنا ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) وكما مضى مرارًا أنَّ "لو" حرف امتناع لامتناع، فهذا لم يقع.
﴿وَقَالُوا۟ هَـٰذِهِۦٓ أَنْعَـٰمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَّا يَطْعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَـٰمٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَـٰمٌ لَّا يَذْكُرُونَ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا ٱفْتِرَآءً عَلَيْهِ ۚ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ (الأنعام: 138) لم يجعل الله هذا الملك رجلًا لأنه لم يجعله ملكًا. يعني لم يجعل الله سبحانه وتعالى الملك في صورة رجل؛ لأنَّ الله لم يشأ أن يرسل إليهم رسولًا ملكًا، وإنما جعل الرسول من البشر، وهذا ليتمكن الناس من التعامل معه ومن الاقتداء به.
قال ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الفاتحة: 2) حينئذ وقع الالتباس في أمره وفي شأنه أهو ملك أم هو رجل؟ فمن رحمة الله أن جعله بشرًا ولكن أيده بالآيات الدالة على صدقه. وقلنا مرارًا إن هذا من الخطأ البين لدى هؤلاء المشركين، ومن عجيب أمرهم وسوء فعالهم أنهم ارتضوا أن يكون الإله من الحجر ورفضوا أن يكون الرسول من البشر. فوافقوا، وإذا بهم يعبدون الأحجار مع أنهم لم يرتضوا أن يكون الرسول من البشر. وهذا من سفاهة صنيعهم.
ثم قال الله ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 122)
إن كان ما طلبوه على وجه الاستهزاء، فهذا ليس بغريب على أهل الشرك فقد استهزئ برسل ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾. ﴿إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الشعراء: 98) بهذا الأسلوب المؤكد ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِى بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِى ٱلظُّلُمَـٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَـٰفِرِينَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 122) لا شك أن مثل هذه الآيات فيها تسلية للدعاة إلى الله ولأهل الحق، فإذا وقع لهم شيء من ذلك بأن سُخِرَ منهم أو استهزئ بهم، فإنَّ لهم في أنبياء الله ورسله الأسوة الحسنة. وأين الدعاة إلى الله من الرسل والأنبياء؟ لا شك أنهم أتباعهم، فإذا كان هؤلاء من أهل الفضل والكرم من أنبياء الله ورسله، وهم أكرم على الله، ابتلوا بذلك فإنَّ أتباعهم عليهم أن يصبروا إذا ابتلوا بمثل ذلك.
قال الله ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام: 123)
هذا أسلوب تلقين، رُدَّ عليهم، ﴿سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ ٱنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ﴾ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ، سترون أن وقع منكم الاستمرار على التكذيب فإنَّ الهلاك.
﴿وَإِذَا جَآءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا۟ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَآ أُوتِىَ رُسُلُ ٱللَّهِ ۘ ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ ۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا۟ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا كَانُوا۟ يَمْكُرُونَ﴾ (الأنعام: 124)
﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 125) فلله ما في السموات والأرض. وتكررت كلمة ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
﴿وَهَـٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا ۗ قَدْ فَصَّلْنَا ٱلْءَايَـٰتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنعام: 126) قالوا هنا " تفضلا منه "، فهو الذي كتب على نفسه تفضلا منه سبحانه وتعالى ﴿لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبِّهِمْ ۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 127)
﴿وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: 13)
قالوا أي " ما استقر ". ففسروا السكون هنا في قوله ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ قَدِ ٱسْتَكْثَرْتُم مِّنَ ٱلْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلْإِنسِ رَبَّنَا ٱسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِىٓ أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثْوَىٰكُمْ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام: 128) بمعنى الاستقرار. فله سبحانه ما استقر في الليل والنهار، ومن قال إنَّ قوله ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّى بَعْضَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بَعْضًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام: 129) في مقابلة تحرَّكَ، فقالوا إنَّ الآية فيها أسلوب اكتفاء، فالمعنى : وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِى الليل والنهار وما تحرك، ولكن اُكتُفِيَ بأحد الكلمتين. وتقدم نظير ذلك في مواضع كثيرة، كقوله ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾ (ق: 20) [سورة ق:20]، أي : يوم الوعد ويوم الوعيد، وقلنا بعضهم يقول : هذا اسمه أسلوب الاكتفاء.
قال الله سبحانه ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأنعام: 130) هذا تقرير وفيه أيضًا أسلوب حصر. قال ﴿يَـٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِى وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَا ۚ قَالُوا۟ شَهِدْنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَشَهِدُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا۟ كَـٰفِرِينَ﴾ (الأنعام: 130) لم يقل وهو السميع العليم، يعني وهو وحده السميع العليم. فإنْ قال قائل أوليس الإنسان يسمع؟ أوليس الإنسان يعلم؟ والله قال ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2) [سورة الإنسان:2].فالمعنى وهو السميع التام الكامل، وكذلك في قوله ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2)
﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ (الإنسان: 2)
كيف أتخذ وليًا غير الله؟ وهو يطعم ولا يطعم سبحانه وتعالى. ﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ ٱلْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَـٰفِلُونَ﴾ (الأنعام: 131) وتقدم أن هذه الآية وأمثالها فيها رد على أمثال النصارى كما قال الله هناك في المائدة وتقدم معنا ﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: 75) [سورة المائدة:75]. فالذي يأكل الطعام لا يصلح أن يكون إلهاً ﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: 75)
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 132) فكيف أخالف دين الله؟ وكيف أُداهنكم؟
﴿وَرَبُّكَ ٱلْغَنِىُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنۢ بَعْدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾ (الأنعام: 133)
من يصرف عنه؟ يعود هذا الضمير على ماذا؟ على العذاب. مَنْ يُصرَف هذا العذاب يومئذ فقد رحمه.
قالوا هنا " مَنْ يُبعِد الله عنه ذلك العذاب " والأصل في التفسير على النسق نفسه أن يقال : من يبعد عنه يومئذ أي هذا العذاب. وهناك القراءة الأخرى المتواترة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185) فيكون صريحًا في ذلك ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185)
وهذا كقوله سبحانه ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185) [سورة آل عمران:185].
ثم قال ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلْغُرُورِ﴾ (آل عمران: 185)
هذا فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، يقول: ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، ولا أخاف منكم، لأنني أعلم أن الذي بيده الضر والنفع هو الله ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (يونس: 107) وهناك قال ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (يونس: 107) [سورة يونس:107]. فلا راد لفضله لأنه على كل شيء سبحانه وتعالى.
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (يونس: 107) قالوا هنا " وهو الغالب على عباده، المذلل لهم، العالي عليهم". هذه كلها من معاني القاهر، فالله سبحانه القاهر والقهار. القاهر والقهار، ما معنى القاهر؟ قالوا " الغالب على عباده " هذا من معنى القهر، قهره غلبه. وأيضًا أنه : مذلل لهم.
لذلك من معاني أن الله هو القهار القاهر : المذلل الذي ذلل العباد، قهر العباد بأن ذللهم، جعلهم خاضعين له، فمن الذي سخر الجمل مع قوته ومع ضخامته لصبي صغير ليركب عليه؟ إنه الله. فهذا من قهر الله سبحانه وتعالى للخلق.
قالوا " العالي عليهم " هذا أيضًا من معنى القهر، العلو من كل وجه.
﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (يونس: 107) قالوا " الحكيم في خلقه وتدبيره وشرعه سبحانه وتعالى، الخبير فلا يخفى عليه شيء "، والخبير الذي يعلم بواطن الأمور ولا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى.
من فوائد الآيات:
بيان حكمة الله تعالى في إرسال كل رسول من جنس من يُرسَل إليهم ليكون أبلغ في السماع والوعي والقبول عنه : وهذا من حكمة الله أن جعل الرسل من البشر ليتمكن الناس من الاقتداء بهم، ولذلك رد الله فقال ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُۥ يَشْرَحْ صَدْرَهُۥ لِلْإِسْلَـٰمِ ۖ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُۥ يَجْعَلْ صَدْرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى ٱلسَّمَآءِ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 125)
الدعوة للتأمل في أن تكرار سنن الأولين في العصيان قد يقابله تكرار سنن الله تعالى في العقاب : ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِى كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا۟ فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام: 123).
وجوب الخوف من المعصية ونتائجها : ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَـٰتٌ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: 132)
إن ما ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ البشر من بلاء ليس له صارف إلا الله، وإن ما يصيبهم من خير فلا مانع له إلا الله، فلا راد لفضله ولا مانع لنعمته : ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (يونس: 107)
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. ونقف عند هذا الحد. هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمرحبا بكم يا أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس التعليق على كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم، وما زلنا مع آيات سورة الأنعام؛ فنقول مستعينين بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله:
قال الله سبحانه ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةً ۖ قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ ۚ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾
أذكر بما قلته سابقا من أن سورة الأنعام فيها أسلوبان مشهوران وأسلوبان متكرران:
◂ أحدهما أسلوب التقرير والآخر أسلوب التلقين
وهنا جاءت الآية بهذا الأسلوب الذي فيه تلقين للرسول صلى الله عليه وسلم ﴿قُلْ﴾، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم يا رسول الله ﴿أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةً﴾ أي: أي شيء شهادته أكبر؟ لذلك يقولون أن ﴿شَهَٰدَةٗۖ﴾ تمييز محول عن المبتدأ: "أي شيء شهادته أكبر؟" في أن يشهد لك بصدقك، ﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾ أي: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله شهادته أكبر أو الله أكبر شهادة، وهذا معناه أن الله سبحانه وتعالى قد شهد للرسول صلى الله عليه وسلم بصدقه، فلا يضر الرسول صلى الله عليه وسلم ما يصنعه هؤلاء من تكذيب بدعوته وإنكار لنبوته صلى الله عليه وسلم
﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾ أي: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله أكبر شهادة، ولذلك قوله ذلك ﴿شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: هو شهيد بيني وبينكم فيكون قوله شهيد بيني وبينكم خبرا لمبتدأ مقدر
◂ولذلك انظروا ماذا قالوا هنا في المختصر: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الله أجل شيء وأعظم شهادة على صدقي هو شهيد بيني وبينكم، فراعوا هذا المعنى الذي ذهب إليه أكثر المفسرين
﴿قُلِ ٱللَّهُ﴾ هذا هو الجواب، ثم بعد ذلك قال ﴿شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ وهذا الاستفهام ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ﴾ استفهام تقريري، قال الله: ﴿قُلِ ٱللَّهُ ۖ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ ۚ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ﴾
*فإن قال قائل وكيف نتبين ونستدل على أن رب العزة سبحانه قد شهد لرسوله صلى الله عليه وسلم بأنه رسول الله حقًا وصدقًا؟
◂فيقال هذا له دلائل عديدة منها:
أن الله سبحانه وتعالى أيد رسوله صلى الله عليه وسلم، فأنتشرت دعوته ودخل الناس في دين الله أفواجًا وأذن الله سبحانه أو أذن الله بدعوته بهذا الانتشار، وبفضل الله لا يزال الناس يدخلون في هذا الدين العظيم، فلو كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مبطلًا في دعوته كاذبًا في دعواه، ما كان الأمر كذلك
◂كما قال الله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ﴾
◂وكم من رجل ادعى النبوة فأهلكه الله وأبان للخلق كذبه في دعوته أو في دعواه، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أيده الله ونصره
كذلك ما أيد الله به النبي صلى الله عليه وسلم من إنزال القرآن الكريم، الذي فيه الحجج الباهرة، والآيات الساطعة التي تدل على أنه ليس عن هوى، وليس من كلامه -صلى الله عليه وسلم-
ولذلك قال الله بعدها ﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ﴾، فالقرآن فيه دلائل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، بما فيه من أخبار عن أمور مستقبلية وقعت في عهده بعد ذلك أو وقعت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم
وكذلك ما في القرآن الكريم من إخبار عن أحوال الأمم السابقة، فمن أين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلع عليها؟ وأن يعرف هذا الذي ذكره الله عز وجل في القرآن، ثم ما كان في القرآن أو ما احتواه القرآن من نظم بديع، ومن معان جليلة وهدايات عظيمة إلى غير ذلك مما هو معروف في أنواع الإعجاز القرآني
كل ذلك من دلائل صدق الرسول وشهادة الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم بصدقه، وكفى بالله شهيدًا
﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ﴾ وتقدم أن الإنذار هو: الإعلام مع التخويف، وناسب هذا أن يذكر الإنذار، مع أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم منذر ومبشر، لكن قال هنا ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِۦ﴾، لم يقل وأبشركم؛ لأن المقام يقتضي ذكر الإنذار، فهو يكلم أولئك المكذبين بدعوته، المنكرين لنبوته صلى الله عليه وسلم
فقال ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ﴾، هذا فيه: أن القرآن حجة قائمة على من بلغه، سواء أكان هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أم كان بعده، فالقرآن حجة على من بلغه
وفيه: دلالة على عموم الرسالة التي جاء بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
قال ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ ۚ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ﴾ هذا فيه تقرير ثم إنكار، فهذا الاستفهام أئنكم تقرير؛ لأنهم بالفعل يشهدون ﴿أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ﴾، هذا واقع منه، وكذلك فيه إنكار عليهم، كيف يقع منكم ذلك؟ وكيف يصح منكم ذلك؟
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ﴾ ما دمتم تشهدون بذلك، فأنا مخالف لكم، وأنا تارك لكم، ومعارض لكم، ﴿قُل لَّآ أَشْهَدُ﴾ أي: لا أشهد بأن هناك آلهة أخرى مع الله
﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿أَنَّمَا﴾ هو إله واحد وهو الله سبحانه وتعالى ﴿وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾
◂فصدر الآية الكريمة فيه التدليل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته، وأن الله يشهد له،
◂وفي الجزء الثاني من الآية الكريمة: الرد عليهم في مزاعمهم إذ شهدوا شهادة باطلة؛ وهي الشهادة للآلهة الباطلة بأنها آلهة مع أنها ليست كذلك
* وهذا يدل على الاقتران بين الشهادة بأن الله هو الإله الحق والشهادة بأن محمدًا رسول الله، ولذلك اقترنت الشهادتان "أشهد أن لا إله إلا الله" "وأشهد أن محمدًا رسول الله" صلى الله عليه وسلم
وقوله ﴿وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ بريء بهذه الصفة المشبهة؛ للدلالة على أن هذا من وصفه الملازم له، فبرائته صلى الله عليه وسلم من المشركين براءة دائمة
ثم قال الله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ ۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
أي: إذا كان رب العزة قد شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقه، وكفى بالله شهيدًا، فإنَّ هناك أدلة واضحة وجلية لو كان هؤلاء ينصفون؛ فإنه في كتب السابقين، أو إنه في الكتب المنزلة على أنبياء الله ورسله ما يدل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ في الكتب السابقة بشارات بمجيء النبي محمد صلى الله عليه وسلم
فقال ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ قالوا هنا: اليهود الذين أعطيناهم التوراة، والنصارى الذين أعطيناهم الإنجيل، إذا فسروا آتيناهم الكتاب بأهل الكتاب من اليهود والنصارى
﴿يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾ يعرفونه: على ما يعود الضمير في قوله﴿يَعۡرِفُونَهُۥ﴾؟ على من يعود الضمير؟
نقول على الرسول صلى الله عليه وسلم، لذلك هنا يعرفون النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم معرفة تامة، أي بالوصف المذكور في كتبهم، ففي كتبهم وصف واضح وجلي يدل على أن هذا الرسول هو محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم
﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾ أي: كما يميزون أبناءهم من أبناء غيرهم، وتقدم معنا نظير هذه الآية في سورة البقرة
قال الله سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾
هناك قول ثان في الآية الكريمة وهو أن الضمير في قول ﴿يَعْرِفُونَهُۥ﴾ يعود على التوحيد، أي: الذين ءآتيناهم الكتاب يعرفون التوحيد كما يعرفون أبناءهم أي: يعرفون دلائله، كما أنهم يميزون أبناءهم، والذي حمل من قال بهذا القول على هذا القول أن الآية في آخرها كان الحديث فيها عن قضية التوحيد ﴿قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾
ويمكن أن يقال أن بين القولين تلازمًا؛ لأن الذي يشهد بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه
يشهد بالتوحيد؛ لأن التوحيد هو الذي جاء به الرسول وجاء به الرسل السابقون
قال الله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فمن أنكر ذلك بعد معرفته، وجحدها وكتمها فإنه خاسر ولا شك
ثم قال الله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ ۗ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾
تقدم في بعض المواضع الحديث عن هذا الأسلوب
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾، وتقدم معنا في سورة البقرة ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ﴾ [البقرة: 114]
تقدم أنه في القرآن الكريم ستة عشر موضعًا فيها ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أو ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾، بدايةً الاستفهام في قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أو ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ﴾ معناه النفي، أي: لا أحد أظلم، ثم إن العلماء اختلفوا في توجيه هذا النفي، أو توجيه هذا الاستفهام: ما معنى ومن أظلم؟ لا أحد أظلم
طيب كيف وقد وردت عدة آيات فيها هذا الأسلوب؟ وبناء عليه فمن الذي يكون لا أظلم منه؟ هل الذي جاء في هذه الآية أو الذي جاء في تلك الآية؟
◂فيجاب عن ذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى بـ :
أن هذا الأسلوب كما رجح بعض المعاصرين يراد به الكافرون، وبناء عليه فلا أحد أظلم من هؤلاء؛ لأنهم كافرون، ومن أوصافهم أنهم يفترون على الله الكذب، وأنهم يكذبون بآيات الله، وأنهم يمنعون مساجد الله وما إلى ذلك، فتكون هذه أوصافًا لموصوفين وهم الكفار
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ -وهذا قول سابق ومشهور- أن النفي هنا لنفي الأظلمية، فهو نفي لا أحد أظلم، وليس فيه أنه يمتنع أن يوجد مساو له، فلا أحد ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ، ولا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾، ولا أحد ﴿أَوْ تَقُولُوا۟ لَوْ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّآ أَهْدَىٰ مِنْهُمْ ۚ فَقَدْ جَآءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ۚ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا ۗ سَنَجْزِى ٱلَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَـٰتِنَا سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟ يَصْدِفُونَ﴾ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ، وهؤلاء متساوون في الظلم، فهو لا أظلم منه، لكن يمكن أن يكون هناك من هو مثله في الظلم، فهذا وجه ثان.
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل إن هذا يتعلق بحسب السياق، ففي باب المنع يقال لا أحد أشد، أو أظلم في المنع ﴿مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ﴾، ولا أحد أظلم في الافتراء مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا، ولا أحد أظلم في التكذيب ﴿مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾، وهكذا، فيكون كل في بابه المتعلق به، والعلم عند الله، فهذه أوجه في الآية الكريمة
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ﴾ وهنا ذنبان ذكرهما الله، وجرمان كبيران بينهما الله، فقال ﴿مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ : يفتري على الله الكذب، يدعي أن لله شركاء أو أن لله ولدا وما أشبه ذلك، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِـَٔايَـٰتِهِۦٓ﴾ وهذا جرم آخر، وهو أن يكذب بآيات الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء جمعوا بين الظلمين، فهم يفترون على الله الكذب، وهم كذلك يكذبون بآيات الله
لذلك قالوا هنا: لا أحد أعظم ظلمًا ممن نسب لله شريكًا فعبده معه، وهذا معنى ﴿مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾، هذا داخل في معنى قوله ﴿مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا﴾ أو كذب بآياته التي أنزلها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم
ثم قال ﴿إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ الضمير في قوله ﴿إِنَّهُۥ﴾ يقال له: ضمير الشأن، وتقدم معنا مرارًا، ﴿إِنَّهُۥ﴾، يعني إن الحال وإن الشأن ﴿لَا يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ ولم يقل الله "إنه لا يفلح الأظلمون"، ﴿أَنَّمَا﴾ قال الظالمون؛ لأنه لو قيل "لا يفلح الأظلمون" يحتمل أن الظالم يفلح، لكن حينما نفى الفلاح عن الظالم، فهو عن الأظلم من باب أولى.
ثم قال ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
قالوا هنا في التفسير : واذكر يوم القيامة حين نجمعهم جميعا، من أين أتوا بقولهم "واذكر" يوم القيامة"؟ من قوله ﴿وَيَوْمَ﴾ فيوم يعني تتعلق بم؟ واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان أو اذكروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون يوم القيامة حين نجمعهم جميعا، وهذا معنى نحشرهم
◂وقراءة يعقوب: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ أَهَـٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ﴾، بالغيبة
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وهذا فيه توبيخ وتكذيب لهم، هم في الدنيا كانوا يزعمون أن لهم شركاء، وأن هناك آلهة أخرى مع الله، فأين هؤلاء؟ فقال ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ قالوا هنا في التفسير: ثم نقول للذين عبدوا مع الله غيره، وهذا تفسير لقوله ﴿أَشۡرَكُوٓا﴾، توبيخًا لهم
وقولهم في التفسير: توبيخًا لهم هو بيان للمراد من الاستفهام في قوله ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ﴾، ولذلك قلت مرارًا ونحن نقرأ مثل هذه الأساليب في التفسير نفهم من أين أتوا بهذه الكلمة الموجودة في التفسير، فنربطها بالآية الكريمة فيتضح لنا المراد.
﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أي: تدعون كاذبين أنهم شركاء لله.
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ﴾ ما المراد بالفتنة هنا؟ أي: لم تكن معذرتهم، ولم تكن لهم حجة ﴿إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾، أو لم يكن لهم جواب ﴿إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ لذلك قالوا هنا: ثم لم يكن اعتذارهم، إذا ما معنى ثم لم تكن فتنة؟ يعني حينما سئلوا ﴿أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؟ فحاروا في الجواب، فماذا كان جوابهم؟ إجابة باطلة جائرة فقالوا ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾
إذا تفسير الفتنة هنا بالاعتذار، أو بالحجة، أو بالجواب بناء على السياق، ولأن هذا الذي صنعوه فتنة، وصد عن الحق وابتعاد عنه، وأيضًا يوردهم الفتنة وهي: العذاب، وتقدم معنى أن الفتنة وردت في القرآن الكريم على عدة أوجه، وهذا باعتبار السياق، وتقدم كثير من ذلك في سورة المائدة
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ يقسمون بالله أنهم ما كانوا مشركين، هنا قراءة الجمهور ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا﴾ فـ ﴿رَبِّنَا﴾ بدل من قوله ﴿وَٱللَّهِ﴾
◂لكن قرأ الكوفيون ما عدا عاصما، يعني قرأوا ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فيقرأ حمزة والكسائي وخلف ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا﴾ ما المعنى؟ أي: والله يا ربَّنا، إذًا من قرأ ﴿رَبَّنَا﴾ يعني على النداء، يقولون والله يا ربنا، كأن هذا هو المعنى، أي: يا رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ
ثم قال ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾
﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾، فهم كذبوا على أنفسهم بذلك، ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ ۖ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ ۚ أَلَآ إِنَّهُمْ هُمُ ٱلْكَـٰذِبُونَ ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَأَنسَىٰهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱلشَّيْطَـٰنِ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [المجادلة: 18-19]
ولذلك قال ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ فهم في الدنيا كانوا يقولون ذلك لكن يوم القيامة الأمر يختلف
﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ ما معنى ﴿وَضَلَّ عَنْهُم﴾؟ يعني غاب عنهم؛ لذلك قالوا هنا في التفسير: وغاب عنهم، وتقدم أن "الضلال" يأتي بمعان؛
فالضلال قد يأتي بمعنى ترك الحق عن عمد، فيقال هذا ضال ترك الحق مع علمه به.
والضلال يأتي بمعنى عدم المعرفة وعدم العلم، فيقال "ضل فلان" يعني "لا يعلم"، فهو لم يترك الحق عن عمد وإنما لم يكن عارفًا به، وهذا يتأتى في معنى قوله ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَىٰ﴾ [الضحى: 7] يعني لم يكن عالمًا به ثم أعلمه الله إياه.
ويأتي الضلال بمعنى الغيبة، بمعنى غاب، ضل بمعنى غاب، ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى ٱلْأَرْضِ أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍۭ﴾ [السجدة: 10]غبنا، ومنه هنا ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾، أي: ما كانوا يختلقونهم من الشركاء مع الله في حياتهم الدنيا.
﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾
﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ هم على أنواع:
منهم من يعرض ابتداء ولا يسمع للقرآن ولا يستجيب له ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]
ومنهم من يسمع لأسباب أو يستمع لأسباب، منها أن يرى في القرآن ما يتمكن به من القدح فيه، فهو يستمع لا لغرض الانتفاع، وإنما لغرض القدح في القرآن الكريم أو ذم القرآن أو ما أشبه ذلك، فربنا يقول ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾
﴿وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ يعني أغطية، قالوا: حتى لا يفقهوا القرآن، يعني هم يستمعون لكن لا يستفيدون ولا ينتفعون
قال ﴿وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ صمما عن السماع النافع
﴿وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا﴾ إذًا هم لا يستفيدون من الآيات، ﴿أَنَّمَا﴾ إذا استمعوا فلغرض باطل، ولمقصد غير نبيل، بل لمقصد خبيث
قال الله ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ إذا هذا فإنما يؤدي بهم إلى الجدال بالباطل، ﴿وَجَـٰدَلُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُوا۟ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾ [غافر: 5] هذا هو مرادهم
قال ﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ولم يقل "﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِىٓ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا۟ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا۟ بِهَا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَـٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ يقولون يقول الذين كفروا"، فالذي يقول إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ليس إلا هو الكافر، الذي يدعي أن القرآن خرافات وترهات، كيف ذلك والقرآن هو الحق المبين؟
ثم قال الله سبحانه ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ﴾، ما الفرق بين قوله ينهون عنه وينأون عنه؟
◂﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: يعني ينهون عنه الناس، يعني ينهون الناس عن سماع القرآن أو ينهون الناس عن اتباع النبي عليه الصلاة والسلام فهذا هو الإضلال.
◂﴿وَيَنَۡٔوۡنَ عَنۡهُۖ﴾: يعني يبتعدون عنه فهذا هو الضلال.
يعني أنهم جمعوا بين الوصفين، فهم يبعدون غيرهم عن سماع الحق، ويبتعدون بأنفسهم عن سماعه
فقوله ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أي: غيرهم، ﴿وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ﴾ بأنفسهم، لذلك قالوا هنا: وهم ينهون الناس عن الإيمان بالرسول ويبتعدون عنه، فلا يتركون من ينتفع به ولا ينتفعون هم به، فهم مضلون، ضالون، يصدون عن سبيل الله، وهم أيضًا في أنفسهم يبتعدون عن سبيل الله سبحانه
* هناك قول آخر في الآية يقولون: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾: يعني ينهون الناس عن إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم، ﴿وَيَنْـَٔوْنَ عَنْهُ﴾ لكنهم يبتعدون H0.
﴿وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ﴾ أي: وما يهلكون إلا أنفسهم ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾
﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
﴿وَلَوْ تَرَىٰٓ﴾ أي: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الكريم وأيها المؤمنون، ﴿إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ ما معنى ﴿وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ﴾؟ يعني حبسوا عليها، ﴿فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا﴾ وكأن المعنى: ولو ﴿إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ﴾ لرأيت شيئًا عجيبًا وأمرًا فظيعًا
﴿فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا﴾ يتمنون ذلك، ﴿فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولذلك نصب قوله ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ وكذا قوله ﴿وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
فقوله ﴿فَقَالُوا۟ يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾، فدخلت الواو في قوله ﴿وَلَا نُكَذِّبَ﴾ معها "أن" المضمرة؛ لأنَّها جاءت بعد ذكر التمني في قوله ﴿يَـٰلَيْتَنَا نُرَدُّ﴾
ومنهم من قرأها على الاستئناف ﴿وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَـٰتِ رَبِّنَا﴾ وكلتاهما قراءة متواترة.
قال الشيخ حفظه الله:
بيان الحكمة في إرسال النبي عليه الصلاة والسلام بالقرآن من أجل البلاغ والبيان، وأعظم ذلك: الدعوة لتوحيد الله، ولذلك قال الله ﴿وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ﴾، وقلنا أن الرسول منذر ومبشر، لكن خص الإنذار بالذكر؛ لأنه مناسب للمقام، كقوله في صدر سورة المدثر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾
قالوا بعد ذلك نفي الشريك عن الله ودحض افتراءات المشركين في هذا الخصوص، وهذا واضح في قوله ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ ۚ قُل لَّآ أَشْهَدُ﴾ إلى غير ذلك مما جاء بعد هذا
بيان معرفة اليهود والنصارى للنبي عليه الصلاة والسلام برغم جحودهم وكفرهم ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُۥ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمُ﴾