لمحة في سورة سورة الشمس
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
سورة الشمس ودعوتها لتزكية النفس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعدُ:
فمرحبًا بكم، يا أيها الإخوة الكرام، مع درس من دروس هذه السلسلة لمحة في سورة ونحن الليلة بتوفيق الله وتسديده وإعانته ونسأل الله الإخلاص والسداد على موعد مع سورة الشمس قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا2 وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰهَا وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾3. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾4 ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَـٰهَا﴾5 ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّىٰهَا﴾، ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَـٰهَا﴾ هذه السورة الجليلة العظيمة سورة الشمس سورة تدعو إلى تزكية النفوس إلى أن يزكي كل واحد منا نفسه وإلى أن يطهر كل واحد منا نفسه من الأرجاس والأنجاس والأخلاق الدنيئة، وفيها التحذير كذلك من هذه الأخلاق التي لا يليق بالمؤمن، أن يقع فيها لذلك افتتح الله جل وعلا هذه السورة العظيمة بأقسام متعددة.
أقسام الشمس والقمر والليل
فقال: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ بعض العلماء يرى أنَّ هذه المعطوفات على الشمس هي وأو قسم أيضًا فمنه من يجعلها وهو عطف ومنهم من يجعلها وهو قسم وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن تلك الواوات كلها في صدر هذه السورة واوات قسم فاسمع يا رعاك الله الله يقول وال وضحاها قسم ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا6 تَلَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا﴾ ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾ ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا﴾ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ قد أفلح من زكاها أحد عشر قسمًا هذا عدد كبير أن يقسم الله عز وجل بهذا العدد من الأقسام على ماذا أين جواب.
القسم قال كثيرون ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾7 وقالوا: إنَّ اللاما مقداره أي: لقد أفلح من زكاها. ولقد خاب من دساها سبحان الله أقسام كثيرة يقسم بالشمس وبضحاها وبالقمر إذًا تلاها وبالنهار إذًا جلاها ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰهَا﴾8 وبالسماء وبنيانها أو من بناها وبالأرض وما طحاها وبالنفس وما سواها كل هذا يقسم الله عز وجل به على هذا.
المعنى العظيم ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ أي: قد أفلح من زكى نفسه. وقد خاب من دسّى نفسه، ومن المعلوم، أن الله سبحانه وتعالى، يقسم بما يشاء وإذا وهو إذًا أقسم جل وعلا فإنَّه يقسم بعظيم على عظيم يقسم بعظيم على عظيم وهنا أقسم الله جل وعلا بالشمس والشمس فيها خير كثير وينتفع بها الخلق فتفيدهم بضوئها وبحرارتها وبخير كثير يعمهم بسبب وهي مخلوقة لله ومن آياته ﴿ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾9 والشمس وضحاها أقسم بالشمس وبالضحى قالوا أي: وضحى الشمس لأنَّ الشمس حينما تظهر ثم ترتفع الشمس أو تطلع الشمس بعد ذلك ترتفع فيكون وقت الضحى فاقسم الله بالشمس وببعض ما ينتج من هذه الشمس وهو الضحى.
فقال: وضحاها. وقال. بل وقال بعض العلماء. بل المراد والضحى الذي تأتي الشمس عليه أي: ما يصل ما تصل إليه الشمس من الخلق وهذا يعني: أنه قسم بكثير من المخلوقات وبعموم المخلوقات هذا قول ثاني والأول هو الأشهر والشمس وضحاها والقمر وأيضًا القمر جعله الله سبحانه وتعالى، آية. وقال الله سبحانه وتعالى، ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ﴾10 فقال: ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾، يعني: إذًا تبعها لحقها فهو يلحق الشمس ويتبعها ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾. وهذا في أن من معاني التلاوة الاتباع. ولذلك قال عدد من المفسّرين في قوله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ﴾11 قال بعضهم: أي: يتبعونه حق أتباعه إذًا من معاني تلا الشيء، يعني: تبعه ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ والأقسام بالشمس والقمر دلالة على عظمة خالقهما فعليك أن تهتدي بهدى من خلق الشمس والقمر والليل والنهار لذلك لما قال بعد ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) أي: باتِّباع الهدى الذي جعله الله عز وجل وهو خالق كل شيء خالق الشمس والقمر والسماء والأرض. فقال: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰهَا﴾12 أيضًا الشمس والقمر ينتج عنهما الليل والنهار وبدأ هنا قال والنهار لأنه مناسب في البداية للشمس والشمس وضحاها والقمر إذًا ثم عاد إلى آية الشمس والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والنهار إذًا جلاها قالوا، يعني: إذًا جل الظلمة التي يأتي بها القمر فالقمر يأتي وتأتي معه ظلمة ثم يأتي النهار فيجليها والشمس وضحاها ﴿وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ والنهار إذًا جلاها جل الظلم التي جاء بها القمر أو جل الأرض جعلها ظاهرة واضحة والليل إذًا يغشاها، يعني: إذًا غطاها قال بعضهم: أي: غطى على الشمس فحينئذ اذهب ضوئها أو ذهب ضوئها والليل إذًا يغشاها ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾13 ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾14 أقسام بأجرام سماوية وأقسام بالسماء فبدأ بالجانب العلوي.
السماء والأرض ومعنى تزكى النفس
فقال: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾، ومعنى وما بناها أي: وبنيانها فـ«ما» مصدرية فيقسم بالسماء وبنيان السماء لأنَّ بنيان السماء بناء متقن ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾15 فهو بناء محكم متقن أتقنه الله صُنْعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ أَتْقَنَ كُلَّ شَىْءٍ لو أنَّ معنى وما بناها أي: ومن بناها. فقالوا ما أنها تأتي هنا بمعنى ﴿مِنْ أَىِّ﴾: يقسم الله بالسماء وبالذي بنى السماء فهو قسم من الله بنفسه ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾ فيها الكلام نفسه وأصل مادة الطحو، أي: البسط أي: والأرض وما بسطها فأقسام أيضًا من الله سبحانه وتعالى، به الأرض وبطحوها فالله طحاها وبسطها وممددها وجعلها ممتدة ممهدة ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ ﴿لِّتَسْلُكُوا۟ مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾.
وقال ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ مِهَـٰدًا﴾16. وقال ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا﴾17 قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾. تأمَّل! ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا﴾ ونفس يقسم الله بالنفس بهذه النفس وما سواه أي: وتسويتها وتعديلها وتقويمها ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾18 أو سواها وهو الله سبحانه وتعالى، هذه الأقسام كلها بالشمس وبالقمر وبالنهار وبالليل وبالسماء وبالأرض وبالنفس على ماذا ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾19. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) وهناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾:. بل جواب القسم مقدر وهو لا تبعثنه ولكن الأصل عدم التقدير فيرجح أن الجواب هو قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ أفلح هذا هو المفلح كما قال حمن طار نفسه طهر نفسه من الذنوب من المعاصي من الخلل من كلما يحول بينه وبين الله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ أي: زكا نفسه. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) وأصل المعنى، يعني: غيبها دساها جعلها تلتهم المعاصي والذنوب أوقعها في حبائل المعاصي فجعلها من أهل المعصية فقد أفلح من زكاها. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) أي: دسا نفسه بمعصية الله سبحانه وتعالى. وهذا فيه أعلى أوصاف وأنواع فهناك نفس أمارة بالسوء وهناك نفس اللوامة وهناك نفس مطمئنة ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10). وقد كان من دعائه ﷺ: «اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها» ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا﴾ ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾.
﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾
﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يقسم قال ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾، يعني: عرفها بين لها الفجور والتقوى فالفجور معروف والتقوى معروفة. لكن من الناس من يسلك مسلك الفجور، ومن الناس من يسلك مسلك أهل التقوى والرسول ﷺ قال: «التقوى ها هنا وأشار بيده إلى صدرك ﷺ فجورها وتقواها يبقى النفس ممكن تغتر بهذا الفجور ومن النفوس من تميل إلى التقوى ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ وكان تقديم الفجور فيه إشارة إلى كثرة من يقع في ذلك وإلى كسر إلى كثرة من تغره نفسك وإلى كثرة من يغتر بالفجور نسأل الله السلامة فألهمها كما قال نجدين». بكثير من أهل التفسير ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ﴾ ثم ضرب الله لنا مثلًا ببعض أولئك الأقوام الذين وقعوا في تدسية نفوسهم، وفي حبائل المعاصي والذنوب لنحذر من أحوالهم كذبت ثمود بسبب طغيأنها أو بطغ، يعني: بعذابها.
قصة ثمود وعقر الناقة
ولذلك قال الله سبحانه وتعالى، ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾20 فيحتمل أن معنى قوله بطغواها أي: بعذابها أو بطغواها بسبب طغيأنها ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ﴾ وهم قوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام. ﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾ أشقى القوم وتحرك وأراد أن يعقر الناقة ﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَـٰهَا﴾.
فقال: لهم رسول الله من هو هنا هو ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام عرف هذا من سياقات القرآن الكريم والمواضع الأخرى قال الله ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا﴾21 قال الله سبحانه وتعالى. ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ﴾ وسقيا، يعني: احذروا ما تقيًّاها ذروا أو احذروا ناقه الله وسقيا كما قال الله ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا۟ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ﴾22 ونبههم، ﴿أَنَّ ٱلْمَآءَ قِسْمَةٌۢ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ﴾ مرتضى ﴿فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾23 جعل الله سبحانه وتعالى، هذه الناقة آية معجزة ﴿وَقِيلَ﴾ لهم دعوا الناقة تشرب في يوم من الأيام تشرب أحد اليومين وأنتم أشربوا من ألبانها ولكن دعوا لها الشراب أني لن تشرب أشربوا أنتم كيف جئتم.
ومع ذلك مع أنَّ هذا أمر سهل وميسور فهم حينئذ ليسوا في ضرر قال الله عز وجل ذلك ابتلاء فما صبروا، ولا شكروا، ولا أقر ولا اعترفوا. بل أرادوا عقرت الكناقه قال الله سبحانه وتعالى. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ احذروا ناقه الله ذروا ناقه الله وسقياها لا تعتدوا عليها لا تمسوها بسوء قال الله عز وجل فكذبوه فعقروها كذبوا، ولن يصدقوا برسالته، ولم يستجيبوا لدعوته، ولا للآية التي جاء بها فعقروها والذي عقرها اشقى القوم لكنهم لما كانوا موافقين له راضين بفعله كانوا مشتركين معه في عقرها لذلك قال هناك فتعاطفا قاروها وهم الذين استحثوه على ذلك ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ﴾ دمدم عليهم ربهم بذنبهم قالوا، يعني: سواهم بالأرض دمدمه فدمدم عليهم ربهم بذنبهم بسبب ذنوبهم فسواها، ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَـٰهَا﴾ فصاروا مستوينا عثفا هامدا حراك بهم.
نسأل الله السلامة. ﴿وأخذتهم الصيحة فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّىٰهَا، ولا يخاف عقباها﴾ (الحجر: 73 (تقريب)؛ الشمس: 14-15) والقراءة الأخرى فلا يخاف عقباها، يعني: ربنا لا يخاف عقبه، ولا هذا يعني: ربنا لا يخاف من أحد إذًا عاقب قومًا هل يستطيع أحد أن يدفع هذا العذاب عنهم هل يستطيع أحد أن يرد بأس الله سيستطيع أحد فهو لا يخاف سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمْ فَسَوَّىٰهَا، ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَـٰهَا﴾ هكذا يبين الله في ختام السورة مثلًا وقصة واضحة جلية لثمود قوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام كيف أن الدعوة قد بلغتهم
والرسالة قد وصلت إليهم عن طريق ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ عليه السلام وأمروا بأمر كان بإمكانهم، أن يتحملوا ونهوا عن، أن يفعلوا بالناقة ما قد فعلوا لكنهم مع ذلك ارتكبوا الذنوب. ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) فحينئذ كانوا من الهالكين «فنسأل الله سبحانه وتعالى، أن يجعلنا من أهل النفوس اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا، أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا،» ولا يخفى.
دفع التعارض بين التزكي والنهي
يا أيها الإخوة الكرام أنه لا تعارض بين قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ وبين قول الله ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾24. فإنَّ النهي في قوله فلا تزكوا أنفسكم نهي عن مدح النفس فقول فلا تزكوا أنفسكم، يعني: لا تمدحوا أنفسكم، ولا تثنوا على أنفسكم. أما الثناء في قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ فهو ثناء على تطهير الإنسان لنفسه بأن يراقب نفسه ويحاسبها ويعاتبها ويجاهدها وإن استحقت العقاب عاقبها قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾25.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 1-2 ↩
- آية: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰهَا وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّىٰهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 1-9 ↩
- آية: ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 10 ↩
- آية: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقْيَـٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 11-13 ↩
- آية: ﴿وضحاها قسم والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها﴾ — الشمس: 1-9 ↩
- آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 9-10 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 4 ↩
- آية: ﴿ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: فصلت 37 ↩
- آية: ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا۟ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ﴾ — كما ورد في الدرس: يونس 5 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 121 ↩
- آية: ﴿وَٱلشَّمْسِ وَضُحَىٰهَا وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا وَٱلَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 1-4 ↩
- آية: ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 5 ↩
- آية: ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا طَحَىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 6 ↩
- آية: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأنبياء 32 ↩
- آية: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ مِهَـٰدًا﴾ — كما ورد في الدرس: النبأ 6 ↩
- آية: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 22 ↩
- آية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِىٓ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ — كما ورد في الدرس: التين 4 ↩
- آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 9 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْحَآقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌۢ بِٱلْقَارِعَةِ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا۟ بِٱلطَّاغِيَةِ﴾ — كما ورد في الدرس: الحاقة 3-5 ↩
- آية: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَـٰلِحًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 73 ↩
- آية: ﴿إِنَّا مُرْسِلُوا۟ ٱلنَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَٱرْتَقِبْهُمْ وَٱصْطَبِرْ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 27 ↩
- آية: ﴿فَنَادَوْا۟ صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ﴾ — كما ورد في الدرس: القمر 29 ↩
- آية: ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ — كما ورد في الدرس: النجم 32 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
من سلسلة: لمحة في سورة (134 درسًا)
موضوعات هذا الدرس
دروس مشابهة
- الحديث الثامن عشر الخلق الحسن
- الحديث الخامس النهي عن الإبتداع في الدين
- (من أحدَثَ في أمرِنَا هذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَد) خطبة الجمعة للشيخ محمد بن حامد 29/11/2013
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الثالث جوامع الخير
- الحديث الثالث والعشرون الجزء الأول جوامع الخير
- صفة التواضع جزء2 من سلسلة صفات عباد الرحمن خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد