مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة مريم — الجزء 4

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 345 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

ثم قال: ﴿وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا۟ لَهُمْ عِزًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵑﵘﵜ أي: اتخذ هؤلاء ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لِّيَكُونُوا۟ لَهُمْ عِزًّا﴾ ظهيرًا ومعينًا.

﴿كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ في علوم القرآن يذكرون أن كلمة H0 إذا ذكرت في سورة، فهي تدلّ على مكية السورة؛ لأنّ المعنى الأشهر في H1 أنها للردع والزجر. وهذا مناسب للرد على المشركين. وهذا كثير في السور المكية؛ فجاء هنا في سورة مريم: ﴿كَلَّا ۚ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ كما قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُوا۟ لَهُمْ أَعْدَآءً وَكَانُوا۟ بِعِبَادَتِهِمْ كَـٰفِرِينَ﴾ ﵝالأحقاف الآية ﵖﵜ H2؛ ينقلبون عليهم.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ ألم تر - ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول - أنا بعثنا الشياطين، وسلّطناهم على الكفار تهيجهم تهييجا. هذا معنى H3، تهيجهم، أو تزعجهم؛ فقوله: H4 من الأز، والأز معناه: الازعاج، تزعجه، وتحركه، وتدفعه إلى المعصية دفعا.

﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ لا تعجل عليهم بطلب هلاكهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ كل هذا يقرر الله فيه سبحانه وتعالى سنته في خلقه من الاستدراج والإمهال.

قال: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ ما معنى نعد لهم عدا؟

قال بعضهم: نحصي أعمارهم إحصاء، كذا قالوا هنا: إنمّا نحصي أعمارهم إحصاء، حتى إذا انتهى وقت إمهالهم عاقبناهم بما يستحقون. إذًا H5 في الأعمار.

ومنهم من قال: H6 في الأعمال، أي: نحصي عليهم أعمالهم؛ لا تقلق الأعمال محصية عليه.

ثم قال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا﴾ أي: اذكر يا رسول الله، اذكر هذا الموقف؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾. والآيات تردنا إلى قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ قالوا: وفدا مكرمين معززين. هذا معنى H7. وبعضهم فسر معنى H8 بالركبان؛ راكبين.

﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ أي: عطاشا ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﵝالطّور الآية ﵓﵑﵜ.

﴿لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾

أي: من اتخذ عند الرحمن في الدنيا عهدا للإيمان به ورسله؛ فالشفاعة منفية في حق الكفار، وأما ﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَـٰتٍ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعْدِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُوا۟ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فتصح فيه الشفاعة.

قال: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾ لذا بعضهم يقول: لكن ﴿لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾ ٱلرَّحْمَٰنِ عَهْدًا فتنفعه الشفاعة.

ﵣوقالوا ٱتّخذ ٱلرّحمن ولدٗا ٨٨ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا ٨٩ ﴿تَكَادُ﴾ ٱلسّموت يتفطّرن منه وتنشقّ ٱلأرض وتخرّ ٱلجبال هدًّا ٩٠ أن دعوا للرّحمن ولدٗاﵢ

عادت الآيات الكريمة إلى تقرير أن الله واحد لا شريك له، ولا ولد له، كما قررت في بداية السورة في الحديث عن مريم وولادتها لعيسى عليه السلام، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وليس ابنًا لله. ختمت السورة بتقرير هذا المعنى.

ﵣوقالوا ٱتّخذ ٱلرّحمن ولدٗا ٨٨ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا ٨٩ ﴿تَكَادُ﴾ ٱلسّموت يتفطّرن منه وتنشقّ ٱلأرض وتخرّ ٱلجبال هدًّا ٩٠ أن دعوا للرّحمن ولدٗاﵢ

ولاحظوا - يا أيها الإخوة الكرام - تكرر اسم الله الرحمن، فهو الرحمن، ومع ذلك وقع منهم ما وقعوا فيه، ولعله، والعلم عند الله، مما يظهر في هذه السورة ذكر سنة الاستدراج، وسنة الإمهال.

وكثير من هؤلاء غرتهم رحمة الله سبحانه وتعالى وظنوا أن الرحمة ﴿أَنَّمَا﴾ قصد بها الحب، وخفي عليهم أن رحمة الله رحمة اقتدار، ورحمة حكمة، فالله رحمن حكيم مقتدر؛ ففهموا الرحمة على غير معناها الصحيح.

قال الله سبحانه: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْـًٔا إِدًّا﴾ شيئًا عظيماً ﴿ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ تتشقق من هذا القول المنكر ﴿وَتَنشَقُّ ٱلْأَرْضُ﴾ ﴿تَكَادُ﴾ تتصدع ﴿تَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدًّا﴾ تتساقط منهدمة؛ لأنَّها تعلم جرم هذا القول؛ فهذه المخلوقات تعلم جرم هذا القول، كيف ينسب لله سبحانه وتعالى أن له ولدا؟ فالله ليس له مثيل؛ فلا يمكن أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ؛ لأن الولد يماثل أباه.

قال: ﴿أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًا﴾ أي: من أجل أَن دَعَوْا۟ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدًا

ﵣوما يَنۢبَغِى ﴿وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ٩٢ﵢ قوله: H9، قالوا هنا: وما يستقيم.

لذلك قال عدد من أهل التفسير، وهذا كلام صحيح، إن قوله: H10 تستعمل مع الممتنع جدًا شرعاً. وبعضهم يقول: وعقلا، شيء ممتنع، مع الشيء الممتنع جدًا (﴿وَمَا يَنۢبَغِى﴾ كذا) أي: يستحيل، ولا يمكن بحال من الأحوال.

ﵣوما يَنۢبَغِى ﴿وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ٩٢ﵢ فالمعنى: أي: ما يستقيم، ولذلك هذا التعبير أبلغ من أن يقال: وليس ﴿وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾، ﴿وَمَا يَنۢبَغِى﴾، أي: يمتنع، فكيف يقع هذا؟ وليس له مثيل؛ فالذي ليس له مثيل كيف يكون له ولد؟

ﵣما يَنۢبَغِى ﴿وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ ٩٢ ﴿إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا﴾

ومنهم عيسى، فهو آتي الرحمن عبدا، فكيف يكون ولد؟ وكيف يتخذ الأب ولده عبدا له؟ لا يمكن بحال من الأحوال. هذا لا يتأتى بأي حال من الأحول.

﴿إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا﴾ بلا استثناء، ومن ثمّ فلا ولد له.

ﵣ ﴿إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا﴾

﴿إن كلّ﴾، أي: ما ﴿إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا﴾ أي: خاضعا له.

﴿لَّقَدْ أَحْصَىٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أحاط بهم علمًا سبحانه وتعالى.

﴿وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْدًا﴾ لا ناصر له، ولا مال؛ كما قال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَـٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ﵝالأنعام الآية ﵔﵙﵜ.

ثم ختم الله السورة فقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّا﴾

بشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّا﴾.

قالوا: سيجعل الله لهم محبة؛ بحبه إياهم، وبتحبيبهم إلى عباده، إذًا ما معنى ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّا﴾؟ بحبه لهم، وبتحبيبهم إلى عباده، هذا هو المعنى، ومعروف حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: " إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إني أحب فلانا، فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلانا، فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض".

﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّا﴾ ذكر بعضهم: أن الله عبر هنا بالسين الدالة على الاستقبال؛ لأن السورة مكية، وأهل الإيمان كانوا مبغوضين من الكفار، وهم كثر في العهد المكي.

فلما دخل الناس في دين الله أفواجا زالت هذه الكراهية، وانقلبت إلى محبة، وجعل لهم القبول بفضل الله سبحانه، ثم تزايد، فقال: H11.

وبعضهم قال: سيجعل لهم يوم القيامة ودا؛ وذلك أن الكافرين حين يدخلون النار يعلمون أنهم دخلوا بعدل الله، ولم يظلمهم الله؛ فيلتفتون إلى أهل الإيمان، فيودون لو أنهم أحبوهم في الدنيا، وكأنما المحبة تقذف في قلوبهم يومئذ.

لكن الأقرب، والعلم عند الله، أن هذا واقع في الدنيا؛ كما يدل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم قال الله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًا لُّدًّا﴾ ٩٧ﵢ

قوله: H0، تستطيع أن تقول: إنه إيذان بانتهاء السورة.

H1 تتمة؛ الكلام انتهى. السورة تنتهي؛ ولذلك هناك علامات وإشارات على انتهاء السورة؛ كما في سورة إبراهيم: ﵣ هَـٰذَا بَلَـٰغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا۟ بِهِۦ وَلِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ﵝإبراهيم الآية ﵒﵕﵜ.

قال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًا لُّدًّا﴾ ٩٧ﵢ.

وتلاحظون مثل ذلك في سورة الدخان أيضًا، في ختامها إشارة إلى أن السورة انتهت، انتهت المسألة؛ وهي أن هذه السورة يسرها الله سبحانه بلسانك، H2، أي: يسرنا هذا القرآن H3؛ بلغتك. ما الغاية؟ وما الحكمة؟ ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًا لُّدًّا﴾

لذلك بعضهم يقول: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ﴾ الفاء فصيحة، بلغ ما أنزل الله إليك، ولا تلتف إلى هؤلاء الكافرين؛ فإنما يسرناه بلسانك، أو أنها تفريع عما سبق.

ثم قال: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًا لُّدًّا﴾ هذه من مقاصد القرآن H4.

وتأمل قوله: H5، في مقابلة H6، فالله عز وجل ذكر المتقين، وذكر في مقابلتهم قوما لدا؛ لأن معنى H7 أشداء في الخصومة، والمتقون: هم المطيعون المنقادون.

فالقوم اللد: المخاصم المشاكس المجادل العاصي الذي لا يقبل، لا يستسلم، لا يستجيب، يقابله التقى الطائع المستجيب الخاضع.

ثم ختم الله سبحانه وتعالى السورة، فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا﴾.

هلا اتعظوا واعتبروا. ما أكثر الأمم التي أهلكناها ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ قومك! ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ﴾ هل تشعر اليوم بأحد من تلك الأمم، ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا﴾، هل تسمع لهم صوتا خفيا.

والمعنى نفي ذلك. والمراد: أنهم قد استؤصلوا فلم يبق لهم أثر ولا عين.

فقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًۢا﴾ أي: لم يبق لهم أثر ولا عين، أين هم؟ غابوا وذهبوا طويت أصولهم، ذهبوا وإن بقي ذكرهم، فهلا اعتبروا بذلك. نسأل الله سبحانه أن يهدينا صراطه المستقيم.

من فوائد الآيات:

تدل الآيات على سخف الكافر، وسذاجة تفكيره، وتمنيه الأماني المعسولة، وهو سيجد نقيضها تماماً في عالم الآخرة.

سلط الله الشياطين على الكافرين بالإغواء والإغراء بالشر والإخراج من الطاعة إلى المعصية.

أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون بإذن الله يوم القيامة.

تعليق الشيخ حفظه الله على الفوائد:

تدل الآيات على سخف الكافر، وسذاجة تفكيره، وتمنيه الأماني المعسولة، وهو سيجد نقيضها تماماً في عالم الآخرة. قال الله: ﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ ﴿أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾ إلى آخر الآيات.

سلط الله الشياطين على الكافرين بالإغواء والإغراء بالشر والإخراج من الطاعة إلى المعصية. قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا ٱلشَّيَـٰطِينَ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾. وهذا فيه دليل على أن كل شيء بقدر.

أهل الفضل والعلم والصلاح يشفعون بإذن الله يوم القيامة. قال الله: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾.

وبهذا نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة مريم. فنسأل الله سبحانه أن يجعلنا من المتقين، وأن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى. ونقف عند هذا الحد. هذا والله أعلم.

أشهد ﴿إِلَّا﴾ إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة