مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة طه — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 346 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

أما بعد:

فمرحبًا بكم يا أيها الإخوة الكرام في مجلس جديد من مجالس التعليق على كتاب: "المختصر في تفسير القرآن الكريم"، وننتقل بفضل الله وتوفيقه إلى تفسير سورة طه، ونسأل الله الإعانة والتوفيق.

التعريف بالسورة

سورة "طه" سورة مكية: هذه السورة المباركة تسمى بسورة "طه" وهذا اسمها الأشهر وذلك؛ لأن الله- سبحانه وتعالى- صدرها بقوله: ﴿طه﴾[طه:1]، وسيأتي الكلام -بإذن الله تعالى- على المراد بطه، وهناك أسماء أخرى سُميت بها السورة الكريمة كقولهم إنها سورة "الكليم" أو سورة "موسى- عليه السلام-"؛ لأن الله- عز وجل- حدثنا فيها عن موسى -عليه السلام- حديثًا مستفيضًا كما سيأتي بيانه في أثناء السورة المباركة.

وأما قولهم إنها سورة مكية:

فهذا بالاتفاق والإجماع فأهل التفسير، مجمعون على أن سورة "طه" إحدى السور المكية، بل إن كثيرًا منهم يرى أنها من أوائل السور المكية، وبعضهم يحدد وقت نزولها فيرى أنها نزلت في السنة الرابعة أو في أول السنة الخامسة من البعثة النبوية؛ وذلك أنهم يوردون في ذلك قصه إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه- حينما دخل على أخته وزوجها ومعهما صحيفة فيها سورة "طه"، أو فيها فواتح سورة "طه" وأراد أن يقرأ ما فيها، وطلبت منه أخته أن يتطهر ثم يقرأ وكان هذا سبب إسلامه.

هذه القصة وردت لها طرق متعددة وهي لا تسلم من مقال وبعض المحققين يضعفونها، وبعض العلماء يصححونها لا سيما أصل القصة، فقد أوردها بل رواها البيهقي والدارقطني وغيرهما، وقال البيهقي له شواهد كثيرة؛ أي لهذا الحديث، وقال العيني إسناده صحيح متصل وكذلك جوده الزيلعي في نصب الراية.

تحليل مقارن وربط بين السور

على كل حال فهذه السورة المباركة إحدى السور المكية، ومما يدل على تقدمها في النزول بغض النظر عن القصة المروية في حق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- ما تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في أثر عبد بن مسعود- رضي الله عنه- في البخاري، قالَ: "بَنِي إسْرَائِيلَ، والكَهْفُ، ومَرْيَمُ، وطه، والأنْبِيَاءُ: هُنَّ مِنَ العِتَاقِ الأُوَلِ، وهُنَّ مِن تِلَادِي" فهذا معناه أنها مما حُفظت وتُليت قديمًا تلاها رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ونزل بها الوحي -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.

هذا بالنسبة لمكية السورة، وبناءً عليه فإنَّ السورة الكريمة تقرر ما تقرره السور المكية من:

وكذلك الحديث عن البعث والآخرة.

وهذا نجده بفضل الله –سبحانه وتعالى- في هذه السورة المباركة.

نقل من المختصر وبيانُه

قالوا هنا: من مقاصد السورة السعادة باتباع هُدى القرآن وحمل رسالته، والشقاء بمخالفته.

فالسور الكريمة تتحدث عن السعادة والشقاوة؛ فمن اهتدى فإنه السعيد، ومن ضل فإنه الشقي، وهذا معناه أن السورة الكريمة تلفت الأنظار إلى هذا المقصود العظيم؛ وهو أن القرآن الكريم، والوحي المعصوم وما أنزله الله على نبيه محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لا يكون طريقًا للشقاء وإنما هو طريق السعادة، فإذا رام العبد السعادة فعليه باتباع الوحي فإنَّ اتباع الوحي طريق السعادة في الدنيا والآخرة، ويشهد لهذا المعنى والعلم عند الله صدر السورة الكريمة، فإنَّ الله قال في أولها: ﴿طه مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾[طه:1-3].

فتأمل قوله: ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾[طه:2] تقدم معنا مرارًا يا أيها الإخوة الكرام أن السور التي حدثنا الله فيها عن القرآن الكريم في صدر هذه السور لا سيما تلك السور التي ذكر فيها الحديث عن القرآن الكريم عقب ذكر الحروف المقطعة فإنَّ الله- عز وجل- قد وصف القرآن بأوصاف متعددة، وهذا الوصف الذي يوصف به الكتاب أو القرآن يناسب مقصود السورة؛ فسور يوسف يوصف فيها الكتاب بأنه المبين، وسورة يونس يوصف فيها الكتاب بأنه الحكيم إلى غير ذلك مما تقدم بيانه في موضعه.

وهنا لما ذكر الله القرآن، قال: ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ إذًا هذا فيه بيان أن الوحي طريق السعادة، وأن ترك الوحي طريق الشقاوة؛ ويشهد لهذا ما ذكره الله- سبحانه وتعالى- في أمر هبوط آدم،- عليه السلام- في قول الله- عز وجل- في آخر السورة، قال: ﴿قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًۢا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾[طه:123-124] فتأمل قوله: ﴿فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ فهذا فيه أن من اتبع هدى الله فهو المهتدٍ وهو السعيد، ومن ترك طريق الله- عز وجل- فهو الغوي الضال والتعيس؛ ولذلك قال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ أَعْمَىٰ﴾.

إذًا من مقاصد السورة الكريمة الظاهرة فيها بيان أن الوحي طريق السعادة، وأن من ترك الوحي ولم يؤمن به فهو الشقي البئيس في الدنيا والآخرة، نسأل الله السلامة.

والمتأمل أيضًا في هذه السورة الكريمة يمكن والعلم عند الله تعالى أن يستخرج شيئًا من ذلك من بعض الملامح التي أشار إليها بعض العلماء، أو بعض الباحثين في مقاصد السور؛ وذلكم أن الله صدر السورة بقوله: ﴿طه﴾[طه:1] فاختار هذين الحرفين "طاء- هاء".

فبعضهم قال: إن "الطاء" رمز لجبل الطور وقد كان فيه مخرج كبير لموسى- عليه السلام- حين كلمة الله سبحانه فكانت بداية التغير والتهيؤ لهذا المعلم العظيم من إيحاء الله لموسى- عليه السلام- والذي صار به كليم الرحمن- عز وجل-.

و"الهاء" قالوا: يرمز بها إلى هارون؛ لأنه نِعم المعين للأخ، فقد كان نِعم المعين لأخيه موسى- عليه السلام-.

وبعضهم اتجه اتجاها آخر فقال: إن "الطاء" يرمز بها إلى الطغيان، فالله لما ذكر فرعون ذكر أنه طغى فهذا فيه طغيان الإنسان عن اتباع الهدى، و"الهاء" تُنبئ عن الهدى، والمعنى أن الإنسان إذا طغى عن الهدى فهو من الأشقياء، وإذا اتبع الهدى فهو من السعداء.

والحق -والله أعلم- أن هذا الذي يذكر في مثل هذه المقامات هو من باب الاستئناس لا من باب الاعتماد، فلا نستطيع أن نجزم ونقول إن المراد بالطاء كذا، وإن المراد بالهاء كذا، لكن هذا يستخلصه بعض الناس حينما يتتبعون هذا الحرف أو ذاك من خلال السورة الكريمة، ونظير ذلك في كلام بعض المتقدمين حينما تكلموا مثلًا عن "ق"في سورة "ق" ونظروا إلى حرف "ق"وأن هذا الحرف من صفاته الجهر والشدة والقلقلة والاضطراب، وأن سورة "ق" تقوم على هذا المعنى ففيها ذكر القلاقل من سكرة الموت، ومن الوعيد في الآخرة، وعذاب الآخرة، وما يقع في النار من قولها: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾[ق:30] إلى غير ذلك مما يذكر في هذا المقام.

كذلك سورة "ص" سميت بسورة "ص"، وافتتاحها بـ"ص" قالوا: و"ص" فيها رمز لمعنى الخصومة وهذه السورة فيها: ﴿وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ﴾[ص:21] وكذلك فيها اختصام الملأ الأعلى في آخر السورة الكريمة إلى غير ذلك بما يذكر في هذا المقام على كلٍ هذا باب فسيح وللإجتهاد فيه مجال ولا نستطيع الجزم فيه بشيء والتوفيق بيد الله سبحانه، وحسب المرء في هذه المقامات أن يبذل ما في وسعه وأن يستعين بالله وأن يفوض الأمر إلى الله فإنَّ الكلام في ذلك ما هو إلا محض اجتهاد دون جزم أو توقيف والله تعالى أعلم.

نرجع إلى ما كنا بصدده من أصل الكلام وهو أن بعض العلماء يرى أن مقصود السورة الكريمة بيان سعادة المتبعين للوحي، وبيان شقاوة التاركين للوحي المعرضين عنه، ولك أن تقول والعلم عند الله إنه من مقاصد السورة الكريمة بيان عناية الله بأوليائه سورة "طه" من السور التي يقرأها المرء فيشعر بهدوء وطمأنينة وسكينه، وقد نص على ذلك بعض الأئمة من أن السورة الكريمة إحدى السور التي حينما يقرأها الإنسان؛ فإنها تمنحه السكينة وإنشراح الصدر، وأسلوبها بل وفواصلها كذلك فإنَّ هذه الفاصلة الموجودة فيها وهي الألف المقصورة تدل على هذا المعنى في سهولته وفي يسره عند نطقه وعند سماعه كذلك.

والمتأمل في السورة الكريمة يجد إنعام الله- سبحانه وتعالى- على أوليائه وحفظه لهم؛ ولذلك ذكر الله- سبحانه وتعالى- قصه الكليم موسى- عليه السلام- واختار من هذه القصة المواقف المتعلقة ببداية دعوته ثم بنهاية دعوته؛ وذلك لأنه في بداية الدعوة حينما بدأ الدعوة إلى الله- سبحانه وتعالى- وأُوحي إليه كان بحاجة إلى أن يُثَبت وإلى أن يُعان وأن يُوفق وأن يُبين له أن الله ناصره وأن الله حافظه ﴿لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾[طه:46] وقبلها ذكر الله مننًا عليه ولذلك جاء في الآيات ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ﴾[طه:37]، وجاء فيها ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾[طه:41] وقبل ذلك قال: ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ﴾[طه:13] كل هذا من عناية الله- سبحانه وتعالى- بأنبيائه ورسله، وهذا فيه درس لعباد الله الصالحين.

ففي السورة تسليه للرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وبيان أن الله لن يخذله ولذلك من خواتيم السورة ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى* وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾[طه:130-131] فالسورة فيها أن الله سبحانه يحفظ أوليائه، ويُنعم عليهم.

وكذلك ذكر الله- عز وجل- لنا المكيدة التي كادها فرعون لموسى- عليه السلام- وما تربص به من وجود السحرة وأنه قصد بذلك أن يغلبوه ولكن هيهات فإنَّ الله ناصر نبيه ناصر رسوله ﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾[طه:69] إلى غير ذلك مما ذُكر في هذه القصة، ثم أهلك الله فرعون ومن معه ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ﴾[طه:78-79]، وتأمل قوله: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ﴾[طه:79] فقد أضلهم ولم يهدهم، فالهدى هو طريق النجاة، والضلال هو وطريق الشقاء فهذا يدل على أن الله- سبحانه وتعالى- يحفظ أولياءه.

ويقابل ذلك ما وقع للسامري الذي تخلى عن اتباع الوحي ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى﴾[طه:96] فهذا الرجل الذي إنسلخ من اتباع الشريعة وترك تعاليم هذا الرسول المبارك ما كان إلا أن أذله الله في الدنيا ﴿فَإِنَّ لَكَ فِى ٱلْحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُۥ ۖ وَٱنظُرْ إِلَىٰٓ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِى ٱلْيَمِّ نَسْفًا﴾[طه:97] فهذا فيه أن من اتبع هدى الله فإنَّ الله يحفظه وإن الله- عز وجل- يؤيده، وفي هذا بيان أن الله ينصر نبيه محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

ولذلك والعلم عند الله اختيرت قصه موسى- عليه السلام- دون غيرها؛ لأن موسى- عليه السلام- من أشد الأنبياء ابتلاء في قومه ابتلي ابتلاء شديدًا في قومه، والأنبياء والمرسلون يبتلون بيد أن ابتلائاتهم تتعدد وتختلف، ومن أشد الابتلاءات التي تتعلق بالدعوة إلى الله- سبحانه وتعالى- والإنسان صابر ومحتسب لا سيما وأن موسى- عليه السلام- لا يدعو رجلًا يمكن أن يطيعه أو أن يستجيب له، ﴿أَنَّمَا﴾ يدعو طاغية هو من أطغى الخلق في أرض الله- سبحانه وتعالى- وهو فرعون، ومع ذلك أمره الله، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[طه:44] فهذا أيضًا من مقاصد هذه السورة الكريمة والعلم عند الله.

ومن جهة أخرى أيضًا فإنَّ السورة الكريمة يمكننا أن نقول وهذا الذي أذكره في المقاصد متلازم يلزم أو يلتزم بعضه ببعض وينبثق بعضه عن بعض، فمن مقاصد السورة الكريمة أيضًا دعوة الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلى الرفق بالمدعوين وإلى الصبر عليهم وأن لا يشُق على نفسه وإنما يتلقى الأمور بصدر رحب فإنَّ ابتلي فقد ابتلي الأنبياء من قبله وهو منصور مؤيد من الله سبحانه؛ ولذلك صدر الله السورة بقوله: ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾[طه:2-4] وفي آخرها ﴿فَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾[طه:130] ففيها الأمر بالصبر الأمر بالصبر على الدعوة، وإذا كان الله قد أمر موسى- عليه السلام- بأن يترفق بفرعون في الدعوة إليه- سبحانه وتعالى- فكذلك نبينا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مع المدعوين عليه أن يبلغ دعوة الله وأن يصبر والله -سبحانه وتعالى- مؤيده.

والمتأمل أيضًا يا أيها الإخوة الكرام يجد أن هناك مناسبة بين أول السورة وآخرها؛ ففي أول السورة الحديث عن القرآن وكذلك في آخرها ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا يَأْتِينَا بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّهِۦٓ ۚ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِى ٱلصُّحُفِ ٱلْأُولَىٰ﴾[طه:133]، وأيضًا ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا۟ ۖ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَـٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِىِّ وَمَنِ ٱهْتَدَىٰ﴾[طه:135] وهذه الهداية ﴿أَنَّمَا﴾ هي بالقرآن، وأصحاب الصراط السوي من اتبعوا هذا القرآن والعلم عند الله تعالى.

وكذلك في آخر سورة مريم ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَـٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوْمًا لُّدًّا﴾[مريم:97] " فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ " أي القرآن، وفي أول "طه" : ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾[طه:2-3] والذي يخشى هم أهل التقوى الذين قال الله فيهم ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلْمُتَّقِينَ﴾[مريم:97] فنسأل الله أن يجعلنا من المتقين، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

هذا طرفٌ يسير، ونُبذه مختصره عن مقصود هذه السورة المباركة وعن مناسبتها لما قبلها أعني سورة "مريم"، وكذلك مناسبة أولها لنهايتها والعلم عند الله -تبارك وتعالى-.

قال الله سبحانه: ﴿طه مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ [1-2] قالوا هنا في المختصر: ﴿طه﴾ تقدم الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة هذا فيه أنهم يرون أن "طه" حرفان من الحروف المقطعة التي افتتح الله -عز وجل- بها بعض سور القرآن الكريم فمثلها مثل: "ألم"و"حم" و"ق" و"ص" ونحو ذلك، وهذا القول قال به عدد من المحققين فهم يرون أن "طه" من الحروف المقطعة التي افتتح الله -عز وجل- بها بعض السور ولها حِكَمٌ كثيرة منها التحدي وبيان أن القرآن معجز؛ لأن الناس تعرف هذه الحروف، ومع ذلك لا يمكنهم أن يأتوا بمثل القرآن، ﴿وَلَآ أَن﴾ يأتوا بسورة من مثله.

إلا أن بعض المفسرين قد قال في "طه" على وجه التحديد أقوالًا أخرى فمنهم من يرى أن "طه" معناها يا رجل، فقالوا: إن "طه" في بعض اللهجات أو في بعض اللغات معروفة عند بعض القبائل بمعنى يا رجل فإذا قيل طه فالمراد به النداء يا رجل، قالوا: ويشهد لذلك أن الله بعدها قال: ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ فكأن المعنى يا رجل ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ وهذا القول عزاه الواحدي إلى أكثر المفسرين، ومنهم من قال بل "طه" اسمٌ من أسماء النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فطه كان المعنى يا محمد ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ لتشق، هذان قولان مشهوران قال بهما عدد من أهل التفسير.

بيد أن الأرجح عندي والعلم عند الله ما ذكروه هنا في الكتاب في المختصر من أن "طه" من الحروف المقطعة التي افتتح الله -عز وجل- بها بعض سور القرآن الكريم ويشهد لذلك أن حرف "الطاء" ذُكر في بعض فواتح السور أيضًا كما في قوله: ﴿طسم﴾[الشعراء:1] فالطاء ذكرت في فواتح سورٍ أخرى، و"الهاء" كذلك كما مضى في ﴿كهيعص﴾[مريم:1] "فالهاء" ذُكرت أيضًا، فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن هذا يشهد لهذا كان هذا دليلًا على ترجيح ذلك، وأيضًا فالحروف المقطعة يذكر بعدها كثيرًا الحديث عن القرآن الكريم وقد جرى الحديث عن القرآن بعد "طه" أيضًا ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾.

الأمر الآخر أنه ليس من المعهود أن ينادي اللهُ رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بقوله: يا رجل بطة أو بيا رجل هذا ليس معهودًا في غير هذا الموضع المتنازع في تفسيره، وأيضًا تسميه النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بطة لا نعلمها ثبتت عنه بنص صحيح أقصى ما في ذلك رواية لا تثبت عنه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- في تسميته بطة ثم أيضًا إن النبي صلوات الله وتسليماته عليه، إذا نظرنا إلى عامة أسمائه نجد أن أسمائه تحمل أعلامًا ومعاني تحمل أعلامًا وأوصافًا، فحينما نسمع اسمه محمد أو أحمد ونسمع كذلك بقية أسمائه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإنها أسماء ذوات معاني، وأما إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ طه، فما المعنى الذي فيه؟ والعلم عند الله -تبارك وتعالى-.

على كل حال للعلماء في "طه" أقوال لعله من أمثل الأقوال في ذلك أن يُقال إنها من الحروف المقطعة التي تحدى الله -عز وجل- بها الخلق وبين لهم أنهم لا يستطيعون الإتيان بالقرآن الكريم وإن كان مكونًا من مثل هذه الحروف.

﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ ما أنزلنا عليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول القرآن ليكون سببًا في إرهاق نفسك، الخطاب في قول: ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ للرسول اتفاقًا بغض النظر عن الاختلاف في معنى طه، لكن الخطاب موجه لرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ لأن القرآن كله منزل على رسوله ومصطفاه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ أي من أجل الشقاء لم ينزل الله القرآن عليك من أجل الشقاء، وإنما أنزله لتسعد، قال: ما أنزلنا عليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول القرآن ليكون سببًا في إرهاق نفسك أسفًا على إعراض قومك عن الإيمان بك ففسر هنا الشقاء بأنه الإرهاق، إرهاق النفس بسبب إعراض قومه عن الإيمان به، ويشهد لهذا المعنى أن صدر سورة طه شبيهٍ بصدر سورة الشعراء وفي أولها ﴿طسم﴾[الشعراء:1] وهذا يشهد لمعنى الطاء في طه، وقال الله -عز وجل-: ﴿تِلْكَ ءَايَـٰتُ ٱلْكِتَـٰبِ ٱلْمُبِينِ لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾[الشعراء:2-3] فيكون معنى قوله: ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ في معنى ﴿لَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾[الشعراء:3]؛ ولذلك ذكر الله هناك قصه موسى -عليه السلام- بعد صدر السورة الكريمة -كما هو الحال- في هذه السورة المباركة أعني سورة طه.

﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ إذًا أنت عليك أن تبلغ لكن لا ترهق نفسك ولا ﴿تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾، ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾[طه:3] فأنت مهمتك أن تذكر ولست مسيطرًا ولست عليهم بجبار ولست مسلطًا عليهم ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾[الزمر:41]، ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾[طه:3] أي ما أنزلناه إلا ليكون تذكيرًا لمن وفقهم الله لخشيته وذكر ﴿لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ لأنهم المنتفعون بالتذكرة.

﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ وللعلماء أقوال في إعراب "إلا تذكره" لا يناسب المقام ذكر ذلك لكن الشاهد هنا أنهم حملوا التفسير ما أنزلناه إلا ليكون تذكيرًا لمن وفقهم الله لخشيته.

﴿تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾[طه:4] "تنزيلًا" فهذا القرآن أنزله الله إنزالًا أو تنزيلًا، نزله تنزيلًا والقرآن الكريم منزل منجم مفرق كما تقدم معنا ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْنَـٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾[الإسراء:106] على أحد الأقوال في معنى فرقناه وكذلك الآيات الأخرى التي تدل على هذا المعنى، قال الله: ﴿تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾ لم يقل تنزيلا من عندنا، أو تنزيلا منا فالآية قبل ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾ تنزيلًا منا، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾ فهذا أسلوب الالتفات فبعد أن كان الحديث بصيغة التكلم ما أنزلنا صار الحديث عن الله بصيغة الغيبة ﴿تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾ فالذي ﴿خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾ ﴿قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ﴾ القرآن.

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾[طه:5] ومن أسمائه أنه الرحمن، ومن أوصافه الرحمة، ومن كان كذلك فإنه لن يترك العباد هملًا، وإنما سيسدي إليهم الخير ويُصلح شؤنهم فينزل الكتب ويرسل الرسل، ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ قالوا علا وارتفع على العرش علوًا يليق بجلال -سبحانه وتعالى- وتقدم الكلام في مثل ذلك فهم فسروا الاستواء بالعلو، وقد قال الإمام مالك -رحمه الله-: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" والله كما قال عن نفسه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾[الشورى:11].

﴿لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾[طه:6] له سبحانه مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ قالوا خلقًا وملكًا وتدبيرًا، إذًا له أي له ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، وملك السماوات والأرض، وتدبير السماوات والأرض، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ له ما بين السماوات والأرض، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾قالوا وما تحت التراب من مخلوقات، و"الثرى" هو التراب الرإذاً المبلل الندي يقال له ثرى، إذًا الفرق بين التراب والثرى، أن الثرى تراب خاص وهو التراب الندي المبلل الرإذاً ﴿لَهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ ٱلثَّرَىٰ﴾[طه:6]تحت هذا التراب.

﴿وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾[طه:7] كل هذا للدلالة على أن الله لا يعجزه شيء وأن الله لا يترك الخلق دون أن يُرسل الرسل وينزل الكتب، قال: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾ وأن تجهر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول بالقول تعلن به ﴿فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، هنا قدروا تقديرًا قالوا وأن تعلن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول القول أو تخفه؛ لأنّّ الله قال: ﴿فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾ إذًا المعنى تجهر أو تُسر ﴿فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾، وإنما نص على علمه بالسر؛ لأن من يعلم السر فإنه يعلم الجهر أيضًا، والله صرح بذلك قال: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾[الأنعام:3] فمن كان عالمًا بالسر فهو عالم بالجهر.

﴿فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾ ما المراد بقوله وأخفى؟ هل هناك ما هو أخفى من السر؟ قالوا وما هو أخفى من السر مثل خواطر النفس إذًا المراد بقول وما أخفى أي ما تخفيه الصدور فالإنسان قد يُسر إلى غيره بكلام هناك ما هو أخفى من السر وهو ما يخفيه الإنسان في ضميره إذًا هو يعلم الحديث الذي يقع سرًا ويعلم ما تضمره، النفوس ويعلم السر وأخفى، وبعض العلماء قال: بل ما هو أخفى من السر ما لم يخطر ببال الإنسان يعلمه ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يخطر بباله فهو يعلم أنه سيخطر ببال فلان كذا وكذا فهذا أخفى من السر، وبعضهم جعل أخفى فعلًا ماضيًا، فقال: ﴿فَإِنَّهُۥ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى﴾ أي وقد أخفى الله سره فلا يعلم أحد أسرار الله -عز وجل- إلا إذا أطلعه الله على ذلك، والأول أشهر.

ثم قال: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾[طه:8] ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ هو المستحق للعبادة سبحانه، ﴿لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ فبعد أن ذكر بعض أسمائه وأوصافه عمم هنا فقال: ﴿لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ والأسماء الحسنى هذه الأسماء الحسنى من حُسنها أنها أعلام وأوصاف، فهي تدل على معانٍ حسنى غاية في الكمال ﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾[الأعراف:180] -سبحانه وتعالى-.

قال: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ لذلك قالوا هنا الله لا معبود بحقٍ غيره وهذا معنى لَّآ إِلَٰهَ ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْعِلْمِ قَآئِمًۢا بِٱلْقِسْطِ ۚ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾، له وحده واستفيد وحده من أن أصل الجملة الأسماء الحسنى له فله الأسماء الحسنى فيها تقديم ما حقه التأخير وهذا يفيد الحصر كما عرفنا مرارًا، له وحده الأسماء البالغة الكمال في الحسن.

ثم قال الله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى* إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾[طه:9-10] قالوا هنا: ولما كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يعاني من قومه الإعراض جاءت تسليته بقصة موسى -عليه السلام-، إذًا ما وجه ذكر قصه موسى هنا؟ التسلية للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وللأنبياء والمرسلين، وبيان عناية الله بعبده ورسوله موسى -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وكيف أن الله جزى عبده موسى بالنصر والتمكين، وكيف أن الله جازى فرعون المعرض عن الحق والهدى بالغرق في الدنيا والعذاب في الآخرة.

قال الله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾[طه:9] قالوا: ولقد جاءك، إذًا فسروا ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ بمعنى قد جاءك، وكثيرٌ من المفسرين يفسرون "هل" هنا بمعنى قد، ومنه ما جاء في قوله: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ﴾[الإنسان:1] يقولون: قد أتى، وبعضهم يقول: هذا الاستفهام استفهام تقريري أو أنه تشويقي ولا مانع فهو تقريري وأيضًا فيه معنى التشويق.

﴿وَهَلْ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا﴾ بَيَّنَ الله -عز وجل- لنا هذا الذي وقع من موسى ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ كان، فقال: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارًا﴾[القصص:29] لذلك قالوا هنا، قالوا: حين عاين في سفره نارًا ففسر "إِذْ رَأَى" بمعنى حين رأى، لكن ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ كان هذا حين ترك مدين وعزم على الرحيل منها إلى مصر عائدًا فحينئذٍ رأى ما رأى وهو في هذا الوقت البارد والمظلم الذي يحتاج فيه إلى ما يستدفئ به وإلى ما يُنير له الطريق، ﴿إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا﴾ ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا﴾ أي أقيموا في مكانكم هذا، قالوا: "فَقَالَ لِأَهْلِهِ" يعني لزوجه، وبعضهم قال لزوجه وولده، ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا﴾ أي أبصرت نارا وأحسست نارا، "لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى" أي لعلي آتيكم من هذه النار بشعلة هذا معنى بقبس تضيء لنا الطريق ونستدفيء بها، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾ ولذلك في الآيات الأخرى بين أنه يستفيد من هذه النار، تصطلون فيستفيدون من هذه النار أنها تكون سببًا في الاستدفاء وسببا كذلك في الإنارة، في سيرهم وفي طريقهم فتكون دليلًا لهم، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾ أي أجدُ من يهديني إلى الطريق؛ لأن النار تُنبئ عن وجود أناس بجوارها غالبًا فسيذهب إلى هنالك لعل مرشدا يرشده إلى الطريق أو يدله على الطريق الصحيح الذي يسير إليه أو عليه.

﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾[طه:11] "فَلَمَّا أَتَاهَا" أي جاء النار، ناداه الله سبحانه بقوله يا موسى ﴿إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ﴾[طه:12] وهذا نداء عظيم، ونداء جليل وشريف لم يكن يتصور موسى -عليه السلام- بحال من الأحوال أن يقع له مثل ذلك، وغاية أمره أنه كان يظن أن هذا المكان فيه من يهديه الطريق فوجد من يهديه الطريق الأعم والأتم والأشمل في دينه ودنياه وآخرته، ووجد ما لم يكن يحتسب من هذا الجلال، ولذلك قالوا: جاء ليقتبس هُدىً حسيًا فرزقه الله الهدى الأتم والأكمل.

﴿إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾[طه:12]إ ني أنا ربك فانزع نعليك استعدادًا لمناجاتي قولهم هنا، استعدادًا لمناجاتي فيه إجابةً عن سؤال، هذا السؤال هو ما سبب أمر موسى بخلع النعلين؟ فقالوا هنا: استعدادًا لمناجاته، إذًا لما أُمر موسى -عليه السلام- بخلع النعلين استعدادًا لمناجاته؛ لأن المقام شريف فاستعدادًا للمنجاة اخلع نعليك، وبعض العلماء قال جواب السؤال ما ذكره الله بعد في قوله: ﴿إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ أي إنك بالوادي المقدس طوى وهذا مكان مبارك ومقدس فله شأنه ومن ثَم فاخلع نعليك فيه، واستدل به بعضهم كما ذكر السيوطي في الإكليل مشروعية أو استحباب خلع النعلين في مثل هذه الأماكن المطهرة أو المقدسة، وهناك أقوال أخرى بُنيت على روايةٍ ليست مرفوعة إلى رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كقول بعضهم لأن نعليه كان من جلد حمار لم يذكي أو من جلد حمار وهذا كلام يفتقر إلى حجه وبرهان، والذي نص عليه القرآن ﴿إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ وقوله: "طُوًى" اسم للوادي المقدس، ونقل بعضهم الاتفاق على ذلك.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• ليس إنزال القرآن العظيم لإتعاب النفس في العبادة، وإذاقتها المشقة الفادحة، وإنما هو كتاب تذكرة ينتفع به الذين يخشون ربهم. قال الله: ﴿مَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لِتَشْقَىٰٓ﴾[طه:2]

• قَرَن الله بين الخلق والأمر، فكما أن الخلق لا يخرج عن الحكمة؛ فكذلك لا يأمر ولا ينهى إلا بما هو عدل وحكمة. ولذلك قال: ﴿تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلْأَرْضَ وَٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلْعُلَى﴾[طه:4]، ومن جمعه بين الخلق والأمر، قوله: ﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾[الأعراف:54]الخلق خلقه، والأمر أمره، وكما أنه خلق لحكمة، فكذلك يأمر لحكمة، ومن ذلك أيضًا قوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَمِنَ ٱلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ ٱلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾[الطلاق:12].

• على الزوج واجب الإنفاق على الأهل (المرأة) من غذاء وكساء ومسكن ووسائل تدفئة وقت البرد. لم يقل -موسى عليه السلام- إنطلقي وابحثي لنا عن قبسٍ أو عن هدى ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿ٱمْكُثُوٓا۟ إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى﴾[طه:10]فهذا فيه أن المسؤولية على الرجل، فهو الذي يسعى لقضاء حاجة زوجته من طعام وشراب ومسكن ونحو ذلك.

قال الله سبحانه: ﴿إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾[طه:12] أي بالوادِ المطهر طوى ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ﴾ أي وأنا اصطفيتك ﴿فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ﴾ فالله اصطفاه للرسالة والكلام، كما قال له: ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى وَبِكَلَـٰمِى فَخُذْ مَآ ءَاتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ﴾[الأعراف:144]، ﴿فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ﴾ استمع لما أوحيه إليك.

﴿إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾[طه:14]ن ﴿إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠﴾ أي لا معبود حق غيري ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ وحدني، ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾، وهنا قالوا، فاعبدني وحدي، ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾ أي وأدي الصلاة على أكمل وجه لتذكرني فيها.

من المعلوم يا أيها الإخوة الكرام أن الذي يقول هذا الكلام لا يمكن أن يكون إلا الله، -سبحانه وتعالى-؛ ولذلك استدل بهذا بعض العلماء على إثبات صفة الكلام لله -سبحانه وتعالى-؛ لأنه يُقال له من الذي كلم موسى -عليه السلام- وقال له: ﴿إِنِّىٓ أَنَا۠ رَبُّكَ﴾ هل يمكن أن يكون ملك هو الذي قال له ذلك، أو أن تكون الشجرة هي التي قالت له ذلك، لا يمكن أن يكون أحد قد كلمة بهذا الكلام إلا الله الذي خلقه على الوجه الذي يليق به سبحانه؛ ولذا قال الله: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾[النساء:164]، وقوله: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾ دعاه إلى التوحيد وهذا أعظم ما يتعلمه الإنسان، ودعاه إلى أقامه الصلاة وهي آكد الشرائع بعد التوحيد، وقوله: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾ ما معنى لذكري؟ قالوا هنا لتذكرني فيها؛ فالصلاة تحتوي على ذكر لله سبحانه؛ ولذلك في قوله: ﴿ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾[العنكبوت:45] قال بعض المفسرين أي :ولذكر الله في الصلاة أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر.

فالصلاة من فوائدها وثمراتها أنها تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر، وأنها أيضًا تحتوي على ذكر الله سبحانه، وما فيها من ذكر الله أعظم من نهيها عن الفحشاء والمنكر، ومن العلماء من قال ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾ أي حين تتذكرني فإذا تذكرت الصلاة التي هي واجبة عليك فصلها سواء أكان ذلك في وقتها أم كان بعد وقتها كما لو كان الإنسان نائمًا أو ناسيًا في وقتها ويشهد لهذا المعنى الثاني قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: H0 ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾.

فإذًا ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾ قالوا عند ذكرك، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ ذكرت أن عليك صلاة فصلها، وهناك قول ثالث ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾ أي وأقم الصلاة لذكري إياك، أي لأذكرك بالصلاة، فأنت إذا صليت ذكرك الله، بل إنك ما صليت إلا لأن الله ذكرك فوفقك فصليت فذكرك وأثابك؛ لذلك في قوله ﴿لِذِكْرِي﴾ يحتمل لذكرك إياي أو لذكري إياك، وذهب بعضهم إلى أن الآية تحتمل هذا كله، وأن هذه الأقوال بينها تلازم كما نص عليه ابن القيم في "الوابل الصيب" وإن كان يُرجح معنى التعليل فيها، وقد قال الجصاص: "فكأنه قال أقم الصلاة إذا ذكرت الصلاة المنسية" هذا قول، قال: إذا ذكرت الصلاة المنسية لتذكرني فيها بالتسبيح والتوحيد وهذا قول ثاني، ثم قال لأن أذكرك بالثناء والمدح وهذا هو القول الثالث، قال لأن أذكرك بالثناء والمدح فيكون جميع هذه المعاني مراده بالآية.

قال الله سبحانه: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ﴾[طه:14-15] بين الله -عز وجل- له أمر الساعة وأن الساعة حق، فتأملوا يا أيها الإخوة الكرام في هذه الكلمات الجليلة التي كلم الله بها موسى -عليه السلام- بين له أن الله سبحانه، بين له أنه ربه وأنه الإله الواحد؛ الذي لا شريك له، وأمره بعبادته، وأمره بإقامة الصلاة وبين له أن هناك ساعة وآخره وأنها حق.

﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ ما معنى أكاد أخفيها؟ قال كثيرٌ أي أكاد أخفيها من نفسي، والمعنى أن وقت الساعة لا أُعلم به أحدًا؛ ولذلك ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَآ إِلَّا هُوَ﴾[الأنعام:59] منها علم الساعة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلْمُ ٱلسَّاعَةِ﴾[لقمان:34] فلا يعلم وقت الساعة ملك مقرب ولا نبي مرسل، فقال: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ أكاد أخفيها من نفسي وهذا على سبيل المبالغة، وبعض العلماء يقول: إن معنى "أُخفيها" أُظهرها، أكاد أظهرها من كثرة الحديث عنها إلى الناس وذكر علاماتها، والتحذير منها، فلماذا لا يدركون؟ ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍۭ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ الجزاء من جنس العمل.

﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ لا يصرفنك عن التصديق بها، والاستعداد لها ﴿مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ لا يصرفنك عن الإيمان بها والعمل لها ﴿مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ﴾ أي فتهلك بسبب ذلك فمن لم يؤمن بالساعة ولم يعمل لها كان من الهالكين هذا معنى فتردى.

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾[طه:17] يخاطبه الله ويسأله ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾ يا موسى وهو أعلم، ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ﴾[طه:18]، ﴿قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَكَّؤُا۟ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ﴾ قالوا كان يكفي أن يقول عصاي لكنه أراد التلذذ بهذا الحوار فهو يكلم ربه -سبحانه وتعالى- وأنعم به من حديث فأطنب في الكلام فقال ﴿هِىَ عَصَاىَ﴾ وقالوا كأنه توقع سؤالًا، ما الذي تصنعه بها؟ فأجاب مباشرةً بهذا الجواب " أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا" يعني لي عذر في استعما لها وفي حملها معي، "أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا" أي أعتمد عليها في المشي وهذا في أنه لا بأس بالتوكأ على العصا لاسيما عند الحاجة إليها.

﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ﴾، ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى﴾ أي وأخبط بها الشجر ليسقط ورقها لغنمي، وبعض الناس يفهم المعنى خطأ فيظن أن قوله: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى﴾ أنه يحرك الغنم هنا وهناك وليس كذلك وإنما "وَأَهُشُّ بِهَا" مفعول أهش مقدر أي وأهش بها الشجر أخبط بها الشجر أوراق الشجر؛ لتتساقط فحينئذٍ يستفيد منها الغنم ويأكلون منها، قال ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِى﴾ من أجل الغنم، ﴿وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ﴾ منافع غير ما ذكرت احترازًا من أن ينسى شيئًا لا يدركه في هذا الموقف؛ لأن الموقف موقف عظيم وجليل، ﴿وَلِىَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخْرَىٰ﴾ وأيضًا راع جانب الاحترام والأدب مع الله -سبحانه وتعالى-.

ولذلك الإنسان إذا جالس الصالحين وجالس كبار العلماء فإنه يسعد بلُقياهم وفي الوقت ذاته يخشى من أن يشق عليهم ويعرف لهم قدرهم ولله المثل الأعلى، فموسى -عليه السلام- أحب أن يتحدث وأن يجيب الله -سبحانه وتعالى- وفي الوقت ذاته راعى أنه يكلم ربه مالك الملك ذا الجلال والإكرام -سبحانه وتعالى- وهذا من أدب موسى -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.

﴿قَالَ أَلْقِهَا يَـٰمُوسَىٰ﴾[طه:19]ألقي هذه العصا، ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى* فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾[طه:19-20]، "فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ" أي فانقلبت حية تمشي بسرعةٍ وخفه، وهنا وصفها الله بأنها حية، وفي بعض المواضع بأنها ثعبان مبين، وفي بعضها تهتز كأنها جان، وهنا حاول العلماء الجمع بين ذلك فقالوا: إن الحية وصف لها سواء أكانت ذكرًا أم كانت أنثى، سواء أكانت كبيرة أم كانت صغيرة، وأما قوله سبحانه: ﴿ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ﴾[الشعراء:32] لا يستعمل إلا مع الضخم، وأما ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾[النمل:10] فهي الصغيرة الخفيفة، فقالوا أما قوله ﴿كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ فإنه يُنبئ عن حالتها الأولى فهي في البداية بدأت كأنها جان ثم لم تزل تعظم وتعظم حتى صارت ثعبانًا مبينًا، فالتعبير عنها بأنها جان باعتبار الحالة الأولى وثعبان مبين باعتبار الحالة المتأخرة، أو قالوا: إنها ثعبان مبين في ضخامتها وجثتها وشخصها وأما في حركتها كأنها جان ففي جانب الحركة كأنها جان، وفي جانب الجسم وفي جانب الضخامة ثعبان مبين والعلم عند الله تعالى.

﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ ۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلْأُولَىٰ﴾[طه:21] أي سنعيدها إذا أخذتها إلى حالتها الأولى وإلى استعمالك لها كعصا تتوكأ عليها وتهش بها على غنمك إلى غير ذلك مما تصنعه بها، والمقصود بذلك أنها آية لك تُنبئك عن أنك ستكون رسولًا لي، فأنت رسول الله وها هي آية تدل على صدقك، وأعني أي هذه الآية تشهد لك حينما تدعو إلى الله -سبحانه وتعالى- ثم إنك ستستفيد منها في موضع آخر وذلك في الرد على سحر السحرة وعلى ما قدموه فحين يلقي موسى عصاه، يكون قد عرف سابقًا أنها ستتحول؛ لأنه رأى ذلك بفضل الله سبحانه، ولعلكم تذكرون ما سبق معنا في سورة مريم في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾[مريم:24] وقد رجح عدد من المحققين أن الذي ناداها عيسى -عليه السلام- وأن هذا مما يطمئنها ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تقول ما قال الله لها ما قالت: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا﴾[مريم:29].

قال: ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخْرَىٰ﴾[طه:22]، ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ أي إلى جنبك، "تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ" قال ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ تنضم وأخرجها تخرج بيضاء فكأن هنا تقدير، ﴿وَٱضْمُمْ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ﴾ تنضم وأخرجها تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ، ما معنى من "مِنْ غَيْرِ سُوءٍ"؟ أي من غير برص؛ فلذلك قوله "مِنْ غَيْرِ سُوءٍ" احتراز؛ لأن قوله: "تَخْرُجْ بَيْضَاءَ" يحتمل أنها حينما يضعها ثم يصرفها عن نفسه ويخرجها تتحول بيضاء على سبيل المرض لأن البياض الطاريء على الجسد ربما كان بسبب مرض، فقوله: "مِنْ غَيْرِ سُوءٍ" من غير مرض من غير برص، هذا اسمه أسلوب احتراز، كما في قوله: ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾[الأنبياء:69].

﴿ءَايَةً أُخْرَىٰ لِنُرِيَكَ مِنْ ءَايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَى﴾[طه:22-23] لنريك هاتين العلامتين من آياتنا العظمى الدالة على قدرتنا تدل على أنك رسول من عند الله.

﴿ٱذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾[طه:24] اذهب إلى فرعون لتبلغه دين الله، "إِنَّهُ طَغَى" تكبر وتجبر.

﴿قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى﴾[طه:25-26] دعا موسى ربه بهذه الأدعية المباركة التي تعينه على القيام بالدعوة، وجدير بالدعاة إلى الله أن يعتنوا بالافتقار إلى الله -سبحانه وتعالى- قبل دعوتهم وفي أثنائها فما أحوج الداعي إلى الله إلى أن يفتقر إلى الله وأن يسأله العون والتوفيق، وأن يدعو بهذه الدعوات وأمثالها رب اشرح لي صدري ولم يقل ربي اشرح صدري اشرح لي صدري فالشرح من أجلي فإنَّ صدره إذا اتسع استطاع أن يدعو وأن يتحمل وأن يصبر.

﴿وَيَسِّرْ لِىٓ أَمْرِى وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى﴾[طه:26-27] أي وأقدرني على النطق بالفصيح من الكلام، قالوا وقوله: ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى﴾[طه:27] ﴿أَنَّمَا﴾ طلب أن يُزيل الله -عز وجل- عنه عقده من عقد لسانه ولو طلب أن تزال عنه جميع العقد لزالت، قالوا: لكن الأنبياء لا يطلبون إلا بقدر الحاجة، ذكر ذلك ابن كثير وأصله عن الحسن البصري -رحمه الله-، أن الرسول الكليم موسى طلب من ربه ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى﴾ ولم يطلب أن يفك عنه كل العقد ولو طلب لتحقق له ذلك كما قال الحسن، لكنه طلب بقدر الحاجة الذي يتحقق به الغرض وهو أن يُدرك كلامه وأن يُفهم؛ ولذلك قال: ﴿وَأَخِى هَـٰرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَانًا﴾[القصص:34] وقال فرعون في حق موسى ﴿أَمْ أَنَا۠ خَيْرٌ مِّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾[الزخرف:52].

﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى﴾[طه:27-28] وقد تحقق له ذلك ولذلك قال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾[طه:36] وهذا فيه أن الداعي إلى الله كلما كان فصيحًا فإنَّ هذا أنسب للدعوة حتى يستطيع إيصال ما يريد إيصاله إلى المدعوين.

﴿وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى﴾[طه:29] واجعل لي معينًا من أهلي يعينني في أمري ﴿هَـٰرُونَ أَخِى﴾[طه:30] هارون بن عمران أخي ﴿ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى﴾[طه:31] والقراءة الأخرى ﴿ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى﴾[طه:31]أَشدد به أزري أُشدد به أزري على سبيل الطلب أو أنه جواب ما طلب ﴿وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى﴾[طه:32-34] والقراءة الأخرى ﴿وَأَشْرِكْهُ فِىٓ أَمْرِى﴾[طه:32-34] والأمر هنا أمر النبوة ولذلك تقدم معنا ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّا﴾[مريم:53] فكان هذا من رحمة الله بموسى -عليه السلام- أن صير أخاه هارون نبيًا معينًا له ونصيرًا ﴿كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾.

قالوا هنا ﴿ٱشْدُدْ بِهِۦٓ أَزْرِى﴾ أي قوي به ظهري، وقوله: ﴿كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ هذا فيه بيان غاية هذه الدعوات لماذا هذه الدعوات؟﴿كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ وإذا سبحناك كثيرًا وذكرناك كثيرًا أُعنا على الدعوة إليك وهذا فيه بيان أهمية الذكر والدعاء للداعي إلى الله، وفيه أيضًا أن ذكر الله غاية الغايات وأن الغاية من الدعاء ومن الأعمال الصالحة تحقيق ذكر الله فشرعت الطاعة لأقامه ذكر الله، ويشهد لهذا ما تقدم ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾[طه:14].

قال: ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا﴾[طه:35] تعلم أحوالنا ولا يخفى عليك شيء من أمرنا، ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾[طه:36] قد أعطيناك ما طلبت يا موسى، ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ﴾[طه:37] ولقد أنعمنا عليك مرة أخرى والمراد بالمرة كما قالوا مرات فقد أنعم الله عليه مرات والمراد به فيما سبق أي هذه ليست بأول المرات التي يُنعم الله فيها عليك بل قد منَّ الله -عز وجل- عليك كثيرًا ثم ذكر الله -عز وجل- بعض ما منَّ به على موسى -عليه السلام- في سابق أمره.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• وجوب حسن الاستماع في الأمور المهمة، وأهمها الوحي المنزل من عند الله. لذلك قال: ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰٓ﴾[طه:13] ولذلك من الحسن بمكان أن تقول لمن تنصحه اسمع لنصيحتي وما أشبه ذلك من عبارات تلفت بها نظره إلى أهمية ما تدعوه إليه.

• اشتمل أول الوحي إلى موسى على أصلين في العقيدة وهما: الإقرار بتوحيد الله، والإيمان بالساعة (القيامة)، وعلى أهم فريضة بعد الإيمان وهي الصلاة. ﴿إِنَّنِىٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدْنِى وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾[طه:14].

• التعاون بين الدعاة ضروري لإنجاح المقصود؛ فقد جعل الله لموسى أخاه هارون نبيًّا ليعاونه في أداء الرسالة. ولذلك طلب موسى -عليه السلام- فقال: ﴿وَٱجْعَل لِّى وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى﴾[طه:29-30] وهذا من صلته للرحم أحب أن يكون أخوه مشاركًا له في هذا العمل وهو أصدق الناس معه له.

• أهمية امتلاك الداعية لمهارة الإفهام للمدعوِّين. ولذلك قال: ﴿وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُوا۟ قَوْلِى﴾[طه:27].

قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰٓ إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ﴾[طه:37-38] قالوا هنا: إذ ألهمنا أمك ما ألهمنا؛ لأنه قد يرد هنا سؤال وهو ما المراد بالوحي الذي أوحى الله به إلى أم موسى -عليه السلام-؟ فكثير من أهل العلم يقولون: إن هذا الوحي هو وحي الإلهام، وهو المراد أيضًا في قوله سبحانه في سورة القصص ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾[القصص:7] قالوا: أي ألهمنا بذلك ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ﴾[طه:38]، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أوحى الله إليها بإرسال ملك دون أن تصير بذلك رسولة فليس معنى أن يرسل ملك إلى شخص من الأشخاص أن يصير بذلك نبيًا أو رسولًا فإنَّ جماهير أهل العلم يقولون: إن الرسالة والنبوة لا تكون إلا في الرجال ولا تكون لامرأة خلافًا لابن حزم وقلة من أهل العلم في ذلك.

﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ﴾[طه:38]، "اقْذِفِيهِ" أي أرميه بعد ولادته في الصندوق، وهذا أيضًا جاء ذكره في قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى ٱلْيَمِّ وَلَا تَخَافِى وَلَا تَحْزَنِىٓ ۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾[القصص:7] والذي عليه عامة من تكلم في هذا أن فرعون كان يقتل أطفال أنه كان يقتل الأطفال من بني إسرائيل ولا يترك منهم أحدًا، وبعضهم يقول كان يفعل هذا سنة وسنة لا يفعله، وجاء موسى -عليه السلام- في السنة التي يقتل فيها الأطفال وربك -سبحانه وتعالى- قضى وقدر أن يُسلم موسى -عليه السلام- من القتل ومن الأذى فألهم أم موسى ما ألهمها به مما ذكره الله -عز وجل- في هذا الموضع ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُۥ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ وهو الصندوق، ﴿فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُۥ﴾[طه:39] الضمير، في قوله: "أَنِ اقْذِفِيهِ" يعود إلى موسى -عليه السلام- ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ﴾، والضمير الثاني في قوله: "فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ" قال بعضهم يعود على التابوت؛ لأن التابوت هو أقرب مذكور.

إذًا الضمير الأول "أَنِ اقْذِفِيهِ" أي اقذفي موسى في التابوت، فقذفي التابوت في اليم، ومنهم من قال: بل يعود على موسى أيضًا؛ لأن موسى هو المتَحدَث عنه ولذلك عندنا قاعدة تفسيرية وترجيحية أن الضمير يعود على أقرب مذكور هذا هو الأصل، قالوا ما لم يرد دليل بخلافه ومن الدليل على خلافه أن عود الضمير إلى المحدث عنه أولى من عوده إلى غيره؛ بمعنى إذا كنا نتحدث عن أحد، فالضمائر تعود إليه حتى وإن بعد عود الضمير إليه، لكن في مقامنا هذا الأمر يسير؛ لأنه إذا عاد على موسى فموسى في حاله كونه في الصندوق، وإذا عاد على الصندوق فالصندوق وموسى في داخله فالأمر في ذلك قريب.

قال: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ﴾ تجدون أن كلمة اليم لم تذكر في القرآن الكريم إلا في الحديث عن بني إسرائيل وعن قصه موسى وفرعون واليم يذكر في حاله الخوف أو الهلاك، والمقام هنا مقام خوف، وبعضهم قال لأن كلمة اليم أصلها سُرياني فلذلك عبر بها هنا والعلم عند الله، على أنه من الفروق بين اليم والبحر، أن اليم أخص من البحر وذلك لأن البحر يطلق على الماء الواسع المتسع، وأما اليم فهو دون ذلك فقالوا هو أقرب؛ لذلك قوله: ﴿فَٱقْذِفِيهِ فِى ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ﴾ لأنَّها لن تقذفه في وسط البحر وإنما في اليم القريب منها،﴿فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ﴾ على طرف الساحل والشاطئ، ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُۥ﴾ والمراد به فرعون قالوا فسيطرحه البحر بالشاطئ بأمر منا ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُۥ﴾ وهو فرعون.

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ وهذا معنى جميل وجليل أي ووضعت عليك محبة مني فأحبك الناس، فألقى الله على موسى محبة منه فأحبه الله ومن أحبه الله حبب إليه الخلق، كما تقدم معنا في تفسير قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدًّا﴾[مريم:96]، "إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني أحب فلانًا فأحبه فيحبه جبريل" الحديث..؛ ولذلك لما راته امرأة فرعون أحبته ورغبت فيه ﴿وَقَالَتِ ٱمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّى وَلَكَ ۖ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدًا﴾[القصص:9].

قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ تصنع تربى على عيني وفي حفظي ورعايتي، ﴿إِذْ تَمْشِىٓ أُخْتُكَ﴾ أي إذ خرجت أختك تسير فتقول: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ﴾ على سبيل العرض، فقولها ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ﴾ هذا الاستفهام المراد به العرض، ﴿عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ﴾ على من يحفظه ويرضعه ويربيه، وقد جاء تفصيل ذلك في سورة القصص، قال الله: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَرَاضِعَ﴾[القصص:12]﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فكان موسى -عليه السلام- يمتنع عن كل امرأةٍ تريد إرضاعه لا يقبل ثدي امرأة فحينما قالت لهم ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ﴾ قبلوا ذلك ورغبوا فيه، قال: ﴿فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ هنا تقدير ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُۥ﴾ فقالوا نعم دليلنا فأخذته ﴿فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ﴾ هذا عُلم من السياق وهذا كثير في قصص القرآن الكريم أن تكون هناك كلمات مقدرة يدل عليها السياق وهذا فيه شحذ الهمم وإثاره العقل للتفكير فيما يقرأ الإنسان أو يسمع، وهذا من أبواب تفتح العقل في فهم كتاب الله -سبحانه وتعالى-.

﴿فَرَجَعْنَاكَ﴾ لم يقل فأرجعنا لأن رجع يتعدى بنفسه، ﴿فَرَجَعْنَاكَ﴾ رددناك إلى أمك ﴿كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾ كي تقر عينها أي لتسر برجوعك إليها ولا تحزن من أجلك، ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ والمراد بالنفس قتل القبطي ﴿وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَـٰذَا مِنْ عَدُوِّهِۦ ۖ فَٱسْتَغَـٰثَهُ ٱلَّذِى مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِى مِنْ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۖ إِنَّهُۥ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾[القصص:15] فهذا معنى ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾.

﴿فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي أنجيناك من العقوبة إذا المراد بالغم هنا العقوبة، ﴿فَنَجَّيْنَـٰكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ مَنَّ الله -عز وجل- عليه وخلصه من هذا، ﴿وَفَتَنَّـٰكَ فُتُونًا﴾ ما معنى وفتناك؟ قالوا وخلصناك مرة بعد مرة من كل امتحان تعرضت له، إذًا معنى فتناك خلصناك، ومنه من أبقى معنى فتناك على المعنى المشهور أي وابتليناك، فيشكل عليّ أن المقام مقام ذكر النعم والمنن "ولقد من نار" فأجاب القائلون بذلك بأن الابتلاء حينما يشتد ويتكرر فإنَّ الصابر عليه يثاب فهذه من منه الله على العبد فيكون هذا وجه الامتنان عليه لكن هذا القول قال وخلصناك خلوصًا من الفتن والابتلاءات.

دروس مشابهة