مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة طه — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 347 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَـٰمُوسَىٰ﴾ ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ حينما قال: ﴿أَيَّمَا ٱلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَٰنَ عَلَىَّ ۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾[القصص:28 وقد أوفى بأعظم الأجلين فأوفى بعشر سنوات -عليه السلام- كما ثبت بذلك الخبر فمكث عند الرجل الصالح لمدة عشر سنوات خدمةً له وإعفافًا لنفسه، ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَـٰمُوسَىٰ﴾ ثم أتيت في الوقت الذي قدر لك أن تأتي فيه لتكليمك يا موسى ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ﴾ يا موسى الذي قدره الله لك بأن تبصر النار وتأتي لتقتبس منها فتسمع كلام الله -سبحانه وتعالى- وما أعظم هذا القدر وما أجله، وما أكرمه.

﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾[طه:41] وهذا معنى غالٍ وعظيم وأنا اخترتك، ولتصنع على عيني واصطنعتك لنفسي جمل عظيمة وجليلة، ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ قالوا واخترتك لتكون رسولا عني تبلغ الناس ما أوحيت به إليك ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾ فأنت خالص لله -سبحانه وتعالى- تدعو إليه، تدعو إلى رسالته، تدعو إلى دينه، تعتصم به، تحتمي به.

﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَـٰتِى﴾[طه:42] اذهب أنت وأخوك هارون قد أجبناك إلى سؤلك وصيرناه نبيا ولا تنيا ولا تضعفا في ذكري قالوا ولا تضعفا عن الدعوة إليَّ وعن ذكري، فإذا فسرنا الذكر بالدعوة هذا فيه أن الدعوة ذكر وهذا يدل على شرف الدعوة إلى الله، وأن الداعي إلى الله في أثناء دعوته يذكر الله سبحانه كأنما يذكر الله فمن ذكر الناس فهو ذاكر لله، وفيه أيضًا دليل على خطر الدعوة إلى الله وأن الإنسان لا ينبغي له إذا دعا إلى الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل في الدعوة شيئًا لا يليق؛ لأنه يذكر الله فهل يذكر الله بما لا يليق، فهذا كله من الأمر المهم، أو المعنى أكثرا من الذكر فإنَّ كثرة الذكر تُعين على تبليغ دعوة الله -سبحانه وتعالى-.

﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾[طه:43]، وقلنا من مقاصد السورة بيان جزاء من طغى وترك الهدى وأن جزاءه الشقاء، بخلاف من اتبع الهدى فإنَّ جزاءه السعادة.

﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[طه:44]" فَقُولا لَهُ " أي فقولا لفرعون قولا لينًا لطيفا لا عنف فيه، " لَعَلَّهُ " رجاء أن يتذكر ويخاف ربه سبحانه ويتوب إلى الله، وهنا قوله " لَعَلَّهُ " أي وأنتم راجون ذلك ترجون ذلك؛ لأن الله يعلم أن فرعون لن يتذكر ولن يخشى؛ لأنه قد يقول قائل لعله هل لعل في الأصل الترجي والتوقع والله لا يخفى عليه خافية فيقال " لَعَلَّهُ " يعني كونوا أنتم على رجاء أن يتذكر وأن يخشى، وإلا فالله يعلم أنه لن يقبل الدعوة، لكن أُقيمت عليه الحجة بذلك، وهذا فيه أن الداعي إلى الله عليه أن يستعمل في الدعوة القول اللين؛ ولذلك لما قال رجل لهارون الرشيد إني ناصح لك ومشتدٌ عليك فاقبل مني فقال ولا كرامة لما أقبل وقد أمر الله من هو أفضل منك في دعوته إلى مَن هو أشد معصية مني بأن يقول له القول اللين؛ يعني إن كنت عاصيًا فلست كفرعون وإن كنت مؤمنا فلست كموسى وقد أمر الله موسى بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ فلما لا تقول لي القول اللين؟!﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾.

﴿قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن يَطْغَىٰ﴾[طه:45] قالوا هذا هو الخوف الجبلي والإنسان لا يُلام عليه، ﴿أَنَّمَا﴾ الممنوع الخوف الشرعي أن يصرفه الإنسان إلى غير الله، أما الخوف الذي ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَآدَّ لِفَضْلِهِۦ ۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ۚ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ الإنسان لأول وهلة أو يصيبه لعرض عرض له دون أن يجعله عبادةً يصرف عمله من أجلها فإنَّ هذا ليس بضائر الإنسان، وبعضهم قال إن هذا الخوف خوف على ما يكون بعد ذلك من آثار كما سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في قوله: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾[طه:67] فإنَّ بعض العلماء يقولون إن خوفه خوف على المؤمنين يخاف أو خوف على الناس من أن يهتزوا حينما يرون سحر السحرة.

﴿قَالَ لَا تَخَافَآ ۖ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾[طه:46] فالله معهما يؤيدهما وينصرهما -سبحانه وتعالى- وهذه معية عظيمة وجليلة.

﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾[طه:47] قالوا بقتل أبنائهم واستحياء نسائهم فهذا مفسر، بقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾[البقرة:49] فهذا يفسر قوله: ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ يُبين لنا أوجه التعذيب التي كان يُعذِّب بها فرعون بني إسرائيل.

﴿قَدْ جِئْنَـٰكَ بِـَٔايَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ معنا برهان على صدقنا، ﴿وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ﴾ أي والأمان من عذاب الله لمن آمن واتبع هدى الله -سبحانه وتعالى-؛ لذلك قالوا " وَالسَّلامُ " هذا على سبيل الإخبار ليس على سبيل التحية هنا، ﴿أَنَّمَا﴾ يقول له " وَالسَّلامُ " يعني السلامة ﴿عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدَىٰٓ﴾.

﴿إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾[طه:48] قد أوحى الله ﴿إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ﴾، إذًا رغب ورهب.

﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ﴾[طه:49] وجه الخطاب لموسى؛ لأن موسى هو المتحدث، وهارون كان إلى جواره وهذا فيه أن الشخصين إذا ذهبا أو أن مجموعة من الأشخاص إذا ذهبوا لأداء الدعوة فلو لم يتكلم إلا واحد منهم فكأنَّما تكلم الجميع؛ لأن الآخرين خرجوا لتبليغ هذه الدعوة وهم يحملون رسالة واحدة، ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَـٰمُوسَىٰ﴾ هكذا بهذا السؤال؛ الذي يدل على جحوده، ويدل على تكبره.

﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾[طه:50] أي أعطى كل شيء صورته وشكله المناسب له هذا معنى ﴿أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ﴾ فالله أعطى كل شيء صورته وشكله المناسب له، فأعطى الإنسان ما يناسب الإنسان، وأعطى الحيوان ما يناسب الحيوان، بل أعطى كل عضو ما يناسب هذا العضو فالرِجل لها شكلها المناسب وصفتها المناسبة، واليد لها صفتها المناسبة وشكلها المناسب، والعين كذلك، واللسان كذلك، وكل الخلق ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ﴾، وبعض العلماء فسر " خَلْقَهُ " أي نظيره فجعل للذكر الأنثى، وجعل للأنثى الذكر، ﴿ثُمَّ هَدَىٰ﴾ هدى كلًا إلى ما يصلح له؛ فهدى هذا إلى ذاك، هدى الذكر إلى الأنثى، والأنثى إلى الذكر، أو هدى العين إلى النظر، وهدى الرِجل إلى المشي، وهدى اليد إلى اللمس والبطش إلى غير ذلك، وهدى الحيوان إلى طريقة رزقه، هدى الإنسان إلى طريق رزقه كل هداه إلى الطريق الذي يسلكه ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾.

﴿قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ﴾[طه:51] ما شأن الأمم السابقة التي كانت على الكفر إلى أين مصيرها وأين ذهبت؟ تأمل فرعون يسأل هذه الأسئلة وترك موسى وما دعاه إليه وما استدل به عليه لكنها المكابرة ونسأل الله السلامة.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• كمال اعتناء الله بكليمه موسى -عليه السلام- والأنبياء والرسل، ولورثتهم نصيب من هذا الاعتناء على حسب أحوالهم مع الله: لذلك قال الله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾[طه:39]، وقال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى﴾[طه:41].

• من الهداية العامة للمخلوقات أن تجد كل مخلوق يسعى لما خلق له من المنافع، وفي دفع المضار عن نفسه. ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِىٓ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾، كلٌ يبحث عما ينفعه وعن دفع ما يضره هذه فطرة فطر الله الناس عليها بل، الخلق عليها.

• بيان فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ذلك يكون باللين من القول لمن معه القوة، وضُمِنَت له العصمة. قال الله: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾[طه:44]، وقبلها قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾[طه:43].

• الله هو المختص بعلم الغيب في الماضي والحاضر والمستقبل. سبحانه -عز وجل- وذلك لما سأل ﴿قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ﴾[طه:51] أجاب ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾[طه:52] فهذه الفائدة متعلقة بجواب موسى -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.

﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾[طه:52] أجاب موسى -عليه السلام- فرعون حين سأله ﴿قَالَ فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلْأُولَىٰ﴾[طه:51] قال: " عِلْمُهَا " أي علم هذه الأمم وأحوالها ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾، " فِي كِتَابٍ " وهو اللوح المحفوظ، " لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى " لا يخطئ ربي في علمها ولا ينسى ما علمه منها، فالله قدر الهلاك على من شاء، والنجاة لمن شاء وهو سبحانه عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ بكل شيء عليم، أجابه موسى -عليه السلام- بهذا الوضوح والجلاء ليبين له صفات الله وقدرة الله -عز وجل-.

﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى فِى كِتَـٰبٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى﴾ ومع أن الله لا يضل ولا ينسى إلا أنه قدر أن يكون هناك كتاب محفوظ ولذلك استدل بعض العلماء بذلك على أهمية الكتابة وقالوا إن الله -جل وعلا- جعل له كتابًا محفوظًا مع أنه الغني -سبحانه وتعالى- عن كل كتاب، ولكن قضى هذا وقدره، والعبد يستفيد من ذلك أن يكتب العلم وأن يدونه؛ ولذلك قالوا قيدوا العلم بالكتابة.

قال: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾[طه:53] ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾صيرها لكم ممهدة للعيش عليها، " وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا " طرقًا صالحةً للسير عليها، ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾ " أَزْوَاجًا " أي أصنافًا، " مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى " مختلفة.

من الذي قال: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾؟ ذهب عدد من المفسرين إلى أن قائل ذلك هو الله سبحانه وأن هذه الجملة بعد قوله: " فِى كِتَٰبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى " من كلام الله سبحانه لا من كلام موسى، قالوا بدليل قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا﴾ لأن موسى لا يقول ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا﴾ إذًا لما قال موسى " فِى كِتَٰبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّى وَلَا يَنسَى " قال الله: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ﴾ أي ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ﴾، وبعضهم قال بل هو من تتمة كلام موسى إلى قوله: " فَأَخْرَجْنَا " فهو من كلام الله -سبحانه وتعالى-.

﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾ ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ﴾ أي ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ وإذا قررنا أنه من كلام الله وهو المرجح فيكون أيضًا في الأسلوب التفات لأنه لم يقل فاخرج، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾.

﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾[طه:54] أي لأولي العقول ﴿وَقِيلَ﴾ لها نهى؛ لأنه جمع نُهية فسمي العقل بذلك؛ لأن العقل ينهى صاحبه عما يضر، وينهاه عن الشرور.

﴿مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾[طه:55]" مِنْهَا " أي من الأرض " خَلَقْنَاكُمْ " قالوا خلقنا أباكم آدم -عليه السلام-، " وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ " تعودون إلى الأرض عند الموت ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَآءً وَأَمْوَٰتًا﴾[المرسلات:25-26]، " وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى " للبعث يوم القيامة، وفيه أيضًا من جهة أخرى أن الذي خلقكم قادر على إعادتكم.

﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا﴾[طه:56] " وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ " أي أظهرنا لفرعون جميع الآيات وكان عليه أن يؤمن ولكنه كذب وأبى.

﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾[طه:57] هكذا يقول لموسى على سبيل الإنكار والتوبيخ.

﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِۦ﴾[طه:58] ما أنت في نظري إلا ساحر وسنأتيك بسحرٍ مثل سحرك، وسحرٍ يغلب سحرك ليثبت كذبك وليُعلم أنك ما أنت إلا ساحر هكذا زعم فرعون، ﴿فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًا سُوًى﴾، " فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا " في زمان معلوم ومكان محدد؛ لذلك موعد تصلح للأمرين وهنا قالوا في زمان معلوم ومكان محدد، وأيضًا قالوا بمعنى المصدر بدليل قول " لا نُخْلِفُهُ " موعد لا يُتخلف عنه، ولا يختلف عليه، " لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًا سُوًى " مكانًا وسطًا بين الفريقين معتدلا فاختار موسى -عليه السلام- و ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ﴾ يوم العيد يوم اجتماع الناس ليكون هذا أوضح للناس كلهم فتقام الحجة وتظهر المحجة، ﴿وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾ في وقت الضحى وهذا وقت يكون الناس فيه مستيقظين.

﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ﴾[طه:60] جمع مكره وحيلة، " ثُمَّ أَتَى " أي أتى في الزمان والمكان المحددين للمغالبة، وقد دلت الآيات الأخرى على أن فرعون ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ﴾[الشعراء:53] فأراد فرعون أن يجمع السحرة من هنا وجُمع الناس، ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ﴾[الشعراء:38].

﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ﴾ أي فجاء السحرة فقال لهم موسى حينئذٍ قال موسى " وَيْلَكُمْ " يخاطب السحرة، ﴿وَقِيلَ﴾ يخاطب السحرة وفرعون، " لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم " ﴿لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ﴾ الكذب بما تخدعون به الناس وهذا فيه ذم السحر، وبيان أن السحر من الافتراء على الله بالكذب، من افتراء الكذب على الله، " فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ " ما معنى فيسحتكم؟ أي فيستأصلكم بعذاب من عنده، " وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ".

﴿فَتَنَـٰزَعُوٓا۟ أَمْرَهُم﴾ أي فتناظر السحرة لما سمعوا كلام موسى -عليه السلام- وتناجوا بينهم سرًا، دار بينهم حوار وحديث، وهذا معنى ﴿وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجْوَىٰ﴾ ذهب كثيرون إلى أن النجوى التي أسروا بها هي ما ذكره الله بعد في قوله: ﴿قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾[طه:63-64]، " قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ " أي قالوا في حاله خفاء وهم يسرون الكلام فيما بينهم إن هذان لساحران " هَذَانِ " أي موسى وهارون -عليهما السلام-، " لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا " "إن" هنا هي المخففة من الثقيلة قالوا وهي لا تعمل هنا فلا تنصب اسمها لأن إن في الأصل تنصب اسمها لكن هنا لم تنصبه لذلك جاء هذان وقوله: " لَسَاحِرَانِ " هو الخبر ويشهد لكون "إن" هنا هي المخففة من الثقيلة دخول اللام في قوله: " لَسَاحِرَانِ " لأنَّها اللام الفارقة.

ومنهم من قال بل "إن" إن نافية واللام في قوله: " لَسَاحِرَانِ " بمعنى "إلا" أي ما هذان إلا ساحران، وأما من قرأ " إِلا هَذَانِ لَسَاحِرَانِ " لأن هذه قراءة متواترة ويقع إشكال في فهمها لأن القراءة " إِنْ هَذَانِ " وعلى المشهور في الإعراب "إن هذين" وهذه قراءة أيضًا متواترة قراءة أبي عمرو أن هذين وهذا على ما هو معروف من أن اسم إن إذا كان مثنى فإنه ينصب بالياء "إن هذين" لكن الإشكال يرد على قراءة " إِنْ هَذَانِ " فبعض العلماء قالوا إن اسم إن مقدر وهو ضمير... وقوله " هَذَانِ لَسَاحِرَانِ " هي خبر الاسم المقدر.

ومنهم من قال "إن" بمعنى نعم، ومنهم من قال " هَذَانِ " لغة من اللغات، فهناك لغة يُقال لها لغة القصر وهذا، معروف وحينئذٍ فلا إشكال على كلٍ إلى أوجه كثيرة لا يتسع المقام لذكرها وعلى كلٍ فلا إشكال فيها فهي قراءات متواترة.

﴿قَالُوٓا۟ إِنْ هَـٰذَٰنِ لَسَـٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾ وتأمل قوله: " يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم " لأن الإنسان يحب وطنه ويكره أن يخرج من أرضه؛ ولذلك قرن الله بين قتل النفس والإخراج من الأرض ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾[النساء:66] فهم يؤلبون الناس على موسى -عليه السلام- وأخيه هارون بأنهم يريدون إخراج الناس من الأرض ﴿بِسِحْرِهِمَا﴾، " وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى " بطريقتكم المثلى أي بسنتكم العليا في الحياة ومذهبكم الأرقى وكأنهم كانوا على طريقه مثلى وموسى وهارون يريدان أن يذهبا بهذه الطريقة، وبعضهم يقول: " بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى " أي بالأفاضل من الناس، فقالوا الطريقة تطلق على الأفاضل من الناس كما تطلق على السنة يعني أن يأخذ الأفاضل والكرام والقدوة وعِلية القوم، وأن يأخذ عِلية القوم وهم يرفضون ذلك.

﴿فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ﴾ أي أحكموا أمركم، والقراءة الأخرى " فَأَجْمَعُوا كَيْدَكُمْ " من الجمع إذًا أجمَعوا، وأيضًا أجمِعوا وصمموا، " ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا " تقدموا مصطفين، " وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ " أي من غلب خصمه وقد نصر الله موسى -عليه السلام-.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• إخراج أَصناف من النبات المختلفة الأنواع والألوان من الأرض دليل واضح على قدرة الله تعالى ووجود الصانع. وهذا واضح قال تعالى: ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾[طه:53]

• ذكرت الآيات دليلين عقليين واضحين على الإعادة: إخراج النبات من الأرض بعد موتها، وإخراج المكلفين منها وإيجادهم. فالله قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِۦٓ أَزْوَٰجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّىٰ﴾[طه:53]، وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾[طه:55] وهذا فيه إثبات البعث.

• كفر فرعون كفر عناد؛ لأنه رأى الآيات عيانًا لا خبرًا، واقتنع بها في أعماق نفسه. ولذلك قال الله: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ﴾[طه:56]، وكما قال الله: ﴿وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾[النمل:14]، وقال موسى -عليه السلام-: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰفِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾[الإسراء:102].

• اختار موسى يوم العيد؛ لتعلو كلمة الله، ويظهر دينه، ويكبت الكفر، أمام الناس قاطبة في "المجمع العام ليَشِيع الخبر. وهذا واضح في قوله: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحًى﴾[طه:59].

قال الله سبحانه: ﴿قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾[طه:65-66] قوله -سبحانه وتعالى-: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى﴾ أي قال السحرة لموسى -عليه السلام- وفي الكلام تقدير فالآيات السابقة قال الله فيها ذاكرًا قولهم ﴿فَأَجْمِعُوا۟ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُوا۟ صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾[طه:64] فالتقدير فجاؤوا فلما جاؤوا ﴿قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ أي اختر أحد الأمرين إما أن تكون البادئ بإلقاء ما لديك من سحر، أو نكون نحن البادئين بذلك فقال له موسى -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: ﴿بَلْ أَلْقُوا۟﴾ ولما كان المقام مقام محاوره لم تأتِ الفاء؛ لذلك قال: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟﴾ لأنه ردٌ على كلامهم ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ فُهم من ذلك أن كل ساحر منهم كان معه حبله وعصاه، أو معه عدته التي سيستعملها في سحره؛ ولذلك قال: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ﴾أي التي معهم ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ التي معهم أيضًا ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾.

وموسى -عليه السلام- طلب منهم أن يبدؤوا هم وليس في ذلك أنه يبيح صنيعهم ولكن هم سيفعلون ولا شك فحينئذ فليبدأوا هم فإذا رأى الناس صنيعهم ورأوا أنهم أتوا بشيء كبير فجاءت حجته الدامغة فقضت على ما لديهم، كان هذا أدل على أن الذي جاء به موسى -عليه السلام- معجزة إلهية وآية ربانية وليس من صنيع الإنسان وليس للإنسان فيه إلا أنه ألقى وهو موسى عليه -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ فلذلك كان الأدعى والأدل على قوة آية موسى –عليه السلام- أن تكون بعد أن يُقدم السحرة ما لديهم، وهكذا يصنع الإنسان مع خصومه فقد يكون من الحكمة في بعض الأحيان أن يترك الإنسان غيره يعرض ما لديه من شبهة ثم بعد ذلك يأتي على الشبهة فيقضي عليها ويستأصلها.

﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ أيضًا هنا تقدير " قَالَ بَلْ أَلْقُوا " فألقوا أي فألقوا ما لديهم ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ أي يُخيل إلى موسى -عليه السلام- من سحرهم أنها ثعابين تتحرك بسرعة، وقوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ﴾ استفاد العلماء من ذلك أن هناك ما يُقال له السحر التخيلي وهو أن يعمد الساحر إلى بعض الأشياء فيجعل الناظر يتخيلها على غير ما هي عليه فيرى، الإنسان الساكن متحركًا، أو المتحرك ساكنًا، والصغير كبيرًا، وما إلى ذلك، وهذا اسمه سحر تخيلي.

وذهب بعضهم إلى أن كل سحر لا يكون إلا من هذا الباب والصحيح أن السحر منه ما هو، تخييلي ومنه ما هو سحر حقيقي تترتب عليه آثار حقيقية ولذلك قال الله -سبحانه وتعالى- في شأن هاروت وماروت، قال الله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾[البقرة:102] فالتفريق بين المرء وزوجه هذا أمر حقيقي تحدث خلافات وربما وصل الأمر إلى الطلاق فهناك سحر حقيقي تترتب عليه الآثار بيد أن هذا السحر الحقيقي كما قالوا لا يقلب أعيان الأشياء، فلا يجعل الإنسان جمادًا ولا الجماد إنسانًا فهذا لا يتأتى للسحر ولا يقدر عليه الساحر.

قال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ لأن موسى -عليه السلام- ليس له في السحر شأنٌ ولا علاقة له به فهو في هذا الباب مثل غيره ممن ربما يموه عليهم لكنه واثق بربه -سبحانه وتعالى- ويعلم أن الله ناصره.

هنا قال: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾[طه:67] أي فأسر موسى في نفسه الخوف مما صنعوا فهنا فسروا ﴿فَأَوْجَسَ﴾ بمعنى أسر ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ قالوا بمعنى أسر، وبعضهم يقول بمعنى أضمر، والأصل أن الوجس هو الصوت الخفي، وتفسيره بالإسرار أو بالإضمار هو من باب التفسير بالأعم، فإذا أسر أو أضمر أعم من الوجيس بكثير كما قال ابن عطية، لكن هنا قال: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ تأمل ولم يقل فأوجس في قلبه ﴿أَنَّمَا﴾ هو وجاس أو هو إجاسٌ طرأ على النفس، وكأن المراد أنه خطر على نفسه شيء من الخوف، لكنه لم يستقر في القلب فضلًا عن أن يظهر على الوجه؛ فلذلك قال: ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ﴾ ولم يقل ﴿فَأَوْجَسَ﴾ فقط لم يقل "فأوجس خيفة موسى" ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿فِى نَفْسِهِۦ﴾ والمعنى أن هذا لم يظهر على ملامح وجهه، فلم يتأثر بذلك أحدٌ؛ لأنه في ظاهر أمره الثابت المثبت بفضل الله -سبحانه وتعالى-.

وقد اختلف العلماء في توجيه هذا الخوف الذي طرأ على موسى -عليه السلام-.

فمن قائل يقول إنه الخوف الطبعي الجبلي الذي يطرأ على الإنسان حين رؤية شيء مخيف لكنه ليس خوفا شرعيًا بحيث أنه يُقدم أو يُحجم من أجله وهذا ليس بضائر الإنسان في شيء، فالإنسان مثلًا إذا رأى أسدًا فجأة فإنه ينتابه شيء من الخوف، ثم بعد ذلك ينظر ما الذي عليه أن يفعله في مثل هذا المقام.

ومنهم من قال بل إن خوف موسى -عليه السلام- لم يكن على نفسه وإنما خاف على الناس حينما رأوا هذا السحر العظيم الذي أتى به هؤلاء فإنَّ هذا يجعل الناس يعرضون عن الدعوة التي جاء بها، وعن الحق الذي معه، فخاف أن يلتبس الأمر عليهم فهذا هو الذي وقع فطمأنه الله -سبحانه وتعالى-: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ﴾[طه:68].

﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لَا تَخَفْ﴾ قال الله له: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ المستعلي عليهم بالغلبة والنصر.

﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾[طه:69] أمره الله -سبحانه وتعالى- بأن يلقي ما في، يمينه وتأمل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم لم يقل له "وألق عصاك" هنا في هذا التعبير القرآني الذي جاء في سورة "طه" وإنما قال هنا: ﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ﴾ والمراد به العصا؛ لأن هذا فيه تذكير بيوم التكليم ففي يوم التكليم قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾[طه:17] وهنا قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ﴾ ﴿إِلَّا﴾ تتذكر ماذا جرى لما في يمينك فاليوم ألق ما في يمينك، وستتحول إلى ما تحولت إليه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ﴾ قدير؛ فلذلك قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ﴾، وفيه أيضًا معنيان متقابلان قال بهما العلماء:

﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ﴾ فهي عصا ضعيفة صغيرة وهم قد أتوا بالعصي وأتوا بالحبال الضخمة العظيمة، لكن مع ذلك فما في يمينك وإن كانت عصا ضعيفة فإنَّ الله جاعلٌ من ورائها الثعبان المبين الذي يلقف جميع ما صنعوا.

والمعنى الثاني أن هذا قيل على سبيل تفخيمها لا تلتفت إلى حبالهم وعصيهم وإنما ﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ﴾ فإنها عظيمة، إذًا يحتمل أن يكون هذا من باب تحقير شأنها من حيث أصلها أو أنه من باب بيان فخامتها وعظمها، في قدرها لما باعتبار ما ستؤول إليه.

قال: ﴿وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ قال: ﴿وَأَلْقِ﴾ وأطرح العصا التي بيدك اليمنى تنقلب حيةً تبتلع ما صنعوه من السحر، ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍ﴾ يعني الذي صنعوه ما هو إلا كيد ساحر، فإنْ قال قائل: أليسوا سحرة كثيرين؟ فلذلك بعدها ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ﴾[الشعراء:46] فهم جماعة من السحرة وهنا قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍ﴾ المراد ليس المراد بقوله: ﴿كَيْدُ سَـٰحِرٍ﴾ أنه ساحر واحد ﴿أَنَّمَا﴾ المراد به جنس ساحر أي ﴿أَنَّمَا﴾ صنع تدبير ومكر من أفعال السحرة، فقوله: ﴿كَيْدُ سَـٰحِرٍ﴾ يعني من جنس الساحر فأعمالهم كلها تشترك في أنها صنع ساحر وليست صنع أهل الحق.

قال: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَـٰحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ ولا يظفر الساحر بمطلوب أينما كان، وقوله: ﴿حَيْثُ أَتَىٰ﴾ يعني ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ مكان لا يفلح الساحر ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ مكان ولا ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ زمان، فهو غير مفلح وإذا كان غير مفلح فإنَّ الله سيبطل عمله ولذلك قال موسى ﴿مَا جِئْتُم بِهِ ٱلسِّحْرُ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبْطِلُهُۥٓ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾[يونس:81]، قال: ﴿وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾.

﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾[طه:70] أيضًا قوله: ﴿فَأُلْقِيَ﴾ هنا إيجاز بالحذف لأن تقدير الكلام فألقى موسى ما في يمينه فوقع ما وقع ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ كما قال في سورة الأعراف ﴿فَوَقَعَ ٱلْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا۟ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُوا۟ صَـٰغِرِينَ﴾[الأعراف:118-119] لكن هنا جاء التعبير على سبيل الإيجاز ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾ وتأمل قوله: ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ دون أن يقول فسجد السحرة وإنما ألقى وكأنهم غلبوا على هذا الأمر بمعنى أن نفسهم لم تطاوعهم إلا بالسجود، نفسهم حينما رأت الحجة الدامغة لم تجد أمامها إلا أن تسجد لله خاشعةً خاضعةً معترفةً مقرةً بأنها هذا الذي جاء به موسى ليس من قِبل إنسان وإنما هي آية من الرحمن -سبحانه وتعالى- فلذلك جاء التعبير ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ كأن سجودهم سجود بجامع القلب والجسد وكل الجوانب على أن التعبير في قوله: ﴿فَأُلْقِيَ﴾ يقابل ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا۟ ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ﴾ لأن التقدير فألقوا فمعناه ألقوا وهنا ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ فكما أنهم ألقوا العصي إذا بهم يلقون بأنفسهم فكانوا في بادئ الأمر يلقون سحرًا باطلًا والآن يلقون بأنفسهم ساجدين لله سبحانه، فبعد أن كانوا سحرةً جاحدين كافرين صاروا ساجدين شاكرين، وهذا من فضل الله وإحسانه إلى هؤلاء.

ولذلك قالوا: "أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء بررة" كانوا في بداية الأمر سحرة جاحدين منكرين آيات الله سبحانه وهم في آخر اللقاء صاروا موحدين وصاروا شهداء على قول كثير من أهل العلم؛ لأن العلماء قد اختلفوا هل أوقع فرعون بهم ما توعدهم به أم أنه لم يوقع بهم ما توعدهم به، وهو الذي سيأتي بيانه في قوله: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍ﴾[طه:71] فقد اختلفوا في ذلك

فمنهم من قال فعل بهم فرعون ذلك، وكان هذا على سبيل الابتلاء لهم وهم يثابون عند الله -سبحانه وتعالى- ويؤجرون على ثباتهم وصبرهم؛ ولذلك وردت آثار في أنهم شهداء.

ومنهم من قال بل لم يتسلط عليهم فرعون؛ لأنّّ الله قال: ﴿أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾[القصص:35]. والآخرون يقولون إن الغلبة على أنواع فقد تكون الغلبة بالحجة والبيان كما تكون بالسيف والسنان وأيا ما، كان الأمر فقد أظهروا الحق ونطقوا به وصدع به في وقت يخشى من بطش فرعون لكنهم آثروا الله والدار الآخرة على فرعون وعلى إرضائه.

﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾ وتأمل لنضج عقولهم؛ ولأنهم كما كانوا فقهاء في الباطل صاروا فقهاء في الحق وإن كان دخولهم في الإيمان دخولا جديدًا لكنهم دخلوا على بصيرة؛ فلذلك ﴿قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾ ما قالوا آمنا بموسى هم يؤمنون بموسى كرسول لكن الإيمان الأول والأعظم والأساس هو الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- والإيمان بالرسل تابع للإيمان بالله ﴿قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾ فهو الذي أيد موسى بذلك.

﴿قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾[طه:71]

﴿قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ﴾ والآية الأخرى ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾[الأعراف:123] آمنتم به وآمنتم له وفيه معنى الاتباع يعني آمنتم به واتبعتم له صرتم متبعين له ﴿امَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ يُنكر، عليهم فرعون كيف تؤمنون ﴿بِهِۦ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾، وكأن فرعون يملك القلوب ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ الإيمان إذا دخل إلى القلب لم يستطع أحد أن يمنعه، الإيمان إذا ولج إلى القلب لم يستطع أحد أن يمنعه وهذا أحد الأقوال في قوله: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾[البقرة:256] بأنه لا يمكن أحد أن يكره أحدًا على اعتقاده وإن أظهر الإنسان خلاف ما يعتقد، أما ما في القلب فلا يمكن لأحد أن يكره أحدًا عليه؛ لذلك لما رخص الله في النطق بكلمة الكفر للمكره، قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُۥ مُطْمَئِنٌّۢ بِٱلْإِيمَـٰنِ﴾[النحل:106] لأنه وإن أكرهه في ظاهر الأمر فإنه لا يقدر على إكراه قلبه، على اعتناق غير ما يعتقد من التوحيد لله رب العالمين.

فمن السفاهة بمكان ومن الحمق بمكان أن يقول فرعون ما قال ﴿قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ﴾ وكأن فرعون سيأذن لهم إذا استسمحوه أو استرضوه أو طلبوا منه وإنما هي السفاهة بكل مقاييسها، ﴿قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ كان كبيرًا لهم وهم لم يجالسوه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، ولم يكن بينه وبينهم صلة، وأنت الذي أجبرتهم وأتيت بهم من هنا وهنالك من بقاع مصر وشتى أماكنها، ﴿قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ واعترف هنا فرعون بعجزه وعجزهم وأنه أعلى منهم مع أنه الذي طلب من موسى -عليه السلام- وقال له: ﴿فَٱجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُۥ نَحْنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانًا سُوًى﴾[طه:58].

﴿قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُۥ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِى عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ وهذا فيه أن السحر يُتعلم كما دلت على ذلك آية البقرة ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾[البقرة:102] وهو من العلوم الضارة؛ ولذلك ما كل علمٍ ينبغي تعلمه، وإنما العلوم كما قالوا ثلاثة:

وعلم في ذاته ليس نافعا ولا ضارًا.

والمطلوب من الإنسان أن يحرص على العلم النافع فقط؛ لأن العلم الضار يضره، والعلم الذي لا منفعة فيه ولا مضرة فيه يأخذ من وقته ما هو في غنى عنه؛ لأن العلم النافع كثير بفضل الله وقد كان من دعاء النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بعد الفجر أن يقول: "اللهم أني أسألك علمًا نافعًا" وسيأتي في سورة طه نفسها قول الله -عز وجل- له: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾[طه:114] وكان يستعيذ بالله "وأعوذ بك من علم لا ينفع".

﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾، ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍ﴾ قالوا هنا في المختصر فلا اقطع من كل واحد منكم رجلًا ويدًا مخالفًا بين جهتيهما، فإذا قطع اليد اليمنى قطع معها الرجل أليسرى، وإذا قطع اليد أليسرى قطع معها الرجل اليمنى، والمعنى أنه لا يدع جانبا صحيحا، فالإنسان إذا كان أحد طرفيه صحيحًا أحد جانبيه فإنه يستقوي به، إذا عطل في الإنسان عطلت يده اليمنى ورجله اليمنى فإنه يعمل بالجانب الآخر... شلل جزئي أو نصفي عافانا الله وإياكم، لكن إذا قطع اليد والرجل الأخرى وكذلك العكس كان هذا أنكب الإنسان وأشد عليه.

﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾ الصلب تعليق الإنسان من أجل القتل، وبعضهم يقول هو شد الصلب على الخشب ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾ قالوا هنا على جذوع النخل؛ لأن الأصل فيه ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يصلبهم أن يجعلهم على جذوع النخل لكنه قال في لأن في تدل على استقرار الشيء وأن الجذع صار ظرفًا وهم مظروفون له، وهذا يدل على أنه من شدة تعذيبه لهم وما يريده في أمر صلبهم كأنه يدخلهم في داخل الجذوع، وإن كان يضعهم عليه، وقالوا عبر بجذوع النخل؛ لأن جذع النخل أشد وأقسى من جذع الشجر، فهذا كله من النكاية بهم.

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ أينا أقوى عذابًا وأدوم أنا أو رب موسى، تأمل هنا قالوا في المختصر أنا أو رب موسى، إذًا ﴿أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا﴾ يعني أنا أو رب موسى وهذا من سفاهته وحماقته أنه جعل نفسه في موضع المقارنة مع رب العزة سبحانه، ومن المفسرين من قال "أَيُّنَا"يعني أنا أو موسى، فجعل الأمر متعلقًا بموسى -عليه السلام-.

قال الله -سبحانه وتعالى- ذاكرا، قول هؤلاء لما آمنوا ودخل الإيمان في قلوبهم قال الله: ﴿قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا ۖ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾[طه:72-73]، ﴿قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ هكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب فإنَّ العبد إذا أورثه الله اليقين فإنه بفضل الله يستصغر الدنيا كلها، يستصغر نعيمها ويستصغر عذابها،يستصغر ما فيها من نعم ويستصغر ما فيها من ألم.

﴿قَالُوا۟ لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ قد جاءتنا بينات عن طريق موسى-عليه السلام- فنحن لن نقدمك عليه ومعنى " لَنْ نُؤْثِرَكَ " لن نؤثر طاعتك ولن نؤثر الاستجابة لك ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلَّذِى فَطَرَنَا﴾ قوله: " وَالَّذِي فَطَرَنَا " يحتمل أن الواو هنا وأو عاطفة أي ولن نؤثرك أيضًا على الذي فطرنا وهذا ما اختاروه هنا في التفسير لذلك قالوا ولن نفضلك على الله الذي خلقنا؛ إذًا ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ ولن نؤثرك على الذي فطرنا وهو الله -سبحانه وتعالى-، وهناك قول ثانٍ وهو أن ﴿وَٱلَّذِى فَطَرَنَا﴾ وأو قسم أي والذي فطرنا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ فيكون قسمًا يقسمون بالله والذي فطرنا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وعلى العطف قد يقول قائل لما قدموا ﴿مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾؟ لأنَّها ظاهره للجميع، أما والذي فطرنا هذا لا يعقله فرعون ولا يراعيه ثم قالوا أيضًا العقل يقتضي أن لنا ربًا واحدًا ولست أنت، وأن الله -عز وجل- الخالق إذًا هو المعبود بحق ولست أنت.

﴿فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ﴾ أي ما أنت قاضيه ﴿إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ﴾ قضائك لن يكون إلا في الدنيا لا تعلق لك في الآخرة والدنيا فانية إذًا مما نخاف؟! لذلك ﴿إِنَّمَا تَقْضِى هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَآ﴾ قصر الموصوف على الصفة قضاؤك مقصور على الدنيا، أما في الآخرة لا شأن لك، بل كما قال الله: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾[هود:98] فهو لا يدفع عن نفسه فضلًا عن أن يدفع عن غيره.

﴿إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَـٰيَـٰنَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ ۗ وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾[طه:73] آمنا بربنا رجاء أن يمحو عنا معاصينا السالفة من الكفر وغيره فهم يتقربون إلى الله بالإيمان ويتوسلون إلى الله بإيمانهم وهذا من التوسل المشروع، التوسل إلى الله بإيمان العبد ﴿رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾[آل عمران:16].

قالوا: ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾ أي ويغفر لنا الذي ﴿أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾، وهنا قد يسأل سائل أليسوا جاؤوا مختارين أو أليسوا هم الذين قالوا لموسى -عليه السلام- ﴿إِمَّآ أَن تُلْقِىَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ﴾ فيجاب عن ذلك بأن يُقال إن قوله ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ ٱلسِّحْرِ﴾ لأنه حين انتدبه من أماكنهم كان على سبيل الإكراه فلم يكونوا راغبين في مقابلة موسى ولا في هذا الباب ابتداء وإنما أُكره السحرة في أنحاء مصر على هذه المقابلة وعلى هذا المجلس، فلما جاؤوا ووجدوا أن فرعون سيقربهم وسيعطيهم العطاء صاروا راغبين ومختارين لهذا اللقاء، أو أن يُقال إن إكراه فرعون كان في السابق في البداية وأن فرعون كان يكره الناس على أن يعلموا أولادهم السحر؛ لينشأ جيل يتعلم السحر لأن أهل الظلم يحبون أن يستمر ظلمهم ومن أعون ما يثبت سؤددهم هو السحر، ويشهد لذلك حديث قصة أصحاب الأخدود في هذا الملك الذي كان له، ساحر وأراد أن يعلم هذا الصبي السحر ليخلفه في هذه المهمة، ﴿وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾ وذلك لأن السحر يمارس كما هو معلوم السحر الإعلامي، وكذلك ذلك الترغيب فيما هو عليه وما إلى ذلك قال: ﴿وَٱللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰٓ﴾.

﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا* وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ الْعُلى﴾[طه:74-75]"إِنَّهُ" أي إن الشأن تأمل قولهم إن الشأن والحاصل إذًا هذه الهاء نسميها هاء ضمير الشأن وضمير الشأن كما تقدم معنا في بعض المناسبات يختلف عن غيره من الضمائر فالأصل أن الضمير يعود على مذكور قبله، وأما هذا يعود على ما بعده وتفسره جمله فهنا " إِنَّهُ " إنه ماذا؟ ﴿إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ فجاء تفسيره بعد ذلك، ﴿إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًا﴾ وهنا قالوا مجرما فسروها من يأتي ربه، ﴿إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ﴾ يوم القيامة كافرًا فسروا مجرما بمعنى كافر فقالوا كافرًا، وتقدم معنا أن كلمة "المجرم" في القرآن الكريم تطلق على الكافر في أغلب مواضعه، وإن شئت فقل في جميع مواضعها؛ ولذلك من عادات القرآن أن لفظه "المجرم" استعملت في القرآن الكريم بمعنى الكافر؛ لأن الإجرام معناه غِلظ الذنب لا يطلق على الذنب إجرام إلا إذا كان غليظا، ثم صار في عرف القرآن يُطلق على الكفر؛ ولذلك قال الله: ﴿أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ﴾[القلم:35] فقابل بين المسلم والمجرم.

﴿فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ من العلماء ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ هذا من كلام الله ابتداءً ذكره الله تعقيبًا على قصة موسى مع السحرة فتكون الجمل معترضة ثم جاء بعد ذلك ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ﴾[طه:77] عادت القصة، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ هو من تتمة كلام السحرة وكأنهم عرفوا ذلك مما سمعوا من موسى -عليه السلام- حينما قال لهم ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ﴾[طه:61] وقوله: ﴿فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ قالوا ﴿فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ يدخلها ماكث فيها أبدًا لا موت فيها فيستريح من عذابها ولا يحيا حياة طيبة أجابوا بذلك عن إشكال؛ لأن الإنسان إذا قرأ مثل هذه الآية ﴿فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ يقول إذا كان لا يموت ولا يحيا إذًا أين يكون والإنسان إما ميت وأما حي؟ فهنا تقدير لذلك قالوا، هنا ﴿فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ يدخلها ماكثًا فيها أبدًا لا يموت فيها فيستريح، إذًا نفي الموت هنا أي نفي الموت مع الراحة لا يموت فيستريح؛ لأن الميت إذا مات استراح لأنه لا يشعر، ونفي الحياة هنا أي الحياة الطيبة فهو كأنه لا حياة له هو حي لكنه معذب، إذًا كأنه سُلب الحياة، إذًا التقدير ﴿فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح ولا يحيا حياةً طيبة.

قال الله سبحانه: ﴿وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ﴾[طه:75]، ﴿وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ عمل الأعمال الصالحة ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ﴾ قالوا: لهم المنازل الرفيعة، والدرجات العالية نسأل الله من فضله.

وأيضًا مما يدل على أن المراد بالمجرم الكافر وجهان في الآية:

الوجه الأول: ﴿فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ﴾ وهذا شأن الكافر؛ ولذلك في الحديث "فأما أهل النار الذين هم أهلها" تأمل قوله الذين هم أهلها يعني المخلدون فيها.

الوجه الثاني: وأيضًا يشهد لذلك قوله بعد ذلك ﴿وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًا﴾ إذًا هذا في مقابلة المجرم فالمجرم الكافر.

قال: ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾[طه:75-76] أي جزاء كل من تطهر من الكفر والمعاصي.

[مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]

• لا يفوز ولا ينجو الساحر حيث أتى من الأرض أو حيث احتال، ولا يحصل مقصوده بالسحر خَيرًا كان أو شرًّا. قال الله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾[طه:69] ولذلك قالوا الساحر المراد به جنس السحرة أي ولا يفلح الساحرون حيث أتوا.

• الإيمان يصنع المعجزات؛ فقد كان إيمان السحرة أرسخ من الجبال، فهان عليهم عذاب الدنيا، ولم يبالوا بتهديد فرعون. قال الله: ﴿فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَـٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾[طه:70]إلى آخر الآيات الكريمة، ولذلك قال بعضهم أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء بررة، فكانوا في النهار جاحدين كافرين، وإذا بهم في آخر النهار بفضل الله سبحانه صاروا شاكرين ساجدين.

• دأب الطغاة التهديد بالعذاب الشديد لأهل الحق والإمعان في ذلك للإذلال والإهانة. كما ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾: ﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَـٰفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾[طه:71].

قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾ [طه:77]، عادت الآيات الكريمة للحديث عن إنجاء الله لموسى -عليه السلام- ومن معه من أهل الإيمان، فقال الله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى﴾ [طه:77]، قالوا هنا: أن أسرِ بعبادي ليلًا، فُهم هنا من التعبير بقوله "أسرِ"، قالوا لأن السرى هو السير بالليل، على أنه قد جاء التنصيص على ذلك في مواضع، ﴿أَسْرِ بِعِبَادِىٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾ [الشعراء:52]، فهنا لم ينص على التوقيت، فقيل استفيد هذا من التعبير بقوله "أسر"، لأن هذا لا يكون إلا في الليل.

وقالوا مناسبة أن يكون في الليل أن هؤلاء لا يرون فرعون والجيش الذي معه، فإنَّ هذا ربما أقلق المؤمنين وربما أتعبهم، ولذلك قال الله ﴿فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:61]، فقال لهم موسى ﴿قَالَ كَلَّآ ۖ إِنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:62]، مع أنَّ هذا كان ليلًا، فكيف لو كان نهارًا، فمن لطف الله سبحانه وتعالى بهؤلاء ومن باب التثبيت لهم جعله في الليل.

فقال: ﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه:77] ما معنى "فاضرب"؟ قالوا هنا: "واجعل لهم"، إذًا الضرب قد يأتي بمعنى الجعل، فقوله ﴿فَٱضْرِبْ لَهُمْ﴾ [طه:77] يعني اجعل، "واجعل لهم طريقًا في البحر يابسًا"، ومنه قولهم: "ضرب الذهب دنانير" يعني جعلها، ولذلك جاء في حديث النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم-: "واضربوا لي معكم بسهم" في حديث الرقية، فمعنى "اضربوا" يعني اجعلوا.

فقوله ﴿فَٱضْرِبْ لَهُمْ﴾ [طه:77] يعني اجعل ﴿لَهُمْ طَرِيقًا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًا﴾، يابسًا ﴿لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾ [طه:77] "لا تخاف دركًا" يعني لا تخاف أن يلحق بك فرعون وملأه، لا تخاف من ذلك، ﴿وَلَا تَخْشَىٰ﴾ [طه:77] يعني ولا تخشى من الغرق في البحر.

لذلك قال بعضهم: "ولا تخشى" عام أريد به الخصوص، لأنه يريد من؟ ليس المراد ولا تخشى الله مثلًا، فموسى يخشى، لكن "ولا تخشى" هذا يتعلق بالسياق يعني لا تخشى من فرعون ولا تخشى مما يريده بك، فإنَّ الله ناصرك ومؤيدك، قال: ﴿لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾ [طه:77]

وقوله: "لا تخاف" أي حال كونك لا تخاف، وأما "لا تخف" على أنها جواب "فاضرب"، ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى ٱلْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَـٰفُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ﴾ [طه:77].

﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:78] هنا تقدير، وتلاحظون يا أيها الإخوة الكرام أن قصص القرآن الكريم يجري فيه تقديرات كثيرة، وهو مبني في منهج القرآن وأسلوبه على الإيجاز، وفيه إعمال للعقول بأن يفهم الإنسان ويدرك ماذا بين الأحداث لأن التقدير ففعل موسى ما أمره الله به ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:78]، أي فغمره وغمر جنوده من البحر ما غمرهم، مما لا يعلم حقيقته إلا الله، فغرقوا جميعًا وهلكوا، ونجا موسى ومن معه.

تأمل قوله: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:78]، ومن المعروف أنه قد غشيهم ﴿مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، لكن هذا الأسلوب يقال له أسلوب الإبهام، ويراد التفخيم والتعظيم. تقول: جرى ما جرى، وقع ما وقع، والمعنى أن تذهب النفس فيه كل مذهب، وكأنه مما لا يستطيع الإنسان أن يدرك كنهه وحقيقته، فقال: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:78]، يعني أنه أمر عظيم يفوق الوصف، فتخيله ومهما تخيلته فهو فوق ما تتخيله، فقال: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه:78].

﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ﴾ [طه:79]، قالوا: أضل فرعون قومه بما حسنه له من الكفر وخدعهم به من الباطل، ولم يرشدهم إلى طريق الهداية، وتأمل قوله: ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾ [طه:79] فهو أضل وما هدى، قال بعضهم: هذا على سبيل التأكيد، وبعضهم قال: أضل وهو نفسه غير مهتد، فهو مضل ضال، وقال بعضهم: بعض المضلين قد يهدون في بعض الأحيان إلى طريق مستقيم في بعض الأحوال أو في بعض الأوقات أو في بعض الأشياء، أما فرعون فهو إضلال من كل المواقع وفي كل الاتجاهات، فقال: ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾ [طه:79]، أي بحال من الأحوال.

﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾ [طه:80]، قال هنا: "وقولنا لبني إسرائيل"، لماذا قالوا في المختصر هنا "وقلنا"؟ لأنه بذلك أنه حديث عن بني إسرائيل السابقين، وأن الله يذكر بني إسرائيل على عهد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم- بما وقع لأسلافهم، وقولنا لبني إسرائيل، وإلا فمن المفسرين من يرى أن الخطاب لبني إسرائيل على عهد النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم- وأن التذكير لهم لأن النعمة على الأب نعمة على الابن، فخاطبهم: ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم﴾ [طه:80]، يعني أنجينا أسلافكم، أو أنه خطاب للسابقين وقولنا لهم وقتها: ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ﴾ [طه:80]، والمراد بالعدو فرعون ﴿جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ﴾ [طه:80]، ووعدناكم أن نكلم موسى بالجهة اليمنى من الوادي الواقع بجانب جبل الطور، فقالوا: "جانب الطور الأيمن"، باعتبار الشخص فهو عن يمينه، ﴿جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾ [طه:80] أنعمنا عليكم بنعم كثيرة، ﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾، قالوا: شرابًا حلوًا مثل العسل وطائرًا صغيرًا طيب اللحم يشبه السمان، وقد مضى معنا ذلك في سورتي البقرة والأعراف، بعضهم يفسر ﴿الْمَنَّ ﴾ [طه:80] بكل ما امتن الله -عز وجل- به عليه من غير كد وجهد، ومنهم من يعبر عنه بالترنجبين، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ كما قالوا هنا إنه شراب حلو مثل العسل، وأما قوله ﴿وَالسَّلْوَى﴾ [طه:80] فهو الطائر الصغير الطيب اللحم مثل السمان.

قال الله -عز وجل-: ﴿كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَلَا تَطْغَوْا۟ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى﴾ [طه:81].

ما معنى "ولا تطغوا فيه"؟ قالوا: لا تتجاوزوا ما أبحناه لكم إلا ما حرمناه عليكم، إذًا كلوا الطيب ولا تتجاوزوه إلى الحرام أو لا يظلم بعضكم بعضًا فيه ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ﴾ [طه:81]، فيحل (القراءة الأخرى فيحِلّ) عليكم غضبي، ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ﴾ [طه:81]

. أما بالضم فقد قال بعضهم يحُل ويحِل معناها ينزل عليه غضبي، وأما قوله ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى ۖ وَمَن يَحْلِلْ﴾ [طه:81]، يعني ومن يجب ﴿عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ﴾، وإن كانوا هنا قد فسروا فقالوا ومن يحل عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ فقالوا ومن ينزل عليه غضبي فقد هلك وشقي في الدنيا والآخرة.

قال الله سبحانه: ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَىٰ﴾ [طه:81]، يعني فقد هلك، ولذلك سبق في أوائل السورة ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ [طه:16] يعني فتهلك، فنسأل الله السلامة.

فقال الله -عز وجل- ناهيًا نبيه موسى عليه السلام: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرْدَىٰ﴾ [طه:16]، يعني إن اتبعته فإنَّ هذا يؤدي إلى الهلاك. قال: ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ [طه:82].

هذه الآية قال بعضهم هي من أرجى الآيات وأخوف الآيات، وقالوا من أشهر الأمثلة التي يُضرب بها المثل في أن ظاهرها الرجاء وحقيقتها التخويف هذه الآية، لأن الآية في صدرها ﴿وَإِنِّى لَغَفَّارٌ﴾ [طه:82] بصيغة المبالغة، وهذا فيه أنه كثير المغفرة، لكن الله ذكر شروطًا فقال: ﴿لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ [طه:82].

إذًا إذا أردت تحقيق هذه المغفرة فعليك أن تتوب وتؤمن وتعمل الصالحات وأن تهتدي، وهذه شروط قوية والإنسان يفرط إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، لذلك قالوا فيها تخويف. قال: ﴿ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾ [طه:82]، قالوا هنا ثم استقام ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وأحسنوا في هذا التفسير، لأن سائلًا قد يسأل ويقول: أوليس الذي تاب وآمن وعمل صالحًا من المهتدين؟ فيقال بلى، فيأتي السؤال إذًا ما معنى ثم اهتدى؟ فالجواب ثم اهتدى يعني واظب على الاهتداء واستقام على الاهتداء، لأن الإنسان قد يؤمن ويعمل الصالحات ثم يترك، ومن ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ آمنت بالله ثم استقم"، وقد قال الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُوا۟ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَـٰمُوا۟﴾ [فصلت:30].

قال ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾ [طه:83]، ما الذي جعلك تعجل عن قومك يا موسى؟ فتتقدمهم تاركًا إياهم خلفك، وترون يا أيها الإخوة الكرام أن السورة الكريمة تتضمن مشاهد متعددة، ومواقف متعددة مما وقع لموسى -عليه السلام- ومن قصته لنستفيد منها ونتعلم، قال: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَـٰمُوسَىٰ﴾ [طه:83]، أي ما الذي جعلك تعجل عن قومك يا موسى؟ وإلا فالله قال قبلها: ﴿وَوَٰعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنَ﴾[طه:80].

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة