سورة مريم — الجزء 3
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ H0 فيه أيضًا مشروعية البكاء عند السجود، وعند سماع آيات الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك يشرع البكاء من خشية الله – سبحانه – وعند سماع القرآن الكريم.
وقد ورد عن عدد من السلف أنهم كانوا إذا قرأوا الآية الكريمة سجدوا، ثم قالوا إذا لم يجدوا بكاء: هذا السجود، فأين البكي؟ هذا السجود، فأين البكي؟
يعني أن الاقتداء بالأنبياء والمرسلين يستوجب على المرء أن يجمع بين الأمرين، فإذا كان من شأنه أن يسجد، فأين البكاء الذي وقع، أو الذي بكاه هؤلاء من الأنبياء والمرسلين؟
﴿خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ وهذا من تعظيم الله سبحانه وتعالى وخشيته، قال: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ ونبينا صلى الله عليه وسلم كان له من ذلك القدح المعلى، وكان له النصيب الأوفر صلى الله عليه وسلم فكان ربما بكى حتى تبتل لحيته، ويبتل الحصير من شدة أو من كثرة بكائه صلوات الله وتسليماته عليه.
ثم قال الله: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾
السورة تنقلنا نقلة عجيبة، نقلة من جانب آخر بعد الحديث عن هذه الثلة المباركة، وعن هؤلاء الأنبياء والمرسلين، تنتقل بنا السورة إلى حال كثير من الناس الذين يعيشون في غفلة ﴿فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا ٱلصّلوة وٱتّبعوا ٱلشّهوت﴾.
وتأمل هذين الوصفين: ﴿أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾، تجد أن هذين الوصفين في مقابلة الوصفين السابقين في قوله: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا﴾ فقوله: H1 في مقابلة الصلاة، فمن أضاع الصلاة ليس من هؤلاء الذين إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُ ٱلرَّحْمَٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا
وقوله: ﴿وبكيّٗا﴾ في مقابلة ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ لأنّ العبد الذي يتبع شهوته ما الذي حمله على اتباع شهوته؟ لا شك أن الذي حمله على ذلك ضعف مراقبته لربه، ومن ضعفت مراقبته لربه فلا شك أن بكاءه يندثر، وإن شئت فقل: ينعدم. نسأل الله السلامة.
فقوله: ﴿وبكيّٗا﴾ دلالة على أنهم - بفضل الله سبحانه وتعالى - كانوا متبعين للهدى، وليس للهوى.
من اتبع هواه، واتبع الشهوات، فهذا أمره بخلاف ذلك؛ فلذلك قوله: H2 في مقابلة ما سبق.
﴿فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا ٱلصّلوة وٱتّبعوا ٱلشّهوت﴾ يقول كثير من أهل العلم: إن كلمة H3 بسكون اللام تذكر غالبًا مع الشر، وكلمة H4 تذكر غالبًا مع الخير. وهذا فارق أغلبي.
فهذا هو الأغلب؛ أن H5 تأتي مع جانب الخير؛ لذلك نقول: خلف ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ لسلف ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
وأما الخلف فتذكر غالبًا في باب الشر، بسكون اللام، لكن نقول: هذا على سبيل الأغلبية؛ بمعنى: أنه توجد له استثناءات.
قال: ﴿فخلف من بعدهم خلفٌ أضاعوا ٱلصّلوة وٱتّبعوا ٱلشّهوت﴾ هذان الوصفان: H6 تستطيع أن تقول: إنهما وصفان جامعان لصنوف الكفر والفسق؛ فكل صنوف الفسق والشرك والكفر يمكن أن تدرج جميع هؤلاء في أحد هذين الوصفين، أو في كلا الوصفين، إمّا أنهم أضاعوا الصلاة، وإما أنهم اتبعوا الشهوات ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾.
قوله: H7، قالوا: ضيعوا الصلاة، فلم يأتوا بها على الوجه المطلوب، إذًا هذا معنى H8، أضاعوا الصلاة لم يأتوا بها على الوجه المطلوب.
منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: أخروا أوقاتها.
منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: قصروا في بعض أركانها وواجباتها أو شروطها.
ومنهم من قال: تركوا بعضها.
ومنهم من قال: تركوها بالكلية.
والآية تشمل هذا كله H9، وكل بحسبه.
قال ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ قالوا: وارتكبوا ما تشتهيه أنفسهم من المعاصي؛ كالزنا. نسأل الله السلامة. واتبعوا الشهوات؛ فصارت الشهوة تملكه، وهو أسيرها يتبعها.
قال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ نعوذ بالله من ذلك، H10، ما معنى غيا؟
قالوا: شرا في جهنم وخيبة، إذًا H11، الشر في جهنم والخيبة.
وبعضهم يقول: الغي في الأصل: الضلال، ترك الهدى؛ ولذلك يأتي الغي في مقابلة الرشد ﴿وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ﵝالأعراف الآية ﵖﵔﵑﵜ وإن يروا سبيل الغي، يعني: ما هو مقابل الرشد؛ بدليل ﴿وَإِن يَرَوْا۟ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ﵝالأعراف الآية ﵖﵔﵑﵜ فهذا معناه: أن الغي في مقابلة الرشد.
وقال بعضهم في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ أي: فسوف يلقون جزاء غيهم، فأطلق الغي، والمراد: جزاء الغي؛ فالغي في الأصل: الضلال وترك الرشد، وهو يلقى جزاء عمله، لكن لما كان الجزاء من جنس العمل ذكر العمل وأريد به الجزاء.
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بل الغي يأتي ويراد به جهنم نفسها.
وبعضهم قال: بل هو واد في جهنم. نسأل الله السلامة والعافية.
قال: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ ويشهد إلى أن الغي يمكن أن يفسر بالعذاب، ما جاء بعد في قوله سبحانه وتعالى: ﴿جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵑﵖﵜ فقالوا: مع المؤمنين ذكر الجزاء، وهنا أيضًا مع من أضاع الصلاة واتبع الشهوات ذكر الجزاء.
قال: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾
﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ قالوا: من تقصير ٍوتفريطٍ ﴿وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا﴾ فلا بد من العمل، وقد ذكروا: أن العمل خص بالذكر؛ تنويها بشأنه، ولا يلزم منه أن العمل ليس من الإيمان؛ لأنه قد دلت أدلة كثيرة على أن العمل من الإيمان.
والمسألة معروفة في باب الاعتقاد، وتقدم تقريبها في بعض المواضع، فالشاهد هنا أنهم يقولون: إن هذا من باب عطف الخاص على العام.
فقال: ﴿وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾ هذا ثوابهم ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾.
H12، قال: ولا ينقصون من أجور أعمالهم شيئًا، ولو قلّ.
﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾ فهذا من فضل الله سبحانه وتعالى وإحسانه إلى عباده.
قال بعضهم: H13؛ لأنّ قوله ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ﴾ يدخل فيه من كان كافرا، ثم أسلم، فهو يخشى على نفسه، ماذا عن المدة التي فرطت فيها؟ وعما أسرف، فيقال: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْـًٔا﴾ ما مضى عفا الله عز وجل عنك، والله سيكافئك على ما أحدثت من خير في الإسلام.
قال: ﴿جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا﴾
أولئك ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾، ما تفسير الجنة؟ تفصيل لها قال: ﴿جنّـت عدنٍ﴾ جنات إقامة واستقرار ﴿ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ﴾ وعدهم بها وهم لم يروها، فآمنوا بها، وها هم داخلوها بإذن الله تعالى.
قال: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا﴾ قالوا هنا في التفسير: وعد الرحمن عباده الصالحين بالغيب أن يدخلهم فيها، وهم لم يروها، فآمنوا بها، فوعد الله بالجنة -وإن كان غيبًا- آتٍ لا محالة.
﴿إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا﴾ إنه كان وعده آتيًا.
قالوا: لأن هذا الفعل يتبادل، فمن أتاك فقد أتيته، فهذا على التقابل، وهذا موجود في بعض الأفعال، ولذلك تقدم في سورة البقرة ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَـٰتٍ﴾ ﵝالبقرة الآية ﵗﵓﵜ وقراءة ابن كثير "فتلقى آدم من ربه كلمات"؛ لأنه إذا تلقى الكلمات فقد تلقته الكلمات، وكذلك إذا جاءه فقد جاءه ما يقابله، وهكذا.
ويقال: أتى عليه خمسون سنة، ويقال يعني: أتت عليه خمسون سنة، ويقال: أتى على خمسين سنة؛ أتى عليها، وأتت عليه، فهذا معروف في اللغة.
لكن هناك وجه آخر؛ وهو أن مأتيا على بابها، قالوا لم؟
لأنّ الوعد، ما وعد الرحمن هنا؟ الجنة، ﴿إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا﴾، يعني: كانت الجنة مأتية؛ لأنهم يأتون الجنة.
فالمعنى: أنهم يأتون الجنة، وإذًا هي على بابها.
ومن يستشكل على هذا القول يقولون: كيف يأتون الوعد؟ فيقال: المراد بالوعد: تفسيره تقدم، وهو الجنة، وهم يأتون الجنة حقيقة؛ فكان معنى: إنه كان وعده - أي: الجنة - مأتيا، يأتون الجنة، وسيأتينا قول الله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
قال الله: ﵣإنّه كان وعده مأتيّٗا ٦١ ﴿جَنَّـٰتِ عَدْنٍ ٱلَّتِى وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعْدُهُۥ مَأْتِيًّا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَـٰمًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ﴿سَلَـٰمًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾
﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ هذا من تمام النعيم في الجنة؛ لا يسمعون فيها لغوًا، قالوا: فضولا، ولا كلام فحش.
إذًا ما معنى اللغو: قالوا: الفضول وكلام الفحش؛ ولذلك بعضهم يفسر اللغو، فيقول اللغو: ما ينبغي أن يلغى ويطرح. فقيل له: H0؛ لأنه ينبغي أن يلغى، فإذا هو لغوٌ؛ يلغى ويطرح.
﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَـٰمًا﴾ هنا يسأل سائل: السلام ليس من اللغو، فكيف يستثنى منه؟
فيجاب عن ذلك: أنّ H1 هنا استثناء منقطع؛ فالمعنى: لا يسمعون فيها لغوا، لكن سلاما.
إذًا السلام جنس آخر غير اللغو. فيقال: H2 هنا استثناء منقطع؛ لأنّ السلام يختلف عن اللغو.
﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَـٰمًا﴾ وبعضهم يفسر اللغو: بعموم الكلام، ثم يستثني منه إلا سلاما.
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ هنا في التفسير فسروا H3 في قوله: H4، قالوا: بل يسمعون سلام بعضهم على بعض.
إذًا H5 بمعنى H6، سلاما يعني: يسمعون سلامًا؛ سلام بعضهم على بعض، وسلام الملائكة عليهم.
إذًا (سلاماً) من سلام بعضهم على بعض، ومن سلام الملائكة عليهم ﴿جَنَّـٰتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَآئِهِمْ وَأَزْوَٰجِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ ۖ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ۚ فَنِعْمَ عُقْبَى ٱلدَّارِ﴾ ﵝالرّعد من الآية ﵓﵒ إلى الآية ﵔﵒﵜ بل وهناك السلام الأعظم من الرب العظيم سبحانه وتعالى ﴿سَلَـٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ ﵝيس الآية ﵘﵕﵜ
قال الله سبحانه: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال بكرة وعشيا قالوا في الطبعة السادسة: ويأتيهم ما يشتهون من الطعام فيها صباحا ومساء. ففسروا H7 بمعنى: H8، وH9 بمعنى: H10 باعتبار تفسير الألفاظ.
لكنهم جاؤوا في الطبعة السابعة هنا، وفسروا H11 بقولهم: ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت رغبوا. وهذا أجمل وأحسن؛ فلذلك ما انتقلوا إليه في الطبعة السابعة أجمل.
وهذا نلحظه في بعض المواضع؛ لأنّ قولهم: صباحا ومساء في H12 يرد عليه إيراد؛ هل رزقهم في الجنة لا يكون إلا مرتين بكرة وعشيًا؟
فأجاب العلماء، قالوا: إنمّا عبر ببكرة وعشي والعشي، والمراد به: الدوام في كل وقت.
فحينما تقول: لك رزقك بكرة وعشيًا، يعني: في كل وقت، فهم حتى يبينوا هذا المعنى قالوا: ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت رغبوا.
لذلك قال بعضهم: التعبير بقوله: H13 يراد به: عموم الأوقات.
وبعضهم قال بكرة وعشيًا، يعني: في مقدار بكرة، ومقدار العشي، يعني: بالنسبة لما يعهدون؛ لأنّ الإنسان عادته حينما يريد أكلًا أو شرابًا أو طعامًا فإنه يتخير بعض الأوقات؛ فهذا هو ما عهدوه، وإلا قالوا: فالجنة ليس فيها شمس، وليس فيها قمر ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ ﵝالإنسان الآية ﵓﵑﵜ بل هي نور، كما هو معروف، إلى غير ذلك مما يذكر في هذا الباب.
قال: ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾
﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ﴾ أي: هذه الجنة، لكن قال أيضًا: H14 باسم الإشارة؛ حتى نستحضر تلك الأوصاف التي ذكرها الله سابقا ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ نجعلها دارًا لمن كان تقيا.
﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ قالوا: ممتثلا للأوامر، مجتنبا للنواهي.
﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ قد تشكل على بعض الناس هذه الآية؛ إذ يقول: ﴿مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ هذا فيه أنه لا يدخل الجنة إلا التقي. فبعض المذاهب الباطلة، وبعض الفرق كالخوارج يستدلون بهذه الآية فيقولون: مرتكب الكبيرة الذي يموت على كبيرته، هذا مخلد في النار، وكذلك يقول المعتزلة بذلك، وإن اختلفوا في تسميته.
الشاهد من ذلك يقولون: ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ فيجاب عن ذلك:
بأن قوله ﴿مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ يدخل فيه التقي الذي اتقى الشرك، بل هذا أولى ما يدخل فيه الأتقياء؛ فالتقوى درجات، وأعظم درجات التقوى أن تتقي الشرك، فالموحد اتقى الشرك. وهذا ما يهمنا ابتداء، ثم الجنة منازل. وهذا لا إشكال في ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾.
ثم قال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾
تأمل هنا قالوا: ولما ذكر سبحانه ثواب المتقين، ذكر أن التقوى هي الوقوف على أمره؛ فقال: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ هذا جميل جدّاً منهم ورائع.
وهو قليل في كثير مما يذكر في هذا الباب؛ وهو وجه المناسبة؛ لأنّ قائلًا يقرأ الآيات، فيقول ما وجه ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ والكلام كلام جبريل عليه السلام؟ جبريل أمره الله أن يقول: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ ما علاقة هذا بالحديث عن الجنة؟ ما علاقة هذا بالحديث عن الأتقياء وعن الأنبياء والمرسلين وما سبق؟
فقالوا: لما ذكر الله من كان تقيا، بيّن ما التقوى؟ التقوى الالتزام بالأوامر، ومن ذلك أنّ جبريل الذي يأتي بالوحي إليك لا يأتي إليك إلا بأمر الله؛ فلا يتقدم ولا يتأخر، فكذلك كونوا مع أوامر الله، ومع نواهي الله، إذا أمركم الله بأمر فائتمروا، وإذا نهاكم عن شيء فانتهوا، هذا وجه جيد في وجه المناسبة، وإلا فقد أشكلت الآية على كثير من المفسرين في بيان وجه المناسبة.
فمنهم من قال: إن وجه المناسبة هو أن جبريل عليه السلام لما نزل بالآيات السابقة، وفيها ذكر قصص الأنبياء والمرسلين، وما أثنى الله به على الأتقياء، إلى غير ذلك؛ اشتاق النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يأتيه جبريل أكثر وأكثر؛ فقال له كما جاء في صحيح البخاري أن النبي قال لجبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فأنزل الله قوله سبحانه: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. وهذا الجزء الأخير هو الموجود، أمّا بداية الكلام، وأن هذا حدث، هذا مما استنبطه العلماء.
بعضهم يقول: إنمّا وقع ذلك بعد نزول هذه القصص، أو هذا القصص القرآني الذي ذكره الله في السورة؛ فجاءت الآيات عقب ذلك مباشرة، باعتبار وقت النزول، والعلم عند الله.
وقريب من ذلك ما ذكره بعضهم في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِۦٓ﴾ ﵝالقيامة الآية ﵖﵑﵜ وإن كان العلماء قد ذكروا مناسبات حسنة هناك في سورة القيامة تقدم بيانها.
وكذلك هنا في هذا المقام ذكروا بعض المناسبات، منها ما سمعتم من أنّ هذا فيه بيان حقيقة التقوى من امتثال أوامر الله سبحانه ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵔﵖﵜ
وبعض العلماء يربط بين هذه السورة وسورة الكهف، بأن هذا جرى في تأخر مجيء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم حينما سُئل الرسول الأسئلة – صلى الله عليه وسلم - التي سئل، أو وجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.
قد قصصنا عليك ما جاء في الكهف، وقصصنا عليك قصص الأنبياء والمرسلين، واعلم: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
ويناسب هذا، والعلم عند الله، أن هذا نهاية الحديث عن مقام الأنبياء والمرسلين، إنمّا جاء ذكر المتقين، ومن أضاعوا الصلاة؛ للفرق بين الجانبين، لا سيما وقد ربطنا بين قوله: H0 وقوله ﴿أضاعوا ٱلصّلوة وٱتّبعوا ٱلشّهوت﴾ هذا نهاية مقطع، وبداية مقطع: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ وفي نهاية هذا الباب: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.
وكأن سورة مريم إلى هذا الحد ربطت الآيات السابقة بسورة الكهف وما جرى من أسئلة وجهت للرسول صلى الله عليه وسلم. وكان ختام الجميع: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾.
هنا أمر يرد؛ أن القارئ إذا قرأ القرآن، وهو يمسك المصحف، أو هو يقرأ ويتلو من حفظه، فيقرأ: ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ هذا كلام الله.
فإذا قرأ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ هذا لا يمكن أن يكون من كلام الله. نعم، هي آية.
لكن هذا مقولٌ قاله غير الله، ذكره الله؛ كما نقول مثلاً: قال فلان، وذكره الله، كما في: (قال الملأ) (﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾) قال كذا.
فهنا حتما نقول: قال جبريل؛ لأنّ الله لا يقول: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ فهذا نقول: يدل عليه السياق قطعًا.
إذًا أحياناً تأتي جمل، أو آيات في القرآن يقطع بنسبتها إلى قائلها، وإن لم يذكر القائل، لكن السياق يدل على ذلك.
ولذلك كما تقدم معنا في سورة مريم نفسها؛ في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ يمكن أن يقال: هذا من كلام الله سبحانه وتعالى؛ لأنّ الله قال: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾
لكنّ قوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ﴾ ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ هذا؟ يقوله عيسى. من أين عرفنا هذا؟ من السياق؛ فبهذا يزول الإشكال في هذا المقام، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾
﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ قالوا: ما نستقبله من أمر الآخرة، وما خلفناه من أمر الدنيا، وما بين الدنيا والآخرة.
إذًا ما معنى ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ فسروا H1 ما نستقبله؛ لأنّ H2 ما يتقدمنا أمامنا، وهو الآخرة، ما لم يأت بعد.
H3 ما سبق، والمراد به: الدنيا.
وهناك من يعكس، كما تقدم، يقولون: لأن الزمان الماضي قد سبق وولى، وأن الآخرة تخلفنا، وراءنا؛ فهناك من عكس.
ومنهم من قال: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ لا تتكلم عن الزمان، إنمّا تتكلم عن المكان، لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا، يعني: ما هو قدام، وما خلفنا في المكان، وما بين ذلك؛ بدليل: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾ فقالوا: هذا يتعلق بالمكان لا بالزمان؛ بهذا قال فريق، وبهذا قال فريق. وتقدم تحرير ذلك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في بعض المواضع، وأن هذا من الألفاظ التي وردت في القرآن على عدة أوجه، منها ما ورد في هذه الآية.
ولذلك بعض العلماء يخلص من هذا، ويقول: والآية دالة على شمول علم الله سبحانه وتعالى، وعلى إحاطته بكل شيء؛ فقول: ﴿بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾ تدلّ على معنى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ ﵝسبإ الآية ﵓﵜ سبحانه وتعالى لا تعزب عنه زماناً ولا مكانا.
قال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ فيه نفي النسيان عن الله سبحانه وتعالى، كما قال: في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.
من فوائد الآيات:
حاجة الداعية دوما إلى أنصار يساعدونه في دعوته.
إثبات صفة الكلام لله تعالى.
صدق الوعد محمود، وهو من خلق الأنبياء والمرسلين، وضده وهو الخلف مذموم.
إن الملائكة رسل الله بالوحي لا تتنزل على أحد من الأنبياء والرسل من البشر إلا بأمر الله.
تعليق الشيخ على فوائد الآيات:
حاجة الداعية دوما إلى أنصار يساعدونه في دعوته؛ ولذلك قال الله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّا﴾.
إثبات صفة الكلام لله تعالى، وذلك في قوله: ﴿وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّا﴾ فقوله ناديناه يدل على إثبات الكلام على ما يليق بالله سبحانه وتعالى.
صدق الوعد محمود، وهو من خلق النبيين والمرسلين، وضده وهو الخلف مذموم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾
إن الملائكة رسل الله بالوحي لا تتنزل على أحد من الأنبياء والرسل من البشر إلا بأمر الله تعالى. قال الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أؤكد على ما ذكرت؛ أن قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ هذا من قول جبريل، ذكره الله سبحانه؛ فبهذا يزول الإشكال؛ لأنّ بعض الناس طعن في القرآن، وقال: القرآن ينادي بنفسه على أن فيه ما ليس من كلام الله؛ فيستدلون بمثل هذه الآية، وبقوله في سورة الأنعام: ﴿وَمَآ أَنَا۠ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ ﵝالأنعام الآية ﵔﵐﵑﵜ لا يمكن أن يقوله الله سبحانه وتعالى ابتداء. نعم، الله ذكره، لكن من الذي يقول: وما أنا عليكم بحفيظ؟ أي: كأن الله يقول للرسول: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: H4.
ففي آيات مثل هذا حتى ولو لم ترد كلمة ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، أو أن القائل فلان؛ فإنّها تنصرف إليه بقرينة السياق، ولا يكون ثمة إشكال. والحمد لله رب العالمين.
تعليق الشيخ محمد حفظه الله:
قال الله سبحانه: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾
بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى قول جبريل: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أتبع الله ذلك بذكر بعض أوصافه.
فقال ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ فهو سبحانه رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ﴾. ربهما: خالقهما ومالكهما ومدبرهما، كما قالوا هنا: خالق السماوات، وخالق الأرض، ومالكهما ومدبر أمرهما، وخالق ما بينهما، ومالكه ومدبره سبحانه وتعالى.
﴿فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ﴾ اعبده واصطبر، داوم على عبادة الله سبحانه وتعالى، واستمر عليها.
فقال: H0، وهذا فيه أن العبد يطلب منه أن يعبد الله، وأن يستمر على العبادة؛ ولذلك بعضهم قال: الاصطبار هنا تعدَّى باللام، وتضمن معنى الثبات؛ فمعناه: واثبت لعبادته، اثبت لعبادة الله؛ فعبادة الله تحتاج إلى ثبات.
وأنت إذا تأملت هذه الآية مع ما جاء بعد ذلك: ﵣوأمر أهلك بٱلصّلوة ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَٱلْعَـٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ ﵝطه الآية ﵒﵓﵑﵜ فالعبادة تحتاج إلى اصطبار، والدعوة تحتاج إلى اصطبار، كما تقدم في حق إسماعيل: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا﴾.
قال: ﴿فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ﴾ فالمسلم المؤمن ينبغي عليه أن يعبد الله، وأن يداوم على العبادة، وأن يثبت عليها ﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ ﵝالحجر الآية ﵙﵙﵜ.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ هنا هذا الاستفهام معناه: النفي، يعني: لا تعلم له سميا. وفيه معنى: التحدي والإعجاز. والمعنى: لا تعلم له سميا.
H1؟ ومن المعلوم أنه لا مسامي لله، ولا كفء لله، ولا مماثل لله.
قال: H2؟ ما معنى سميا؟
المعنى الأول: قالوا: ليس له مثيل ولا نظير. إذًا معنى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ يعني: لا تعلم له مساميا مماثلا، كما قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ ﵝالشّورى الآية ﵑﵑﵜ.
والمعنى الثاني: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾، أي: أحداً تسمى باسمه الله؛ فمع أن هؤلاء عبدوا آلهة لا ﴿تَكَادُ﴾ تحصى كثرة، إلا أنهم ما سموا واحداً منهم بـH3، سموا أسماء ينسبونها إلى الله عز وجل، نحتوا لها أسماء مغايرة؛ كاللات والعزى، وما إلى ذلك. أمّا الله فهو خاص بالله سبحانه وتعالى.
والمعنى الأول أشهر ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ يعني: لا تعلم له مساميا أو مماثلا.
ذكر بعض العلماء أن هذه الآية الكريمة دلت على أنواع أو أقسام التوحيد الثلاثة؛ قالوا:
﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ هذا في إثبات ربوبية الله.
﴿فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ﴾ هذا فيه إثبات إلهية الله ووحدانيته.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ فيه إثبات صفات الله على الوجه اللائق بالله؛ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ ﵝالشّورى الآية ﵑﵑﵜ.
قال: ﵣويقول ٱلإنسن ﴿وَيَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾ ٦٦ أولا يذكر ٱلإنسن أنّا خلقنه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾ ﵝمريم من الآية ﵖﵖ إلى الآية ﵗﵖﵜ
إن السورة انتقلت بنا إلى أصل آخر من الأصول المقررة، والتي يكثر ذكرها في السور المكية، فبعد أن حدثتنا بإيجاز عن توحيد الله سبحانه وبعض صفات الله، انتقلت بنا إلى الرد على منكر البعث،﴿وَيَقُولُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ويقول الكافر المنكر للبعث، إذًا ما المراد بالإنسان؟ من هذا الإنسان؟
الإنسان الكافر، هو الذي يقول ذلك، الإنسان الكافر المنكر للبعث يقول استهزاء: ﴿أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ قولهم: H4 فيه معنى هذا الاستفهام ﴿أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ يقولها على سبيل الاستهزاء والسخرية.
فأجاب الله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾ ٦٧ﵢ يعني: كان عدمًا، كما قال الله: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْـًٔا مَّذْكُورًا﴾ ﵝالإنسان الآية ﵑﵜ هنا قالوا في التفسير: أولا يتذكر هذا المنكر للبعث ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾، ولم يك شيئًا.
فيستدل بالخلق الأول على الخلق الثاني، مع أنَّ الخلق الثاني أسهل وأيسر.
إذًا قوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾ رد على هذا المنكر، يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المنكر، لم تنكر البعث؟ أنسيت أصلك؟ أنت خلقت بعد أن كنت عدمًا، فالذي خلقك من عدم قادر على إعادتك بعد خلقك.
بل إن الأمر كما قال الله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ﵝالرّوم الآية ﵗﵒﵜ وكما قال ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ ﵝالأعراف الآية ﵙﵒﵜ.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾ والذي خلقك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، ولم تك شيئًا قادر على كل شيء، كما تقدم معنا في قول: ﴿أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلًا﴾ ﵝالكهف الآية ﵗﵓﵜ.
قال: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾ القراءة الأخرى "أولا يذّكر الإنسان ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾ ولم يك شيئًا"؛ فيذّكر معناها: يتذكر. وهنا H5، وهناك فرق:
H6 من التذكر؛ بمعنى: التفكر والتأمل، H7 في مقابلة النسيان.
هنا في التفسير قالوا: أولا يتذكر؛ فهو أقرب إلى تفسير القراءة الأخرى. لكن لأنّ بينهما تلازما؛ فأدخل بعضهم هذا في ذاك. وإلا فالأصل أن الذكر في مقابلة النسيان، وأما التذكر؛ أولاً يتذكر هذا معناه: تذكر الشيء، معناه استحضار؛ ويدخل فيه: معنى التفكر. تذكر: تفكر، وتأمل، وما إلى ذلك.
H8 H9 وهنا قد يرد إشكال؛ الإنسان لا يذكر هذا، من أين يذكره؟ يعني ربنا سبحانه وتعالى ينكر عليهم: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْـًٔا﴾ والإنسان لا يذكر هذا.
فيقال: المراد بذلك: مراجعة العقل؛ بأن يراجع، أنت كيف ولدت؟ وكيف ولد أبوك؟ وكيف ولد جدك؟ فلا بد أن تقول: إنك كنت عدما، وتعترف بذلك، فكأنّ هذا عودة بالعقل إلى أن يعقل؛ فإذا عقل عن الله علم أن البعث حق، وذلك أن إنكاره للبعث أتاه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ العقل، فردّه القرآن إلى العقل، اعقل كيف كنت؟ كنت عدمًا؛ ولذلك قال الله: ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ أَمْ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ ﵝالطّور من الآية ﵕﵓ إلى الآية ﵖﵓﵜ.
قال الله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ ٦٨ﵢ فوربك؛ أي:
فوربك؛ وهي ربوبية خاصة، هذا من إكرام الله لنبيه صلى الله عليه وسلم، لنحشرنهم؛ أي: لنخرجنهم من قبورهم إلى المحشر، والشياطين؛ مصحوبين بشياطينهم، والشياطين: هم ومعهم الشياطين.
وهذا من باب الإذلال لهم؛ لأنّ المقرون بالشيطان لا شك أنه ذليل، كما أن الشيطان ذليل، ولا شك أنه بلغ في الفساد المنتهى، بل في الإفساد، كما أن الشيطان بلغ في الإفساد المنتهى؛ فلذلك قال: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ﴾.
سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إن الواو عاطفة، أو إنها وأو المعية؛ ولذلك كما ذكر ابن هشام إنه ليست هناك آية في القرآن الكريم يتعين فيها وأو المعية؛ لا نستطيع الجزم بأن نقول: إن هنا الواو وأو المعية، لكن مما تحتمله بعض الآيات. وهذا أحدها. فالواو تحتمل أنها وأو المعية، وتحتمل أنها الواو العاطفة. فهذا وذاك جائز في هذا المقام، وعلى هذا ينزل كلام ابن هشام رحمة الله تعالى.
قال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَٱلشَّيَـٰطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ لنحضرنهم؛ لنسوقنهم إلى أبواب جهنم أذلاء باركين على ركبهم. نسأل الله السلامة.
﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ باركين على الركب. نسأل الله السلامة. وتقدم معنا في سورة الجاثية ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ ﵝالجاثية الآية ﵘﵒﵜ.
قال الله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيًّا﴾ ٦٩ﵢ لنجذبن بشدة وعنف، هذا معنى H0، H1 من كل طائفة من طوائف الضلال.
﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵙﵖﵜ يعني: أيهم أشد عصيانا؛ وهم قادته. والمعنى: نبدأ بالقادة، ليس المعنى أنه لن يعذب إلا القادة، وإنما سيعذب القادة، ويعذب التابعون لهم، يبدأ بهم، يبدأ برؤسائهم، يبدأ بالمتبوعين؛ لأنهم كانوا في الدنيا يتبعونهم، فكما كانوا يتبعونهم وكانوا مقدمين عليهم، فإنّ الله يبدأ بهم في التعذيب.
والمعنى: البدء بهم في التعذيب؛ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ ۖ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ﴾ ﵝهود الآية ﵘﵙﵜ.
قال: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا﴾ قالوا: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا﴾ أحق بدخول النار، ومقاساة حرها ومعاناتها.
تقدم معنا أن معنى: H2، ليس يدخل فقط، وإنما يدخل النار، ويقاسي حرها؛ فقوله سبحانه: ﴿بالذين هم أو لى بها صليّٗا﴾ يعني: أولى بها دخولا، ومقاساة لحرها، واحتراقا بها.
وقد ذكر بعضهم: أن التعبير بقول: ﴿لَنَحْنُ أَعْلَمُ﴾ المراد: ليس إثبات العلم فقط؛ فالله أعلم.
ولكن المراد: وأننا سنصليهم؛ فالمراد هنا: إثبات العلم، وإثبات إصلاء هؤلاء، ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمْ أَوْلَىٰ بِهَا صِلِيًّا﴾ وسنصليهم.
ثم قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾
﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قالوا: وما منكم - ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس - أحد إلا سيعبر فوق الصراط المضروب على متن جهنم. نسأل الله السلامة.
"وإن منكم" هذا الخطاب لمن؟ قال بعضهم: لجميع الناس، إذًا وإن منكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الناس. وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين.
فجمهور المفسرين يرون: أن الخطاب للجميع، إذًا ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ للجميع دون أن يخص بذلك طائفة، كأن يقال: الخطاب لهؤلاء؛ أي: لهؤلاء العتاة، أو لهؤلاء الكفار. فالخطاب لجميع الناس؛ قالوا بدليل قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟﴾ إذًا هو عام، ثم بعد ذلك استثنى الله المتقين.
﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ اختلف المفسرون في معنى قوله: H3:
فقال بعضهم: كما قالوا هنا في التفسير: إلا سيعبر فوق الصراط المضروب على متن جهنم، إذًا ما معنى H4؟ يعني: إلا مار عليها؛ فالمراد به: المرور على الصراط.
ثم فسر الله، فقال: H5، والمعنى: فيلقى أهل النار في النار، وينجي الله المتقين، فيمرون على الصراط، ويجتازونه بفضل الله بحسب الأعمال، كل يسير عليه وفق عمله، كما دلت على ذلك الأحاديث الثابتة عنه عليه الصلاة والسلام. إذًا هذا قول في معنى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فتبقى الآية على عمومها.
ومن أهل التفسير من قال: بل إن المراد بالورود: الدخول.
وهذا قال به كثير من أهل التفسير؛ قالوا لأنّ هذا هو المعنى الأغلب في كلمة H6 في القرآن الكريم.
فكلمة الورود في القرآن تأتي بمعنى: الدخول، وليس المرور فقط؛ ولذلك تقدم معنا منذ قريب: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُۥ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ﴾ ﵝهود الآية ﵘﵙﵜ ما معنى فأوردهم؟ أدخلهم النار.
فقالوا: الورود يأتي بمعنى ذلك. ويشهد لذلك حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما ذكر كما في صحيح مسلم، من حديث أم مبشر أن النبي – صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يدخل أحد من أهل الحديبية النار. فقالت حفصة - رضي الله عنها - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فماذا عن قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ - أمنا حفصة - رضي الله عنها – تستشكل؛ تقول: الرسول - صلى الله عليه وسلم – يقول: لا يدخل أحد النار من أهل الحديبية، كيف؟ والله يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ - فقال: أليس الله قد قال بعد: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾.
فأجاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأن تتمة الآية تبين النجاة، ولم يمنع فهمها الذي فهمته حينما فهمت معنى الدخول؛ لأنّ الحديث فيه لا يدخل، لم يقل: والورود شيء غير الدخول؛ فبهذا قال كثير من أهل التفسير.
حينئذٍ سيرد الإشكال؛ وهو وكيف يدخل الجميع النار؟ وكيف يدخل أهل الإيمان والتقوى النار؟
فأجاب العلماء عن ذلك، قالوا: إن دخول المؤمنين النار هنا المراد به: دخول بلا عذاب، كما كان في الدنيا على إبراهيم بردا وسلامًا، فإنّ المؤمنين يدخلون النار، بيد أنها لا تكون عذاباً عليهم، لا تكون دار عذاب، وإنما يسلمهم الله عز وجل من عذابها.
وهناك من رام الجمع بين القولين، كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمة الله، وكذا غيره من أهل العلم، وقالوا: إن الصراط متن على ظهر جهنم؛ فمن مر عليه هو بمثابة الداخل في النار؛ وبناء عليه فلا إشكال حينئذٍ. والعلم عند الله تبارك وتعالى.
لكن ذكر بعض العلماء؛ كالرازي وغيره: فوائد جمة لتفسير H7 بمعنى الدخول.
قالوا: هذا هو المشهور في المعنى التفسيري، ثم إن هذا له فوائد:
أن يدخل المؤمنون ظاهرًا النار، ويشترك معهم في ذلك الكفار، ثم يخرج هؤلاء، ويبقى هؤلاء؛ فهذا أشد حسرة على الكافرين، وأشد نعيما للمؤمنين؛ أنك وقد عاينت موضع العذاب لا تعذب به، وتنجو منه، وأن الآخر يراك، وقد ظن أنك ستكون معه، تفارقه وتتركه، ولا يزال هو في هذه الدار خالدا مخلدا. نسأل الله السلامة.
فقالوا: هذا فيه إكرام لأهل الإيمان، وفيه إذلال لأهل الكفر، حينما يقيمون، ويمكثون، ويبقون ﴿فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ﴾. نسأل الله السلامة. على كلٍ القولان مشهوران عند أهل التفسير.
قال الله: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ تأمل التعبير: ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ قالوا: هذا بمثابة القسم ﴿كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ قضى الله عز وجل به.
وبهذا يفهم حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - أيضًا الذي جاء في الصحيح عنه: "لا يموت لرجل ثلاثة من الولد فيدخل النار إلا تحلة القسم "؛ فقوله: H8، ما معنى H9؟
قالوا: ما جاء في قوله: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾.
وتأمل أيضًا: H10 هذا يشهد لهذا المعنى. والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ولعله يشهد، والعلم عند الله، قوله أيضًا: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى﴾ وأنّها مرحلة تعقب الورود.
قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ وما أجمل هذه النجاة! وما أجمل هذه النجاة!
﴿ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ولذلك من يقرأ سيرة السلف الصالح يجد أن هاتين الآيتين ﵣوإن مّنكم إلّا واردها ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟ وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٧١ ثمّ ننجّي ٱلّذين ٱتّقوا وّ نذر ﴿ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ أبكت عددا كبيرا من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان.
ورد عن عدد كبير منهم، بل بعضهم كان يتلو الآيات وهو في حجر امرأته، كان مضجعا، فلما جاءت الآيات بكى بكاء شديداً.
وبعضهم ما كان يستطيع تجاوزها؛ وذلك أن الآيتين عظيمتان وجليلتان. والعبد إذا تذكرهما علم شدة الأهوال التي يلقاها الناس يوم القيامة. وأن المسلّم من سلمه الله. نسأل الله أن يسلمنا.
﴿ثُمَّ نُنَجِّى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوا۟﴾ تأمل: H0، والآيات السابقة: ﴿لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَـٰمًا ۖ وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾
﴿وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ نسأل الله السلامة. ﴿وَّنَذَرُ ٱلظَّـٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ قالوا: باركين على ركبهم، لا يستطيعون الفرار منها.
ثم قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾
انتقلت بنا الآيات لبيان حالهم مع القرآن، فهم كما ينكرون البعث يسخرون من القرآن، ومن تالي القرآن، ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ أي فريقينا؟ نحن أم أنتم؟ ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾، خير مقاما؛ أي: إقامة ومسكناً، وأحسن نديا؛ أي: مجلسا ومجتمعا، فريقنا أم فريقكم؟
إنهم يقيسون الأمور بالدنيا، فيظنون أنهم لأنّ الله قد أعطاهم ووسع عليهم، إذًا فالله يحبهم ويكرمهم، والمؤمنون فقراء وضعفاء، إذًا هم دونهم في المكانة.
هذا هو المراد، والمعنى: أنهم يتباهون على أهل الإيمان بما أوتوا في الدنيا، ولا يعلمون أن هذا على سبيل الاستدراج؛ لأنه غابت عنهم سنة الله في خلقه.
وقوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ما الفرق بين المقام والندي؟
قال بعضهم: المقام؛ هو مسكن الإنسان في خاصته، فمسكنك الذي يؤويك ويؤوي أهلك هذا هو المقام.
وأما قوله: H1 مجلسك في اجتماعك مع غيرك؛ فالاجتماع مع الغير نديا. وأما في بيتك فهذا مقام.
قال: ﴿خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ فرد الله سبحانه وتعالى عليهم بهذا الرد، واسمع جميل ما رد به الرب سبحانه وتعالى على أولئك.
الرد جاء من جهاتين، تأمل: ربنا يذكر شبهتهم حينما يقولون ﴿أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ نحن أم أنتم؟ لو كنتم أحسن منا، فلماذا لا يعطيكم الله مثلنا وأفضل منا، لماذا أنتم فقراء ونحن أغنياء؟ أنتم على الباطل؛ لو كنتم ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ لأعطاكم الله، ولأغناكم.
فأجاب الله سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَـٰثًا وَرِءْيًا﴾ تأملوا في التاريخ، تأملوا من ملكوا الدنيا بأسرها، أين ذهبوا؟ أما لكم فيهم عبرة وعظة؟ هل كان مكثهم فيها، وهل كان غناهم فيها دالا على حب الله لهم؟ لو كان كذلك فلم أهلكهم؟ ولم استأصلهم؟ ولم أبادهم؟
انظروا: H2؛ كثيرًا H3، هم أحسن أموالاً، وأحسن منظرا.
أحسن أثاثا؛ أموالاً أو متاعا، وأحسن رءيا؛ أي: في المنظر؛ كانوا أحسن في المنظر وفي المتاع وفي الأثاث، أين هم؟ أهلكهم الله سبحانه وتعالى.
وما أكثر الأمم التي أهلكناها قبل هؤلاء الكفار المفتخرين بما هم فيه من تفوق مادي، هي أحسن منهم أموالاً، وأحسن منظرًا؛ لنفاسة ثيابهم، وتنعم أبدانهم؛ فهؤلاء أحسن منهم، يعني إذا قارنوا أنفسهم، فالسابقون أكثر.
ثم جاء الرد الثاني: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾
ما معنى هذا الكلام؟ رب العزة يعلّم نبيه - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله، باهلهم. هذا قول.
بعض العلماء يرى: أن الآية هذه على سبيل المباهلة؛ بمعنى: أنتم ترون أنكم أفضل، وأنكم على الهدى، وأن محمدا على الضلال، تعالوا باهلوا؛ نبتهل ﴿قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ يزده في الضلالة، ثم بعد ذلك يأتيه العذاب. وكانوا يخشون من ذلك مع رسول الله، لا يجرؤ أحد على المباهلة مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
إذًا أنتم في قرارة أنفسكم تعرفون أفن عقولكم، تعرفون خبث مذاهبكم، وتعرفون فساد اعتقادكم، فلِمَ تتكلمون بما تتكلمون به؟ هذا من جهة.
الجهة الثانية: أن الآية ليست على سبيل المباهلة، وإنمّا على سبيل الأخبار؛ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم: H4، والمعنى: يا رسول الله، رد عليهم، وقل لهم: هناك سنة لله في خلقه؛ وهي سنة الاستدراج؛ فلا ينبغي أن تغفلوها.
إذًا على الأول، المراد به: المباهلة؛ فيكون قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا﴾ على سبيل الدعاء.
وعلى الثاني أن المراد بذلك: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم: H5، والمعنى: سيمدد له الرحمن مدا، سيمهله، كما قال الله ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا﴾ ﵝآل عمران الآية ﵘﵗﵑﵜ. إذًا معناه سنة الاستدراج، H6 ﴿وَأُمْلِى لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ ﵝالأعراف الآية ﵓﵘﵑﵜ.
﴿قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ فتأمل قولهم: من كان يتخبط في ضلالة فسيمهله الرحمن حتى يزداد ضلالا ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ﴾ أي: من العذاب، عاينوه؛ إمّا العذاب العاجل، وإما الساعة؛ إما عذاب الدنيا، وإما عذاب الآخرة.
﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ أنتم في الدنيا كنتم تقولون: ﴿أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾؟ ستعلمون عند مجيء العذاب، مَنْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا فما هي إلا أيام، بل ما هي إلا ساعات، وهي تسير سيرا حثيثا شديدا، وإنما هي سنة الله في خلقه.
ثم قال الله: ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًى ۗ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾ في المقابل يمهل الله أولئك الطغاة، أولئك الكافرين، وماذا عن أهل الإيمان؟
يزيدهم الله هداية ويزيدهم الله ثوابا.
تأمل. فإذا كان الله يملي للذين كفروا؛ ليزدادوا إثما، فإنه يؤخر المؤمنين، ويبتلون؛ ليزدادوا أجرًا.
ولذلك جاء في الحديث: "خيركم من طال عمره وحسن عمله"، فالمؤمن يزداد ابتلاءً، ويزداد ثواباً عند الله سبحانه وتعالى.
قال: ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًى ۗ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾؛ أي: وخير عاقبة. وقد تقدم تفسير H7 قريباً في سورة الكهف.
من فوائد الآيات:
على المؤمنين الاشتغال بما أمروا به، والاستمرار عليه في حدود المستطاع.
ورود جميع الخلائق على النار؛ أي: المرور على الصراط لا الدخول في النار، أمر واقع لا محالة.
أن معايير الدين ومفاهيمه الصحيحة تختلف عن تصورات الجهلة والعوام.
من كان غارقا في الضلالة متأصلا في الكفر يتركه الله في طغيان جهله وكفره؛ حتى يطول اغتراره؛ فيكون ذلك أشد لعقابه.
يثبت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم توفيقا ونصرة، وينزل من الآيات ما يكون سببًا لزيادة اليقين؛ مجازاة لهم.
تعليق الشيخ حفظه الله على فوائد الآيات:
على المؤمنين الاشتغال بما أمروا به، والاستمرار عليه في حدود المستطاع. قال الله سبحانه: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾
ورود جميع الخلائق على النار؛ أي: المرور على الصراط لا الدخول في النار، أمر واقع. قال ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ ومن قال من المفسرين: بالدخول في النار، فكما تقدم، فإنّها لا تكون دار تعذيب لهم حينئذٍ، وأن هذا الدخول لا تعذيب معه، ويسلمهم الله.
أن معايير الدين ومفاهيمه الصحيحة تختلف عن تصورات الجهلة والعوام؛ فهم يقولون ﴿أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ لكن الأمر كما بين الله سبحانه: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَـٰثًا وَرِءْيًا﴾
من كان غارقا في الضلالة متأصلا في الكفر يتركه الله في طغيان جهله وكفره؛ حتى يطول اغتراره، فيكون ذلك أشد لعقابه ﴿قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾.
يثبت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم توفيقا ونصرة، وينزل من الآيات ما يكون سببًا في زيادة اليقين؛ مجازاة لهم. قال الله: ﴿يَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًى ۗ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَّرَدًّا﴾
تعليق الشيخ محمد حفظه الله تعالى:
قال الله سبحانه: ﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ ﴿أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾
الآيات السابقة في قول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُنَا بَيِّنَـٰتٍ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَىُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ٧٣ﵢ بينت لنا سوء تصور الكفار، سوء تصورهم في هذه الحياة، وأنهم يقيسون قياسا فاسدا.
وكذلك جاءت هذه الآيات الكريمة؛ لتقرر هذا المعنى من فرد من أفرادهم، وصنديد من صناديدهم. ويدل على ذلك: سبب نزول هذه الآيات الكريمة؛ إذ نزلت في حق H0 حين جاءه H1 - رضي الله عنه - وهو يطلب أجره وحقه الذي له عند العاص، فأبى أن يعطيه إياه، وقال له: حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فقال له: إني لا أكفر حتى تموت ثم يبعثك الله، فقال: أويبعثني الله؟ إذا كان سيبعثني فهناك قاضني عنده، أو كما قال: قاضني عند الله يوم القيامة؛ فأنزل الله قوله: ﴿ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ وهو يرى أن الله كما أعطاه في الدنيا فسيعطيه في الآخرة.
وترى - ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم - أن هذا قريب مما ذكر الله عز وجل في فتنة المال في سورة الكهف؛ في قول صاحب الجنتين: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِۦٓ أَبَدًا وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ ﵝالكهف من الآية ﵕﵓ إلى الآية ﵖﵓﵜ وهذا كفر بآيات الله.
﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قال: وقال: إن مت وبعثت لأعطينّ مالا كثيرًا، وأولادا، من باب ماذا؟ من باب قياس الغيب على الشهادة، فهو يقيس الآخرة على الدنيا، وهذا خطأ وباطل؛ فلذلك جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تقرر أن مقياس الآخرة يختلف عن مقياسه.
وقد توهم بعض الكافرين أن الله لما أعطاهم في الدنيا فإنه سيعطيهم في الآخرة، وكما تنعموا في الدنيا فإنهم سيتنعمون في الآخرة. وهذا محض خطأ؛ لأنّ الله يعطى الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، وأما الآخرة فكما قال الله: ﴿وَٱلْءَاخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﵝالزّخرف الآية ﵕﵓﵜ
فرد الله عز وجل عليه منكرا موبخا: ﴿أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾ أصل الكلمة H2 بهمزة الوصل فلما دخلت عليه همزة الاستفهام حذفت؛ فصارت: H3.
﴿أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾ ما معنى أطلع الغيب؟ يعني أعلم الغيب؟ فقال ما قال عن بينة، بمعنى: الذي يطلع على الغيب يصير الغيب عنده شهادة؛ فهو يتكلم ببينة.
فلذلك قال: H4 أعنده بينة؟ فهو يحكم بها بأن الله سيعطيه في الآخرة المال والولد والجنة، وسينعمه ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾ هل معه عهد أن الله سيدخله الجنة؟ لا هذا، ولا ذاك، لا رأى الآخرة، وليس لديه عهد.
قال: ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا﴾ والتعبير بقوله: H5 جاء ذكره بعد ذلك في قوله: ﴿لَّا يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْدًا﴾.
وهذا فيه أن هناك عهدا بيّن الله - سبحانه وتعالى - أنه عهد حق؛ وهو أن الله عهد للمؤمنين أن يدخلهم الجنة، فهذا عهد الله إلى خلقه، وأي عهد آخر ادعوه فلا حجة فيه؛ لأنه مزعوم، كما قال الله: ﵣ أم ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﵝالبقرة الآية ﵐﵘﵜ.
قال سبحانه: ﴿كَلَّا ۚ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا﴾ ٧٩ ﵝمريم الآية ﵙﵗﵜ.
ليس الأمر كما زعم سنكتب ما يقوله وما يعمله ﴿وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا﴾.
وتأمل قوله: H6؛ كقوله: H7 هذا فيه تهديد شديد، H8 ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ ﵝالقمر الآية ﵓﵕﵜ مكتوب ﴿أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ ﵝالمجادلة الآية ﵖﵜ
﴿وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا﴾ هو من عين قوله: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِى ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدًّا ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوْا۟ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلْعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾ هذا من عين ذاك؛ فالآية السابقة بينت أن الله قد يمهل الظالمين، ويمهل الكافرين، وكذلك جاءت هذه الآية ﴿وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا﴾ ونمد له من العذاب، هنا فسروا: بأنه الآخرة؛ فقالوا: ونزيده عذابا فوق عذابه؛ لما يدعيه من الباطل. وهذا من جنس ذاك؛ لأنه إذا زاد في غيه في الدنيا، ازداد عذاباً أيضًا في الآخرة.
﴿وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ قالوا: ونرث ما تركه من مال وولد بعد إهلاكنا له؛ لأنّ الله سبحانه هو خير الوارثين، ويرثه ما يقول.
وبعض العلماء يفسر ونرثه ما يقول، والمعنى: نرث قوله؛ بأن يأتي قوله حجة عليه يوم القيامة، والمعنى: أنه يحاسب على هذا القول؛ فهذا القول باقٍ معه يحاسب عليه.
﴿وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ وأيضا، قد يقول قائل H9، ما تفسير ما يقول؟ ما الذي قاله؟ ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ فالذي قاله: H10، ورثه الله، ولم يرثه هو.
﴿وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ ويشهد لهذا المعنى الذي ذكروه، وهو الأشهر أن قوله بعد H11 فلا مال معه ولا ولد.