سورة مريم — الجزء 2
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
وهذا فيه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يجيب الصحب الكرام عما وقع فيه إشكال لديهم؛ فهذا من التفسير النبوي بما أشكل على بعض الصحابة رضي الله عنه عنهم.
وقد أجاب بعض العلماء بأجوبة أخرى، وجواب الرسول صلى الله عليه وسلم هو الجواب الكافي والشافي.
يا أخت هارون، وتأمل قولهم هنا في المختصر: يا شبيهة هارون، هذا فيه أنه يطلق على الشبيه أخ، وهذا له نظائر في القرآن الكريم:
قال الله: ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنْ ءَايَةٍ إِلَّا هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ۖ وَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الزخرف: 48) ﵝالزّخرف : ﵘﵔﵜ فالأخت هنا الشبيهة.
وقوله: ﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا۟ إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ ۖ وَكَانَ ٱلشَّيْطَـٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورًا﴾ (الإسراء: 27) ﵝالإسراء : ﵗﵒﵜ هذه الإخوة في المشابهة.
إذًا يطلق الأخ على الشبيه؛ فصح هنا أن يقال: يا أخت هارون، يا شبيهة هارون الرجل الصالح، كان معروفا بالصلاح، وهي معروفة بالصلاح؛ لأنَّها خالصة للعبودية، للتعبد لله سبحانه وتعالى.
H0 ما كان أبوك زانيا، وما كانت أمك بغية، وما كانت أمك زانية، فأنت من بيت طاهر معروف بالصلاح؛ فكيف تأتين بولد من غير أب؟
هذا السؤال في قولهم: ﴿يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، هذا الأسلوب إمّا أن يراد به التعجب؛ يعني: أنهم تعجبوا، أنت من بيت طاهر ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، وأنت معروفة بالعبادة، فكيف يصدر منك هذا؟
أو أن هذا جاء في معرض التوبيخ والتقريع؛ فلذلك قال بعضهم: من باب التعجب، أو من باب التوبيخ والتقريع.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (مريم: 29) فأشارت إليه؛ أشارت إلى عيسى عليه السلام؛ ليجيبهم، وليرد عليهم.
وقد ذكر بعضهم أن الله سبحانه وتعالى أمرها بالصوم عن الكلام؛ لأنّ رد عيسى عليه السلام سيكون أقطع للخصومة، لأنَّها إذا ردت وقالت لن تصدق؛ فالمقام مقام استغراب، وهم لا يعلمون أن ولدا يأتي بدون أب؛ فكيف تستطيع الجواب؟
فدلها الله على الجواب الشافي؛ أي: اتركي الرد عن نفسك بنفسك، وليتولّ الرد عنك ولدك، ورده عجيب؛ فما يجيء منه يدل على أن بدايته عجب، حينئذٍ يكون هذا دليلًا على صدقها.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (مريم: 29) قالوا متعجبين: كيف نكلم صبيا وهو في المهد؟ وهنا السؤال عن الحال، والمراد به نفيه؛ نفي هذا الحال، كيف يقع هذا؟ وكيف يكون هناك سؤال لهذا الذي هو في المهد صبيا وهو طفل رضيع؟
فأجاب عيسى عليه السلام ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ﴾ وقوله: إني عبد الله يدل دلالة واضحة وبينة على حقيقة عيسى عليه السلام، فهو عبدٌ لله، وليس ابنًا للإله، ليس ابنًا لله، ولا هو بإله، وإنما هو عبد الله، كما صرح بنفسه.
﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ آتاني الكتاب، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: الكتاب هنا؛ بمعنى: الإنجيل.
وتقدم تنبيه على ذلك قريباً؛ فكن على ذكر له.
وقوله: آتاني الكتاب على قول كثيرين معناها: سيؤتيني الكتاب؛ فهو أخبر بالماضي بمعنى المستقبل؛ لتحقق وقوعه؛ لأنه لم يؤت الإنجيل وهو في المهد، وإنما أوتيه بعد ذلك، حتى ولو قيل: إنه أوتيه وهو شاب؛ لأنّ عيسى عليه السلام رفعه الله إليه، كما هو معلوم، لكن أيضًا ليس وهو صبي؛ فلذلك قالوا بمعنى سيؤتيني، وهذا قال به جمهور المفسرين.
H1؛ أي: وسيجعلني نبيا عند الاكثرين أيضًا.
﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ٣١ ﵝمريم الآية ﵑﵓﵜ
﴿وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا﴾ قالوا: وجعلني مباركا كثير النفع للعباد، إذًا ما معنى المبارك؟ رجل مبارك؛ أي: كثير النفع للعباد، فيقال: فلان مبارك، إذا كان كثير النفع للعباد.
﴿أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ هذا فيه أن الصلاة والزكاة شريعتان سابقتان، وأن الأنبياء والمرسلين كانوا يحرصون على أدائهما، وعلى الدعوة إليهما.
وسيأتينا بعد ذلك في قصة إسماعيل عليه السلام ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا﴾ وقوله هنا: H2 الأقرب أنها الزكاة المعروفة؛ وهي الزكاة التي تتعلق بالمال، وإلاّ بعضهم قال: الزكاة؛ أي: الطهارة من الذنوب ما دمت حيا؛ في مدة حيأتي.
﴿وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى﴾ هذا في فضل بر الوالدين؛ كما تقدم.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ ولم يجعلني جبارًا شقيًا.
﴿وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ فذكر المواطن الثلاثة التي تقدم ذكرها في قصة يحيى عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّها مقامات فيها وحشة.
قال: ﴿وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ وقد ذكر بعضهم في هذه الآية: أن الله ذكر هنا هذه الآية بأسلوب التعريف ﴿وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ﴾ وأما هناك قال: H3:
قالوا: لأنّ السلام هناك جاء من الله، وأما هنا فجاء من عيسى، وسلام الله وإن كان منكّرا فهو عظيم؛ لأنّ قليل الله كثير.
وأما السلام هنا فجاء معرفا، وقال بعضهم: بل إن قوله: والسلام؛ أي: والسلام كما سلم الله على يحيى عليه السلام؛ فكان معهودا.
والعلماء لهم في ذلك كلام، وهذا مما يذكرونه في توجيه متشابه النظم القرآني، والكلام فيه كثير، وهو مبني في أغلبه على الاجتهاد، كما هو معلوم.
قال: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ذلك الموصوف بتلك الصفات هو عيسى ابن مريم، وهذا الكلام هو قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ.
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ هذه هي الحقيقة التي ينبغي ﴿إِلَّا﴾ تغيب عن عبد من العباد ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَـٰنَهُۥٓ ۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ولذلك في السورة الأخرى التي هي نظيرة لسورة مريم؛ وهي سورة آل عمران فيها قوله سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ﵝآل عمران الآية ﵙﵕﵜ
﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ۚ هَـٰذَا صِرَٰطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ ٣٦ قالوا: هذا الذي ذكرته لكم هو الطريق المستقيم الموصل إلى مرضات الله سبحانه وتعالى.
﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٣٧ﵢ
الأحزاب الفرق المختلفة؛ بعضهم يقول من فرق النصارى، وبعضهم يقول من فرق اليهود والنصارى.
وهنا اختاروا العموم؛ لذلك قالوا هنا: المختلفون في شأن عيسى عليه السلام؛ فصاروا أحزابا متفرقين من بين قومه، فآمن به بعضهم، وقالوا هو رسول، وكفر به آخرون؛ كاليهود، كما غلا فيه طوائف، فقال بعضهم: هو الله معاذ الله، وقال آخرون: هو ابن الله تعالى الله عن ذلك، فويل للمختلفين في شأنه.
وهذا معنى قوله ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من شهود يوم عظيم؛ بما فيه من مشاهد وحساب وعقاب.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ هذا أسلوب التعجب، أسمع بهم وأبصر، تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ H4.
هنا قال: أسمع بهم وأبصر، ما معنى أسمع بهم وأبصر؟ يعني: ما أشد سماعهم، وما أشد بصرهم أو أبصارهم؛ فهو من صيغة H0 ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وتقدم معنا الجمع بين هذه الآيات والآيات التي تنفي عنهم السمع والبصر ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ ﵝالإسراء الآية ﵗﵙﵜ فمقامات الآخرة متعددة، قال: ﴿لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍ﴾ هم في ضلال؛ فهم لا يسمعون حقًا، ولا يبصرون، وأما في الآخرة ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ﵝق الآية ﵒﵒﵜ
تعليق الشيخ حفظه الله:
في أمر مريم عليها السلام بالسكوت عن الكلام دليل على فضيلة الصمت في بعض المواطن؛ ولذلك جاء H1.
نذر الصمت كان جائزا في شرع من قبلنا، أمّا في شرعنا فقد دلت السنة على منعه، وهذا جاء في حديث البخاري، حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قصة أبي إسرائيل، هذا الرجل الذي نذر ﴿إِلَّا﴾ يتكلم، وألا يستظل، وأن يقوم ولا يقعد، وأن يصوم؛ فH2.
أن ما أخبر به القرآن عن كيفية خلق عيسى عليه السلام هو الحق القاطع الذي لا شك فيه، وكل ما عداه من تقولات باطل لا يليق بالرسل، قال الله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ هذه مسألة واضحة وجلية لا تقبل مجاملات، ولا تقبل مداهنات، وإنما هو حق فصل؛ فالمسلم يعتز بذلك، ويؤمن بذلك، ويقر به، ويعلم أنه الحق، وأن ما سواه باطل.
في الدنيا يكون الكافر أصم وأعمى عن الحق، ولكنه سيبصر ويسمع في الآخرة، إذا رأى العذاب ولن ينفعه ذلك، قال الله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ۖ لَـٰكِنِ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾
تعليق الشيخ محمد حفظه الله:
قال الله سبحانه: ﵣوأنذرهم يوم ٱلحسرة ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ٣٩ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ ﴿نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ﵝمريم من الآية ﵙﵓ إلى الآية ﵐﵔﵜ
هاتان الآيتان جاءتا استطرادًا في هذا المقام؛ فالمقام كما ترون ذكر بعض القصص القرآني، ولذلك قبل هاتين الآيتين ذكر الله لنا قصة مريم وابنها، وبعد هاتين الآيتين ذكر الله لنا موقف إبراهيم مع والده، وهذا ما يسميه بعضهم بالاستطراد، فلما ذكر الله القيامة في قوله: H3، وقبلها قال: H4 ذكر الله لنا طرفا عن هذا المشهد فذكر أولاً ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ﴾ هذه آية، ثم ثنى فقال: ﴿أَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ثم عادت السورة إلى ذكر القصص فقال: ﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ﴾.
وتقدم أن بعضهم يفرق بين هذا الأسلوب؛ وهو الاستطراد، وحسن التخلص فيقولون في حسن التخلص: لا يعود مرة ثانية كما مضى معنا في آخر سورة الكهف، لكن هنا صارت هناك عودة إلى قصص الأنبياء والمرسلين.
﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ﴾ فيوم القيامة يسمى بيوم الحسرة، لم سمي بيوم الحسرة؟ قالوا هنا في التفسير: وأنذر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الناس يوم الندامة، إذًا الحسرة معناها: الندامة حين يندم المسيء على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الطاعة؛ إذ طويت صحف العباد، وفرغ من حسابهم، وصار كلٌ إلى ما قدم، إذًا هذا معنى يوم الحسرة، فيوم الندامة الكافر يندم؛ لأنه لم يقدم في الحياة ما ينفعه، ويوجد من المؤمنين شيء من الندم حينما يرون أن تركهم لبعض الطاعات حرمهم من بعض الخيرات ومن الحسنات والأجور.
قال: ﴿إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله سبحانه ﴿إِذْ قُضِىَ ٱلْأَمْرُ﴾ أي: إذ طويت صحف العباد، وفرغ من حسابهم، هذا معنى: H5 وقد جاء تفسير ذلك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث أبي سعيد الخدري المتفق عليه "يجاء بالموت يوم القيامة على قنطرة بين الجنة والنار في صورة كبش أملح، فيقال لأهل الجنة: هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: هو الموت، ويقال لأهل النار: هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون ينظرون، فيقولون: نعم هو الموت، فيذبح، ويقال لأهل الجنة: خلود فلا موت، ويقال لأهل النار: خلود فلا موت" فهذا يوم الحسرة؛ لأنّ الإنسان في الدنيا قد يفوته ما يفوته من متاع، لكنه يؤمل العوض، يؤمل أن يعوض ما فاته.
وأما إذا قيل لأهل النار: خلود فلا موت؛ هذه هي الحسرة الحقيقية، وهي الندامة، نسأل الله السلامة.
قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ وقال ﴿وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ﴾ ﵝالأنبياء الآية ﵙﵘﵜ سبحانه وتعالى، فمن معاني الوارث؛ أي: الباقي بعد فناء خلقه، المالك لكل شيء، كما قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلَـٰلِ وَٱلْإِكْرَامِ﴾ ﵝالرّحمن من الآية ﵖﵒ إلى الآية ﵗﵒﵜ وكما قال: ﴿شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُۥ ۚ لَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﵝالقصص الآية ﵘﵘﵜ
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ ثم عادت السورة إلى قصص الأنبياء والمرسلين، فذكرت لنا قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، واسمع يا رعاك الله فالخليل إبراهيم عليه السلام قصته لا شك أنها أسبق؛ فهو أسبق من زكريا، وأسبق من مريم، لكن قصص القرآن لا يسير على القصص الذي نعرفه نحن في حياتنا؛ من تقديم المقدم، وتأخير المؤخر بحسب الترتيب الزمني.
وإنما يذكر القرآن الكريم من القصص ما يناسب المقصد، وما يناسب الموقف؛ فيقدم هذا، ويؤخر هذا، ويقسم هذا؛ فالسورة تقرر قضية الرحمة، وهذا ظاهر في رحمة الله بزكريا وبمريم عليهما السلام.
ثم ذكرت قصة الخليل إبراهيم عليه السلام، والعجيب والعلم عند الله أن الله لما ذكر قصة الخليل إبراهيم هنا ذكر موقفا خاصا ببر الوالدين، وهو مناسب والعلم عند الله لما ذكر الله من الثناء على يحيى وعيسى؛ إذ قال في حق يحيى: H6، وقال قبلها: H7، وقال في حق عيسى مثنياً ومقرا له، فإنَّ عيسى قال، لكن الله أقره إذ قال: ﴿وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ فإذا قلت: يحيى بر بوالديه، يقال لك: نعم، وعيسى بر بوالدته؟ الجواب: نعم، ولم لا يكونان بارين بالآباء أو بالأمهات وفي حق عيسى بأمه لأنه لا أب له لم لا يكونان كذلك ولهم الأسوة الحسنة في الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع اب كافر فكيف إذا كان الأب مؤمنا بل نبيا؟ وكيف إذا كانت الأم صديقة مباركة؟ فهذا من التدرج في قصص القرآن والعلم عند الله.
قال: ﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِبْرَٰهِيمَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ واذكر في القرآن الكريم إبراهيم H8؛ فهو صديق نبي كثير الصدق عليه الصلاة والسلام، إنه كان كثير الصدق والتصديق، وتأمل قولهم: كثير الصدق والتصديق، إذًا صديق كثير الصدق وكثير التصديق، صادق ومصدق.
قال ﴿إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَـٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا﴾ يا أبت، بهذا الأسلوب اللطيف الرقيق ﴿يَـٰٓأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا﴾.
والمراد من هذا الاستفهام: إنكار الواقع؛ لأنّ أباه عبد الأصنام في حقيقة الأمر، فهو لا ينكر الوقوع، وإنما ينكر واقعًا موجودًا.
والمراد بهذا الاستفهام أيضًا: نفي السبب؛ أي: ما الذي سبّب لك أن ﴿تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ وما حجتك في هذا؟ ما برهانك؟ ما دليلك؟
﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْـًٔا﴾ استدل بعض العلماء بذلك على إثبات السمع والبصر لله؛ لأنه قال: آلهتك لا تصلح أن تكون آلهة؛ لأنَّها لا تسمع ولا تبصر، إذًا رب العباد يسمع ويبصر سبحانه وتعالى، وجاء التصريح بذلك في مواضع كثيرة؛ H0.
قال الله سبحانه ذاكراً قول الخليل إبراهيم: ﴿يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا﴾ قالوا هنا: أرشدك إلى طريق مستقيم، إذًا قوله: H1؛ هو الصراط المستقيم.
وتأمل قول الخليل أيضًا: ﴿يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ لم يقل: يا أبت ﴿يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا﴾ وأنت جاهل، إنمّا قال: H2، وكأن هناك اشتراكا بينهما، لكن إبراهيم غلب أباه في هذا الباب، وشتان شتان بين الخليل إبراهيم وما هو عليه من رسالة ونبوة وبين أبيه الذي عبد الأصنام، لكنه رفق.
﴿يَـٰٓأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَآءَنِى مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَٱتَّبِعْنِىٓ أَهْدِكَ صِرَٰطًا سَوِيًّا يَـٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ﴾ يتدرج معه في الأسلوب ﴿لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيًّا﴾ وتأمل الآية، لم يقل: إنه كان للرحمن عصيا، جاء التصريح به؛ ببيان شناعة هذا الصنيع، وأنه الشيطان، فكيف يتبع؟ وكيف يعبد؟
وفيه أن من عبد الأصنام فقد عبد الشيطان؛ لأنّ الشيطان هو الذي دلهم على تلك العبادة، ولذلك تقدم معنا في النهي عن عبادة الشيطان: H3 أنها تحتمل معنيين:
المعنى الأول: أن هناك من عبد الشيطان على وجه الحقيقة؛ فصرف العبادة للشيطان، وهذا موجود عند بعض الناس ممن يقال لهم عبدة الشيطان.
الثاني: أنه لما عبد غير الله فالذي دعاه إلى ذلك هو الشيطان؛ فهو في الحقيقة عابد للشيطان أيضًا.
﴿يَـٰٓأَبَتِ لَا تَعْبُدِ ٱلشَّيْطَـٰنَ ۖ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ عَصِيًّا﴾ ما أجملها! H4، فكيف تعبد هذا العاصي وتترك عبادة الرحمن سبحانه وتعالى؟ فهل يترك الرحمن لعبادة الشيطان؟
﴿يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّا﴾ ٤٥ قالوا هنا: ﴿يَـٰٓأَبَتِ إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّا﴾ يصيبك عذاب من الرحمن، إذاً أن يمسك، يعني: يصيبك.
ولم يقل: يا أبت سيحلّ بك عذاب مقيم، إنمّا إني أخاف، أعاد الأمر إلى نفسه، أنا الذي أخاف عليك، أنا رفيق بك، أحرص عليك أن يمسك، أن ينالك عذاب من الرحمن، وأنا لا أريد هذا العذاب لك.
وقال: H5؛ وإذا مسك عذاب من الرحمن، فهذا يدل على جرم هذا الإنسان، وعلى عظيم ذنبه؛ لأنّ الرحمن إذا عذب فإنما يعذب لأنّ المجرم قد بلغ المنتهى في الإجرام؛ فذكر الرحمن مع ذكر العذاب، دلالة على أن هذا الجرم والذنب الذي استوجب العذاب هذا شديد، وأنه ذنب كبير.
﴿إِنِّىٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَـٰنِ وَلِيًّا﴾ تكون للشيطان وليا، أي: قرينا للشيطان في العذاب لموالاتك له.
لم يستفد أبوه من هذا، بل ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا﴾ ٤٦ قالوا هنا: قال آزر لابنه إبراهيم؛ ترجيحًا منهم إلى أن آزر هو والد إبراهيم عليه السلام.
وبعضهم ذهب إلى أنه عمه، والراجح أنه أبوه، وقد ذكرنا طرفًا من ذلك في سورة الأنعام، وكذلك في تحفة الأريب في مادة: H6 والأدلة على أنه والد الخليل إبراهيم عليه السلام، وهذا لا يضره في شيء.
قال آزر لابنه إبراهيم عليه السلام: أمعرض أنت عن أصنامي التي أعبدها يا إبراهيم؟ أراغب أنت؟ يعني: أمعرض، وهذا الاستفهام للإنكار والتعجب عليه، H7، ينكر عليه، وأيضا فيه تعجب، وهذا عجيب أن يتعجب من ولده، H8، ما هذا الذي تصنعه؟ وعجبا لك تترك عبادة الأصنام، وتتجه إلى عبادة هذا الذي تزعم أنه الإله، وأنه الرحمن.
وبعض العلماء يقول: في الآية تقديم وتأخير؛ فأصل الكلام: أأنت راغب.
وبعضهم يقول: لا تقديم ولا تأخير، وH9: مرفوع بقوله: H10، وهي اسم فاعل، كما هو معلوم، ودخل عليها الاستفهام.
لكن من أسرار التقديم H11، أنه لم يقل: أأنت راغب؛ لئلا يظن أن التعجب واقع من إبراهيم عليه السلام وحده، وأنه لو وقع من غيره لقبل، إنمّا أراغب أنت، يعني: لا ينبغي أن يرغب عن عبادة الأصنام لا منك ولا من غيرك، هذا من التمادي في الضلال، وصدق إذ قال: ﴿إِنِّىٓ أَرَىٰكَ وَقَوْمَكَ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ﴾ ﵝالأنعام الآية ﵔﵗﵜ
﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا﴾ لئنّ لم تكفّ عن سب الأصنام لأرمينك بالحجارة، هذا أحد القولين المشهورين في معنى: H12.
والمعنى الثاني: H13؛ إذا لأرجمنك: لأرمينك بالحجارة، أو لأشتمنك. واهجرني مليا، قالوا: وفارقني زماناً طويلا، فلا تكلمني، ولا تجتمع معي.
﴿قَالَ سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ ٤٧ قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: ﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ﴾، لا ينالك ما تكره ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ سأطلب لك المغفرة من ربي والهداية؛ لأنه لم يكن يعلم بأنه سيموت على الكفر، ولذلك هذا جاء بيانه في الآيات الأخرى ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٌ﴾
﴿سَلَـٰمٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ وقال الله ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ ١١٣ﵢ ﵝالتّوبة الآية ﵓﵑﵑﵜ
﴿إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ قالوا هنا: إنه كان بي حفيا، أي: كان كثير اللطف بي، فالحفيّ: كثير اللطف بعبادة.
﴿إِنَّهُۥ كَانَ بِى حَفِيًّا﴾ ما أجملها! وما أجمل ﴿لَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﵝمريم الآية ﵔﵜ هذه المعاني اللطيفة لنا رحمة من الله، وأن العبد عليه أن يستحضر رحمة الله والنعم التي لا تعد ولا تحصى، مما يغدقه الله، أو ينعمه الله عز وجل به على عباده، والناس في غفلة. نسأل الله أن يعفو عنا، وأن يرحمنا.
﴿أَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ٤٩﴾
قال ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أفارقكم، وأفارق معبوداتكم التي تعبدونها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ﴿وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ عسى ﴿إِلَّا﴾ يمنعني إذا دعوته؛ فأكون بدعائه شقيا، يعني: إذا منعني، وهو يرجو ﴿إِلَّا﴾ يمنعه الله سبحانه وتعالى، وزكريا قال: ﴿لَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾
﴿فَلَمَّا ٱعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ تركهم وترك آلهتهم ﴿وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ استدل بها العلماء على القاعدة الشهيرة، وتقدم معنا أنها وردت H0. وتقدم ذكرها في بعض المناسبات كما في قصة سليمان عليه السلام في سورة H1.
H2 عوضه الله، فهو ترك الأهل والوطن، فعوضه الله بإسحاق ويعقوب ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾. وعوضه الله بإسماعيل.
لكن تأملوا هنا ذكر إسحاق ويعقوب، ولم يذكر إسماعيل، مع أنَّ إسماعيل الأكبر، قال بعضهم وجه ذلك والعلم عند الله: أنه لما فارقهم كانت معه سارة، وجاءه أو أتاه من سارة إسحاق ثم يعقوب، وأما إسماعيل فمن طريق آخر؛ وهو طريق هاجر بعد ذلك؛ فذكر إسحاق وضم له الحفيد؛ وهو يعقوب، ثم ذكر بعد ذلك إسماعيل على حدة.
قال: ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ وهذا من فضل الله وإحسانه، H3 قالوا هنا في التفسير: وكل واحد منهما جعلناه نبيا.
وتقدم معنا أن هذا التنوين في قوله: H4 عوض عن المضاف إليه. يقولون هكذا، فلم يذكر المضاف؛ فلما لم يذكر المضاف عاد التنوين؛ لأنه عند الاضافة يحذف التنوين. تقدم نظير ذلك في قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ﴾ ﵝالإسراء الآية ﵔﵘﵜ كل إنسان، كل واحد ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾
﴿وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ وجعلنا لهم من رحمتنا، قالوا: أعطيناهم من رحمتنا؛ فالله منّ عليهم، ووهب لهم من رحمته سبحانه وتعالى.
وفيه دلالة على ما تقدم سابقا من أنّ السورة فيها بيان شمول رحمة الله سبحانه وتعالى بعبادة ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ ثناء حسنا مستمرا على ألسنة العباد. ونحن في كل صلاة من صلواتنا نذكر الخليل إبراهيم وآله؛ فنقول: "كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم". واستجاب الله دعاءه إذ قال: ﴿وَٱجْعَل لِّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلْءَاخِرِينَ﴾ ﵝالشّعراء الآية ﵔﵘﵜ.
ومن فوائد هذا الطلب: أن فيكون أثر الإنسان، ويبقى الانتفاع به فيزداد أجره وثوابه؛ فلا حرج على المرء إذا طلب هذا من الله سبحانه وتعالى؛ أن يجعل الله له ﴿لِسَانَ صِدْقٍ فِى ٱلْءَاخِرِينَ﴾؛ فيعم النفع بدعوته، وهو لا يريد الثناء من الناس، كيف وهو سينتفع به الخلق بعد وفاته؟ فيؤمن عليه الفتنة؛ لذلك بعض العلماء كان في بعض المواقف يشترط على طلابه، أو على القريبين منه ﴿إِلَّا﴾ يقص هذا الخبر إلا بعد وفاته؛ لأنه في الحياة لا تؤمن عليه الفتنة. أمّا إذا مات انقطعت الفتنة، وبقي ما يرجى من دعاء الناس له واقتفاء أثره.
قال: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ ثم قال: ﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ ٥١ ﵝمريم الآية ﵑﵕﵜ
﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مُوسَىٰٓ﴾ ﵝمر انتقلت بنا إلى قصة أخرى بإيجاز. H5؛ اذكر في القرآن أيضًا موسى ﴿إِنَّهُۥ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ إنه كان مخلصًا، أي: مختارا مصطفًى، هكذا قالوا في التفسير، وهو الصحيح؛ لأنّ مخلصًا اسم مفعول. وهناك قراءة أخرى متواترة: H6.
H7، أخلصه الله إليه فهو مصطفًى ومختارٌ، وعلى القراءة الأخرى H8 فيه أنه حقق الإخلاص؛ فهو مخلص، وأخلصه الله عز وجل إليه.
ولذلك كم أرجو أنه في كتب التفاسير يراعى مثل ذلك. فيضاف إلى القراءة التي نعرفها كرواية حفص عن عاصم ما تفيده القراءة الأخرى، من باب تكثير المعاني، أو الدلالة عليه. والعلم عند الله تبارك وتعالى.
من فوائد الآيات:
لما كان اعتزال إبراهيم لقومه مشتركا فيه مع سارة ناسب أن يذكر هبتهما المشتركة وحفيدهما، ثم جاء ذكر إسماعيل مستقلا مع أنَّ الله وهبه إياه قبل إسحاق.
التأدب واللطف والرفق في محاورة الوالدين، واختيار أفضل الأسماء في مناداتهما.
المعاصي تمنع العبد من رحمة الله، وتغلق عليه أبوابها؛ كما أن الطاعة أكبر الأسباب لنيل رحمته.
وعد الله كلّ محسن أن ينشر له ثناء صادقا بحسب إحسانه. وإبراهيم عليه السلام وذريته من أئمّة المحسنين.
تعليق الشيخ على الفوائد:
لما كان اعتزال إبراهيم عليه السلام لقومه مشتركا فيه مع سارة؛ ناسب أن يذكر هبتهما المشتركة وحفيدهما، ثم جاء ذكر إسماعيل مستقلا، مع أنَّ الله وهبه إياه قبل إسحاق. وتقدم بيان هذه الفائدة قال: ﴿وَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾. وهذا سر من الأسرار، ولطيفة من اللطائف.
التأدب واللطف والرفق في محاورة الوالدين، واختيار أفضل الأسماء في مناداتهما ﴿يـٓأبت﴾ ويترفق ويلطف ويتلطف معه بخلاف قوله له: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَٱهْجُرْنِى مَلِيًّا﴾ ٤٦ﵢ.
المعاصي تمنع العبد من رحمة الله، وتغلق عليه أبوابها؛ كما أن الطاعة أكبر الأسباب لنيل رحمته؛ لذلك فإنّ الخليل إبراهيم عليه السلام قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ٤٨ فهو يلتمس الرحمة بهذه الطاعة، وبهذا الاعتزال لقومه الذين عبدوا الأصنام. وأيضا في قوله في حقهم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ لأنهم مطيعون لله سبحانه وتعالى.
وعد الله كل محسن أن ينشر له ثناء صادقا بحسب إحسانه. وإبراهيم عليه السلام وذريته من أئمّة المحسنين. قال الله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾. نسأل الله أن يجعل لنا لساناً علياً، وأن يرزقنا الإخلاص والقبول.
تعليق الشيخ محمد حفظه الله:
قال الله سبحانه: ﴿وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّا وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّا﴾
هذا الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات، استكمال للآيات السابقة التي فيها ذكر بعض منن الله سبحانه وتعالى على عبده ورسوله وكليمه موسى عليه الصلاة والسلام. فقال الله عز وجل: ﴿وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّا﴾ أي: ونادينا موسى عليه السلام من جانب الطور الأيمن، قالوا هنا: من جانب الجبل الأيمن بالنسبة لموقع موسى عليه السلام.
فقولهم هنا في المختصر بالنسبة لموقع موسى عليه السلام، فيه دفع إشكال في فهم الآية الكريمة؛ إذ يقول قائل: وكيف يعرف الجانب الأيمن من الجانب الأيسر؟ وما ضابط ذلك؟
فيقال: الضابط في ذلك أن الجبل أو أن جانب الجبل الأيمن بالنسبة لموقع موسى، فهو بالنسبة له أيمن.
وقد ذكر ابن عاشور رحمة الله تعالى في ذلك ضابطا طيبا حيث قال: ووصفه بالأيمن؛ لأنه الذي على يمين مستقبل مشرق الشمس؛ لأنّ جهة مشرق الشمس هي الجهة التي يضبط بها البشر النواحي؛ فجهة مشرق الشمس هي الجهة التي يضبط بها البشر النواحي، فإذا كان عن يمينه قيل بهذه الطريقة من جهة الأيمن، أو الجانب الأيمن.
فقال: ﴿وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّا﴾ أي: وقربناه مناجيا، حيث أسمعه الله سبحانه وتعالى كلامه.
ولذلك فإنّ موسى عليه السلام اختصه الله جل وعلا بهذه الفضيلة ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنِّى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِى﴾ ﵝالأعراف الآية ﵔﵔﵑﵜ وقال: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵔﵖﵑﵜ.
قال: ﴿وَنَـٰدَيْنَـٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَـٰهُ نَجِيًّا﴾ وتقدم معنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ آدم عليه السلام ورد في شأنه أنه نبي مكلم، ونبينا صلوات ربي وتسليماته عليه الله عز وجل كلمة في رحلة المعراج.
فلذلك الذين نعلمهم قد كلموا من الله سبحانه وتعالى بلا واسطة: آدم بما ورد في الحديث، وموسى عليه السلام للنصوص الجلية والواضحة في ذلك، ونبينا محمد صلوات ربي وتسليماته عليه.
وإلا فإنّ للوحي طرقا متعددة، تقدم ذكرها في آيات سورة الشورى: ﴿وما كان لبشرٍ أن يكلّمه ٱللّه إلّا وحيًا أو من ورآيٕ حجابٍ أو يرسل رسولٗا فيوحي بإذنه ما يشآء﴾ ﵝالشّورى الآية ﵑﵕﵜ فقوله: H0 هذا هو المراد بتكليم الله لموسى عليه الصلاة والسلام.
قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّا﴾ قالوا: وأعطيناه من رحمتنا وإنعامنا عليه أخاه هارون عليه السلام نبيا؛ استجابة لدعائه حين سأل ربه ذلك.
وذلك أن موسى عليه السلام دعا ربه، فقال: ﴿ٱجعل لّي وزيرٗا مّن أهلي ٢٩ هرون أخي ٣٠ ٱشدد بهٓ أزري ٣١ وأشركه فيٓ أمري ٣٢ كي نسبّحك كثيرٗا ٣٣ ونذكرك كثيرًا ٣٤ إنّك كنت بنا بصيرٗا ٣٥﴾ ﵝطه من الآية ﵙﵒ إلى الآية ﵕﵓﵜ.
ولذلك قالوا: ليست هناك دعوة أخ لأخ، أفضل من هذه الدعوة التي دعا بها موسى عليه السلام لأخيه هارون عليه السلام، وجعل الله هبة هارون، وجعله نبيا، جعلها من رحمات الله بكليمه موسى عليه الصلاة والسلام.
لذلك قال: ﴿وَهَبْنَا لَهُۥٓ﴾ أي: من أجله من رحمتنا.
بعض العلماء يرى: أن H1 في قوله: ﴿مِن رَّحْمَتِنَآ﴾ سببية؛ أي: بسبب رحمتنا، أو أنها للتبعيض؛ فهذه بعض رحمتنا.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّا﴾ وهنا قد يسأل سائل فيقول: إنه من المعروف أن هارون عليه السلام كان أكبر من موسى، وهذا أمر جرى به كلام الأئمة، وهو مقرر في السير والقصص والتاريخ؛ فكيف يكون الأمر كذلك؟ والله قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيًّا﴾ فيتوهم من ذلك تقدم موسى عليه السلام.
والجواب عن ذلك: أنّ هذا مقيد بما ذكر في الآية، وهو أن الهبة هنا ليست هبة الوجود، وإنما هي هبة النبوة، فهارون عليه السلام متقدم وسابق في الوجود عن موسى عليه السلام، لكن جعل هارون عليه السلام نبيا هذا متأخر، وهذا الذي دعا به موسى عليه السلام، وأجابه الله عز وجل إلى سؤله.
ﵣوٱذكر في ٱلكتب إسمعيل إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ٥٤ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ مَرْضِيًّا ٥٥
﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ﴾ انتقلت بنا الآيات الكريمة إلى الثناء على رسول الله إسماعيل عليه الصلاة والسلام. فقال: H2؛ أي: واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول في القرآن المنزل عليك خبر إسماعيل عليه السلام؛ وهو إسماعيل بن إبراهيم، وهو جد نبينا محمد صلوات الله وتسليماته عليه.
قال: ﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ وتلاحظون - يا أيها الإخوة الكرام - أن رب العزة – سبحانه - فصل قصة إسماعيل عن قصة إبراهيم وما ذكره الله عن إسحاق؛ وكان هذا، والعلم عند الله، فيه بيان أن قصة إسماعيل عليه السلام جديرة بالتأمل، وأنّها جديرة بالاستقلال.
وقد ذكر بعضهم في هذا لفتة، والعلم عند الله، وهو أن الله - سبحانه وتعالى - ذكر إسماعيل على وجه الاستقلال والانفراد؛ للدلالة على أن إسماعيل جد أمة بأكملها؛ فإنّ العرب ينسبون إلى إسماعيل عليه السلام؛ فكان حقيقا بأن يفرد بالذكر. والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِسْمَـٰعِيلَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ عليه السلام H3، معنى كان صادق الوعد: قالوا هنا: كان صادق الوعد لا يعد وعدا إلّا وفي به.
وهذا لا شك أنه من محاسن الأوصاف، ومن جميل الخصال التي يتسم بها عبد من العباد، أو يتصف بها عبد من العباد، فضلا عن أن يكون نبيا أو رسولا.
﴿صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ وهذا الذي ذكروه هو أولى في التفسير؛ لأنه هو التفسير العام، فنقول: صادق الوعد إذا وعد وفي به.
لكننا نقول: هذا داخل فيه وعد الله، ووعده للخلق؛ لذلك وقع بينهم خلاف ما معنى: H4، هل فيما وعد به ربه؟ أو فيما وعد به الخلق؟ بمعنى أنه إذا عاهد الله على عهد وفي به، وكذلك إذا عاهد المخلوقين على شيء وفي به.
ويقال: الآية شاملة لهذا ولذاك. وبعضهم نصّ على بعض الصور الخاصة في حق إسماعيل عليه السلام، منها:
ما وقع في أمر الذبح، حينما قال لأبيه: ﴿قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ ﵝالصّافّات الآية ﵒﵐﵑﵜ ووفى بذلك.
لذلك قال: ﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلْجَبِينِ﴾ ﵝالصّافّات الآية ﵓﵐﵑﵜ فهذا من صدقه في الوعد عليه الصلاة والسلام.
وأمة محمد صلى الله عليه وسلم قد أمرت بالوفاء بالوعد، بل جعل خلف الوعد من صفات المنافقين، وليس من صفات عباد الله المؤمنين.
قال الله: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ أثنى الله عز وجل على إسماعيل بأنه كان رسولا نبيا، كما أثنى الله على موسى عليه السلام أيضًا بقوله: H5، وهذا أوقع بعض العلماء في إشكال؛ وذلك أن جماهير أهل العلم يفرقون بين الرسالة والنبوة، وهناك من يسوي بينهما، وردّ هذا القول؛ وذلك لدلائل عديدة، منها:
أن الله سبحانه عطف النبوة على الرسالة، أو النبي على الرسول. قال الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ﴾ ﵝالحج الآية ﵒﵕﵜ إلى آخر الآية الكريمة؛ فقالوا: يدل هذا على الفرق بين النبي والرسول.
ويعضد هذا من صحح الرواية التي فيها ذكر عدد الأنبياء وعدد المرسلين، فإنّ هذه الرواية على القول بثبوتها صريحة جدّاً في التفريق بين الأنبياء والمرسلين. على كل حال فالجمهور على وجود فرق بين النبي والرسول، ولهم في ذلك أقوال متعددة:
فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن الرسول يأتي بكتاب جديد، وأما النبي فيأتي متابعا لمن قبله من الرسل؛ فيكون كتابه كتاب الرسول الذي سبق.
ومنهم من قال: بل إن الرسول يأتي لقوم مخالفين، وأما النبي فيأتي لقوم موافقين. إلى غير ذلك مما ذكروا.
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: النبي من أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بالتبليغ، وأما الرسول فإنه يؤمر بالتبليغ. إلى غير ذلك مما ذكر في مثل هذه المقامات.
لكن على كلٍّ، هناك من جمع الله عز وجل له في الثناء بين النبوة والرسالة؛ لذلك مال بعضهم إلى تفريق آخر وهو أن الرسول يأتيه الملك ظاهرا، وأمّا النبي فلا يلزم ذلك؛ فتكون نبوته عن طريق الرؤيا، ونحو ذلك. ومال إلى ذلك الرازي.
فتكون هناك مرحلتان: مرحلة رؤيا؛ ورؤيا الأنبياء وحي، ومرحلة رؤية ملك ظاهرا، لكن هذا يحتاج إلى دليل. وهذا التفريق يحتاج إلى نص في ذلك.
وبعض ما ذكر في هَذَا لا يسلم من تعكير؛ لأننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾: إن النبي هو الذي يأتي متابعا لرسول سبقه، وأنه يأتي لقوم موافقين لا مخالفين، فحينئذٍ ما تقولون فِي آدم عليه السلام، وهو نبي، وآدم عليه السلام لَمْ يسبقه أحد، فماذا يقال؟ أين الكتاب الذي سبقه حتى يقال إنه تابع له.
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بل الرسول الذي له كتاب، والنبي ليس له كتاب؛ فماذا تقولون فِي إسماعيل؟ أين الكتاب الخاص به، ونحن لا نعلمه. على كلٍّ، الكلام فِي ذَلِكَ طويل الذيول جِدَّاً فِي باب الاعتقاد.
لكن الشاهد فِي هَذَا المقام: أن الأكثرين أيضًا من المحققين يقولون: إن الرسالة أخص من النبوة؛ فالرسول نبي وزيادة؛ لأنه إذا أرسل للمخالفين فهو مرسل للموافقين، فيكون رسولاً ونبيًا، وإذا أوحي إليه، ثم أمر بالتبليغ بعد ذَلِكَ، فهو نبي، ثم صار رسولاً.
لذلك بعضهم يعبر عن ذَلِكَ فيقول: نُبِأَ بـ H0، وأُرسل بـ H1. إِلَى غير ذَلِكَ مما قرروه.
وبناء عليه: فالذي نحتاج إليه فِي هَذَا المقام مما يناسب هَذَا التفسير أن قوله: H2 لا إشْكَال فيه؛ لأنه إذا كان رسولا فهو نبي، وَحِينَئِذٍ لا تعارض؛ لأنه وصفه بوصف أخص، ثم وصفه بوصف أعم. وهذا لا إشْكَال فيه. بل يكون هَذَا من باب تأكيد هَذَا الخبر عنه عليه الصلاة والسلام.
لذلك فذكر H3 فِي قوله: ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ يقولون: هو لتأكيد هَذَا الوصف، فهو نبأ فِي نفسه، وَكَذَلِكَ أرسل إِلَى غيره.
على أن الله سبحانه وتعالى ذكر أن النبوة، أو أن النبي يقوم بأمر الإرسال؛ ولذلك قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ﴾ ﵝالحَج الآية ﵒﵕﵜ فهذا يدل على أن الأنبياء مرسلون.
وَكَذَلِكَ ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ ﵝالبَقَرَة الآية ﵓﵑﵒﵜ على كل حال، فأحيانا يجتمع وصفان أو اسمان، ثم يبدأ بالأخص، ثم يذكر الأعم، وأحيانا يأتي العكس، فهذا معروف وهذا معروف؛ فمثلا يقال: عالم نحرير، فيقولون بدأ بالأعم، ثم ذكر الأخص؛ لَأَنَّ النحرير أوسع فِي العلم؛ وَلِذَلِكَ يقولون: انتقل من العام إِلَى الخاص.
ومن الأّمْثِلَة الشهيرة عليه فِي القرآن الكريم، أو مما يدخل فِي هَذَا المقام على اختلاف فِي ذَلِكَ، ما يكون بهذا المثال H4.
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ فِي قوله: H5.
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: H6 هو الخاص، ثم بعد ذَلِكَ ذكر H7، وهو العام.
ومنهم من يعكس؛ وذلك باعتبار أن H8 عام فِي تعلقه، وH9 فهو خاص بعباد الله المؤمنين. وإنْ كان الاظهر فِي ذَلِكَ: أَنَّ H10 أخص؛ لأنه صفة ذات، وأما H11 فهي صفة فعل.
على كل فمن المقرر فِي البلاغة: أن الانتقال من العام إِلَى الخاص، أو من الخاص إِلَى العام وارد. ومن فوائده: تأكيد هَذَا الوصف.
وهذا يصلح فِي هَذَا المقام، أن يقال: إن قوله: H12 زيادة فِي تأكيد وصفه بأنه رسول، وبأنه نبي.
خلافا لمن أَنْكَرَ رسالة إسماعيل، أو لمن أَنْكَرَ نبوته، أو خلافا لمن سيجحد ما يكون من خير وفضل يلحق بإسماعيل وذريته عليه الصلاة والسلام.
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا﴾ ٥٥ قالوا: وكان يأمر أهله بإقامة الصلاة، وبإعطاء الزكاة.
الأصل أن الزكاة إذا اقترنت بالصلاة فهي الزكاة المعروفة التي يكون فيها إخراج المال. وبعض العلماء يفسرها: بزكاة النفس، أو بطهارتها من الذنوب.
لكن القول الأرجح: أن الزكاة إذا اقترنت بالصلاة انصرفت إِلَى إنفاق المال الواجب.
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ﴾ فيه: أنهما شعيرتان سابقتان، كما قال عيسى عليه السلام وتقدم معنا قريبًا ﴿أَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾
﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا﴾ وهذا من الثناء الجميل على إسماعيل عليه الصلاة والسلام.
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ﴾ فيه: أمر بالصلاة والزكاة، وأنه ينبغي للإنسان ﴿إِلَّا﴾ يفرط فِي مراعاة أهله فِي هَذَا الباب.
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ﴾ ثم قال: H13، ولعلكم تتذكرون ما تقدم فِي أول السورة، حينما دعا زكريا عليه السلام ربه، قائلا: ﴿وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ هذه نعمة، وأي نعمة أن يرضى رب العزة سبحانه عن عبد من العباد.
وهنا قال: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا﴾ قال بعضهم: المرضي عند الله، وهذا قاله الرازي: هو الفائز فِي كل طاعاته بأعلى الدرجات. المرضي هو الفائز فِي كل طاعاته بأعلى الدرجات، هَذَا مرضي عنه، بأن الله يعطيك فِي كل باب من أبواب الطاعات أعلى الدرجات؛ ففي باب الصلاة إذا بك تحصل على أعلى درجات السابقين فِي الصلاة، فِي باب العلم، فِي باب الجهاد، فِي باب الصدقة، فِي باب البر الصلة، إِلَى غير ذَلِكَ. فنسأل الله أن يرضى عنا.
قال: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرْضِيًّا وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ﵝمَرۡيَم من الآية ﵕﵕ إلى الآية ﵗﵕﵜ
انتقلت بنا الآيات إِلَى الحديث عن نبي آَخَر، نبي مبارك؛ وهو إدريس عليه السلام.
H14، قوله: H15، هنا أسلوب فيه ترقي؛ لَأَنَّ الصديق قد يكون دون النبي؛ فليس كل صديق نبياً، بيد أن كل نبي صديق.
ولذا نستطيع أن نقول: إن هنا انتقال من العام إِلَى الخاص؛ َلأَنَّ الصديق أوسع، والنبي أخص.
أَمَّا إذا كان نبيا فلا بد وأن يكون صديقا من الصديقين؛ فقال: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ ﵝمَرۡيَم الآية ﵖﵕﵜ.
وهذا مناسب لما ذكر الله عن إسماعيل H16، فهذا من أَوْجُه الاقتران بين النبيين المباركين.
قال: H17، ما معنى صديقا؟ قالوا: كثير الصدق والتصديق بآيات ربه، وكان نبيا من أنبياء الله.
إذًا الصديق فيها معنيان: كثير الصدق، وكثير التصديق. ومضى معنا مثل ذَلِكَ فِي حق الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾.
قال: ﴿وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ما معنى ورفعناه مكانا عليا؟
قالوا: ورفعنا ذكره بما أعطيناه من النبوة؛ فكان عالي المنزلة. إذًا ورفعناه: رفعنا ذكره. إذًا ما المراد بالرفع هنا؟ قالوا: رفعنا ذكره. رفع الذكر، رفع المكانة، رفع المنزلة، هَذَا أحد القولين المشهورين فِي معنى: ﴿وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
والقول الثاني: أن معنى قوله: H18، المراد به: أنه قد رفعه الله مكانا عليا فِي السماء؛ قالوا بدليل قوله: H19، فقالوا: إن قوله: H20 يحتمل أنه رَفْع منزلة، أو أنه رَفْع مكان، فلما قال H21 رجح بذلك أن المراد به: رفع المكان؛ فقال: H22.
ويشهد لهذا القول الثاني، ما جاء فِي حديث المعراج مِنْ أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لقي إدريس عليه السلام "فلقيه فِي السماء الرابعة، وفي بعض الروايات وقرأ قوله: ﴿وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ يعني فِي السماء الرابعة".
إذًا هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: H23؛ يعني: فِي السماء، أو رفعناه مكانا عليا؛ يعني: رفعنا منزلته بما أعطيناه من النبوة، فكان عالي المنزلة.
ولا مانع، والعلم عند الله، من أَنْ يَكُونَ الرفع شاملا للمعنيين؛ فهو رفيع المنزلة والقدر، وَكَذَلِكَ رفعه الله مكانا عليا.
لكن بعض العلماء يذهب إِلَى أن ادريس عليه السلام أحد من رفع إِلَى السماء فِي الدنيا، كما رفع عيسى عليه السلام، وليس معنا نص صريح فِي هَذَا الباب، لكن مشهور عند أهل السير أيضًا، ووردت فِي ذَلِكَ بعض الآثار أن ادريس عليه السلام رفع فِي السماء فِي الدنيا.
وبعضهم قال هَذَا كان بعد قبض روحه، وبعضهم قال خلاف ذَلِكَ، أو قال بخلاف ذَلِكَ.
لكن الذي نقتصر عليه ما ثبتت به الأحاديث من أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لقيه في السماء الرابعة هذا من جهة. ومن جهة أخرى أن الرفع رفع المنزلة والمكانة. قال: ﴿وَرَفَعْنَـٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ أولئك؛ أي: أولئك المذكورون في هذه السورة ابتداء بزكريا، وختاما بإدريس عليه السلام.
إذًا يدخل فيهم زكريا، ويدخل فيهم يحيى وعيسى عليهم السلام، ثم ما جاء بعد ذلك من قصة إبراهيم عليه السلام، إلى آخر ما ذكر الله عن إدريس.
H0، وجاء هنا التعبير باسم الإشارة H1، لم يقل: H2 مع أنه قد تقدم ذكرهم.
لكن كما مضى معنا أنه يؤتى باسم الإشارة لاستحضار المتحدث عنه، وأنه جدير بأن يستحضر، وألا يغفل عنه، كما قال الله في صدر سورة البقرة بعد أن وصف المتقين ﵣ أُو۟لَٰٓئِكَ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ ﵢ ﵝالبقرة الآية ﵕﵜ.
لأنك حينما تذكر اسم الإشارة تستحضر المشار إليه؛ فإذا كان قد وصف بأوصاف فإنك تتذكر تلك الأوصاف من جديد، فكذلك قال هنا H3؛ أي: هؤلاء المشار إليهم بتلك الأوصاف.
وجاء بقوله: H4 باسم الإشارة للبعيد؛ لعلو منزلتهم، فمع أنهم مذكورون من قرب، والحديث عنهم قريب، إلا أن الله قال: H5؛ تنويها بشأنهم وعلو منزلتهم.
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ وهم نبيون من ذرية آدم عليه السلام ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾
قوله: ﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ قالوا هنا: من أبناء آدم، ومن أبناء من حملنا في السفينة مع نوح.
هنا قد يسأل سائل فيقول: ومن المقصود بقوله H6؟ إذ قال الله بعدها H7، فهذه معطوفات.
فهل يراد بقوله: H8 أنبياء معينون؟ أم أن هذا من باب ذكر العام ثم بعد ذلك خصص الله سبحانه؟ فقال: ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ﴾
يدخل في قوله: H9 نوح عليه السلام؛ لأنّ الله قال بعدها: H10 ونوح من ذرية آدم، ثم أدخل H11، ممن صاروا من ذرية نوح عليه الصلاة والسلام.
وأدخل عدد من المفسرين في قوله: H12 أدخلوا إدريس عليه السلام؛ لأنّ عددا من أهل العلم يرون أن إدريس هو جد نوح عليه السلام.
ولذلك قالوا: إنه في نسبه، فقالوا: إن ادريس في نسب نوح عليه السلام، هو جد له. وإلى ذلك مال عدد من المفسرين؛ كالطبري رحمة الله تعالى.
بينما يذهب فريق من المفسرين إلى أن إدريس عليه السلام كان متأخرا، وأنه ليس متقدما، بل وجاء بعد ذلك.
واستدلوا على هذا بحديث المعراج؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما لقي إدريس، قال له إدريس عليه السلام: مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ولم يقل: والابن الصالح؛ فقالوا: هذا يدل على أنه ليس مثل إبراهيم، ولا نوح عليهما السلام في السبق.
وقال الآخرون: ليس بلازم؛ لأنّ الأخوة موجودة؛ وهي أخوة الدين، وأخوة الإيمان والإسلام. والعلم عند الله تبارك وتعالى.
واستدل بعض العلماء على أن نوحا أسبق بأدلة؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة، حينما يأتون نوحا عليه السلام، فيقولون: أنت أول رسول بعثك الله عز وجل إلى أهل الأرض. قالوا: هذا فيه تقدم نوح.
فأجاب الآخرون، قالوا: ونحن لا نقول برسالة إدريس، وإنما نقول: إنه نبي؛ ﴿إِلَّا﴾ ترون أنه لم يذكر آدم.
فهم يقولون: أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وقد سبق بآدم، هم لا يتكلمون عن الأنبياء، إنمّا تكلموا عن الرسل.
وقال الله سبحانه مما يستدل به على تقدم نوح: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ نُوحٍ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعْدِهِۦ﴾ ﵝالنّساء الآية ﵓﵖﵑﵜ فقالوا: هذا يدل على أن النبيين جاءوا من بعده.
على كل حال، هما قولان مشهوران لأهل العلم؛ الطبري ومن نحا نحوه يأخذون بالآثار التي وردت، وبما هو مشهور عند أهل التاريخ من أنّ إدريس عليه السلام يعد في أجداد نوح؛ فيقولون: هو المعنيّ بقوله: H13 ومعه نوح.
والآخرون يقصرون ذلك على نوح عليه الصلاة والسلام.
H14، فقالوا: يدخل مع قوله: H15 إبراهيم عليه السلام.
وبعدها قال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَٰهِيمَ وَإِسْرَٰٓءِيلَ﴾ نص الله على إبراهيم عليه السلام، ومن ذرية إبراهيم إسماعيل وإسحاق، ثم نص على يعقوب، فقال: H16، والمراد به: يعقوب عليه السلام.
قال ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾
قال: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَٱجْتَبَيْنَآ﴾ فالله قد منّ على أنبياء الله ورسله، منّ عليهم بالهداية، ومنّ عليهم بالاجتباء؛ ولذلك قال الله: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ ﵝالأنعام الآية ﵐﵙﵜ.
قال: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ قالوا: كانوا إذا سمعوا آيات الله تقرأ سجدوا لله باكين من خشيته.
لا يخفى على ذي لب أن قوله: H17 لا يلزم أن يراد بها آيات القرآن، وإنما المراد بها آيات الرحمن بصفة عامة؛ فالمراد بها: آيات الوحي.
وهذا فيه أنه يطلق على الوحي المنزل آيات، سواء أكان من القرآن أم من غيره؛ وذلك لأنّ الآية عبرة وعظة وعلامة ودلالة، إلى غير ذلك.
وهذا متوفر في آيات الله سبحانه؛ لأنَّها علامات على صدق الأنبياء والمرسلين؛ من أجل كمال دعوتهم، ودلالتهم على الهدى من جهة، حتى وإن لم يكن اللفظ معجزا، لكن فيها الهدايات.
ثم أيضًا من جهة أخرى وهي أنها عبر وعظات، وهذا يدخل في معنى الآية.
﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ قالوا: فيه مشروعية السجود عند سماع القرآن الكريم، أو سماع بعض آياته؛ لذلك نقل بعضهم؛ كالحافظ ابن كثير الاتفاق على مشروعية السجود عند قراءة هذه الآية، فلذلك الآية فيها سجدة تلاوة بإجماع أهل العلم.
﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ خَرُّوا۟ سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ بعض العلماء يقول H18: دلالة على الخضوع والاستسلام، ولا يلزم أن يكون هناك سجود؛ السجود المعروف، لكن يردّ هذا أن الخضوع مستمر، سواء أكانت هناك تلاوة أم لم تكن هناك تلاوة؛ فقوله: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ يدل على أن قوله: H19 سجود خاص، يختلف عن السجود العام.
فالمؤمن فضلا H20. لكن هناك سجود خاص؛ وهو عمل يقوم به الإنسان، سواء أكان بوضع الجبهة على الأرض، أم كان بالانحناء، أو الركوع، بحسب ما يكون في الشرائع السابقة، لكن على كلٍّ هو عمل يقوم به النبي أو الرسول؛ تذللا وخضوعا وانكساراً لله سبحانه وتعظيما له عز وجل.