مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الحج — الجزء 4

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 353 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

إثبات صفتي القوة والعزة لله، قال الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:74] فالقوي اسم يدل على صفة القوة، والعزيز اسم يدل على صفة العزة.

إثبات مشروعية الجهاد للحفاظ على مواطن العبادة، قال الله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:40].

إقامة الدين سببٌ لنصر الله لعبيده المؤمنين، قال الله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:40].

عمى القلوب مانع من الاعتبار بآيات الله، قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج:46] نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينير بصائرنا، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح.

قال الله سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:47] ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ أي: ويستعجلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الكفار من قومك بالعذاب المعجل في الدنيا، وبالعذاب المؤجل في الآخرة، وهذا الأمر قد تكرر ذكره في كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [العنكبوت:53]، ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾[العنكبوت:54] فمن دأب أهل الشرك والكفر أنهم يستعجلون بعذاب الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم ينكرونه، ويتشككون فيه، فيقولون للرسول عليه الصلاة والسلام ﴿مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [سبأ:29] وهنا فسروا العذاب بالعذابين: بالعذاب الدنيوي الذي هو عذاب الاستئصال، والإهلاك، وعذاب الآخرة الذي هو دخول النار وبئس المصير.

﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ﴾ فالله سبحانه وتعالى لن يخلف وعده؛ لكنه جعل لكل أجلٍ كتاب، قال الله: ﴿وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ قالوا هنا في المختصر: وإن يومًا من العذاب في الآخرة مثل: ﴿أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ من سني الدنيا؛ بسبب ما فيه من العذاب، وهذا معناه أنهم خصصوا قوله سبحانه، أو قيدوا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا﴾ بأن المراد به اليوم من العذاب، وهذا أحد الأقوال في تفسير الآية الكريمة.

إذ قد يسأل سائلٌ فيقول: ما معنى قولك ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾؟ من الأقوال الشهيرة في ذلك: وإن يوما من العذاب، اليوم الذي يعذب فيه هؤلاء يوازي ألف سنة من مقاييس الدنيا، ومن مقادير الدنيا، وهذا لشدة عذاب الله سبحانه وتعالى، فمن المعلوم أن المرء إذا أهين في يومٍ من الأيام، أو عذب في يومٍ من الأيام عد هذا اليوم كأيام كثيرة مرت عليه، فما بالكم بعذاب الآخرة، فيكون المراد بذلك: أن عذاب الله في الآخرة شديد، وأن المعذب في الآخرة في يومٍ كمن كان يعيش في الدنيا ألف سنة، فقال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ هذا القول الذي استظهروه قال به عددٌ من أهل التفسير؛ لكن يبدو والله أعلم أن هناك ما هو أظهر منه، وإن كان القول محتملًا، أعني الذي ذكروه، وهو أن قوله: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ بصفةٍ عامة، وليس خاصًا باليوم من العذاب؛ ليكون الأمر على حقيقته؛ لأن هؤلاء يقولون: وإن يومًا من العذاب لشدة العذاب كأنه ألف سنة، فيكون المراد أنه ليس في الحقيقة ألف سنة، ولا مثل ألف سنة في المقدار؛ وإنما هو تشبيهٌ لشدة ما يلاقون من عذاب الله في الآخرة.

لذلك رجح بعضهم كابن جزيٍ رحمة الله تعالى: أن الأمر على عمومه، وأن المراد: وإن يومًا من أيام الآخرة كألف سنةٍ من أيام الدنيا، فيكون المعنى عامًا، وإن يومًا من أيام الآخرة كألف سنةٍ من أيام الدنيا بصفةٍ عامة، ويشهد لهذا، والعلم عند الله أيضًا قول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما أخرجه أحمد، والترمذي، وغيرهما "يدخل فقراء المسلمين قبل أغنيائهم بنصف يومٍ قال: وهو خمسمائة عام"، فقوله: وهو خمسمائة في تقدير نصف اليوم فهذا يدل على أن اليوم يوازي ألف سنة.

ويشهد لهذا أيضًا والله تعالى أعلم أن الله سبحانه وتعالى قال هنا: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فعمم، والحديث ورد في الفقراء، والأغنياء من المسلمين وليس في المعذبين، فيكون هذا أقرب في الدلالة، والعلم عند الله.

ثم يكون إشكالٌ آخر وهو أن الله سبحانه وتعالى في مواضع أخرى ذكر عددًا أخر كقول الله سبحانه: ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:4] فكيف الجمع بين الآية التي فيها خمسون ألف سنة، والآية التي فيها ألف سنة، كما هو حاصل في الآية التي معنا؟ ومن ذلك أيضًا ما جاء في قوله: ﴿يُدَبِّرُ ٱلْأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:5] والجواب عن ذلك والله أعلم أن ابن عباس رضي الله عنهما ورد عنه أنه قال: (هما يومان ذكرهما الله في كتابه، والله أعلم بمراده) فهو في هذه الرواية يميل إلى التوقف، وورد عنهم، عن السلف، وعمن جاء بعدهم من المفسرين أوجهٌ للجمع، فمن ذلك قولهم: إن المذكور في سورة المعارج الحديث عن يوم القيامة ﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ قالوا: المراد به يوم القيامة، وأما الآية فإنها تتحدث عن ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، فكأن المعنى: ﴿وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُۥ ۚ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ أي: في ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾، وأما آية سورة السجدة فحملوها على عروج الملائكة، ونزولهم، فعروجهم ونزولهم في ألف سنة؛ لأن المسافة خمس مئة عام، فإذا صعد، وإذا نزل كان الاجتماع من هذا وذاك ألف سنة.

وبعض العلماء يقول: بل يجمع في ذلك فيقال: إن هذا يختلف باختلاف الأحوال، والعلم عند الله تعالى، فيكون في حق الكافر، يكون مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة، وأما في حق عموم الناس، أو عموم المؤمنين يكون ﴿مِقْدَارُهُۥٓ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

على كلٍ هذه أقوالٌ قيلت في هذا الباب، ومما استدلوا به على التفريق بين حالٍ وغيره قول الله: ﴿فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ [المدثر:9] ﴿عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:10] فقالوا: يختلف أمره باختلاف حال الناس إيمانًا وكفرًا.

قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ [الحج:48] مضى معنا قول الله سبحانه: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج:45] لكن هنا قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ فذكر وصفًا أخر وهو أن هذه القرية مع ظلمها فقد أملى الله عز وجل لها، وأمهلها فالله قد يهلك الظالم، وقد يؤخره وحينئذ يكون فيه سنة الإمهال والإملاء، فهذا الذي حدثنا الله عز وجل عنه في هذه الآية.

فمن المفسرين من يرى أن الله ذكر القرى التي عجل الله لها العقوبة بسبب ظلمها، وذكر القرى التي آخرها الله إلى أمدٍ، وأملى لها ثم أهلكها، أو أن هذا زيادة في الوصف على ما تقدم، وزيادة في البيان، ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ أي أمهلتها عن العذاب، ﴿وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ فلم يعاجلها الله عز وجل، وإنما استدرجها، ثم أخذها أخذ عزيزٍ مقتدر كما قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلْقُرَىٰ وَهِىَ ظَـٰلِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُۥٓ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:102] قال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ ولذلك H0.

قال الله: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الحج:49] هذا نداءٌ آخر بـ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ وتقدم معنا أن السورة التي فيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ يغلب عليها أن تكون سورةً مكية، بيد أنه لا يلزم في كل الأحوال إذا رأينا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ في سورةٍ أن نقول إنها مكية، إذا وجد معها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كما في سورة الحج التي معنا ففيها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ وفيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ منذرٌ أبلغكم ما أرسلت به، واضحٌ في إنذاره.

﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج:50] فالناس أمام هذا الإنذار على فريقين: هناك من يستجيب، وهناك من يرتدع، وينزجر، ويتوب إلى ربه سبحانه وتعالى، ويتبع الهدى فهذا له المغفرة، والرزق الكريم، وهناك من لا ينظر إلى هذا، ولا يلتفت إليه؛ بل يحاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا من أصحاب الجحيم، نسأل الله السلامة.

قال: ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ والرزق الكريم في الجنة لا ينقطع أبدًا.

ثم قال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الحج:51] هذا حال الفريق الآخر، الفريق الكافر الذي لم يستفد شيئًا من الإنذارات، ولا من دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا﴾ قالوا هنا: سعوا في التكذيب بآياتنا، فما نوع سعيهم؟ سعيٌ بالتكذيب، والمحاربة، والعناد، والاستكبار، ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ ما معنى معاجزين؟ قالوا: مقدرين أنهم سيعجزون الله ويفوتونه فلا يعذبهم، إذًا ما معنى معاجزين؟ أي يقدرون أنهم سيعجزون الله.

وهيهات، فإنَّ الله لا يعجزه شَىْءٍ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ؛ لأنه سبحانه وتعالى العليم القدير عز وجل، فقال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ ولذلك بعضهم يفسر معاجزين يقول: أي مغالبين، ومعنى مغالبين أيضًا يعني: يريدون الغلبة، هم يريدون ذلك؛ لكنهم لن يصلوا إلى مرادهم.

﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ وهناك قراءة أخرى متواترة (والذين سعوا في آياتنا معجزين) ومعنى معجزين أي: مثبطين، فهم يكذبون بآيات الله، ويريدون تثبيط الناس وصرفهم عن الدعوة الحقة، عن الدين الصحيح، عن الإسلام، فاستفيد من هاتين القراءتين أن هؤلاء يظنون، ويتوهمون أنهم يغالبون الله سبحانه وتعالى، ويعجزونه، وأنهم في الوقت ذاته يثبطون أهل الإيمان، ويريدون صرفهم عن الحق والهدى، وهذا وذاك من صفات أهل الكفر، نسأل الله السلامة.

قال: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ أولئك أصحاب الجحيم يلازمونه كما يلازم الصاحب صاحبه؛ ولذلك تقدم معنا أن هذا التعبير في أغلب وروده يراد به: التأبيد، فحينما تجد في القرآن الكريم أصحاب الجنة، أو أصحاب النار، أو أصحاب الجحيم فالمراد بذلك: الخلود، وأنه على سبيل التأبيد، إلا ما استثني من ذلك في بعض المواضع التي ورد للمفسرين فيها القولان، كما في قصة ابني آدم، وتقدم الكلام في ذلك في حينها.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:52] هذه الآية الكريمة من الآيات التي ورد فيها كلامٌ كثير؛ وذلك أنه قد وردت قصةٌ شهيرة يقال لها: قصة الغرانيق، وهذه القصة وردت بألفاظٍ متعددة، والأكثر من أهل العلم على أنها لا تصح، ولا تثبت؛ بل حكم بعض العلماء عليها بالوضع كابن خزيمة رحمة الله قال: (هذا من وضع الزنادقة) وأنكر هذه القصة إنكارًا شديدًا، وكذلك حكم بعدم صحتها القرطبي، والشوكاني، وغيرهما من أهل العلم.

وهذه الروايات التي وردت في ذلك بعض العلماء قبل منها ما يتوافق مع الشرع ولا يتنافى معه؛ لكن مع ذلك هي مرسلات، لا تقوى على الصحة، وقد صنف بعض المعاصرين في ذلك رسالة، وهو الشيخ الألباني رحمة الله بعنوان: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق، جمع فيها الطرق، وبين أنها لا تصح مرفوعةً إلى رسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأن المراسيل لا نستطيع أن نحكم بأنها تصح بتعددها والله تعالى أعلم؛ لأنَّها ربما كان مخرجها مخرجًا واحدًا فعادت العلة واحدة.

الشاهد من ذلك: أن حاصل ما يقال في ذلك أن النبي صلوات ربي وتسليماته عليه وهو يقرأ على أصحابه سورة النجم، قرأ قول الله: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ [النجم:19] ﴿وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلْأُخْرَىٰٓ﴾ [النجم:20] ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلْأُنثَىٰ﴾ [النجم:21] قالوا: أنه وهو يقرأ ﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱللَّـٰتَ وَٱلْعُزَّىٰ﴾ [النجم:19] ﴿وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلْأُخْرَىٰٓ﴾ [النجم:20] نطق الشيطان فقال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى، وهذا في شأن الأصنام، فكيف ترتجى شفاعة الأصنام، مع أنَّ شفاعة الأصنام باطلة، ومنفية، ونفاها الله عز وجل في غير ما موضع من كتابه العزيز؟ فقالوا: إن الذي نطق بذلك هو الشيطان الرجيم؛ لكنه لما نطق قرب صوته من صوت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توهم بعض الناس أن القراءة قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فوقع من المشركين ما وقع من ظنهم أن الرسول صار موافقًا لهم، وسجدوا وما إلى ذلك، وهذا عندما نصحح هذه الروايات، وإلا فالصحيح أنها مختلقة فلا يُلتفت إليها.

والآية الكريمة فيها ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ﴾ فالآية تتحدث عن أن هذا أمرٌ عامٌ لجميع الرسل، ولجميع الأنبياء، ولا تبيِّن قصةً بعينها، ولا خبرًا بعينه، فالآية تبقى على عمومها ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ﴾ فهذا يبين أن الحكم عامٌ لجميع الأنبياء والرسل، وليس موقفًا ولا سببًا خاصًا برسول الله صلوات الله وتسليماته عليه، وأما الكلام الذي فيه أنَّ الرسول نطق بذلك سهوًا، وأن الشيطان أنطقه بذلك، فهذا من الباطل، والزور، ولا يليق بجناب الرسول الكريم المعصوم صلوات الله وتسليماته عليه.

فالذي نراه في ذلك أنها قصةٌ لا تصح، ولا تثبت، ولا تعويل عليها بالمرة، ثم إن الآية الكريمة باقيةٌ على عمومها، ولا إشكال في فهمها بفضل الله سبحانه وتعالى.

أما إذا نظرنا إلى معنى الآية من النظم القرآني، من حيث النظم، من حيث قراءة الآية وتدبر ما فيها من معانٍ فإنَّ الله قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ﴾ تأملوا القول: ﴿مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ﴾ يشهد لقول الجمهور: أن النبي يختلف H0.

قالوا: وما بعثنا من قبلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول ﴿مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا﴾ قرأ كتاب الله ألقى الشيطان في قراءته ما يلبس به على الناس أنه من الوحي؛ فيبطل الله ما يلقيه الشيطان من إلقائه، ويثبت آياته، والله عليمٌ حكيم لا يخفى عليه شيء، حكيمٌ في خلقه، وتقديره، وتدبيره سبحانه عز وجل.

﴿مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ﴾ ما معنى ﴿إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ﴾؟ إذا تمنى فيها قولان: القول المشهور عن السلف يرحمهم الله أن المراد بالتلاوة: القراءة، إذًا ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يعني: إلا إذا قرأ، قرأ ماذا؟ قرأ الوحي، فهذا ليس خاصًا بالقرآن؛ وإنما المراد: إذا قرأ النبي، أو الرسول الوحي الذي أوحى الله عز وجل به.

فماذا يصنع الشيطان تجاه تلك القراءة؟ يشغب الشيطان الرجيم على تلك القراءة، فيلقي الوساوس إلى السامعين حينما يسمعون النبي، أو يسمعون الرسول، قال: ألقى الشيطان في قراءته، ليس في قراءته يعني على لسانه، المراد: حينما يستمعون إلى قراءته، فهو يلقي في أسماع المستمعين للنبي، أو في عقولهم، وقلوبهم، فهم حينما يسمعون النبي يلقي أمامهم شكوكًا، ويلقي عليهم شبهات؛ فحينئذ لا يتفطنون إلى المقصود من هذه الآيات القرآنية، فتكون امتحانًا وابتلاءً.

فقال: ﴿أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ﴾ يعني في أمنيته يعني: في قراءته، ليس في قراءة النبي؛ وإنما فيما يتلقاه المستمعون من قراءة هذا النبي، أو الرسول، فماذا يقع بعد ذلك؟ قال: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ أي ينسخ الله آثار ما يلقي الشيطان، ما معنى ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى﴾؟ كأن هنا تقديرًا أي: فينسخ الله آثار، يعني: يزيل هذا الأثر، بمعنى أن هذه الشبهات، وتلك الترهات، والوساوس لا تستقر، فأهل الإيمان يستعيذون بالله قائلين: نعوذ بالله؛ بل هذا كلام الله حقًا وصدقًا، ونحن نؤمن به، ونقر بما فيه، ونسلم به، كما علمنا الله عز وجل ذاكرًا قول أولي الألباب: ﴿امَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [آل عمران:7] وهم الراسخون في العلم.

قال الله: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ﴾ يعني: يثبت الآيات على الفهم الصحيح، إذًا تطرأ شبهات عند المستمعين للوحي، القرآن أو غير القرآن من الوحي، فتذهب هذه الشبهات، ويبقى الكتاب كما هو، والوحي كما هو، ويحكم الله عز وجل آياته فتبقى ثابتةً، متقنة، واضحةً جلية، لا إشكال فيها ولا لبس بفضل سبحانه وتعالى، هذا هو المعنى الذي قال به كثيرٌ من المحققين، وكما قلت فهو المشهور على لسان السلف رحمهم الله تبارك وتعالى.

وقد نسبه ابن الجوزي، وغيره إلى الجمهور، نسب ابن الجوزي، وغيره إلى الجمهور أن المراد بـ ﴿تَمَنَّى﴾ هنا التلاوة، ومنه قولهم في عثمان رضي الله عنه: تمنى كتاب الله أول ليله، ما معنى تمنى كتاب الله؟ يعني: قرأ كتاب الله أول ليله، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ﴾ [البقرة:78] فمن الأقوال في تفسير قوله: ﴿إِلَّآ أَمَانِىَّ﴾ وتقدم معنا في سورة البقرة، أي: إلا تلاوة بلا فهم، فمعنى ﴿أَمَانِىَّ﴾ قالوا: تلاوة بلا فهم، وإن كان فيها القول الآخر وهي أنها متمنيات، ومشتهيات، وما إلى ذلك، وأكاذيب تلقفوها.

قال الله سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ﴾ بل قال ابن القيم والسلف كلهم على أن المعنى: إذا تلا ألقى الشيطان؛ لكن في الحقيقة ورد عن محمد بن كعب القرظي تفسير التمني بالتمني المعروف وهو: أن الإنسان يتمنى، أن يريد، فيكون المعنى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ﴾ أي: لديه الأمنية؛ ولذلك قال: ﴿أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ﴾ فجعلوا هذا من التمني، من الأمنية.

وهذا القول قال به عددٌ من المفسرين، ومالوا إليه كأبي حيان، والقاسم، وغيرهما، ومن أدلتهم على ذلك أن هذا هو الأشهر في معنى التمني، فالأشهر في اللغة العربية أن معنى التمني هو: التمني المعهود، ومعنى الإرادة، وعليه فلا إشكال أيضًا في تفسير الآية؛ لأنه سيكون المعنى ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِىٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ﴾ أي: تمنى الرسول أن يؤمن قومه به، تمنى الرسول أن يستجيب الناس لدعوته، تمنى الرسول أن يفهموا الوحي حقًا وصدقًا.

فماذا يصنع الشيطان؟ يترصد الشيطان لدعوته ﴿أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ﴾ أراد أن يضع العوائق، والعراقيل أمام دعوة النبي، وأمام تمنيه أن يسلم قومه، فماذا يكون بعد ذلك، ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ هذه العداوة، وهذه المعوقات يزلها الله، ويزيحها، وينصر الله الأنبياء والمرسلين، ويستجيب الناس لدعوة الأنبياء والمرسلين بحسب ما قدر ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ لكن مما يرجح أن المراد به القراءة أن هذا هو الأشهر في التعبير بقوله: ﴿فَيَنسَخُ﴾ والتعبير بقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ﴾ فهذا أكثر، وأشهر في مسألة القراءة، ثم أنه المشهور عن أكثر السلف رحمهم الله تعالى؛ لكن على كلٍ على كلا القولين فلا إشكال في الآية، ولله الحمد والمنة.

فإنَّ قلت: فما وجه ذكر الآية هنا؟ فيبدو لي والله أعلم أن من المناسبة في ذلك أن الله ذكر قبلها ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْا۟ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ [الحج:51] ومن أشد الناس طلبًا لهذا، ورغبةً في تثبيط الناس عن الخير، وكذلك الذين يريدون صرف الناس عن الحق، الشيطان الرجيم فذكر الله أعظم الذين يسعون في آيات الله عز وجل معاجزين، ﴿إِلَّا﴾ وهو الشيطان الرجيم، ثم بين أنه لن ينتصر، وأن الله غالبٌ على أمره، والحمد لله رب العالمين.

﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ [الحج:53] إذا سأل سائلٌ وقال: وكيف يسلط الله الشيطان على الناس؟ أو كيف يتمكن الشيطان من الإغراءات، وإلقاء الوساوس، والشكوك، والشبهات؟ فيقال: هذا على الابتلاء، هذه محنة، هذا ابتلاء يقع فيه من يقع، وينجي الله فيه من ينجي من أهل الإيمان، فهي محنة وفتنة؛ لذلك قال: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ قالوا هنا: ﴿يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ في قراءة النبي؛ ليصير الله ما يلقيه امتحانًا للمنافقين، فما معنى ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً﴾؟ أي: امتحانًا ﴿لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ هل سيستسلمون لأمر الله، ولوحي الله، ويقولون: الوحي حقٌ وصدق، والخلل فينا وفي فهمنا؟ أم ماذا يصنعون؟ ﴿وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾.

وقوله سبحانه: ﴿لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ فذكر قسمين فقوله: ﴿لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ قالوا المراد بهم قالوا: للمنافقين، فسروا قوله: ﴿لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ بالمنافقين؛ لأن المنافقين في قلوبهم مرض، كما قال الله في سورة البقرة: ﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة:10].

وأما قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قالوا: وللذين قست قلوبهم من المشركين؛ لأن المشرك قاسي القلب، فإذًا جمع الله بين المنافقين والمشركين قال: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ لَفِى شِقَاقٍۭ بَعِيدٍ﴾ ولم يقل وإنهم؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَإِنَّ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ فهذا من وضع الظاهر في موضع المضمر؛ للدلالة على أنهم ظالمون، إذ قدموا تلك الوساوس، والشكوك على وحي ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:54] ﴿وَلِيَعْلَمَ﴾ أي: وليتيقن، ﴿ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ﴾ الذين أعطاهم الله العلم، ﴿أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أنه الحق قالوا هنا: أن القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، فيكون الضمير عائدًا على القرآن وإن لم يتقدم له ذكرٌ؛ لكن لأنه مناسب للقراءة، وقراءة الرسول هي للقرآن الكريم، ولقائلٍ أن يقول: بل نبقى على عموم الآية، فيكون ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ﴾ أي: الذي قرأه الأنبياء والمرسلون من الوحي، ﴿أَنَّهُ﴾ أي: المنزل على الأنبياء والمرسلين.

﴿أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ﴾ وهذا فيه أن العلم، والإيمان طريقٌ للإخبات، وهذا الإخبات تقدم ذكره ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في هذه السورة المباركة ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:34] فمن أراد أن يصل إلى رتبة الإخبات فعليه بالإيمان، والعلم فحينئذ يخبت قلبه، يتطامن، ويتواضع، ويطمئن، ويستسلم لله سبحانه وتعالى؛ ولذلك من كان بالله أعرف كان له أخوف.

قال الله سبحانه: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:54] جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.

ثم قال: ﴿وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ [الحج:55] لا ﴿يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى﴾ شكٍ منه، ﴿مِنْهُ﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله: ﴿مِنْهُ﴾؟ قالوا: ولا يزال الذين كفروا بالله، وكذبوا برسوله صلى الله عليه وسلم في شكٍ منه، مما أنزل الله عليك من القرآن، إذًا منه إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الضمير في قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ﴾ [الحج:54]، ﴿فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ ومن الوحي: الساعة، والقيامة، والآخرة؛ لذلك جاء بعدها ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.

قال: ﴿وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ أي: في شكٍ منه، ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ والمراد بالساعة: الآخرة، القيامة، ﴿بَغْتَةً﴾ أي: فجأة، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ ما المراد باليوم العقيم؟ قالوا هنا: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ﴾ لا رحمة فيه ولا خير، وهو يوم القيامة بالنسبة لهم، إذا ما معنى ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾؟ قالوا: المراد به عذاب الآخرة، ﴿وَقِيلَ﴾ له: يومٌ عقيم؛ لأنه لا خير فيه لهم، كما أن العقيم لا ولد له، والمراد هنا لا خير لهم فيه، وقالوا أيضًا: لأنه لا يوم بعده، ولا ليلة بعده؛ فلذلك قال: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. فهو آخر الأيام، وهو اليوم المستمر نسأل الله السلامة.

﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ بعض المفسرين قالوا: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ هو يوم بدر؛ لأنه لما جاء أهلكهم الله عز وجل، فلم يمسوا إلا وقد أبيدوا واستؤصلوا، والذي حملهم على ذلك قالوا: لأنّّ الله قال قبلها: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ﴾ فقد ذكر الساعة، وحينئذٍ ذكر بعد ذلك العذاب الدنيوي فقال: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ فتكون الآية ذكرت العذابين: عذاب الآخرة، وعذاب الدنيا؛ لكن بعض العلماء قالوا: إن الأنسب لوصف اليوم بأنه يومٌ عقيم وصف يوم القيامة بذلك لا يوم بدر.

ويشهد لترجيح أن المراد بـ ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أنه عذاب الآخرة أن الله قال بعدها: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج:56] فقوله: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم هذا اليوم العقيم، ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ فهذا مناسب للآخرة.

قال: ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ فإنْ قال قائل: هذا يكون من عطف الشيء على نفسه، فيقال: أجاب العلماء عن ذلك أن يكون المعنى حتى تأتيهم مقدمات ﴿ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾، أو يأتيهم عذابها، إذًا ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ﴾ أي مقدمات الساعة، أو يأتيهم العذاب نفسه، أو أن يقال: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً﴾، أو يأتيهم عذابها؛ لأن قوله: ﴿حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ﴾ كأن المعنى حتى يأتيهم اليوم الآخر، ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يعني: عذابه، يعني حتى يأتيهم اليوم، أو يأتيهم عذابه، فيكون الله قد ذكر اليوم، وذكر عذابه، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

[من فوائد الآيات]:

استدراج الظالم حتى يتمادى في ظلمه سنةٌ إلهية، قال الله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ﴾ [الحج:48] وتكون هذه الآية مبينة للآية التي سبقت ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَـٰهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج:45] أي: أهلكناها بعد إملائها، على القول بأن الآية السابقة، وهذه الآية بمعنىً واحد، أو قريب.

حفظ الله لكتابه من التبديل والتحريف وصرف مكائد أعوان الشيطان عنه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ ءَايَـٰتِهِۦ﴾ [الحج:52] فمن إحكامه الآيات حفظ تلك الآيات، وإثباتها، وبقاؤها.

النفاق وقسوة القلب مرضان قاتلان، قال الله عز وجل: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:53] نسأل الله السلامة.

الإيمان ثمرة للعلم، والخشوع والخضوع لأوامر الله تعالى ثمرة للإيمان، قال الله: ﴿وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا۟ بِهِۦ﴾ [الحج:54] فهم علموا الحق فآمنوا، ولما آمنوا خشعوا وأخبتوا، قال: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:54].

قال الله سبحانه: ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [الحج:56] ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ [الحج:56] أي يوم القيامة، يوم يأتي هؤلاء ما كانوا يوعدون به من العذاب، لله وحده يحكم بينهم؛ ولذلك تقدم معنا أن يوم القيامة يقال: له يوم الفصل.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [الحج:56] ذكر الله جزاء المؤمنين الذين يعملون الصالحات في جنات النعيم، جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.

﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [الحج:57] وهذا فيه إشارة إلى أن الآية جاءت على سبيل التفصيل ﴿ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ كأن المعنى فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ففي جنات النعيم، ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وقوله: ﴿مُهِينٌ﴾ أي: مذل، يذلهم الله به في جهنم، وأنت إذا تتبعت آيات القرآن الكريم، ووصف العذاب بالمهين لا تجده إلا في حق الكافرين، ﴿وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [المجادلة:5]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء:102]، ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾[النساء:151] أما العذاب العظيم مثلًا فجاء في حق عصاة المؤمنين، أو فيما يخشى على المؤمنين من أن يقعوا فيه؛ ولذلك قال الله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِى مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾[النور:14]أما الإهانة والإذلال فهذا في حق الكافرين الذين تمردوا وكفروا بآيات ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ [الحج:58]

بعد أن ذكر الله المؤمنين الذين يعملون الصالحات خص المهاجرين بالذكر؛ تنويهًا بشأنهم، وإكرامًا لهم فقد قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [الحج:58] قالوا هنا: والذين تركوا ديارهم وأوطانهم؛ طلبًا لمرضات الله، وإعزازًا لدينه.

﴿ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ثم قتلوا في الجهاد في سبيله، أو ماتوا، قال بعضهم: هذا يدل على أنهم سواءٌ قتلوا أو ماتوا فلهم الأجر، ولهم الثواب، ومنهم من قال: بل من قتل أفضل؛ لأن الله قدمه في الذكر، على كل حال، فمن أخلص النية لله، ونوى بهجرته ابتغاء مرضات الله؛ فإذا أدركه الموت فكما قال الله: ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:100].

قال: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ قالوا: وليرزقنهم الله في الجنة رزقًا حسنًا دائمًا لا ينقطع، إذًا ما المراد بالرزق؟ قالوا: رزق الجنة؛ ولذلك وصفه بأنه حسن، فهو حسنٌ؛ لأنه دائم لا ينقطع، ومنهم من قال: بل المراد به: رزق الدنيا، وعلى هذا فمعنى رزقًا حسنًا أي حلالًا طيبًا.

ويشهد لرزق الآخرة أن الله قال بعدها ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُۥ﴾ [الحج:59] والمراد به مدخل الجنة، وحينئذٍ يكون قوله: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُۥ﴾

تفسيرٌ وبيانٌ بعد قوله سبحانه: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ ولا مانع من أن يقال بالأمرين فالله يرزقهم في الدنيا، ويرزقهم في الآخرة أيضًا؛ فلذلك المهاجر سيعطيه الله ما قدر الله عز وجل له من رزقٍ حلال، ولا يظن أنه بسبب هجرته، أو جهاده سينقطع رزقه، أو سيقل رزقه، أو سيفتقر بل سيغنيه الله سبحانه وتعالى من فضله.

قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ سبحانه وتعالى، ﴿لَيُدْخِلَنَّهُم مُّدْخَلًا يَرْضَوْنَهُۥ﴾ [الحج:59] موضعًا يرضونه وهو الجنة، ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:59] فهو عليمٌ بالأفعال والنيات، وحليمٌ فلا يعاجل بالعقوبة فيما فرطوا فيه؛ بل يتجاوز عنهم سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:60] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك المذكور من إدخال المهاجرين في سبيل الله الجنة، ومن الإذن بمقابلة المعتدي بمثل ما اعتدى بحيث لا ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ في ذلك فإذا عاود المعتدي اعتداءه فإنَّ الله ينصر المعتدى عليه، إذ قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك المذكور الذي ذكره الله من فضل الهجرة في سبيله، وأن لهم الرزق الحسن، وأن الله يدخلهم مدخلًا يرضونه.

الأمر ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ﴾ ناسب هذا أن يذكر بعد ذكر الهجرة؛ لأن المهاجر ما هاجر إلا بسبب هذا الاعتداء الذي اعتدي به عليه؛ فاضطر لترك وطنه، ولترك داره، فإذا تمكن وقوي وقدر على أن يرد هذا، وأن يعاقب من عاقبه، ومن اعتدى عليه فلا ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ حينئذٍ.

﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ﴾ وتأمل قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ﴾ والأصل أنه لم يفعل إثمًا في البداية حتى يعاقب فقوله: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ﴾ هم عاقبوا من عاقبهم، أما عقابهم هم فهو ردٌ على من عاقبهم، وعلى من أساء إليهم؛ لكن الله قال: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ﴾، ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ﴾ وكأن المؤمنين عوقبوا ابتداءً فماذا صنعوا حتى يعاقبوا؟

قال بعضهم: لأنهم لما تركوا دين هؤلاء؛ رأوا أنهم حينما ينزلون عليهم البأس والعذاب فهذا من عقابهم، فلأن المؤمنين تركوا دين المشركين، وتركوا عبادة الأوثان؛ رأى المشركون أنه لا مناص عن تعذيب أهل الإيمان حينئذٍ، وأن هذا التعذيب هو عقابٌ لهم على ترك ما كان عليه الآباء والأجداد؛ فلذلك جاء التعبير بذلك، أو أن يكون هذا من باب المشاكلة اللفظية كما هو مشهورٌ في البلاغة، ومنه ما تقدم في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَزَٰٓؤُا۟ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى:40].

قال الله سبحانه: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ﴾ المؤمن عاقب الكافر بمثل ما عوقب به، إنسان اعتدى على آخر؛ فرد المعتدى عليه من جنس ما اعتدى عليه المعتدي، رد بقدر العقوبة، والعقوبة على قدر الإساءة، ثم عاد مرةً أخرى هذا الجاني فعاقب مرةً أخرى، واعتدى مرةً أخرى فقال الله: ﴿ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ﴾ فتأملوا يا أيها الإخوة الكرام، يقول أهل العلم: إن الله وعد هذا المؤمن الذي استطاع أن يرد اعتداء المعتدي، وأن يأخذ بحقه، وعده ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ بُغي عليه مرةً أخرى أن ينصره الله، قالوا: فما بالنا بمن اعتدي عليه مرةً، ثم مرةً، ثم مرة؛ ومع ذلك لم يعاقب أصلًا، فلا شك أن الله ناصره، إذا كان ربي ينصر من بُغي عليه بعد أن أخذ حقه، فكيف بمن لم يأخذ حقه، ابتداءً ولا انتهاءً؛ فإنَّ الله ناصره.

قال: ﴿لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ قد يقول قائلٌ: ما وجه هذه الفاصلة هنا؟ وما وجه مناسبتها؟ ﴿لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ﴾ لم يقل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ قال بعضهم: كأن في هذا إلماح إلى الدعوة إلى العفو والصفح، كما جاء في مواضع أخرى قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا۟ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِۦ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّـٰبِرِينَ﴾ [النحل:126] فاستغني عنه بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: اعفوا واغفروا فالله عفوٌ غفور، وأيضًا قالوا: الذي يعفو ويغفر هو القادر، فلما ذكر العفو والمغفرة دل على قدرته أيضًا فالمعنى ﴿لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ﴾ لأنه القوي العزيز؛ ولذا يقدر، ويعذب، ويعفو، ويغفر، ويحاسب، ويعاقب، وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ [الحج:61] ﴿ذَلِكَ﴾ قد يقول قائل أيضًا: ما وجه هذه الآية؟ وما مناسبتها لما قبلها؟ فيقال: أحسنوا هنا في المختصر إذ قالوا: ذلك النصر للمعتدى عليه؛ لأن الله قادر على ما يشاء، ومن قدرته ادخال الليل في النهار، والنهار في الليل بزيادة أحدهما، ونقص الآخر، فهم بينوا لنا وجه المناسبة؛ لأن القائل يقول: ما علاقة قوله: ﴿يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ﴾ بقضية الانتصار؟ الجواب: الله ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك النصر الذي ينصر الله به من اعتُدي عليه؛ لأن الله قدير، ومن قدرته أنه ﴿يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ﴾ إذًا قوله: ﴿يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ﴾ بيانٌ لبعض مظاهر قدرة الله سبحانه على أنه عز وجل قادرٌ على نصرة المعتدى عليه.

فيا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المظلوم أبشر فإنَّ ربك قادر، ومن مظاهر قدرته أنه ﴿يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ﴾ وفي ذكر إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل مناسبةٌ أيضًا، والعلم عند الله.

ووجه ذلك أن الليل ضد النهار، وأن النهار ضد الليل، والمظلوم ضد الظالم، وأحدهما غالب والآخر مغلوب، فالمعنى هذا المغلوب سينصره الله ويجعله غالبًا، وهذا الظالم الغالب سيجعله الله مغلوبًا مهزومًا، فناسب هذا ذاك، والعلم عند الله.

وأيضًا كأن الليل إشارة إلى الكفر والظلام، والنهار إشارة إلى التوحيد والإيمان، فالله قادر على أن يرفع شأن المؤمن والمؤمنين، والعلم عند الله.

ومن جهةٍ أخرى ففيه إشارة إلى تقلب الأحوال؛ لأن الله يدخل الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل فتتقلب الأحوال، وكذلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المظلوم أبشر فإنَّ الله قادرٌ على تبديل الأحوال، وعلى نصرك بعد أن كنت مهزومًا، وعلى أن يقويك بعد أن كنت ضعيفا.

قال الله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ﴾ ما معنى يولج؟ قالوا: يدخل، ومن قدرته ادخال الليل في النهار، فأصل المادة ولج، ولج، يلج يعني: دخل، يدخل، ولعلكم تتذكرون ما سبق معنا في تفسير سورة التوبة، سورة براءة في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا۟ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ [التوبة:16] ما معنى وليجة؟ يعني بطانة؛ لأن بطانة الشخص داخله، هم أدخل الناس، أو أعلق الناس به، وألصق الناس به

ولذلك من الجميل واللطيف من يدرس علوم التفسير أن يدرك في معاني المفردات، أو غريب الألفاظ القرآنية، الكلمة ومشتقاتها، فيدرك التصريفات، وهذا ما اعتنى به بعض العلماء كما تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في كتاب تحفة الأريب، نسأل أن يعيننا على التمام، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.

قال: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ قالوا أيضًا: وأن الله سميعٌ لأقوال عباده، إذًا ما معنى يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل؟ قالوا: بزيادة أحدهما ونقص الآخر، أو يدخل الظلام على الضياء، ويدخل الضياء على الظلام، هذا معنىً ثاني، وتقدم مثل ذلك ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.

قالوا: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ أي: وأن الله سميعٌ لأقوال عباده، عليمٌ بأفعالهم، لا يخفى عليه شيءٌ منها، وسيجازيهم عليها، كأن المعنى أيضًا: وذلك أيضًا أن الله سميعٌ بصير تعليلٌ أيضًا لنصر هذا المعتدى عليه؛ ولذلك تأملوا لم يقل الله، ذلك بإن الله يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل إن الله سميعٌ بصير، لم يقل ذلك؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ إذًا هو معطوف على قوله: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ﴾ أي: ذلك النصر بأن الله قادر، ومن صور، أو من مظاهر قدرته ادخال الليل في النهار، وادخال النهار في الليل، وأيضًا الله ينصره؛ لأنه سميعٌ بصير؛ فلأنه السميع البصير فهو يعلم من الظالم، ومن المظلوم، ومن الذي له الحق، ومن الذي اعتدى، لا يخفى عليه شيءٌ سبحانه وتعالى.

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ﴾ [الحج:62] ﴿ذَلِكَ﴾ قالوا: ذلك المذكور من ادخال الله الليل في النهار، والنهار في الليل؛ لأن الله هو الحق، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ﴾ كما قرر الله أنه ينصر المعتدى عليه، الذي هو مظلوم، قرر الله سبحانه أن ذلك لأنه قادر، وهذا القادر الذي يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، والذي يسمع عباده ويبصرهم، فهو المعبود بحق سبحانه، وليس كما يصنع هؤلاء المعتدون، فإذا كان المعتدون سيغلبون، فكذلك آلهتهم باطلة، فلما بين أن هذا المعتدي سيهزمه الله ويغلبه؛ بين أن آلهته التي يعبدها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ لا تنفعه؛ لأنَّها باطلة، وأما المؤمن فهو يحتمي بالحق سبحانه.

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ﴾ وما معنى قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ﴾ يعني: لا ينفع صاحبه، باطل لا ينفع صاحبه، باطل غير مطابق للحقيقة، وليس معناه أنه غير موجود؛ لأن الآلهة التي عبدوها كانت موجودة إلا أنها غير حقة، فهذا معنى الباطل.

قال: ﴿هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ﴾ وتأملوا جاء التأكيد هنا في سورة الحج ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلْبَـٰطِلُ﴾ بخلاف ما جاء في سورة لقمان ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ﴾ [لقمان:30] لأن سورة الحج قامت على التأكيد؛ ولذلك إذا تأملت السورة تجد المؤكدات فيها كثيرةً جدًا، ومن ذلك ما تقدم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:60] وقبلها ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:59] وهنا ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ [الحج:61] وبعدها ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ﴾ [الحج:62] وبعدها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾[الحج:63] وبعدها ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾[الحج:64] تأكيدات كثيرة في تقريرات هذه السورة المباركة.

قال الله: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ﴾ قالوا: العلي على خلقه ذاتًا وقدرًا وقهرًا سبحانه وتعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾، قال: الكبير الذي له الكبرياء، والعظمة، والجلال.

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج:63] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تقدم مرارًا أن ألم هذا يقال له استفهامٌ تقريري، ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ترى بماذا؟ ترى بعينك، وترى ببصيرتك، فالرؤية هنا رؤية بصرية، ورؤية البصيرة أيضًا، رؤية بصرية، والرؤيا بمعنى: العلم، فالمعنى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ لأننا نرى نزول الماء من السماء، ﴿فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ هذا من تعداد نعم الله، ودلائل قدرته، فوجه ذلك أن الله لما ذكر بعض آياته، ومن ذلك إيلاجه الليل في النهار، وإيلاجه النهار في الليل، ذكر بعض ما يتعلق أيضًا بذلك من آيات الله في خلقه، وفي السماء، وفي الأرض.

فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ وهذا من دلائل أنه حق سبحانه وتعالى، ﴿فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أي تصبح الأرض بعد نزول المطر عليها خضراء بما أنبتته من نبات، قال: ﴿فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ الفاء كما يقولون: تعقيبٌ من باب تعقيب كل شيء بحسبه، يقولون في الفاء لأننا حينما ندرس اللغة يقولون: إن الفاء للتعقيب، تعلمنا مرارًا أنهم يقولون: إن الفاء للتعقيب تدل على السرعة، فيقال: وهذا بحسبه، المراد ليس هناك فاصل فيما يعتاد أنه فاصل، وإلا فكل شيءٍ بحسبه، فمثلًا يقال: امرأةٌ، هذه المرأة تزوجت، فحملت، فولدت، من المعروف أنها لم تلد إلا بعد مضي مدة الحمل؛ لكن المعنى أنه بعد حملها ولدت مباشرة، أي: ليس هناك فترة بينهما، وهكذا يستعمل هذا بحسبه، وهذا ما معناه؛ لأن الله لما قال: ﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ الأرض لا تصبح مخضرة مباشرةً عقب نزول الماء؛ وإنما بعد مرور المرحلة تهتز الأرض وتتحرك، وبعد ذلك يحدث لها ما يحدث فتصبح الأرض مخضرة.

ولم يقل فأصبحت الأرض؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿فَتُصْبِحُ﴾ لتصوير تلك الحالة، واستحضارها في الذهن وأنت تراها وهي جليلة وجميلة، ولعل هذا والعلم عند الله من أسرار التعبير بقوله: ﴿فَتُصْبِحُ﴾؛ لأن الإنسان يسمع الأخبار السارة من بداية الصباح، ﴿فَتُصْبِحُ﴾ يعني وأنت تصبح تراها مخضرة، فحينئذ تدخل عليك السرور والبهجة، وتعلم أنها آية من آيات الله.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ وذكر اللطف والخبرة مناسبٌ لذلك؛ لأن هذا الماء حينما ينزل إلى الأرض؛ فينبت الله عز وجل بسبب هذا الماء ما يشاء الله عز وجل له أن ينبت، هذه الحبوب التي تكون في باطن الأرض، من الذي يوصل إليها هذه المياه؟ ومن الذي يستخرج منها الزرع؟ ويستخرج منها هذا الأخضر؟ إنه الله سبحانه، فهذا من خبرته، وعلمه ببواطن الأمور، ومن لطفه، ورفقه، وإحسانه بعباده عز وجل.

﴿لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الحج:64] سبحانه وتعالى له وحده ملك ما في السماوات، وملك ما في الأرض، وأسلوب الحصر واضح من تقديم ما حقه التأخير؛ لذلك قالوا: له وحده؛ لأن أصل الكلام ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلْحَىُّ ٱلْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُۥ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذْنِهِۦ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ ۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْعَظِيمُ﴾ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ له.

قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ [الحج:64] مع هذا كله فهو الغني الحميد، لا يفتقر إلى أحد، ولا يحتاج إلى أحد سبحانه وتعالى، وهو الحميد فهو المحمود سبحانه وتعالى، محمودٌ في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، سبحانه تبارك وتعالى.

[من فوائد الآيات]:

مكانة الهجرة في الإسلام وبيان فضلها، قال الله: ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓا۟ أَوْ مَاتُوا۟ لَيَرْزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ [الحج:58]؛ ولذلك السورة الكريمة ذكرت الجهاد، وذكرت الهجرة، وذكرت كل أبواب الخير؛ ولذلك سيأتينا في آخرها ﴿وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:77]

جواز العقاب بالمثل، قال الله: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ﴾ [الحج:60] فهذا فيه أنه حينما عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ فلا حرج عليه.

نصر الله للمعتدى عليه يكون في الدنيا، أو الآخرة، ولذلك قوله: ﴿لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:60] قد ينصره في الدنيا، وقد ينصره في الآخرة؛ ولذلك قال الله: ﴿وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:227].

إثبات الصفات العلا لله بما يليق بجلاله كالعلم، والسمع، والبصر، والعلو.

مكانة الهجرة في الإسلام وبيان فضلها. جواز العقاب بالمثل. قال قالوا نصر الله للمعتدى عليه يكون في الدنيا أو في الآخرة. إثبات الصفات العلا لله بما يليق بجلاله والسمع والبصر والعلو. وهذه موجودة في هذه الآيات الكريمة، قال الله: ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ [الحج: 61] ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ﴾ [الحج:62] وقال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:59] ولذلك أسماء الله كما قالوا أعلامٌ، وأوصاف، فليست أعلامًا جامدة؛ وإنما كل اسمٍ يتضمن صفةً، فاسم الله العليم يدل على العلم، واسم الله الحليم يدل على الحلم، وهكذا...

قال الله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج:65] يعدد الله سبحانه وتعالى بعض نعمه، وبعض دلائل قدرته سبحانه وتعالى، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ أي: ذلل لك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول، وللناس ما في الأرض، وقوله: ﴿مَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ ما من صيغ العموم؛ لذلك قالوا: من الدواب، والجمادات لمنافعكم، وحاجاتكم.

﴿وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ﴾ وأيضًا سخر لكم الفلك، والمراد بالفلك: السفن، وذلل لكم السفن تجري في البحر بأمره، وتقدم معنا أن الفلك قد يطلق على السفينة، وقد يطلق على السفن، فلما قال هنا: ﴿وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى﴾ [الحج:65] ولم يقل يجري، فعرفنا أن المراد بالفلك هنا الجمع، فالفلك يطلق على المفرد، وعلى الجمع، ويعرف هذا من السياق.

﴿وَٱلْفُلْكَ﴾ أي: وذلل لكم السفن تجري في البحر بأمره، ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ﴾ هذا كله من دلائل قدرته سبحانه وتعالى.

﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ﴾ أي: أن تسقط على الأرض إلا بإذنه، فلو أذن لها أن تسقط عليها لسقطت، كما قال الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:41]

إذا تأملتم هذه الآية الكريمة يا أيها الإخوة الكرام، وجدتم أنها استوعبت العوالم الثلاثة: البر، والبحر، والجو، البر والبحر والجو، فقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ هذا عن البر، ﴿وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ﴾ هذا هو البحر، ﴿وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِۦٓ﴾ هذا هو الجو، فالله له ملك كل شيء سبحانه وتعالى.

ثم ختم الله الآية بقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ حيث سخر لهم هذه الأشياء مع ما فيهم من ظلم؛ لذلك هناك في فاطر قال: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:41] لم يعاجلنا بالعقوبة، أنعم علينا، وأنزل إلينا الخيرات مع أنَّ شرنا إليه صاعد، نسأل الله السلامة، ومع أن ذنوب الناس تتكاثر إلا من رحم الله سبحانه.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة