مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة الحج — الجزء 5

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 354 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

ثم قال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاكُمْ﴾ أي: وهو وحده الذي أحياكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ ما المراد بقوله: ﴿أَحْيَاكُمْ﴾ الأولى ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاكُمْ﴾ أي: أوجدكم بعد أن كنتم معدومين، كما معنا في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ﴾ [البقرة:28] يعني: وكنتم عدمًا، ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أوجدكم.

قال هنا: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ إذا انقضت أعماركم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ أي: بعد موتكم ليحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها.

﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَكَفُورٌ﴾ إن الإنسان لكثير الكفر، والمراد بالكفر هنا: الجحود؛ ولذلك قالوا: لكثير الجحد لنعم الله، مع أنها ظاهرة بعبادته معه غيره أي: يعبد غير الله، يصرف العبادة لغير الله، ولا يشكر الله سبحانه وتعالى، والمراد بقوله: ﴿إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ الإنسان الكافر، أو جنس الإنسان إلا من وفقه الله سبحانه وتعالى.

ثم قال سبحانه: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ ۚ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:67] ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ ما المراد بالمنسك؟ قالوا: الشريعة، ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ أي: جعلنا شريعة، فالمنسك المراد به: الشريعة على قول كثيرٍ من المفسرين يقولون: أن المراد بالمنسك: الشريعة، ومنه النسك؛ ولذلك النسك الشرائع عمومًا.

فقال: ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ فتكون الآية في معنى قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:48] قال: ﴿هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أي: يتعبدون لله عز وجل به، والمعنى: لكل أهل ملة جعلنا شريعة، وأنت لك شريعتك التي أنزلها الله عز وجل إليك، فلا تلتفت إلى مجادلتهم، وأمضِ على بركة الله، فأنت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، وعلى الهدى، هذا معنى الآية الكريمة ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ۖ فَلَا يُنَـٰزِعُنَّكَ فِى ٱلْأَمْرِ﴾ لا تقبل مجادلتهم، ولا تقبل نزاعهم.

قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾ وتكون هذه الآية في معنى قوله: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ ۖ وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:87] فتكون من هذا القبيل، قال: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ وبعض العلماء فسر المنسك هنا بالذبح، كما مضى معنا في قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ [الحج:34] فقالوا: لأن المشركين جادلوا الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الذبح؛ لأنهم كانوا يقولون: كيف تمنعون أكل ما قتل الله عز وجل وأنتم تأكلون ما تقتلونه؟ وتقدم معنا ذلك في سورة الأنعام، فيكون هذا هو المنازعة التي نازعوا فيها.

قال الله عز وجل: ﴿وَٱدْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدًى مُّسْتَقِيمٍ﴾ كما قال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ [النمل:79]، وكما قال: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف:43]، وكما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:52] فالرسول عليه الصلاة والسلام يهدي إلى صراط الله المستقيم، فمن اتبعه فهو على الهدى والفلاح.

﴿وَإِن جَـٰدَلُوكَ﴾ امتنعوا إلا أن يجادلوك بعد ظهور الحجة، ففوض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم لا يبغون الحق، لا يريدون حقًا؛ وإنما هو الجدال من أجل الجدال، فقال: ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَقُلِ ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾: الله سبحانه وتعالى أعلم بما تعمل من عمل، لا يخفى عليه ﴿قَالَتِ ٱلْأَعْرَابُ ءَامَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوٓا۟ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ ٱلْإِيمَـٰنُ فِى قُلُوبِكُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَـٰلِكُمْ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ شيء، وسيجازيكم عليها.

﴿ٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج:69] في يوم الفصل كما تقدم معنا ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ [البقرة:62] إلى آخر الآية الكريمة.

ثم قال الله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:70] وكأني بك أخي الكريم تتذكر ما ذكره الله في صدر السورة ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَـٰنٍ مَّرِيدٍ﴾ [الحج:3] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج:8] فهذا من الجدال، فهذا من العود على البدء، ومن العلاقة بينهما ما يسمونه رد العجز على الصدر، فأول السورة تحدث عن جدال المشركين، وآخر السورة تحدث عن ذلك.

قال الله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ﴾ ما معنى ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ﴾ قالوا: إن علم ذلك في كتاب، ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾.

وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ ثم قوله بعد ذلك: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ﴾ يدل على مرتبتين من مراتب الإيمان بالقدر، فإنَّ الإيمان بالقدر له مراتب نص عليها العلماء وقالوا: إن مراتب الإيمان بالقدر أربع مراتب: (مرتبة العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق).

والآية ذكرت المرتبتين الأوليين: (العلم، ومرتبة الكتابة) ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ﴾ فالله عالمٌ بما كان، وما يكون، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ وقد كتب ذلك سبحانه وتعالى في لوحٍ محفوظ.

﴿إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قالوا: إن علم ذلك كله على الله سهلٌ، وهذا معناه أن اسم الإشارة ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ﴾ يعود على العلم المذكور في أول الآية في قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ﴾ إذًا ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ﴾ أي: إن علم ذلك، كما في قوله: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ﴾ فيكون اسم الإشارة ذلك في قوله: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ﴾ وأيضًا في قوله: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يعود على علم الله.

ولقائلٍ أن يقول: ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يعود على الكتاب؛ لأنه أقرب مذكور هنا، فيكون معنى ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ﴾ أي: إن هذه الكتابة على الله يسيرة، أو يقول: نجمع بين الأمرين وهو أقرب، والعلم عند الله؛ لذلك بعض المفسرين قالوا: إن علم ذلك وكتابته على الله يسيران، وهذا أقرب، فلو قيل به لكان أفضل، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال الله عز وجل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِۦ عِلْمٌ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [الحج:71] ﴿وَيَعْبُدُونَ﴾ أي: ويعبد هؤلاء المشركون، ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا﴾ ليس لديهم دليل عليه، وقوله: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا﴾ ليس لديهم دليل نقلي، وقوله بعده: ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِۦ عِلْمٌ﴾ أي: دليلٌ عقلي، وقدم الدليل النقلي لشرفه، إذًا ليس معهم حجة نقلية من الوحي، وليس معهم دليل من العقل.

﴿وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ لم يقل وما لهم من نصير؛ لتسجيل الظلم عليهم؛ لأنهم لم يتبعوا دليلًا لا نقليًا، ولا عقليًا.

ثم قال: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ [الحج:72] بين حالهم عند تلاوة آيات الله، ﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْمُنكَرَ﴾ نسأل الله السلامة؛ ولذلك أهل الكفر والضلال، ويلحق بهم أهل البدع إذا سمعوا الحق أعرضوا عنه، وظهر هذا في وجوههم، في صفحات وجوههم، لا يقبلون بل يعترضون عليه.

﴿تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْمُنكَرَ﴾ ينكرون هذا بعبوسهم، وإعراضهم عند سماعهم لها، ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا﴾ تأمل ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ ما معنى ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ قالوا: يكادون من شدة الغضب يبطشون بالذين يقرأون عليهم الآيات، يكادون يبطشون بهم، إذًا حينما يسمعون آيات الله ترى في وجوههم المنكر والغضب، والحنق، يكادون يضربون، ويوقعون العذاب، والوعيد، والضرب بهؤلاء التالين لآيات الله سبحانه وتعالى.

﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِنَا﴾ وتأمل ﴿يَكَادُونَ﴾ معروف باب كاد وأخواتها في النحو، وقد قالوا: إن الفعل الذي يأتي مع كاد وهو خبره يجرد من أن غالبًا، وهذا ما جاء به القرآن الكريم كما هنا ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ كما قال: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ﴾ [النور:35] وإن جاز دخول أن أيضًا كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ﴾ أي: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول، أفأخبركم بما هو شر من غيظكم وعبوسكم؟، هل أخبركم بشر من ذلكم؟ من هذا الذي يقع منه من الغيظ، والعبوس، وأنهم ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ﴾ ءَايَٰتِنَا ما الشر من ذلك؟ ما الحالة الأكره، والأسوأ؟

قال: ﴿ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ ولذلك قالوا هنا: هو النار؛ يعني هذا هو الشر، ما معنى شر؟ يعني أشر، فمعنى ذلك: أنهم يقعون في حالةٍ كريهة من الغيظ والحنق، فيقال لهم: هونوا على أنفسكم أمامكم ما هو أشد، فإذا كانت آيات الله عز وجل تمثل بمثابة السياط الذي ينزل على رؤوسكم حتى يجعلكم تهيجون، وحتى يجعلكم تفتكون بعباد الله المؤمنين؛ فهونوا على أنفسكم فأمامكم ما هو أعظم، وما هو أشد؛ لذلك بعض العلماء قال: ﴿أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ﴾ أي: بما هو أشد عليكم، وأكره إليكم مما سمعتموه من القرآن الكريم، النار؛ لذلك النار قالوا: خبر لمبتدأ مقدم، أي: الذي هو شرٌ من ذلكم النار، نسأل الله السلامة.

﴿وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ ولم يقل وعدها الله إياكم؛ وإنما قال: ﴿وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾ لتسجيل الكفر عليهم، اسأل الله السلامة.

[من فوائد الآيات]:

من نعم الله على الناس تسخير مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ ﴿لِّلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَإِن تُبْدُوا۟ مَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ ٱللَّهُ ۖ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ لهم، قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ وَٱلْفُلْكَ تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِۦ﴾ [الحج:65] الآية الكريمة

إثبات صفتي الرأفة والرحمة لله تعالى، قال الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحج:65] وتقدم معنا سابقًا التفريق بين الصفتين.

إحاطة علم الله بما ﴿فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا﴾ بينهما، قال الله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِى كِتَـٰبٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج:70]

التقليد الأعمى هو سبب تمسك المشركين بشركهم بالله تعالى، فسبب ذلك التقليد الأعمى، نسأل الله السلامة، قال الله عز وجل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِۦ سُلْطَـٰنًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِۦ عِلْمٌ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [الحج:71] فإذًا لم تكن لهم حجة نقلية، ولا عقلية، فمن أين قالوا هذا؟ قالوا: هذا من التقليد الأعمى ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:22] ولذلك وقعوا في الكفر والجحود، فنسأل الله السلامة.

قال الله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:73] يقول الله سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ نداءٌ آخر، نادى الله عز وجل به الناس في هذه السورة المباركة، فهي سورة ترسي القواعد الكلية، والأصول العامة، وتدل الخلق على طاعة الحق، وتدعوهم إلى التوكل على الله، وإلى تقوى الله سبحانه وتعالى.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ يحتمل والله أعلم أن قوله: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ أي: ضرب الله لكم مثلًا، وبعضهم قال: ضرب الكفار لله مثلًا، فالمعنى: أن الكفار ضربوا لله الأمثال، وقد نهى الله فقال: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا۟ لِلَّهِ ٱلْأَمْثَالَ﴾ [النحل:74] إذًا في قوله: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ قولان: ضرب الله مثلًا، ويكون المراد به: ما جاء بعده؛ لأن الله بعد أن قال: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ ذكر هذا المثل وهو: بيان عجز الأصنام، وعجز تلك الآلهة الباطلة، وهناك من قال: ضرب هؤلاء لله مثلًا فأعرضوا عنهم، ولا تكونوا مثلهم؛ لكن قوله: ﴿فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ﴾ دلالة على أن الله ذكره بعده؛ لذلك رجح كثيرون أن المراد ضرب الله مثلًا لكم فانتبهوا إليه.

﴿فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥ﴾ أي: فاستمعوا له، واعتبروا به، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ من أصنام وغيرها، ﴿لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ﴾ لن يخلقوا ذبابًا على صغره ولو اجتمعوا له، فكيف لو كانوا متفرقين؟ هؤلاء مع اجتماعهم لا يستطيعون خلق ذباب؛ لأن الله هو الخالق وحده سبحانه وتعالى.

﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ﴾ وهذا دالٌ على عجز الإنسان، وعلى فاقته وفقره، والسلب: أخذ الشيء بخفةٍ واختطاف؛ لذلك عبر هنا بقوله: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًٔا﴾ لأن الذباب يسلب هذا الشيء في خفاء، وفي لطفٍ.

قال: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾ قالوا هنا: وإذا أخذ الذباب شيئًا مما عليه من طيبٍ، وما أشبهه لم يقدروا على إنقاذه منه، فلو أن هذا الذباب تسلط على صنم من الأصنام، وأنتم تضعون على هذا الإله الباطل، على هذا الصنم، تضعون عليه الطيب، تتزلفون إليه، وتتقربون إليه؛ فيأخذ هذا الذباب هذا الطيب، لا تستطيعون أن تعيدوا هذا الطيب مرةً أخرى إلى الصنم، ولا يقدر الصنم نفسه على أن يدفع عن نفسه هذا الذي أراده منه الذباب، فهذا الصنم عاجز، وأنتم عاجزون، فكيف تعبدون تلك الأصنام التي لا تستطيع أن تدفع عن نفسها ضرًا من ذباب، فضلا عما هو فوق الذباب؟ فهل هذه تصلح للعبادة؟ هذا مثل يبين قبح ما عليه أهل الشرك، نسأل الله السلامة.

فقال: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾ لا يقدرون على استنقاذه، وهذه الآية الكريمة، تكلموا عنها كثيرًا فيما يتعلق بالإعجاز العلمي في الأيام هذه، في أيامنا هذه، أو في هذا العصر، حينما ذكروا أن الذباب إذا أخذ شيئًا استحاله وحوَّله، فكيف يمكن رده؟ والذباب ما إن يأخذ شيئًا إلا ويحوله إلى شيءٍ آخر، يتحول، فسبحان الله.

قال الله: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾ ما معنى الطالب؟ وما معنى المطلوب؟ قالوا هنا: ضعف هذا الطالب، وهو الصنم المعبود، الذي لا يستطيع إنقاذ ما استلبه الذباب منه، إذًا الطالب هو الصنم، والمطلوب الذي هو الذباب، فضعف الطالب والمطلوب، فالذباب ضعيف ذليل، وكذلك هذا الصنم ضعيف.

﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾ وبعضهم جعل ضعف الطالب والمطلوب على العكس؛ فقالوا: ضعف الطالب أي: ضعف الذباب؛ لأنه مع طلبه هذا الطيب فهو ضعيف، وكذلك المطلوب هو الصنم؛ لأن الذباب يطلبه، ومنهم من قال: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾ أي: ضعف عابد الصنم، والمطلوب وهو الصنم، فهذه أقوال قيلت في معنى ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾.

ويجتمع هذا كله في أنها ضعيفة، وأن الله هو القوي العزيز؛ لذلك ناسب أن يقول الله بعد ذلك: ﴿مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:74] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾.

﴿مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:74] تأملوا الآية التي قبلها ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ فهو يخاطب أهل الشرك؛ لذلك بعض العلماء قال المراد بقوله: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ أهل الشرك، وبعضهم قال: بل هي عامة، أو أن الخطاب للمؤمنين؛ حتى يعرفون ما عليه أهل الشرك من فسادٍ وضلال.

قال الله: ﴿مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ﴾ لم يقل ما قدرتم الله، هذا فيه التفات إعراضٌ عنهم، ﴿مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ﴾ حق تعظيمه، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ [الحج:75] قد يقول قائل: ما وجه المناسبة بين هذه الآية، والآيات السابقة؟ الآيات السابقة تحدثت عن التوحيد، وبطلان التنديد والشرك بالله رب العالمين، وهذه الآية حتى حدثت عن الوحي، والنبوات، والأصول العامة، الحديث عن العقيدة، عن التوحيد، والحديث عن الرسالة والوحي؛ فلذلك قال: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ أي: يختار من الملائكة رسلًا، فإنْ قال قائل: إن قوله: ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ دل على التبعيض، كيف والله قال: ﴿جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر:1] فالملائكة كلهم رسل، وهنا قال: ﴿يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا﴾ فيقال: إن الرسالة هنا رسالة خاصة، فالملائكة كلهم رسل؛ بل إن مادة ألكه التي هي الألوكة تدل على معنى الرسالة، فالملائكة رسل؛ لأن الله يرسلهم بما يشاء أن يرسلهم به من تقديرٍ، ومن أمورٍ؛ لكن المراد بالرسل هنا الرسالة بالوحي، ﴿ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ رُسُلًا﴾ يجعلهم رسلًا إلى خلقه، يأتون بالوحي من عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

قال: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ فالله يصطفي أيضًا من الناس رسلًا؛ ولذلك قالوا هنا: فيرسل بعض الملائكة إلى الأنبياء مثل: جبريل عليه السلام، ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ﴾ فهو سميعٌ لما يقوله المشركون في رسله، بصيرٌ بمن يختاره لرسالته، ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُۥ﴾.

ثم قال: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ [الحج:76] فالله يعلم سبحانه ما عليه رسله، يعلم ما عليه رسله عز وجل من الملائكة، والناس، قبل خلقهم، وبعد موتهم، هذا تفسير ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما معنى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ؟ فيها أقوال: فبعضهم يقول: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: قبل خلقهم، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ بعد موتهم، وبعضهم يقول: ما مضى، وما يستقبل، أو العكس، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أو ما قدموا، وما أخروا، وهذا يكون في حق البشر، فالله يعلم ما قدم هذا، أو ما أخر هذا، أو من الرسل عمومًا، وأما الملائكة فإنهم كما قال الله: ﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:6].

قال الله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ لذلك اختلفوا ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ هل يعود على الملائكة، والرسل، أو الناس، أم يعود على جميع الخلق؟ ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ ترجع الأمور كلها إلى الله ﴿أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلْأُمُورُ﴾ [الشورى:53].

ثم ختم الله السورة بالنداء الخاص لأهل الإيمان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:77] تأملوا فالسورة الكريمة قادتنا إلى الوصول إلى الإيمان، وبيع من المشركين، وردت على شبهاتهم.

قال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ولذلك المناسبة بين هذه الآية والآيات السابق، بعد الحديث عن النبوات، والوحي، ذكر الله الشرائع؛ لأن الوحي فيه الشرائع، فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟﴾ التقرب إلى الله بالركوع والسجود، وهذا فيه معنى الخضوع، وتقدم معنا ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُۥ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [الحج:18] وأيضا قوله: ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾[الحج:34] فالسورة تدعو إلى تعظيم الله كما معنا أنه من مقاصد سورة الحج بيان تعظيم الله، ووجوب الاستسلام له سبحانه، ومن ذلك ذكر الركوع والسجود.

ثم قال: ﴿وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ فعم، وعمم أيضًا فقال: ﴿وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ﴾ عموم الخير بعبادة الله، والتقرب إليه، وبالإحسان إلى الخلق؛ ولذلك كان من دعاء الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم "اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات" قال: ﴿وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ﴾ وهذا تعبيرٌ عام يدخل فيه جميع الخيرات، فعل الخير، ومن فعل الخير أيضًا ترك الشر، بأن يترك الشر، وأن يأتي الخير من الواجبات، والمستحبات.

﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ فهذا طريق الفلاح، جعلنا الله من المفلحين بمنه وكرمه.

ثم ختم الله السورة بقوله: ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ ۖ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج:78] ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ﴾ لأن السورة قامت على الجهاد، قامت على الجهاد جهاد الطاعة، الجهاد بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي؛ ولذا سميت بسورة الحج؛ لأن الحج من صور الجهاد في سبيله عز وجل، والحج فيه فعل الطاعات، وترك المحرمات، والمحظورات، وكذلك الوقوف عند الحدود والحرمات.

فقال: ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ﴾ قالوا هنا: ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ﴾ أي: في سبيل الله، ما المراد بهذا الجهاد؟ قال ابن عطية: والعموم حسن؛ لأن العلماء اختلفوا في الجهاد؛ منهم من قال: الجهاد: القتال في سبيله، منهم من قال: أن يدخل في الجهاد، الجهاد بكل أبواب الطاعات، فيدخل فيه جهاد الكفار، جهاد الهوى، جهاد الشيطان، جهاد النفس، كل هذا من الجهاد.

قال ابن عطية: والعموم حسن، وبينٌ أن عرف اللفظة تقتضي القتال في سبيل الله، فاستعمال الجهاد غالبًا يكون في سبيل الله، الجهاد؛ لكن لا مانع من الحمل على العموم؛ ولذلك عزا ابن الجوزي القول بالعموم بعموم الطاعات إلى أكثر المفسرين، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ﴾ ما معنى ﴿حَقَّ جِهَادِهِۦ﴾؟ ما معنى قوله: ﴿حَقَّ جِهَادِهِۦ﴾ قالوا: وجاهدوا في سبيل الله جهادًا خالصًا لوجهه، إذًا حق الجهاد هو: الإخلاص، ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ﴾ أي: جهادًا حقًا؛ لذلك بعض العلماء يقول: أصل الكلام وجاهدوا في الله جهادًا حقًا؛ لكنه أضاف حقًا إلى الجهاد فقال: حق جهاده، ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ﴾، وبعضهم قال: وجاهدوا في الله الجهاد فيه حقًا أي: خالصًا تخلصون في هذا الجهاد ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، وأيضا المعنى بحسب وسعكم، وبحسب طوقكم؛ لأنّّ الله قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286].

ثم ذكر الله ممتنا ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ اختاركم، واصطفاكم، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ رفع عنكم الحرج، وهذا من الأصول العامة في هذه الشريعة رفع الحرج عن الأمة.

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فالدين قام على اليسر، وهي الحنيفية السمحة، كما قال الله: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة:185] ولذلك استدلوا بهذه الآية وأمثالها على القاعدة الفقهية المتفق عليها: المشقة تجلب التيسير، وأصلها رفع الحرج عن الأمة، وكذلك قالوا: الضرورات تبيح المحظورات، فهذا من رفع الحرج عن الأمة.

قال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا﴾ ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ﴾ قالوا هنا: هو اختاركم وجعل دينكم سمحًا، لا ضيق فيه ولا شدة، هذه الملة السمحة هي ملة أبيكم إبراهيم عليه السلام، فهذه الملة ملة إبراهيم عليه السلام.

لكن يؤخذ عليهم والعلم عند الله أن الآية جاءت بنصب كلمة ملة فقال: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ والتفسير الذي ذكروه يقتضي الرفع، هذه الملة ملة إبراهيم، والأولى في التفسير أن يراعى ما في الآية من إعراب فقوله: ﴿مِلَّةَ﴾ على ما نصبت؟ اختلف المفسرون في ذلك اختلافًا كثيرًا، وهي أقوال متقاربة، ويمكن حمل الآية عليها والعلم عند الله.

فمن ذلك قولهم: ملة أبيكم إبراهيم على تقدير فعل، أي: اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، إذًا المعنى: ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ اتبعوا، واتبعوا ملة أبيكم إبراهيم، ونسب الواحدي هذا لأكثر النحويين، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: إن قوله: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ﴾ منصوبٌ على الاختصاص، أعني ملة أبيكم إبراهيم، فهذه الملة التي دعاكم الله إليها، واجتباكم لها، أعني ملة أبيكم إبراهيم، أو أخص ملة أبيكم إبراهيم، ومنهم من قال: على الإغراء الزموا ملة أبيكم إبراهيم، ومنهم من قال: بل استفيد هذا التقدير مما سبق من قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78] فالمعنى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وسع عليكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم، ثم حذف المضاف وهو توسعة وأقيم قوله: ﴿مِلَّةَ﴾ وهو أصلًا مضافٌ إليه مقام، فقال: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ﴾ والأصل توسعة ملة أبيكم إبراهيم.

﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ﴾ [الحج:78] من الذي سمانا المسلمين؟ قالوا هنا: وقد سماكم الله المسلمين، وهذا قول الأكثرين وهو الراجح، فقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ المراد به الله، هو الذي سمانا المسلمين، دليل ذلك: أن الله سبحانه وتعالى هو المتحدث عنه في الآية فالله قال: ﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ﴾ جهاد الله، ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: الله، ﴿اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَيْكُمْ﴾ [الحج:78] أي: وما جعل الله عليكم ﴿فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ﴾ يعني: الله، لأن الله هو المتحدث عنه.

لذلك لو قال قائل: أو ليس إبراهيم هو أقرب مذكور فالله قال قبلها: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ ۚ هُوَ﴾ فأقرب كلمة لهو إبراهيم؟ لذلك ذهب بعض المفسرين إلى أن هو يعود على إبراهيم؛ لكن هذا قولٌ مرجوح، قولٌ فيه ضعف، ووجه ذلك أن عود الضمير يكون على أقرب مذكور ما لم يرد دليلٌ بخلافه، ومن الأدلة على خلافه:

أن عود الضمير على المتحدث عنه أولى، فالمتحدث عنه هو الله سبحانه وتعالى هذا وجه.

أيضًا من الأدلة على ذلك أن الله قال: ﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا﴾ أي: في القرآن، وأين سمانا إبراهيم عليه السلام في القرآن؟ إن الذي سمانا في القرآن بالمسلمين هو الله الذي أنزل القرآن، ﴿وَفِى هَـٰذَا﴾ أي: في القرآن دليلٌ على أن المراد بقوله: ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحج:78] أي: الله سبحانه وتعالى، ويشهد لذلك أيضًا ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "واعدوا بما سماكم الله به المسلمين المؤمنين عباد الله" وهذا جاء في حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه، فقوله صلى الله عليه وسلم: سماهم المسلمين المؤمنين عباد الله دليل على أن الذي سماهم بذلك الله سبحانه وتعالى.

قال: ﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج:78] قالوا: أي: في الكتب السابقة، ﴿وَفِى هَـٰذَا﴾ أي: في القرآن.

﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ وقدم شهادة الرسول؛ لأن الحديث عن الملة والدين وهذا أوثق للرسول فقدمه، قال: ﴿وَتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ وهذا من فضل الله على هذه الأمة كما قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:143].

قال: ﴿فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ هذه المنن التي من الله بها عليه، وهذا الاصطفاء الذي اصطفاكم الله له، جديرٌ بكم أن تشكروا الله عليه، ومن شكر الله عليه الاستقامة على شريعته، ومن أعظم ما في شريعته أقم الصلاة، وإيتاء الذكاة والاعتصام بالله، فختم الله السورة بهذه الأوامر العظيمة، وبهذه التوجيهات الكريمة، وتقدم أن سورة الحج تمثل هذه الأصول العامة، لهذه الشريعة الغراء، ولهذه المناسك الجليلة، والتشريعات العظيمة، قال الله: ﴿فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ﴾ اعتصموا بالله: الجؤوا إلى الله، واعتمدوا عليه في أموركم؛ ولذلك قالوا: الاعتصام اعتصام توكل وتفويض، فوضوا أموركم إلى الله، واعتصامٌ بوحيه، وتمسك بشريعته، واعتصموا بالله هو مولاكم سبحانه وتعالى، ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، نعم المولى لمن تولاه من المؤمنين، ونعم النصير لمن استنصره منهم، نسأل الله أن يتولانا، وأن يرحمنا برحمته الواسعة.

[من فوائد الآيات]:

أهمية ضرب الأمثال لتوضيح المعاني وهي طريقةٌ تربويةٌ جليلة، يَا أَيُّهَا ﴿ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُوا۟ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ﴾ [الحج:73] إلى آخر الآية الكريمة، وتقدم الحديث عن الأمثال وأنواعها من قبل.

عجز الأصنام عن خلق الأدنى دليلٌ على عجزها عن خلق غيره، قال الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُوا۟ ذُبَابًا وَلَوِ ٱجْتَمَعُوا۟ لَهُۥ ۖ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْـًٔا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:73] فإذا كانوا عاجزين عن خلق الذباب مع اجتماعهم فهم عن غيره أعجز؛ لأن الذباب ضرب به المثل؛ لأنه عاجزٌ، ولأنه ضعيفٌ وحقير، فالخالق هو الله، قال الله عز وجل: ﴿ٱللَّهُ خَـٰلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الزمر:62] سبحانه وتعالى، وأما قوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:17] المراد بقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت:17] يعني: الكذب، فالخلق هنا بمعنى: الكذب، وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ [المؤمنون:14] قالوا: المراد بأحسن الخالقين: أي: المقدرين، وأيضًا الصانعين، فالإنسان يصنع؛ لكن الإيجاد من العدم لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى.

الإشراك بالله سببه عدم تعظيم الله، الإشراك بالله سببه عدم تعظيم الله، وهذا مناسبٌ لقوله: ﴿مَا قَدَرُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِۦٓ﴾ [الحج:74] لأن معنى قوله: ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ يعني حق تعظيمه.

إثبات صفتي القوة والعزة لله، وأهمية أن يستحضر المؤمن معاني هذه الصفات، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:74] فجديرٌ بالمؤمن أن يستحضر معاني هذه الصفات، ومما هو ملحوظٌ جدًا في سورة الحج كثرة أسماء الله الحسنى، وصفاته العلى، وكثرة ما فيها من تأكيدات، وتبيين للأحكام الشرعية، وتبيين للشرائع العامة، والرد على شبهات المشركين.

وبهذا نكون بفضل الله وتوفيقه قد فرغنا من التعليق على سورة الحج، ونسأل الله سبحانه وتعالى الإعانة والتوفيق والسداد، هذا والله أعلم. ونقف عند هذا الحد، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة