مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المؤمنون — الجزء 1

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 355 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

سورة المؤمنون

السلامُ عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاة والسلامُ على نبيِّنا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين. أما بعدُ.

فمرحبًا بكم أيُّها الإخوة الكرامُ في مجلسٍ جديدٍ من مجالسِ التعليقِ على كتاب “ المختصر في تفسيرِ القرآنِ الكريم “. ننتقلُ الليلة بفضلِ الله وتوفيقه إلى التعليقِ على تفسيرِ سورة المؤمنون.

التعريف بالسورة

قال أصحاب المختصر “ سورة المؤمنون، سورة مكية. من مقاصدِ السورة بيانُ فلاحِ المؤمنين وخسرانِ الكافرين. “

هذه السورة المباركة تُسمَّى بـ “ سورة المؤمنون “. وحينما نقولُ “ سورة المؤمنين أو سورة المؤمنون “

إذا رفعنا، فعلى الحكاية، أي: إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ “ سورة المؤمنون “، فهذا من قبيلِ الحكاية.

وأمَّا إذا اعتدنا بالإعرابِ، فإنَّنا نقولُ سورة المؤمنين على الإضافة.

هذه السورة تُسمَّى بهذا الاسمِ المباركِ “ المؤمنون “. نسألُ اللهَ سبحانه وتعالى أن يجعلَنا المؤمنين حقًّا وصدقًا.

قالوا “ سورة المؤمنون مكية “ سورة المؤمنون مكية أي: نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم على القولِ المرجَّحِ في تعريفِ المكي، ومكية سورة المؤمنون مما أجمع عليه العلماءُ، فأهلُ العلمِ مجمعونَ أنَّ سورة المؤمنون سورة مكية. ويدلُّ على ذلك بعضُ الأمورِ، منها ما ثبتَ من حديثِ عبدِ الله بن السائب رضي الله عنه قال “ صلى لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصبحَ بمكة، فاستفتحَ سورة المؤمنون حتى بلغَ ذكرَ موسى وهارونَ فأخذتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سعلة فركعَ “ فقول عبدِ الله ابن السائب رضي الله عنه كما في صحيحِ البخاري “ صلى لنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم الصبحَ بمكة “ هذا يدلُّ دلالة واضحة على أنَّ سورة المؤمنون سورة مكية نزلت بمكة قبل الهجرة على نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

ويشهدُ لذلك أيضًا موضوعاتُ السورة، فإنَّ السورة الكريمة عُنيتْ بما عُنيتْ به السورُ المكية من تقريرِ الوحدانية والنبوة والرسالة والبعثِ أو الدارِ الآخرة.

لذلك فالسورة الكريمة تحدَّثت عن أبوابِ الاعتقادِ وعن هذه الثلاثة المهمة التي يكثرُ ذكرُها في السورِ المكية بل يرتكزُ الحديثُ عنها في السورِ المكية.

تحليل مقارن وربط بين السور

وسورة المؤمنون مجيئها عقبَ سورة الحجِّ له مناسبة جليَّة:

خلاصة وتثبيت الفكرة

فإنَّ الحجَّ هو أحدُ أركانِ الإسلام وآخرُ أركانِ الإسلام، وهذا طريقٌ إلى الحصولِ على الإيمان، فيا حجاجَ بيتِ اللهِ الحرام، أبشروا فإنَّ تأديتَكم للحجِّ مع بقية الأركانِ تدلُّ على إيمانِكم وأنَّكم في طريقِكم إلى فلاحٍ أعظم. فإذا كنتم قد حقَّقتم أركانَ الإسلام، فحريٌّ بكم أن ترتقوا فتكونوا أيضًا من أهلِ الإيمان، لأنَّ الدينَ مراتبُ وأعلى مراتبِه الإحسانُ ثم الإيمانُ ثم الإسلام. فمن أتمَّ الحجَّ تحقَّق عنده ما يتعلَّق بأركانِ الإسلام، فكان حريًّا به أن يدخلَ إلى أبوابِ الإيمان، وليس معنى ذلك أنَّه لم يكن مؤمنًا؛ وإنَّما المعنى أنَّه يدخلُ في شعبِ الإيمان مما فاته منها، لأنَّ شعبَ الإيمان كما جاء. “

ومن المناسباتِ بين خاتمة سورة الحجِّ وأولِ سورة المؤمنون أنَّ اللهَ قال في آخرِ الحجِّ:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

نداءٌ لأهلِ الإيمانِ بعد إن كان النداءُ في أولِ السورة نداءً عامًا، جاء النداءُ الخاصُّ:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟﴾، وهنا جاء: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1 -2] وتأمل آخرَ الآية هناك:﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱرْكَعُوا۟ وَٱسْجُدُوا۟ وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77] ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾. هذه صلة واضحة وجلية بين السورتين المباركتين.

وتجدُ أيضًا من هذه الدلائلِ على هذا أنَّ قوله سبحانه وتعالى:﴿وَٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱفْعَلُوا۟ ٱلْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] نريدُ يا ربَّنا أن نتعرَّفَ على أبوابِ الخيرِ وكيف نتعبَّدُ لك؟ فجاءتِ السورة -أعني سورة المؤمنون -، لتبينَ لنا خصالَ أهلِ الإيمانِ وتبينَ فلاحَهم، وأنَّ من لم يكن مؤمنًا فإنَّه يكونُ خاسرًا خائبًا. نسألُ اللهَ السلامة والعافية.

بعد ذلك الحديثُ عن مقاصدِ السورة قالوا هنا “ من مقاصدِ السورة بيانُ فلاحِ المؤمنين وخسرانِ الكافرين “. إذا سورة المؤمنون من أعظمِ مقاصدِها أنَّ فيها بيانُ فلاحِ المؤمنين وخسرانِ الكافرين، ويشهدُ لذلك أوَّلُ السورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] وهذا يدلُّ على هذا المعنى، وآخرُ السورة:﴿إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117] ولذلك فهناك مناسبة ظاهرة بين أولِ السورة وخاتمتِها أو آخرِها. فأولُ سورة المؤمنون:﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] وآخرُ السورة:﴿إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾

فتأمَّلوا:﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 1] في مقابلة:﴿إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المؤمنون: 117] وهذا يدلُّ على هذا، وتقدَّم معنا مرارًا أنَّنا نتعرَّف على مقاصدِ السور من عدة جهاتٍ، منها النظرُ في أولِ السورة مطلعِ السورة، وكذلك النظرُ في آخرِ السورة.

ثم أنَّنا إذا نظرنا وتأمَّلنا في آياتِ السورة المباركة فإنَّنا نجدُ حديثًا واضحًا وجليًّا عن “ قضية الفلاح “. ولذلك في آخرِ السورة أيضًا فيما يكون يومَ القيامة عند دخولِ أهلِ الجنة ودخولِ أهلِ النارِ النارَ، قال الله سبحانه وتعالى ردًّا على أهلِ الكفرِ:﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ ﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ﴾ (المؤمنون: 111) أي: جزيتُ أهلَ الإيمانِ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ، ومعروفٌ أنَّ الفلاحَ فوزٌ، وأنَّ الفوزَ فلاحٌ. فهذا من الصلة الوثيقة. وكذلك جاء في السورة الكريمة: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 102-103) [سورة المؤمنون:102 -103].

ولذلك المتأمِّلُ يجدُ في السورة الكريمة الحديثَ الواضحَ عن فلاحِ أهلِ الإيمان. فاللهُ بعد أن ذكرَ صفاتِ المؤمنين قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 10-11) [سورة المؤمنون:10 -11]. وهذا فلاحٌ، وهذا فوزٌ من اللهِ سبحانه وتعالى.

كذلك فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ ذكر لنا طرفًا من قصصِ الأنبياءِ والمرسلين وبيَّن لنا أنَّ هناك فريقًا كذَّب بالأنبياءِ، بل إنَّ كثيرًا من الناسِ كفروا بأنبياءِ اللهِ ورسله، فاستحقُّوا بذلك الخسرانَ. لذلك جاء في السورة الكريمة ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 41) [سورة المؤمنون:41].

وتأمَّل قبلها قال:﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ﴾ [المؤمنون: 40] والندامة: هي الخسرانُ في مقابلة الفلاحِ والفوز. وكذلك قال:﴿فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 44] والبعدُ: هو الهلاكُ، والهلاكُ في مقابلة الفلاح. إلى غير ذلك مما تجده في السورة المباركة.

وفي السورة: صفاتُ المؤمنين وصفاتُ الكافرين. فالسورة من صدرِها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1-2) [سورة المؤمنون:1 -2].

وعدَّد اللهُ أوصافَ المؤمنين. وكذلك في المقابلة وصفَ اللهُ عزَّ وجلَّ أولئك الكافرين فقال سبحانه وتعالى:﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ﴾ [المؤمنون: 63] وأيضًا قال سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (المؤمنون: 66-67) [سورة المؤمنون:66 -67]. إلى غير ذلك من الآيات التي وردت في السورة الكريمة.

ولذلك جزم عددٌ من العلماءِ المحقِّقين الذين يعتمدونَ أو الذين يكثرونَ من الحديثِ عن المقاصد، جزموا بأنَّ مقصودَ السورة هو بيانُ فلاحِ المؤمنين. فقال البقاعيُّ في بيانِ مقصودِ السورة: “ اختصاصُ المؤمنينَ بالفلاح “. والمعنى أنَّ المؤمنينَ هم المفلحون، وأما غيرُ المؤمنينَ فهم في خسرانٍ مبينٍ. نسألُ اللهَ السلامة والعافية. وسيأتينا بيانٌ مزيدٌ لتقريرِ هذا المقصودِ في أثناءِ تفسيرِ السورة المباركة بإذنِ اللهِ تبارك وتعالى.

قال الله سبحانه:﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾ [المؤمنون: 1 -4] إلى آخر الآيات الكريمة إلى أن قال سبحانه: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [المؤمنون: 10 -11]

هذا هو المقطع الأول من مقاطع هذه السورة المباركة. يبين الله عز وجل فيه فلاح المؤمنين وأوصاف المؤمنين. فنسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أهل الإيمان، وأن يجعلنا من المفلحين. وكما قالوا “

إذا أعجبتك خصال امرئ، فكنه تكن مثل ما يعجبك

فليس على الجود والمكرمات إذا جئتها حاجب يحجبك.

فمن أحب ﴿أَن يَكُونَ مِنَ ٱلْمُفْلِحِينَ﴾، أحب أن يكون من المؤمنين، فحريٌّ به أن يتحلى بتلك الصفات التي وصف الله عز وجل بها عباده المؤمنين. افتتح الله عز وجل السورة بهذه الجملة الخبرية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ بـ “ قد “ التي تدل على التحقيق. ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾

قالوا في المختصر “ قد فاز المؤمنون بالله، العاملون بشرعه، بالحصول على ما يطلبون والنجاة مما يرهبون “ قولهم “ بالحصول على ما يطلبون والنجاة مما يرهبون “ هذا تفسير الفلاح. فالفلاح معناه: الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب. ومصداق ذلك في القرآن:﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185] والفوز فلاح. قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾

ما صفات المؤمنين يا ربنا؟ قال:﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ إلى آخر هذه الصفات، فيه ردٌّ على من جعل الإيمان مجرد كلمة التوحيد، ولم يعبأ بالأعمال الصالحة، لأن الله عز وجل وصفهم بهذه الأوصاف. فهذه الأوصاف من الإيمان. وقد عنون الإمام البخاري رحمة الله تعالى لأحاديث كثيرة في صحيحه في كتاب الإيمان “ باب كذا من الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان، باب الصلاة من الإيمان “ إلى غير ذلك، لأن العمل الصالح من الإيمان. ومن دلائل ذلك قوله سبحانه:﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ﴾ [البقرة: 143] أي: صلاتكم إلى بيت المقدس كما تقدم في سورة البقرة.

فقال الله هنا:﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ من المناسبات أيضًا بين سورتي الحج والمؤمنون أن الله افتتح سورة الحج بالأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ [الحج: 1] وهنا دعانا الله إلى تحقيق صفات المؤمنين، والإيمان أساس التقوى. فهناك علاقة وثيقة ووطيدة بين الأمر ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾ وبين ذكر أوصاف المؤمنين.

قال الله سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾فأولى الصفات التي وصف الله بها عباده المؤمنين أنهم في صلاتهم خاشعون. الخشوع في الصلاة وقد تقدم في سورة الحج:﴿وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ﴾ [الحج: 35] وذلك في أوصاف المخبتين، وبين الإخبات والخشوع تقارب. فهذا أيضًا من جنس ما تقدم في سورة الحج، بيان أنه من صفات أهل الإيمان الخشوع.

وبدأ الله بهذه الصفة لأن الخشوع في الصلاة يورث العبد السكينة ويورثه حب الله عز وجل والخوف منه. ومن أحب الله وخافه أقبل على فعل الطاعات كلها، وأحجم عن المعاصي كلها. ولذلك انظر إلى حالك إذا كنت خاشعًا في صلاتك، فإنك سترى ذلك في جميع حياتك، في جميع أحوالك، وفي جميع المجالات، في سيرك وحركاتك ومعاملاتك، في ذهابك وإيابك. تجد هذا الأثر بفضل الله سبحانه وتعالى من وراء الخشوع.

لذلك يخطئ من يظن أن الخشوع مقتصر على اللحظات القليلة أو الدقائق المحدودة التي تكون في الصلاة، ثم بعد ذلك ينطفئ أثر الخشوع. صحيح أن الخشوع المطلوب بهذه الدرجة الكبيرة في أثناء الصلاة، بيد أن خشوع القلب يستمر. المطلوب منك في أثناء الصلاة أن يخشع قلبك وأن يخشع بدنك، لكن إذا انصرفت من صلاتك بقي خشوع القلب. وخشوع القلب يورث العبد الاستسلام لأوامر الله سبحانه وتعالى.

قال:﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ فلا غروا أن يبدأ صفات المؤمنين بهذا الوصف الجليل. وقد ورد في الحديث وقد صححه بعضهم: “ أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع في الصلاة “. فنسأل الله سبحانه أن يجعلنا من الخاشعين.

قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾

هنا فصل رب العزة بين الحديث عن الصلاة والحديث عن الزكاة، وهذا على خلاف المشهور، وعلى خلاف عادة القرآن الكريم في أكثر المواضع. ففي أكثر المواضع تقترن الزكاة بالصلاة ويتبعها بذكر الزكاة ولا يفصل بينهما، لكن فصل بينهما في هذا الموضع ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾ (المؤمنون: 2-4) [سورة المؤمنون:2 -4].

ونظير ذلك في القرآن الكريم الموضع الآخر، موضع سورة الشورى، فالله عز وجل فصل أيضًا بين إقامة الصلاة و:﴿وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الشورى: 38] بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38] وهذا يدل على أهمية الإعراض عن اللغو، كما يدل هناك على أهمية الشورى الحقة. فهنا قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾ فالإعراض عن اللغو من الصفات المهمة.

وهذا معناه: أنَّ العبد الذي يُقيم الصلاة ويُؤتي الزكاة لا ينبغي له أن يغضَّ الطرف عن الإعراض عن اللهو، وليعلم أنَّه إذا لم يُعرض عن اللغو فعساه لا يُوفَّق لفعل الزكاة وأدائها على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى. ولعلَّه من الحكم أيضًا التي من أجلها توسَّطت هذه الصفة ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

بين الصفتين “ صفة الخشوع في الصلاة وتأدية الزكاة “ : أنَّ السورة الكريمة تحدَّثت حديثًا مستفيضًا عن اللغو الذي يفعله أو الذي يردِّده أهل الكفر، لذا فإنَّنا نُضيف إلى المقصود الذي أسلفنا ذكره من أنَّ مقصود السورة الأكبر بيان فلاح المؤمن وخسران الكافرين أنَّ الله عز وجل لمَّا قصَّ علينا في السورة خسران الكافرين، كان من أعظم الصفات التي وصف بها أهل الكفر أنَّهم لاغون لا يُعرضون عن اللغو. لذلك جاء في هذه السورة الكريمة ذكر سخرية بالأنبياء والمرسلين، فهم لم يُعرضوا عن اللغو.

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

اللَّغو: الباطل وكل ما من شأنه أن يُلغى، فعليك أن تُعرض عنه، أمَّا هؤلاء فإنَّهم مارسوا مع الأنبياء والمرسلين عينَ اللغو من كل نوع. ولذلك قال الله أيضًا ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67]

فتأمَّل قوله “ تَهْجُرُونَ “ يعني: تُعرضون، وهناك قراءة أخرى كما سيأتي التنبيه على ذلك في موضعه “ تُهْجِرُونَ “ تقولون الهَجْر من القول، وتقولون الكلام البذيء الفاحش. فهنا قال:

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ أي: ليسوا كالكافرين الخاسرين، أمَّا أهل الكفر فإنَّهم أعرضوا وكذلك سخروا واستهزأوا من الأنبياء والمرسلين كما سيأتينا في قصة نوح عليه السلام وما بعدها من القصص التي ذكرها الله في هذه السورة المباركة.

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

1 -قالوا هنا في المختصر “ والذين هم عن الباطل واللهو وما فيه معصية من الأقوال والأفعال معرضون “

ولك أن تفهم أن معنى قوله سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾:

يدخل فيه: والذين هم عن سماع اللغو معرضون

ويدخل فيه: والذين هم عن قول اللغو معرضون.

إذا يشمل الأمرين، لأنَّ بعض الناس يظن اقتصاره على أحدهما، والآية أوسع دائرة من ذلك، فهو معرض عن اللغو في قوله ومعرض عن اللغو في سمعه، فلا يسمع إلا ما يرضي الله أو الحلال المباح، ولا يقول إلا ما كان كذلك، تصديقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: “ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ فليقل خيرًا أو ليصمت “.

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

وهذا فيه -والعلم عند الله -أنَّه من أعظم الطرق التي تحقق للعبد الإعراض عن اللغو الخشوع في الصلاة. فمن كان يشكو حاله أنَّه يسمع اللغو كثيرًا ويريد أن يُداوي نفسه، أو أنَّه يتكلم باللغو مع محاولته المعالجة أو مع محاولته مداواة نفسه، فنقول له: أين أنت من الخشوع في الصلاة؟ لأنَّ الخاشع في الصلاة يراقب الله، فإذا تكلم فإنَّما يتكلم لله سبحانه ناصحًا أمينًا، يتقي الله ويخافه، وكذلك إذا سمع فإنَّه لا يسمع لغوًا ولا باطلًا ولا زورًا.

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾

قالوا هنا “ والذين هم لتطهير أنفسهم من الرذائل، وتطهير أموالهم بإخراج زكاتها فاعلون “

ما معنى هذا الكلام الذي ذكروه هنا؟ أهل التفسير اختلفوا في تفسير الزكاة التي وردت في هذه الآية الكريمة، ووجه ذلك أنَّ عددًا من العلماء قالوا: إنَّ الزكاة إنَّما فُرضت بالمدينة النبوية. فيقولون: كيف وأنتم تقولون إنَّ سورة المؤمنون سورة مكية، وقد نقل عدد من العلماء كابن الجوزي والقرطبي وغيرهما الإجماع على أنَّها مكية نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، فما وجه ذكر الزكاة في مكة؟ ففسَّر بعضهم الزكاة هنا بزكاة النفوس، ويكون المعنى:﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾ بتطهيرها، يُطهرون نفوسهم كقوله:﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9 -10] فالمراد بالزكاة قالوا: زكاة النفس.

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾ يفعلون ذلك بتزكية أنفسهم وتطهيرها.

2 -وهناك من قال: ما الذي يمنع أن تكون الزكاة جاء ذكرها في مكة، لكن تقدير الأنصبة وبيان المقادير هو الذي حُدِّد في المدينة؟ وهذا ما مال إليه عدد من المفسرين كابن كثير.

ولذلك في سورة فصلت وهي من السور المكية بالاتفاق أيضًا، قال الله:

﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 6-7) [سورة فصلت:6 -7].

فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسْتَقِيمُوٓا۟ إِلَيْهِ وَٱسْتَغْفِرُوهُ ۗ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ (فصلت: 6-7) وهذا كان بمكة. إذا يقولون: الزكاة هي الزكاة المفروضة المعروفة، لكن تقدير الأنصبة وشروط الزكاة وواجباتها ومقاديرها وما إلى ذلك جاء بيانه في المدينة. ولذلك تقدم معنا في تفسير سورة الأنعام قول الله سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ جَنَّـٰتٍ مَّعْرُوشَـٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَـٰتٍ وَٱلنَّخْلَ وَٱلزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَـٰبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَـٰبِهٍ ۚ كُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا۟ حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ ۖ وَلَا تُسْرِفُوٓا۟ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ (الأنعام: 141) [سورة الأنعام:141]. وسورة الأنعام سورة مكية بالاتفاق. أيضًا كنا نضيف قولًا نراه مهمًا ونقول: لو أنهم زادوه لكان أفضل!. فهنا قالوا وأحسنوا “ والذين هم لتطهير أنفسهم من الرذائل وتطهير أموالهم بإخراج زكاتها فاعلون “. فجمعوا بين المعنيين.

ثم قال:﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾

حفظ الفروج: إذا هم يؤدون حق الله فيما عليهم أن يؤدوه في مالهم، وكذلك يحفظون فروجهم.

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ﴾

بعض العلماء قال: إنَّ قوله سبحانه: ﴿حَـٰفِظُونَ﴾

يعني ممسكون إلا على أزواجهم، لذلك عُدِّي بقوله “ إلا على “ لم يقل “ إلا من “.

وبعضهم قال: “ على “ بمعنى “ من “.

وقال بعضهم: لا يكشفونها إلا على أزواجهم أو مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُهُمْ ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾.

وهنا قالوا “ والذين هم لفروجهم بإبعادها عن الزنا واللواط والفواحش حافظون فهم أعفاء طاهرون “. إذا هذا وصف لعباد الرحمن بأنهم من أهل العفة أو من أهل العفاف، يحفظون فروجهم إلا في ما أحل الله عز وجل لهم من قربان الزوجة وملك اليمين.

فقالوا: قال الله:﴿إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ يعني لا لوم عليهم في ذلك، لا يُلامون على ذلك لأن الله قد أباحه لهم، فلا لوم على من استعمل المباح. وهذا فيه أن من استعمل المباح لا يُلام لأنه قد أُبيح له ذلك، ومعنى أنَّه أُبيح له ذلك أي أُذن له فيه.

وتأمل هنا ذكر حفظ الفروج بعد ذكر الزكاة والصلاة والإعراض عن اللغو. هذا فيه تناسب فهم في أنفسهم صالحون ويؤدون حق الغير، وكذلك يحفظون أنفسهم من قربان الحرام والاعتداء على المحارم. وقد جاء. فنسأل الله السلامة.

قال﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ﴾

قالوا هنا: “ أو ما يملكون من الإماء “، إذا المراد به: -ملك اليمين، كما تقدم بيانه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾. وهذه الآيات قريبة جدًا من الآيات التي وردت في سورة المعارج، وقد سبق لنا بيان لهذه الآيات هناك بفضل الله إذ بدأنا بالربع الأخير من القرآن الكريم كما هو معلوم.

قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ﴾ (المؤمنون: 5)

هنا مسألة تحتاج إلى تنبيه وهي أنَّ قوله ﴿إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون: 6) هل هذا يختص بالإناث. فما معنى هذا الكلام؟ هل المرأة التي تملك عبدًا يجوز لها أن تُمكنه من نفسها بدعوى أنَّه عبدها بدون زواج؟

الجواب لا. إذا هذا قوله: ﴿إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون: 6) أي: من النساء؛ أمَّا إذا كانت المرأة مالكة لعبد فإنَّها لا تُمكن نفسها إلا إذا كان هناك زواج. فهذا شيء آخر.

قال الله ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ (المؤمنون: 7)

﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون: 8) أي: فمن طلب الاستمتاع بما عدا زوجاته أو إماءه اللاتي يملكهن، فهو متجاوز لحدود الله بتجاوز ما أحله من التمتع إلى ما حرمه منه.

قوله ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون: 8) يعني طالب شيئًا زائدًا عن الحلال، ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: 9) المتجاوزون للحد، الواقعون في الحُرمة، ولذلك استدل عدد من العلماء بهذه الآية الكريمة على حرمة الاستمناء. قالوا: لأن الله ذكر الزوجة وملك اليمين ولم يذكر غيرهما، فغيرهما حرام، فالاستمناء حرام. وبهذا استدل الشافعي وغيره من أهل العلم.

قال الله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ﴾ (المؤمنون: 10) (والذين هم لأماناتهم): ما ائتمنهم الله عليه أو ائتمنهم عباده، وكذلك هم (لعهدهم راعون): أي حافظون لا يضيعونها بل يوفون بها. إذا هم أحسنوا في عبادتهم للحق سبحانه، وأحسنوا في معاملتهم للخلق أيضًا.

قال ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 11)

ابتدأ الله عز وجل صفات المؤمنين بذكر الخشوع في الصلاة، واختتم هذه الصفات بذكر المحافظة على الصلاة. وهذا يدلُّك على أهمية الصلاة، وأنها أول ما ينبغي الاعتناء به من الأعمال الصالحة، وآخر ما ينبغي الاعتناء به أيضًا من الأعمال الصالحة، وأنها ملاك هذه الأوصاف الأخرى. فمن خشع في صلاته وحافظ على صلاته فإنَّ الله سبحانه يعينه على فعل الخيرات وترك المنكرات، كما قال ﴿ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: 45) [سورة العنكبوت:45].

وقد يقول قائل: هل هناك فرق بين الوصف الأول: ﴿ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ (العنكبوت: 45)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ (المؤمنون: 12)؟

الجواب: نعم. فالصفة الأولى تتحدث عن الخشوع في الصلاة في أثناء الصلاة، وهذه تتحدث عن المحافظة على الصلاة. فهو يحافظ على أداء الصلاة لا يفرط في أدائها، يؤديها في وقتها ولا يضيعها ولا يفرط فيها.

وأيضًا من فوائد تفريق هذين الوصفين مع أنهما يتعلقان بعبادة واحدة، لئلا يتوهم أن الوصف واحد. فلما ذكر الصفة الأولى ثم ختم فقال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ (المؤمنون: 12) دلنا ذلك على أن هذه صفة أخرى غير الصفة الأولى. ولذلك ينبغي لك أن تراعي نفسك من جهاتين فيما يتعلق بالصلاة: من جهة الخشوع ومن جهة المحافظة على الصلاة. لأن بعض الناس قد يفرط في أحد الوصفين.

وبيان ذلك: -

أن بعض الناس تراه إذا صلى خشع، بيد أنه لا يحافظ على أداء الصلاة في أوقاتها، فربما أتى متأخرًا، وربما لم يدرك الجماعة، وربما صلى في آخر الوقت، لكنه إذا صلى، صلى صلاة يخشع فيها، فهذا فرط في باب المحافظة على الصلاة.

وعلى الجانب الآخر ترى بعض الناس يسارعون إلى المساجد من أول الوقت، ويدخلون المساجد قبل الأذان، ويحرزون فضيلة السبق والصف الأول، بيد أنهم إذا دخلوا في الصلاة تشاغلوا عنها فلم يخشعوا في الصلاة، فهم في الصفوف المقدمة لكن قلوبهم في مكان آخر.

إذا هناك أمران ينبغي للعبد أن يعقلهما فيما يتعلق بأمر الصلاة: الخشوع في الصلاة والمحافظة على الصلاة. فليحاسب العبد نفسه على الأمرين، ونسأل الله التوفيق.

قال الله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 10-11)

قالوا هنا “ أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الوارثون “

تقدم معنا أنَّ اسم الإشارة يجعلنا نستحضر هذه الصفات المذكورة كلها.

﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ (المؤمنون: 13) قالوا "الذين يرثون أعلى الجنة "

فالفردوس أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن. جاء ذلك عن نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وقوله “ أوسط الجنة “ أي: -أفضل الجنة، فهو أعلاها وأوسطها وأفضلها، ومنه تفجر أنهار الجنة.

وقد جاء.

إذا عرفنا معنى قوله ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14) فأهل النار لكل واحد منهم منزل في الجنة، فإذا دخل النار ترك هذا المنزل وورثه أهل الإيمان، فقال الله ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14)

وبعضهم قال أيضًا من فوائد التعبير بقوله ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14) أن الوارث لا يمنعه أحد من حقه، بمعنى أن هذا حق لا ينبغي أن يفرط فيه، بمعنى أنه حق مستحق له. فمعنى ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14) أي: أورثهم الله عز وجل إياها وملكهم إياها، فكأنهم مالكون لها، وإن كان دخولهم الجنة برحمة الله وفضله، ثم جعل الله أعمالهم سببًا في دخول هذه الجنة، والعلم عند الله تبارك وتعالى.

قال ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (المؤمنون: 15)

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 16) قالوا هنا “ أبا البشر آدم من طين “ إذا ما المراد بالإنسان في قوله ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 16)؟ 1 -المراد به آدم لأنه هو المخلوق من سلالة من طين.

2 -وبعضهم قال: -المراد به جنس الإنسان. وكيف ذلك؟ وبنو آدم ﴿أَنَّمَا﴾ خُلقوا من ماء مهين؟ فيقال لأنهم تابعون للأب، فلما كان خلق الأب من الطين صح أن يُنسبوا أيضًا إلى الطين باعتبار أنهم تابعون للأب وهو الأصل.

قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ﴾ (المؤمنون: 17) قالوا هنا “ أخذت تربته من خلاصة استخرجت من ماء مختلط بتربة الأرض “

لأن الطين ماء وتراب، ولذلك جاء في بعض المواضع قال الله سبحانه كما تقدم معنا في الحج ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18) فالتراب ثم طينة، فهذا ذكر لمراحل خلق الإنسان.

قال ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (المؤمنون: 19)

المراد بقوله ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْءَاكِلِينَ﴾ (المؤمنون: 20) أي: جعلنا بني آدم، إذا لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن الإنسان هو آدم، عاد الضمير ليس على آدم وإنما على ابن آدم، لكن لأنه تابع له فصح عود الضمير عليه. وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه الجنس، فعلم ذلك من هذا، لأنَّ قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 16) جنس الإنسان، وهم مخلوقون من نطفة.

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (المؤمنون: 21) قالوا هنا “ من نطفة تستقر في الرحم إلى حين الولادة “، وهذا معنى قوله سبحانه ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (المرسلات: 20-22) كما قال ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (المرسلات: 20-22) [سورة المرسلات:20 -22].

ورحم المرأة

قال ﴿أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَـٰهُ فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ (المرسلات: 20-22)

قال ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون: 22) قالوا “ علقة حمراء ثم جعلنا تلك العلقة الحمراء كقطعة لحم ممضوغ “، وهذا معنى مضغة. وقلنا هذا فيه إعجاز كما ذكروا.

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 23) أي: خلقنا قطعة اللحم تلك عظامًا متصلبة. والقراءة الأخرى “ عظمًا “ بالإفراد.

﴿فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 24) قالوا “ فألبسنا تلك العظام لحمًا “، وهذا عجيب. فهذا خلق الله سبحانه وتعالى أن يصير الإنسان إلى هذا، وأن يجعله الله في أحسن تقويم بعد أن كان من ماء مهين.

وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 25) بـ “ فاء “ ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها بحسبه، فقد جاءت السنة وبينت أنَّ مرحلة كل شيء من هذه الأمور، أو من هذه الأطوار أربعون يومًا، ومع ذلك عطف بالفاء. إذا قولنا “ جاء محمد فعمرو “، أي أن عمرو جاء بعد محمد مباشرة، هذا في كلامنا. لكن أحيانًا يكون التعقيب لمدة طويلة بحسب السياق. فهنا معروف أن الكلام عن مراحل تكوين الجنين وهذه تمر بهذه المراحل وتلك الأطوار.

قال ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ (المؤمنون: 26) لم يقل: “ فتباركت “ لأن الكلام قبلها بالتكلم: فخلقنا، فخلقنا، وقبلها ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْءَاكِلِينَ﴾ (المؤمنون: 20) ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (المؤمنون: 27) هذا فيه أسلوب التفات من التكلم إلى الغيبة، وفيه تربية المهابة حينما تسمع كلمة “ تبارك الله أحسن الخالقين “. ومعنى قالوا: المقدرين، لأن الخلق يأتي بمعنى التقدير. وأيضًا الخالقين الصانعين. إذا قد يقول قائل: أوليس الخالق واحدًا وهو الله؟ نقول: بلى، الخلق واحد وهو الله، سبحان الله، خالق كل شيء. فكيف جُمِعَ هنا؟ إذا الخالقين بمعنى الصانعين، وصناعة الإنسان معروفة. وأمَّا صناعة الله فلا تحدها حدود، وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، وهو الخالق لكل شيء. أو أنها بمعنى التقدير.

قال ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 28)

هذا فيه إشارة إلى سبب ذكر هذه الآيات، إذا بعد أن وصف الله المؤمنين وبيَّن أنهم يرثون الفردوس، حدثتنا الآيات عن تقرير البعث ببيان بدء خلق الإنسان، فالذي خلق الإنسان قادر على إعادته.

لذلك بعد أن ذكر الله مراحل خلق الإنسان، أتبع ذلك بقوله ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 28) هنا قال ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ (المؤمنون: 29) ثم قال بعدها ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (المؤمنون: 30) تأملوا قوله ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ (المؤمنون: 29) تجدون فيها من التأكيد ما ليس في قوله ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (المؤمنون: 30) ففي الآيتين ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 31) لكن في الآية الأولى ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 32) باللام، وهذه تدل على التأكيد. أيضًا وأما في الثانية قال: ﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ (المؤمنون: 33) دون ذكر اللام، فزاد في التأكيد في الآية الأولى ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ (المؤمنون: 29)

وهنا يرد إشكال: وهو أنَّ التأكيد يأتي لأسباب، من هذه الأسباب وجود منكر، فإنك تؤكد له ردًا على إنكاره، أو عند وجود شاك، فإنك تؤكد له ردًا على شكه، أو أنك تؤكد من أجل الاهتمام. لكن مع ذلك قالوا: قد يُنزل المنكر منزلة المنكر، وقد يُنزل غير المنكر منزلة المنكر لمقتض يقتضي ذلك. الذي لا يعمل للموت كأنه لا يعتقد أن هناك موتًا، الذي لا يعمل للموت كأنه نسي الموت أو تشكك فيه. ولذلك سمى الله الموت بالحق:

﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (ق: 19) [سورة ق:19]، ﴿وَجَآءَتْ سَكْرَةُ ٱلْمَوْتِ بِٱلْحَقِّ﴾ باليقين.

﴿وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99] فالموت يقين، ومع ذلك الذي لا يعمل للموت كأنه يشكك فيه. فناسب هذا أن يؤكد الله ويقول: “ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ “، مع أنهم يعلمون أنهم ميتون، ونُزل منزلة غير المنكر منزلة غير المنكر في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (المؤمنون: 30)

لماذا؟

لأن البعث لا ينبغي الشك فيه ولا ينبغي إنكاره. فمن أنكره فهو مكابر لعقلك، فلا يُعتد به. فأنت قد تذكر الشيء وإنْ كان هناك من ينكره، تذكره دون تأكيد من باب أنك تقول: لا ينبغي إنكار هذا ولا يلتفت إلى مَن أنكره، على أن الآية لم تخلو من التأكيد أصلًا، بل جاء تأكيد فيها بقوله ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 31)

بل ومن جهة أخرى قد يقول قائل وقد قيل به: إن العطف بـ “ ثم “ أناب عن ذكر اللام في الآية السابقة، لأنه لما عطف بـ “ ثم “ كأنه أعطى ما بعدها مثل الذي جاء قبلها، فكأنها أيضًا على باب التأكيد المقرر في الآية السابقة. والعلم عند الله تعالى.

ثُمَّ انتقلت بنا السُّورة الكريمة إلى الحديثِ عن خلقِ الإنسان وعما فيها من آياتٍ، وهذا كثيرٌ في القرآنِ الكريمِ، أنْ يذكرَ اللهُ عزَّ وجلَّ ما يتعلَّقُ بخلقِ الإنسان، ثمَّ بعد ذلك يتبعُه بخلقِ السَّماواتِ والأرضِ أو العكس. وهذا ما يقرِّرُه بعضهم بأنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يُحدِّثُنا عن آياتِه في الأنفسِ وفي الآفاق ﴿وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 21) [سورة الذاريات:21] ﴿وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَـٰتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (الذاريات: 20-22) [سورة الذاريات:20 -22].

فذكر الأرض وذكر الأنفس وذكر السماء.

وكذلك هنا قال ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ﴾ (المؤمنون: 17) [سورة المؤمنون:17].

ما المقصود بالطرائق؟ السماوات، سبع سماوات بعضها فوق بعض. وهذا معنى الطرائق، فالعرب تُطلِقُ كلمة (طرائق) على ما كان بعضه فوق بعض، كما نصَّ على ذلك الطبريُّ رحمهُ الله. فإذا كان هناك شيء فوق شيء يُقال له طرائق. قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ﴾ (المؤمنون: 17)

ولذلك قال الطبري: العرب تسمِّي كل شيء فوق شيء طريقة، وهنا جُمِعت على طرائق.

﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18) ما معنى ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18)؟ قالوا هنا ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18) أي “ وما كنا بغافلين عن خلقنا ولا ناسينا إياه “. إذا: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ﴾ يعني: لم ننسَ الخلق.

والحقُّ أنَّ قوله ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18) فيه قولان مشهوران:

الأول ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18) أي: غافلين عن حفظه. فالله لا يغيب عنه حفظُ الخلق، بل هو حافظٌ للخلقِ سبحانهُ وتعالى. ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18) فالله ليس غافلاً عن الخلق؛ بل هو حافظٌ لهم ومراقبٌ. إذا حفظٌ ومراقبة.

2 -ومنهم من قال ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18) أُريدَ بها هنا أنَّ ربَّ العزة سبحانه خلق السماوات وجعلها سبع طرائق؛ وليس بغافل عنها وإلا لسقطت على الأرض. فكأنَّ الآية في معنى قوله: ﴿۞ إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (فاطر: 41) [سورة فاطر:41]. والعلم عند الله تعالى.

من فوائد الآيات :

الفلاحُ أسبابٌ متنوِّعة يحسن معرفتها والحرص عليها.: وهي صفات المؤمنين. قال الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾

ثم ذكر الله تلك الصفات، فمن أراد أن يكون مفلحاً فعليه بتلك الصفات، وعليه أن يحرص على أدائها وتحقيقها. نسأل الله أن يرزقنا من واسع فضله.

التدرج في الخلق والشرع سنَّة إلهية: هذا واضح في ذكر خلق الإنسان. فالله قادر على أن يخلق الإنسان في لحظة، لكن جعله متدرجاً في بطن أمه، كما ذكر الله مراحله: ﴿فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّـٰتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَـٰبٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (المؤمنون: 19) إلى آخره.

إحاطة علم الله بمخلوقاته: قال الله: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غَـٰفِلِينَ﴾ وأيضاً من عادات القرآن الكريم أن يجمع بين بيان أنَّه الخالق وأنَّه العليم، وهو الخلاَّق العليم. فهنا قال ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْءَاكِلِينَ﴾ (المؤمنون: 20) ثم ختم الآية بـ ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18) أي: -هو عالم بكل شيء سبحانه وتعالى.

قال الله سبحانه ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (المؤمنون: 21)

ذكر الله لنا خلق السماء في قوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون: 22) ثم أتبع ذلك ببيان إحياء الأرض الميتة. وتقدَّم أنَّ خلق السماء والأرض من دلائل البعث وبراهينه، وأنَّ إحياء الأرض بعد مماتها أيضًا من براهين البعث. لذلك قال: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39)

ثم قال بعده: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) كقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) [سورة فصلت:39].

وقال في آية الحج ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الحج: 5-6) [سورة الحج:5 -6].

تلاحظون أنَّ صدر سورة الحج فيه حديث عن البعث ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِى ٱلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوٓا۟ أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنۢ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْـًٔا ۚ وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنۢبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍۭ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) [سورة الحج:5].

وأيضًا صدر سورة المؤمنون فيه حديث عن بداية خلق الإنسان وتقرير البعث. إذا، مفتتح سورة الحج ومفتتح سورة المؤمنون بينهما تقارب كبير جدًّا، والعلم عند الله تبارك وتعالى، فهذا من التناسب بين السورتين.

قال هنا: ﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلْأَرْضَ خَـٰشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِىٓ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰٓ ۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (فصلت: 39) ما معنى “ بقدر “؟ أي بمقدار الحاجة،

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَقَالَ يَـٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 23) إذا أنزل الله من السماء ماءً بمقدار الحاجة، لا كثيراً فيُفسد، ولا قليلاً فلا يكفي، فهو بفضل الله سبحانه وتعالى لا يُفسد ولا يَفسُد، يعني لا يُفسد الأرض وإنما أنزله الله بقدر.

قال: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 24) ربي قادر على أن يُذهبه فلا ينتفع الناس به، وقد قال الله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 25) وهذه الآية أشدُّ، أعني آية سورة المؤمنون، لأنه قال: ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ (المؤمنون: 26)

يعني غائرًا، أمَّا هنا قال: ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 24) فهذا أشدُّ في الوعيد، والعلم عند الله.

ثم قال ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (المؤمنون: 27)

تقدَّم أنَّ الله حينما يذكر الأعناق، يذكر الثمرة وهي الأعناق، لا يقول الشجرة؛ ﴿أَنَّمَا﴾ يقول الأعناق لأنَّها أفضل ما في هذه الشجرة، أفضل ما في الشجر العنب، فلذلك يذكره في الانتفاع به. وأمَّا إذا ذكر التمر فإنَّه يذكر النخيل لعموم النفع بالنخيل، فالنخيل كله ينتفع به، ولذا ضُرب المثل للمؤمن به أو بها، أعني النخلة. قال الله سبحانه ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 28)

﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ (المؤمنون: 29) أي: وأنشأنا لكم به أيضًا، أي بهذا الماء، شجرة ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ﴾ -في منطقة جبل سيناء -، ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (المؤمنون: 30) والمراد به الزيت الذي يخرج، فإنَّه يُستفاد منه. وقوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 31) والقراءة الأخرى “ تُنبِتُ بالدهن “.

قالوا ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 31) يعني تنبت مصحوبة فهذا الدهن ينبته الله سبحانه وتعالى، والمراد به هذا الزيت الذي يستعمل في الطعام، ويستعمل في الادخار في الادهان ولذا قال ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 32)

قالوا “ يدهن به ويؤتدم “ لذلك يستعمل هذا الخبز الإدام ويوضع عليه هذا الزيت فيستعمل في هذا أيضًا بفضل الله سبحانه وتعالى فيؤتدم به ويؤكل ويكون طعاما كافيا وكذلك يستعمل في الدهان بفضل الله سبحانه وتعالى فقال ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (المؤمنون: 30) إذا ما المراد بالباء هنا؟

قالوا هي باء المصاحبة باء المصاحبة أو الملابسة.

وأما على قراءة ﴿تَنۢبُتُ بِٱلدُّهْنِ﴾ (المؤمنون: 20) قالوا تكون للتأكيد، تفيد معنى التأكيد.

﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (المؤمنون: 30) فيغمس فيه بفضل الله سبحانه وتعالى ولذلك استفاد بعضهم من هذه الآية (وجود الإدام) أنه يؤتدم ويستعمل حينما يستعمل الإنسان الخبز، ويستعمل معه الادام وكذلك يستعمل معه الزيت -أعني زيت الزيتون -.

وفي قوله ﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ (المؤمنون: 33) مع أنَّ هذا الذي يخرج من طور سيناء ليس خاصا بها؛ وإنما خصها الله بالذكر للدلالة على شرف هذا المكان وشرف ما يخرج منه من هذا الطعام.

قال ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ (النحل: 66)

﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ (النحل: 66) وتقدم نظير ذلك في سورة النحل ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِى ٱلْأَنْعَـٰمِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِى بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِّلشَّـٰرِبِينَ﴾ (النحل: 66) [سورة النحل:66]. لكم فيها منافع كثيرة فبفضل الله سبحانه وتعالى، هناك منافع كثيرة من هذه الأنعام.

قالوا هنا “ تستدلون بها على قدرة الله من ذلك اللبن الخالص السائغ للشاربين ولكم فيها منافع كثيرة تنتفعون بها كالركوب والصوف والوبر والشعر وتأكلون من لحومها “

فهذا كله يستفاد منه مما في بطون الأنعام ومن المنافع الكثيرة التي جعلها الله سبحانه وتعالى فيها، قال ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَـٰسِرُونَ﴾ (المؤمنون: 34) جمع الله بين الأنعام والفلك قالوا ذلك: لأنَّ الأنعام سفائن البر كما أنَّ الفلك سفائن البحر، فكما أنَّ الفلك هو السفينة في البحر فالأنعام هي السفينة في البحر.

1 -بعض المفسرين: خص الأنعام هنا بالإبل، قالوا:لأنَّ الذي يركب هو الإبل ليس البقر أو الغنم، فلذلك بعضهم يفسر الأنعام هنا بالإبل.

2 -ومنهم من عمم كما عمموا هنا فقالوا في (تفسير الأنعام) “ الإبل البقر الغنم “ ثم كل بحسب ما هو مذكور ففي ذكر قوله سبحانه ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ﴾ (المؤمنون: 35) هذا عام ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (المؤمنون: 36) هذا عام، ثم لما قال ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (المؤمنون: 37) يعني: -على بعضها والعلم عند الله تبارك وتعالى؛ لأنَّ الإبل هي المشهورة في هذا الباب.

ثم انتقلت بنا السورة الكريمة بعد أن بين الله سبحانه وتعالى بعض مننه على خلقه فيما يتعلق بخلق السماء والأرض وإحياء الأرض الميتة، وما جعل الله في هذه الأرض من نباتات وزروع وثمار اتبع الله ذلك بذكر قصص الأنبياء والمرسلين للدلالة على أن دعوة الأنبياء والمرسلين متفقة في الدعوة إلى توحيد الله، وبيَّنَ الله ماذا صنع المشركون تجاه دعوة الأنبياء والمرسلين، وتلاحظون أنَّ في هذا انتقالا والعلم عند الله إلى الحديث عن النبوات فالآيات السابقة تحدثت عن البعث، وأيضا تحدثت عن قدرة الله، والحديث عن قدرة الله وخلقه حديث عن إلهيته لأنَّ الربوبية طريق إلى إلهيته سبحانه فجاء الحديث عن قصص الأنبياء والمرسلين وهذا من عادات القرآن الكريم أيضًا في طريقته.

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (المؤمنون: 38) يدعوهم إلى عبادة الله الواحد الذي لا شريك له، وهذه الآيات تقدم نظيرها في مواضع أخرى فتقدمت معنا القصة في سورة الأعراف وفي سورة هود، قال ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ (المؤمنون: 39)

هنا قد يقول قائل : إنَّ الآية جاءت هكذا (فقال الملأ) لم يقل : (قال الملأ)، وقد عرفنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنَّه من عادات القرآن في أسلوب المحاورة ﴿إِلَّا﴾ تدخل الفاء أو الواو؛ إنمّا يأتي ( قال والجواب قالوا) : كأن النبي يقول قولا فيقال فماذا أجابوه؟ قالوا : قال الملأ هذا كثير في القرآن إنه في أسلوب المحاورة يكون التعبير بـ (قال) بدون الفاء أو الواو لكن هنا ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ﴾ (المؤمنون: 40) والجواب عن ذلك من وجهين :-

أما الوجه الأول فذلك الملأ يحتمل أنَّ هذا القول ليس المراد أنهم قالوه لنوح عليه السلام وإنما قالوه لغيرهم من الضعفاء ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 41) إذًا هم يتحدثون إلى نوح، فنوح قال كلاما والملأ تغيظوا فإذا بهم يكلمون غيرهم ويقولون : ما هذا إلا بشر، فالحوار مختلف والحديث مختلف وليس هذا في الجواب عنه، فلذلك لم يأت (قال) وإنما قال فقال.

ومن جهة أخرى : فإنَّ الفاء تدل على السرعة يعني أنهم ما أن سمعوا دعوة نوح عليه إلا وسعوا في الصد عنها فهرولوا في الصد عن سبيل الله سبحانه وتعالى ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 24) [سورة المؤمنون:24] حينما يدعي أنه نبي أو رسول ظن منهم أنه يريد بذلك السيادة أو الرئاسة وهو في الحقيقة يريد ما يتعلق بأمر الدين؛ وأما الدنيا فإنها تابعة للدين وليست هي الأساس ولا الأصل الذي يرتكن إليه.

قال ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 25) قوله ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ (المؤمنون: 26) الجواب (له) لكن أين مفعول (شاء الله )؟ أي ولو شاء الله إرساله لأنزل ملائكة، إذًا فُهِمَ هذا من السياق لذلك قالوا هنا " ولو شاء الله أن يرسل إلينا رسولا لأرسله من الملائكة " ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (المؤمنون: 27) ما سمعنا بهذا ما معنى ﴿فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ فَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 28)؟ قالوا "بمثل ما ادعاه عند أسلافنا الذين سبقونا يدعون إلى التوحيد " لم نسمع بهذا في آبائنا الأولين يدعونا إلى أن نؤمن به، وإلى أنه رسول.

﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (المؤمنون: 27) لذلك بعضهم قال : ما سمعنا بمثل دعوته أو ما سمعنا بشراً بمثل ما قال أو برسالة يدعيها ﴿فَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ أَنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ۙ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَـٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (المؤمنون: 27) فقوله ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ (المؤمنون: 29) :

1-إما المعنى : ما سمعنا بمثل دعوته.

2-أو ما سمعنا بمثله بشرا - لم نعرف أن بشرا يكون رسولا -!! فالرسول إذا كان ولابد فليكن من الملائكة ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (المؤمنون: 30) به جنون في عقله ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 31) انتظروا به حتى حين ما معنى ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 32)؟

1-قالوا "حتى يتضح أمره للناس " إذًا حتى حين يتضح أمره للناس، ويظهر أنه مجنون.

3-وبعضهم قال ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ (الطور: 30) : حتى نستريح منه فيموت كما في قوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ (الطور: 30) [سورة الطور:30] في حق النبي عليه الصلاة والسلام.

﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيْبَ ٱلْمَنُونِ﴾ (الطور: 30)

قالوا هنا " انصرني عليهم بأن تنتقم لي منهم بسبب تكذيبهم إياك " ففهم من ذلك أن الباء في قوله ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) أي : بسبب تكذيبهم لي ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) يعني بتكذيبهم لي وقال أيضًا ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) [سورة القمر:10].

قال الله سبحانه وتعالى ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10)

﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۢ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّـٰهُ فِى ٱلْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍۭ بِهِۦ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 18) أي : السفينة ﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ (المؤمنون: 33) قالوا "بمرأى منا " فمعنى ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَـٰسِرُونَ﴾ (المؤمنون: 34) بمرأى منا مع إثبات الصفة لله على الوجه الذي يليق بالله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾، ولا يستدعي هذا تماثلا ولا تشابها بالمخلوقين.

قال الله سبحانه ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ﴾ (المؤمنون: 35) أي : بما أوحى الله سبحانه وتعالى إليك وعلمك إياه، ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (المؤمنون: 36) أي بالهلاك أو بالإهلاك ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (المؤمنون: 37) قالوا " ونبع الماء بقوة من المكان الذي يخبز فيه " إذًا هذا معنى ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (المؤمنون: 37) نبع الماء بكثرة وقوة من التنور - المكان الذي يخبز فيه - مع أنَّ المكان الذي يخبز فيه هو موضع للنار وليس موضعا للماء فهذه آية جعلها الله لنوح عليه السلام إذا رآها فحينئذ قال ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (المؤمنون: 38)

تقدم في سورة هود (أنَّ التنور) :

من أهل العلم من قال المراد به وجه الأرض.

لكن هذا القول وهو أن التنور هو الفرن أو الذي يخبز فيه هو القول المرجح كما رجحه الطبري باعتبار أن هذا هو الأغلب في استعمال العرب بهذه الكلمة وحمل الكلمة على المعنى الأغلب أولى.

قال ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ (المؤمنون: 39) كزوجته وابنه ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ﴾ (المؤمنون: 40) ظلموا بالكفر والإعراض عن الدعوة والسخرية، وتأمل هذا اللهو الذي وقعوا فيه بخلاف أهل الإيمان الذين وصفهم الله بقوله ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 3) [سورة المؤمنون:3]

قال﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 3) مهلكون لا محالة بالغرق في ماء الطوفان.

من فوائد الآيات

لطف الله بعباده ظاهر بإنزال المطر وتيسير الانتفاع به : قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾ (المؤمنون: 4)

التنويه بمنزلة شجرة الزيتون : قال الله ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ (المؤمنون: 29) وقد قال الله ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ﴾ (المؤمنون: 5) فأقسم به صراحة في سورة التين

اعتقاد المشركين ألوهية الحجر وتكذيبهم بنبوة البشر دليل على سخف عقولهم : فهذا من الشبهات الداحضة حينما يقولون ﴿فَقَالَ ٱلْمَلَؤُا۟ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَـٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 24) وتقدم الكلام في مثل هذا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾.

نصر الله لرسله ثابت عندما تكذبهم أممهم : قال الله عز وجل بعد قوله ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ (القمر: 11) قال ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ (القمر: 11) إلى آخر الآية الكريمة كما قال الله عز وجل هناك في القمر ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ (القمر: 11) [سورة القمر:11] إلى آخر الآيات.

قال الله سبحانه ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ (القمر: 11)

ما معنى الاستواء على الفلك؟ قالوا بمعنى العلو والاستقرار، لذلك قالوا هنا " فإذا علوت على السفينة " فهذا معنى ﴿إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون: 6) ممن قدر الله عز وجل لهم النجاة من أهل الإيمان ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ (المؤمنون: 7) احمدوا الله سبحانه وتعالى وقولوا ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون: 8) أنقذنا من القوم الكافرين، فأهلكهم، وقد قال بعضهم أمروا بذلك وهم عليها كما في كما في ظاهر الآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1-2) وبعضهم جعل موضع ذلك عند الاستقرار وذلك عند الهبوط بعد أن أنجاهم الله سبحانه وأهلك الظالمين فحينئذ أمروا بذلك فقل ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: 9) أو فحين ذلك يقولون أو عليهم أن يقولوا ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون: 8) ومن النجاة من القوم الظالمين : النجاة من مجالستهم، النجاة من سماع اللغو الذي يقولونه لأن هذا يؤذي النفوس المؤمنة - نبي الله نوح عليه السلام - كان يؤذى من هؤلاء ولذلك قال ﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) [سورة هود:38] قال الله سبحانه ﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38)، والقراءة الأخرى ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا﴾ : موضع النزول.

قوله سبحانه وتعالى ﴿وَيَصْنَعُ ٱلْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِۦ سَخِرُوا۟ مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا۟ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ (هود: 38) مباركاً، بأن يكون مكانا مباركا بفضل الله سبحانه وتعالى فتكون الأرض فيه صالحة للزراعة والإنبات، ونستطيع الإقامة فيه، وكذلك ترزقنا فيه الذرية الطيبة ويتكاثر النسل قال الله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ﴾ (المؤمنون: 10).

ثم قال ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 11) (إن في ذلك لآيات) في ذلك المذكور من إنجاء نوح والمؤمنين معه وإهلاك الكافرين لدلالات جلية على قدرتنا على نصر رسلنا وإهلاك المكذبين بهم

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ (المؤمنون: 12) قوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ (المؤمنون: 12) هل هو لإثبات ابتلاء الله؟ أو هو لنفي ابتلاء الله؟ إنه لإثبات ابتلاء الله لذلك إن في قوله ﴿ثُمَّ جَعَلْنَـٰهُ نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ (المؤمنون: 13) هي إن المخففة من الثقيلة فهي بمعنى التأكيد ومن دلائل ذلك دخول اللام التي يقال لها اللام الفارقة التي تفرق بين إن المؤكدة المخففة من الثقيلة وإن النافية فإذا عرفت أن المراد بقوله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن سُلَـٰلَةٍ مِّن طِينٍ﴾ (المؤمنون: 12) إثبات الابتلاء بسياق الآية أو بسياق الآيات من جهة وبدخول اللام، أي وإن كنا لمختبرين قوم نوح بإرساله إليهم لما أرسل الله إليهم نوحا اختبارا وابتلاء ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ﴾.

قال الله سبحانه ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَـٰمًا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَـٰمَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَـٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ (المؤمنون: 14) أي : أنشأنا من بعد نوح وقومه قرنا آخرين أمة أخرى، اختلفوا في هذه الأمة لأن الله لم ينص عليها هنا

1-فقال عدد من العلماء : المراد بهم عاد قوم هود عليه السلام وهذا نسبه السمعاني لأكثر المفسرين، قالوا لأنه المعروف في ذكر قصص الأنبياء والمرسلين في القرآن؛ فإنَّ ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ذكر قصة نوح اتبعها بقصة هود عليه السلام.

ومنهم من قال : بل المراد بهؤلاء هنا( ثمود قوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾)، قالوا : لأن هؤلاء كانت ديارهم قريبة من أهل نوح لذلك كان الله أو ذكرهم الله بها مرارا كما مضى معنا في سورة الحجر ومن ذلك أيضًا ما جاء في سورة الشمس ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَىٰهَآ إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشْقَىٰهَا﴾ (الشمس: 11-12) [سورة الشمس:11-12].لأنّّ الله قال ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِٱلَّيْلِ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (الصافات: 137-138) [سورة الصافات:137-138].وهذا من أسباب تكرار هذه القصة وانفرادها في بعض المواضع لقربهم من مكانهم وأنهم يمرون على ديارهم فلهم فيها العظة والعبرة.

قال ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ ۖ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 32) [سورة المؤمنون:32] هذه دعوة الأنبياء والمرسلين كما تقدم ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25) [سورة الأنبياء:25].

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25)

أيضًا دخلت الواو وقال لأن هذا في مجلس آخر، وفي مقام آخر، فإذا كان المجلس متفقا وكان الحديث من باب المحاورة لم تدخل الواو أما إذا كان المجلس أو لم يكن الكلام على سبيل المحاورة والمقاولة لم يؤت بالواو أو بالفاء.

قال الله ﴿وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِلِقَآءِ ٱلْءَاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَـٰهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا هَـٰذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ (المؤمنون: 33) تأملوا هنا ذكر الأوصاف فقال ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَـٰسِرُونَ﴾ (المؤمنون: 34) فجمعوا بين هذه المفاسد الكثيرة من الكفر والتكذيب بلقاء الآخرة ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ (العلق: 6-7) وتقدم أن الملأ الأشراف والسادة من القوم وقوله ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ (العلق: 6-7) لأن الترف يؤدي إلى الطغيان؛ ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ (العلق: 6-7) [سورة العلق:6-7].

قال الله سبحانه وتعالى ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ﴾ (العلق: 6-7) رددوا المقالة التي قالها قوم نوح عليه السلام.

﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ﴾ (المؤمنون: 35) والتقدير : ويشرب مما تشربون منه.

﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ (المؤمنون: 36) لعدم انتفاعكم بطاعته لترككم آلهتكم تأملوا هنا هم وسموهم بالخسران مع أنَّ اتباع الأنبياء هو الفوز والفلاح لذلك السورة قررت الخسران الحقيقي الفلاح الحقيقي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌۢ بِهِۦ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا۟ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 25) تأملوا الأنبياء دعوا إلى التوحيد وإلى البعث ولذلك أنكر هؤلاء البعث فهنا قال ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (المؤمنون: 37) ما معنى ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (المؤمنون: 37)؟وعدكم وأخبركم بذلك! إذا هذا مما أخبر به النبي ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُۥ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (المؤمنون: 38) قال بعضهم ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرْنِى بِمَا كَذَّبُونِ﴾ (المؤمنون: 39) الثانية تأكيد للأولى لأنه طال الفصل بين اسم إن وخبرها، وهذا كثير في القرآن عند طول الفصل تتكرر بعض الكلمات تأكيدا لهذا تقدم في سورة البقرة ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89) [سورة البقرة:89] فبعد أن قال ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89) ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يأتي بالجواب قال مرة أخرى ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89)

﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89) هيهات يعني : بُعد، فيقولون :-

1-إنها اسم فعل.

2-ومنهم من قال : كلمة تدل على البُعد، لذلك هم قالوا هنا " بعيد جدًا " لكننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه اسم فعل ماضي فيكون التقدير أو التفسير " بعد " أو قُل (بُعد جدًا ) على أنها اسم فعل ماض؛ لكن إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنها كلمة دالة على البعد فهنا قالوا " بعيد جدًا توعدون به " من الذي قال هيهات؟ الذي قال ذلك - هم الملأ - هم الكفار، نسأل الله السلامة. ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89) أي : لما توعدون به من إخراجكم من قبوركم أحياء بعد موتكم ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89)، وهنا أنبه على أمر إن بعض الناس ممن يولع بالبدء بأوائل الأرباع كما هو موجود في المصاحف ربما استفتح الصلاة فقال ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَـٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا۟ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا۟ كَفَرُوا۟ بِهِۦ ۚ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 89) وهذا من كلام الكفار يرددون هذا الكلام فلا يناسب البتة أن يبدأ به إنسان في القراءة وإنما عليه أن يصل الكلام بعضه ببعض فإذا أراد أن يبدأ بدأ ببداية القصة ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نَـٰدِمِينَ﴾ (المؤمنون: 40) وهكذا.

﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 41) هنا إشكال قد يرد في أذهان بعض الناس وذلك في تفسير قوله ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 42) إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 42) جاء قوله (ونحيا) بعد قوله (نموت) إذًا معناه أنهم يقرون بالبعث مع أنهم ينكرون البعث فكيف هذا؟

هنا قال ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 42) وهم لا يقرون بالبعث أصلا بدليل قوله ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ﴾ (المؤمنون: 43) فقوله ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ﴾ (المؤمنون: 43) يدل على أنَّ قوله ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 44) لا يرد به الحياة الآخرة أو الحياة بعد الموت إذًا فما تفسير الحياة هنا؟ وما تفسير الموت؟

1-بعضهم قال في الآية تقديم وتأخير فأصل الكلام (نحيا ونموت)؛ فالمراد بهم أنهم يحيون ثم يموتون.

2-أو أنَّ المراد بقوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) حينما كانوا نطفا، حينما كانوا نطفة فهذا موت. ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) يعني نحيا على الأرض كقوله ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) [سورة البقرة:28] فالإنسان في البداية كان عدما - كان ميتا - ثم أحياه الله سبحانه وتعالى، إذًا المراد بالموت هنا : ما كان قبل خلق الإنسان حينما كان عدما أو في بداية خلقه حينما كان نطفة ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تنفخ فيه الروح، ثم صار حيا/ أو أن المعنى نحيا ونموت.

3-وهناك وجه آخر وهو الذي ذكروه هنا ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) يعني : يموت جيل ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) يحيا الأبناء فيموت الآباء ويحيا الأبناء لذلك قالوا هنا في التفسير قالوا " تموت الأحياء منا ولا تحيا " ففسروا نموت ثم قالوا " ويولد آخرون فيحيون"

تأملوا قولهم هنا، قد يقرأ قارئ هذا التفسير منهم ويقول أين هذا في الآية؟ ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 42) يموت منا جماعة ويحيى منا فنقول في الوفيات المتوفى فلان والمولود فلان فهناك عدد الأموات وعدد المواليد هذا هو المراد إذًا هناك ثلاثة أوجه في الجواب عن هذا الإشكال.

أما أن يقال إن في الآية تقديما وتأخيرا، وأما أن يقال إن معنى ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 42) نموت : أي ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تنفخ فينا الأرواح ونحيا بعد النفخ في الأرواح. ثم قالوا في المرحلة الأخرى ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ﴾ (المؤمنون: 43) وهي المرحلة التي ينكرونها.

الوجه الآخر ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) أي يموت بعضنا ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (البقرة: 28) يحيا بعضنا حين الولادة، والعلم عند الله تبارك وتعالى، والقول بالتقديم بالتأخير خلاف الأصل لا يُشار إليه بل يُقدَّم عليه القولان الآخران.

قال ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (المؤمنون: 45) هكذا قالوا طاعنين في هذا الرسول. قال ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) تأمل المقالة نفسها كما قال نوح ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10) هنا أيضًا قال هود أو ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ (القمر: 10).

قال ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ﴾ (المؤمنون: 46) تأملوا ﴿فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ﴾ (المؤمنون: 47) الخسران ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾ (المؤمنون: 48) قريب وقت قريب ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (المؤمنون: 49) قالوا هنا " بعد زمن قليل "، وكأنَّ دخول الـ (ما في ما ) في قوله ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65) دلالة على زيادة في القلة، أن مدة وجيزة جدًا ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65) إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ والمراد به قومه ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا۟ فِى دَارِكُمْ ثَلَـٰثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (هود: 65) [سورة هود:65] ولمدة قليلة جدًا، وكذلك أهلك الله عادا كما هو معلوم.

﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 67) ولذلك ورد أيضًا في قصة ثمود ﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 67) [سورة هود:67] قال الله ﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ٱلصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دِيَـٰرِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ (هود: 67) قالوا " فَأَخَذَهُمْ صَيْحَة شَدِيدَة مُهْلِكَة باستحقاقهم العذاب لتعنتهم

﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (المؤمنون: 50) قالوا يعني " فَجَعَلْنَاهُمْ هَلْكَى كَالْغُثَاءِ " ما معنى جعلناهم غثاء؟ يعني : جعلناهم كالغثاء لذلك يقولون تشبيه بليغ، فجعلناهم كالغثاء وهو : ما على السيل من الزبد وغيره لا قيمة له صاروا جاثمين لا حراك بهم ولا ينتفع بهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون: 51) فهلاك للقوم الظالمين وهذا هو الغالب في إطلاق كلمة البُعد فإذا أطلقت كلمة البُعد فالمراد بها الهلاك نسأل الله السلامة.

دروس مشابهة