مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المؤمنون — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 356 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 1) أقوأما آخرين مثل قوم لوط وقوم شعيب وقوم يونس عليهم السلام وتأملوا هنا في المختصر لما مثلوا قالوا " مثل قوم لوط وقوم شعيب وقوم يونس " فلم يذكرون هودا ولا صالحا لأننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنه ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ والمراد بهم ثمود فما بعدهم نذكر قوم لوط وقوم شعيب وقوم يونس عليهم السلام وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إنهم عاد فيذكر أيضًا قوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ لكنهم لما ذكروا “ مثل قوم لوط وقوم شعيب وقوم يونس " أرادوا بذلك الخروج من الاختلاف في التفسير وهذا حسن في من يصنف في التفسير والعلم عند الله تعالى.

من فوائد الآيات

وجوب حمد الله على النعم قال الله سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 2) لذلك قال بعضهم يستحب أن يقال هذا عند النزول من المركوب من السفينة ونحوها أن يقال " ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِى مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ " أو يقتصر على الجملة الأخيرة وهو الأظهر فيقول " ربي أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين".

من أسباب الغفلة أو الاستكبار عن الحق لذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ﴾ (المؤمنون: 64) وسيأتينا ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ﴾ (المؤمنون: 64) [سورة المؤمنون:64] ولذلك تقدم معنا قوله ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16) [سورة الإسراء:16]

عاقبة الكافر الندامة والخسران قال الله ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا۟ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَـٰهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16)

الظلم سبب في البعد عن رحمة الله قال الله ﴿لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ (المؤمنون: 65).

قال الله سبحانه وتعالى ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ (المؤمنون: 66)

قالوا " لا تتقدم أي أمة من هذه الأمم المكذبة الوقت المحدد لمجيء هلاكها ولا تتأخر عنه مهما كان لها من الوسائل " ولذلك في معنى هذه الآية قوله سبحانه ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34) [سورة الأعراف:34] وهذه الآية التي معنا ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34) تقدم نظيرتها في سورة الحجر ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34) إذًا ما المراد بالأمة؟ أمة : جماعة من الناس.

﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (المؤمنون: 67) ولذلك هناك أجل لكل أمة، فكما أن لكل فرد أجلا فإنَّ للأمم آجالا لذلك يفني الله أمما ويهلك أمما وتأتي أمم وتذهب أمم كل ذلك بتقدير الله سبحانه وتعالى {﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34) تقدم أيضًا أن في الآية الكريمة دلالة على أمر وهو أن الله سبحانه وتعالى قد يعيد الضمير باعتبار اللفظ وقد يعيده باعتبار المعنى فإنَّ قوله ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (المؤمنون: 67) عاد الضمير على الأمة في قوله (أجلها) باعتبار اللفظ لأن الأمة مؤنثة فقال أجلها ثم قال ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 68) باعتبار المعنى لم يقل وما تستأخر! كما قال (ما تسبق)؛ ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 68) لأن الأمة في المعنى جماعة الأمة أفراد كثيرون فقال ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 68) باعتبار أفراد الأمة.

ثم قال ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ (المؤمنون: 69)

﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ﴾ (المؤمنون: 70) ما معنى تترا؟ أي :متتابعين فـ (تترى) معناها : متتابعين والقراءة الأخرى {تَتْرًى} بالتنوين ولذلك تترى هذا اسم وليس فعلاً؛ فالمراد بقوله ( تترى ) : متتابعين فالرسل يتتابعون.

﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 71) (كلما جاء أمة) : الأمة هنا مفعول به؛ لأنَّ الذي جاء هو الرسول ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72) فأصل الكلام : كلما جاء رسول أمة الأمة، فقدَّم فقال : كلما جاء أمة الرسول كذبوه

﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المؤمنون: 73) ما معنى اتبعنا بعضهم بعضا؟ أي : أتبعنا بعضهم بعضاً بالهلاك ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ﴾ (المؤمنون: 74) أي : أحاديثًا جعلنا ليس لهم وجود إلا الأحاديث، فتأمل قوله ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ﴾ (المؤمنون: 74) يعني لم يعد لهم وجود، ليس لهم عين ولا أثر سوى ذكر بأن يقال في هذا المكان كانت هناك أمة كذا، وكان هنا قوم كذا فتبقى آثارهم وذكرهم ولا فيكون شيء من أعيانهم قال ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 41) وهناك قال ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ بِٱلْحَقِّ فَجَعَلْنَـٰهُمْ غُثَآءً ۚ فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 41) [سورة المؤمنون:41] نسأل الله السلامة.

ثم قال الله عز وجل ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101)

﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) ومنها الآيات التسع التي قال الله فيها ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ ءَايَـٰتٍۭ بَيِّنَـٰتٍ ۖ فَسْـَٔلْ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ فَقَالَ لَهُۥ فِرْعَوْنُ إِنِّى لَأَظُنُّكَ يَـٰمُوسَىٰ مَسْحُورًا﴾ (الإسراء: 101) [سورة الإسراء:101] وهنا فصلوا القول في هذه الآيات التسع كما تقدم معنا في تفسير سورة الإسراء (سورة بني إسرائيل) فقالوا (العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والطوفان والسنين ونقص الثمرات) على قول كثير من أهل التفسير قال ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 42)

قوله سبحانه وتعالى ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ﴾ (المؤمنون: 43) أي : وبحجة واضحة، فالمراد بالسلطان : الحجة. ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 44) وتأملوا : يا أيها الإخوة الكرام، تكرار الكلمة " الملأ "، وهنا أيضًا ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَا مِنۢ بَعْدِهِمْ قُرُونًا ءَاخَرِينَ﴾ (المؤمنون: 42) ففي غالب الأمر يكون الطغيان والفساد من هؤلاء الأشراف الذين يطغيهم مالهم إلا من رحم الله سبحانه وتعالى، لذلك علمنا الله فقال ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن: 15) [سورة التغابن:15]، وقال ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال: 28) [سورة الأنفال:28]، فقال عز وجل ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن: 15)

﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن: 15) فلم ينقادوا لهما وكانوا قوما مستعلين على الناس بالقهر والظلم.

وهذا معنى ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (المؤمنون: 45) فقالوا ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ﴾ (المؤمنون: 46) أيضًا تأملوا هذه الشبهة: في هذه السورة، أعني - سورة المؤمنون - من أكثر الشبهات تكرارًا هي دعوة أنه لا يمكن لنا أن نؤمن رسولًا لأنه بشر!!. وهذه دعوة باطلة، ولذلك بين الله بطلانها ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) [سورة الإسراء:95].

﴿قُل لَّوْ كَانَ فِى ٱلْأَرْضِ مَلَـٰٓئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكًا رَّسُولًا﴾ (الإسراء: 95) قومهما المراد بهم بنو إسرائيل، لنا عابدون مطيعون خاضعون، فهم يخدموننا، كيف نؤمن بهذا الإسرائيلي؟ كيف نؤمن لموسى عليه السلام؟ ﴿فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ﴾ (المؤمنون: 47) تأمل أيضًا ذكر الهلاك هنا وهو مقابل للفلاح، فالسورة بينت فلاح المؤمنين وهلاك الكافرين المكذبين، هذا هو المقصود كما ترون في آياتها وفي موضوعاتها.

﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾ (المؤمنون: 48) ما المراد بالكتاب؟ المراد به : التوراة ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (المؤمنون: 49) لم يقل لعله يهتدي، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (المؤمنون: 50)، لأنه فهم من السياق : لعل قومه يهتدون، لذلك بعضهم قال : ولقد آتينا موسى وقومه ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون: 51) لما ذكر الله موسى اتبعه بذكر عيسى عليهما السلام، ﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52) صيَّرْنَاهما آية معجزة، وعلامة دالة على قدرتنا، فقد حملت به من غير أب ﴿فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون: 53) أما الربوة : فالأصل فيها أنها المكان المرتفع ﴿إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ﴾ استقرار مهيأة لمريم عليها السلام.

وبعضهم قال :- المراد بها دمشق.

﴿وَقِيلَ﴾ المراد بها بيت المقدس. قال ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: 23-24)

قال الله ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: 23-24) [سورة مريم:23-24]. تقدم معنا في سورة مريم أن المراد بالسَرِيِّ : الجدول الصغير - النهر - الذي تشرب منه بفضل الله، قالوا هذا هو المراد هنا بقوله سبحانه ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ قَالَتْ يَـٰلَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ أَلَّا تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (مريم: 23-24).

ومعين أي : ماء معين جارٍ، إذًا تُفسَّرُ هذه الكلمة ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 54) بآية : سورة مريم ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ (المؤمنون: 55) وبعض العلماء : قال لم يقل (وماءٍ معين)؛ إنَّما قال (ومعين)، هذا أعم؛ لأن هذا النهر ينتفع به فيشرب منه، يتلذذ بالنظر إليه ويستأنس به، ففيه إفادة أكثر من أن يقال (وماءٍ معين) وتقدم معنا أن الحذف في القرآن الكريم يكون أبلغ من الذكر حينما يكون هناك حذف في موضع من المواضع، وهذا من إعجاز القرآن في إيجازه.

﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون: 56)

اختلف المفسرون في هذا النداء ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57) لمن الخطاب؟

1-فقيل يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسل على تقدير أي : وقلنا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسل، فهذا قول قاله الله لكل رسول ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 58) أي : وقلنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ﴾.

2- ومن أهل العلم من قال بل المراد ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57) : محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا من التعبير بالجمع عن المفرد، فقوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57) أي :- يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول، تعبير عن المفرد بالجمع.

ومنهم من قال بل قوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57) المراد به : عيسى عليه السلام لأنه المذكور في الآية التي قبله. فهذه ثلاثة أقوال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57) والقول بالتعميم وجيه.

قالوا في المختصر " وقلنا يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَٰلِحًا، الأمر بالأكل من الطيبات والعمل الصالح ". وهذا فيه أنه مما يدعو الإنسان إلى العمل الصالح الأكل الطيب، وأنَّ العمل الصالح يدعو الإنسان إلى الأكل الحلال، ومما يدل على أن المراد بذلك أمر جميع ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه " أنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون: 51) [سورة المؤمنون:51]، وقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَٱشْكُرُوا۟ لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (البقرة: 172) [سورة البقرة:172] " قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون: 51)

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52) قالوا هنا " كلوا مما أحللت لكم مما يستطاب أكله". وتقدم معنا أنه في مقام ذكر الحل والحرمة فالمراد بالطيبات الحلال، وفي باب الأنعام يراد بها المستلذات. قال الله ﴿فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون: 53) فهو عليم سبحانه وتعالى بأعمالنا.

﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ﴾ (المؤمنون: 43)

وإن هذه ملتكم ملة واحدة، فالمراد (بالأمة) هنا : الملة، إذًا الأمة جاءت هنا في قوله ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ﴾ (المؤمنون: 43) [سورة المؤمنون:43].والمراد بها : الجماعة من الناس -القوم-، وجاءت في قوله ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ﴾ (المؤمنون: 43) والمراد بها : الملة، فعلى حسب السياق ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) هذا فيه أن دعوة الأنبياء واحدة متفقة في الأصول ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) تأملوا هذه الآية جاءت ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) وفي آية سورة الأنبياء ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92) [سورة الأنبياء:92]، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك : لأنَّ السورة الكريمة من مقاصدها الدعوة إلى عبادة الله، ولذلك كثر فيها عن سورة الأنبياء الحديث عن عبادة الله سبحانه وتعالى. وأما هنا فذكر التقوى كثير ولذلك الرسل قالوا ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 23) ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 23) هذا متكرر فناسب هذا أن يقول الله سبحانه ﴿إِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92)

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا ۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 44)

﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَـٰرُونَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَسُلْطَـٰنٍ مُّبِينٍ﴾ (المؤمنون: 45) جاء بقوله ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ﴾ (المؤمنون: 46) للدلالة على السرعة في هذا الأمر، ماذا صنعوا؟ تفرقوا، فتفرقوا أمرهم بينهم زبرًا، فتفرق أتباعهم، لذلك جاء H0للَّهِ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159) [سورة الأنعام:159] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159)

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159) فذرةم : أي اتركهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول فيما هم فيه من الجهل والحيرة، دع عنك هذا التفرق وهذا التشرذم وهذا التقطع ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159) قالوا هنا " فيما هم فيه من الجهل والحيرة " الغمرة التي تغمرهم وتعمهم فيصعب عليهم الخروج منها، ويدخل في معناها الأنهماك في الشهوات وفتن الشبهات أيضًا، ومن ذلك الجهل والحيرة. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159) ولذلك جاء بعد ذلك ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 54) فهم سكارى أعمتهم فتن الشهوات والشبهات. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ۚ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾ (الأنعام: 159)

ثم قال ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ (المؤمنون: 55) هذا الاستفهام إنكار. أيحسب هؤلاء أن الله حينما يعطيهم الأموال والبنين فإنه يعطيها لهم لأنه يحبهم ولأنه يقدم لهم الإكرام؟ هم لا يستحقون ذلك، فإنَّ الله يُعطى الدنيا لمن يحب ولمن يكره، وهذا فيه أن المال والبنين يؤدي بكثير من الناس إلى الوقوع في الغمرة وفي الفتن، وهذا مصداق ما تقدم: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن: 15) [سورة التغابن:15].

قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن: 15) إذًا لا يظن ظان إذا أعطاه الله المال والولد أنَّ هذا دال على حب الله له باضطراب قد يكون إكرامًا وقد يكون استدراجًا، ولذلك قال الله ﴿فَأَمَّا ٱلْإِنسَـٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَـٰنَنِ كَلَّا ۖ بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ﴾ (الفجر: 15-17) [سورة الفجر:15-17].

وقال ﴿وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ﴾ (سبأ: 37) [سورة سبأ:37] الآية الكريمة.

قال ﴿وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُم بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰٓ إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ﴾ (سبأ: 37) ما معنى ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ﴾؟ يعني : يحسبون أن هذا تعجيل خير لهم يستحقونه وأن الله يعجل ﴿لَـٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ جَـٰهَدُوا۟ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْخَيْرَٰتُ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾، ولذلك توهم هذا الكفار، ولذلك قال قائلهم كما مضى معنا في مريم ﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (مريم: 77) [سورة مريم:77]، يظنون أن الآخرة كالدنيا، وأن مقياس الآخرة كمقاييس الدنيا، والأمر ليس كذلك.

ثم اتبع الله فقال ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون: 56) هذا بسبب غفلتهم وعدم شعورهم بالحقيقة. ثم بعد أن ذكر الله عز وجل ما عليه أولئك الضالون، ذكر أوصاف المؤمنين أيضًا. فبعد أن ذكر الله في أول السورة أوصاف المؤمنين، ذكر هنا أوصافا أخرى فقال:﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57-61) [سورة المؤمنون:57-61].نسأل الله أن نكون من هؤلاء بمنه وكرمه.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57-61) عندهم إشفاق واحتراس بسبب خشية الله سبحانه وتعالى، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57-61) عندهم إشفاق، فهم عندهم خشية لله سبحانه وتعالى، وهذه الخشية تحملهم على فعل الطاعة وترك المعصية، ومن أعظم ما يؤتاه العبد خشية الله سبحانه وتعالى، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا ممن يخشاه، ولذلك كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: “ اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة “.

قال الله سبحانه ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 62) فمن صفات المؤمنين أنهم يؤمنون بجميع آيات ربهم، ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ﴾ (المؤمنون: 63)لا يشركون بربهم، لا يعبدون الأصنام ولا الأوثان ولا يعبدون أحدا سوى الله سبحانه وتعالى.

من فوائد الآيات

الاستكبار مانع من التوفيق للحق : قال الله سبحانه وتعالى في فرعون والملأ ﴿إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَإِي۟هِۦ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا عَالِينَ فَقَالُوٓا۟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ﴾ (المؤمنون: 46-47) [سورة المؤمنون:46-47].لماذا قالوا هذا القول؟ بسبب الاستكبار والاستعلاء، فأدى هذا إلى فساد الاعتقاد والمذهب الذي صاروا إليه فلم يوفقوا للحق، نسأل الله السلامة.

إطابة المأكل له أثر في صلاح القلب وصلاح العمل : قال الله سبحانه وتعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون: 51) فإذا أكلت طيبا يسر الله عز وجل لك الطاعة وحبب إليك التوحيد ملة جميع الأنبياء، قال الله سبحانه وتعالى ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَـْٔخِرُونَ﴾ (المؤمنون: 43)

الإنعام على الفاجر ليس إكرامًا له وإنما هو استدراج : قال الله﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) يعني هذا استدراج وهم في غفلة عنه، كما قال ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) [سورة آل عمران:178]، نسأل الله السلامة.

قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) هذه هي الصفة الرابعة التي وصف الله عز وجل بها عباده المؤمنين المتقين في هذه الآيات الكريمة، فالصفة الأولى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57-61) والصفة الثانية ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 62) والصفة الثالثة ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ﴾ (المؤمنون: 63) والصفة الرابعة ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178)

وقوله ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾ (المؤمنون: 48) قالوا هنا " يجتهدون في أعمال البر" إذًا معنى ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾ (المؤمنون: 48) أي :

1-يعطون ما أعطوا من أعمال البر وأفعال الخير.

2- وبعض العلماء يقصرها على الصدقات والنفقات، والأولى العموم. ويشهد لذلك ما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها من أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة " أهذا الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر فهو يخاف ﴿إِلَّا﴾ يُقبل منه؟ “ فH1. فقوله عليه الصلاة والسلام "يصوم ويصلي ويتصدق" هذا يعني أن معنى قوله عز وجل ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا۟ مِنَ ٱلْمُهْلَكِينَ﴾ (المؤمنون: 48) أي : من أعمال البر وأفعال الخير على سبيل العموم وليست مقصورة على أبواب الصدقات أو النفقات، والعلم عند الله تعالى. وإن كانت الصدقات من أعظم أبواب البر والإحسان كما لا يخفى.

وهذا الحديث المروي عن عائشة رضي الله عنها له طرق متعددة يحسن بها الحديث والعلم عند الله. ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (المؤمنون: 49) أي : وهم خائفون ﴿إِلَّا﴾ يتقبل الله منهم إنفاقهم وأعمالهم الصالحة. وتأمل قولهم هنا في المختصر "وهم خائفون ﴿إِلَّا﴾ يتقبل الله منهم إنفاقهم وأعمالهم الصالحة " بناء على ما دلت عليه رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه عنها.

وهذا فيه أن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وهذا بخلاف المنافق الذي جمع إساءة وأمنا؛ فالمنافق يسيء ومع إساءته فإنه يأمن ويظن أن الله سبحانه وتعالى لن يحاسبه ولن يعاقبه، وأما المؤمن فإنه جمع إحساناً ومع إحسانه جمع إلى الإحسان خوفا من الله سبحانه وتعالى فهو يعمل العمل الصالح ولا يضمن لنفسه قبولا، إذ إنه يشك في إخلاصه أو يشك في أنه وافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيما فعل إلى غير ذلك مما ينبغي للمسلم أن يراعي في كل عمل يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) قالوا هنا " إذا رجعوا إليه يوم القيامة يخافون ماذا سيكون أمرهم؟ وإلى ما يصير حالهم "

قال الله سبحانه ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (المؤمنون: 50)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (المؤمنون: 51) هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات الطيبة يبادرون إلى الأعمال الصالحة. فما معنى ﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52)؟

1-قالوا " يبادرون إلى الأعمال الصالحة " أي : هؤلاء يتعجلون إلى فعل الخيرات فهم يسارعون في فعل الخيرات.

2-وبعض العلماء قال ﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52) أي يتعجلون إلى ثواب الخيرات. فهذا في مقابلة ما ذكر الله سبحانه وتعالى عن الفريق الآخر إذ قال ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) ﴿أَنَّمَا﴾ الذي يسارع في الخيرات هو الذي يعمل الصالحات ويتقرب بها إلى الله عز وجل، فهذا هو الذي يتعجل إلى الثواب، وهذا الذي يرضي ربه ويرضيه ربه سبحانه وتعالى.

قال ﴿فَتَقَطَّعُوٓا۟ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍۭ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون: 53) ما معنى اللام في قوله ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 54)؟

1- بعضهم قال ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 54) أي : وهم إليها سابقون، فهم إلى الخيرات سابقون وهم إلى ثواب الخيرات سابقون، فهم سابقون إلى فعل الخيرات ومن ثم فهم سابقون بدخول الجنات كما قال الله ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة: 10-11) [سورة الواقعة:10-11].فمنهم من فسر اللام في قوله ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة: 10-11) أي وهم إليها، سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ وهم إليها أي إلى الجنة التي هي ثواب فعل الخيرات أم أن يكون المعنى وهم إليها، أي إلى فعل الخيرات نفسها.

2-والقول الثاني ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة: 10-11) أي : من أجلها، وهم من أجلها سابقون، فهم من أجل الخيرات أو ثواب الخيرات سابقون.

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ﴾ (المؤمنون: 55) أي : سبقوا غيرهم، أي هم بسبب ما يفعلون سبقوا غيرهم، فهم ما سبقوا غيرهم بكثرة مال ولا بكثرة ولد؛ وإنما سبقوا غيرهم بفعل الخيرات والتقرب إلى الله بالطاعات.

﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾ (المؤمنون: 56) أي : صاروا من السابقين الذين يسبقون غيرهم وذلك لإيمانهم ولعملهم الصالح. وقد أحسن أصحاب المختصر هنا إذ جمعوا بين القولين بإيجاز حين قالوا "وهم إليها سابقون ومن أجلها سبقوا غيرهم " فهم بهذا جمعوا بين الوجهين في تفسير اللام في قوله ﴿وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلسَّـٰبِقُونَ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ (الواقعة: 10-11) أي : وهم إليها سابقون وهم من أجلها سبقوا غيرهم.قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (المؤمنون: 50).

ثم قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ﴾ (المؤمنون: 57)

﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 58) لأنه قد يُتوهم أن الله عز وجل يكلفنا فوق الطاقة، وأنه ليس في وسعنا أن نصل إلى ما يرضي الله عز وجل، فبين سبحانه وتباركت أسماؤه أنه لا يكلف الناس إلا بما يطيقون، فبإمكانهم أن يصلوا إلى مرضاة الله عز وجل، وأن يستبقوا في فعل الخيرات، وأن يسارعوا في أدائها بفضل الله سبحانه وتعالى دون أن يقعوا في عنت، فقال ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَـٰتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 58) أي : إلا قدر ما تستطيعه من عمل.

ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: 59)، ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ﴾ (المؤمنون: 60) أي : عندنا كتاب أثبتنا فيه عمل كل عامل، فأعمال العباد محفوظة في كتاب مبين، ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾، فلا يضيع من أعمالهم شيء بفضل الله سبحانه وتعالى، فقال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ (المؤمنون: 61) أي : ينطق بالحق الذي لا مرية فيه، ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَلَدَيْنَا كِتَـٰبٌ يَنطِقُ بِٱلْحَقِّ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 62) لا ظلم عليهم، فالله لا يظلمهم، فلا يظلمهم بنقص الحسنات ولا بزيادة السيئات، سبحانه وتعالى.

وقوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَهُمْ لَهَا سَـٰبِقُونَ﴾ (المؤمنون: 61) 1-قالوا " كأن ينطق، فهو ينطق بما فيه ليدل الخلق على ما فيه " كما قال الله ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَـٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَـٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَـٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف: 49) [سورة الكهف:49].

2-ولقائل أن يقول : لا مانع من حمل النطق هنا على حقيقته كما هو واقع اليوم، فإننا نرى بعض الكتب الناطقة، وما كان يتوقع الخلق أن كتابا ينطق، ولكن رأينا في عالم الناس اليوم أن بعض الكتب يقال له الكتاب الناطق وما إلى ذلك، فسبحان ربي وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ عز وجل. قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: 59)

ثم قال ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا وَلَهُمْ أَعْمَـٰلٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَـٰمِلُونَ﴾ (المؤمنون: 63)

﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ﴾ (المؤمنون: 64) على من يعود الضمير في قوله ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ﴾ (المؤمنون: 64)؟

1- يعود على الكفار، قال بعضهم يعود على كفار مكة، ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 54) أي : بل قلوب هؤلاء الكفار ﴿فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَـٰذَا﴾، وهم الذين حذرنا الله من حالهم وأنكر عليهم إذ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا۟ إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ (آل عمران: 178) فبعد أن حدثنا الله عن الذين يعملون الصالحات ويستبقون في فعل الخيرات، عاد مرة أخرى للحديث عن الكفار الذين شغلتهم الدنيا عن الدين وألهتهم الأموال والأولاد عن طاعة الله، بل وعن الإيمان بالله رب العالمين، فقال ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 54) فالغمرة : الغفلة، وبعضهم يقول الجهل أو الضلال، يعني :- قلوبهم في ضلال وفي جهالة، والغمرة تدل على أنها قد غمرتهم وأنها قد غطت عليهم، فالمعنى أنها قد غطتهم وغمرتهم بكثرة ما فتنوا به من فتن الشهوات وفتن الشبهات، فقال ﴿فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ (المؤمنون: 54)

إذاً الجمهور من أهل التفسير يرون أن الضمير يعود على الكفار.

قال: ﴿لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ (المؤمنون: 65) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَٰذَا بسبب الكفر والضلال، ومع ذلك فلهم أَعْمَٰلٌ ﴿مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا﴾ عَٰمِلُونَ. قالوا: أي " من دون الكفر الذي هم عليه " والمعنى أن الضرر الواقع منهم والخلل الذي وقعوا فيه لا يقتصر على كفرهم بالله رب العالمين، فإنهم كفروا بالله وعملوا الأعمال السيئة وتركوا الأعمال الطيبة الصالحة. فقال﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ (المؤمنون: 66) أي : أعمال أخرى غير الكفر والتكذيب. لهم أعمال أخرى سوى ذلك، وهي أقل من الكفر، لذلك قال ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (المؤمنون: 67) يعني : أقل من الكفر؛ لكنَّها من الأعمال السيئة. ﴿لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ (المؤمنون: 65) فهم يعملون الأعمال المنكرة كالزنا وشرب الخمر والقتل وغير ذلك. فهذا كله داخل في معنى قوله: ﴿لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ (المؤمنون: 65)

وقوله: ﴿لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ (المؤمنون: 65) بهذه الجملة الاسمية ﴿إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (التغابن: 15) يدل على دوامهم على هذا، يعني أنهم أيضًا في مستقبل أمرهم يستمرون على الغي ويستمرون على الضلال ويستمرون على الأفعال القبيحة. ﴿لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ (المؤمنون: 65) وقارن بين حال هؤلاء، وحال من ذكر الله سبحانه وتعالى سابقًا في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةً وَءَاوَيْنَـٰهُمَآ إِلَىٰ رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ (المؤمنون: 50) قال هنا: ﴿لَا تَجْـَٔرُوا۟ ٱلْيَوْمَ ۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾ (المؤمنون: 65)

﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِٱلْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْـَٔرُونَ﴾ (المؤمنون: 64) قالوا هنا " حتى إذا عاقبنا منعميهم " يمكن أن يقال إنها متعلقة بما قبلها، أي : لا يزالون يعملون السيئات إلى أن يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. فهم مستمرون في غيهم وفي ضلالهم وفي أعمالهم السيئة، استمرؤوا تلك الأعمال السيئة، وكان هذا على سبيل الاستدراج لهم ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 68) ومعنى ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ (المؤمنون: 69) أي : منعميهم أصحاب الأموال والجاه وما إلى ذلك، هؤلاء يقال لهم المترفون. وقد حذرنا الله سبحانه وتعالى من حالهم في كثير من المواضع القرآنية، وبيّن لنا أن هذا الترف الذي هم فيه جعلهم يعصون الله سبحانه وتعالى ولا يتأملون في آخرتهم وفيما يقدمون عليه.

فقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 68) أخذنا : يعني عاقبنا، لذلك قالوا هنا " حتى إذا عاقبنا منعميهم في الدنيا بالعذاب يوم القيامة " ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ﴾ (المؤمنون: 70) أي : إذا هم أصواتهم مستغيثة حينما يدعون على أنفسهم بالثبور والهلاك.

﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 71) أي : لا تدعوا اليوم بالويل والثبور ﴿إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ﴾.

﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72)

﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المؤمنون: 73) أي : ترجعون مولين عنها، كراهية لها، كما يفعل الناقص على عقبيه حينما يرجع إلى الخلف، والوراء، معرضا، موليا، لا يلوي على شيء، ولا يلتفت إلى شيء، ولا يسمع ما يقال له، ولا ينتصح بما يُنصح به. ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ﴾ (المؤمنون: 74)أي : ترجعون مولين عنها، كراهية لها، لا تحبون سماعها، فضلاً عن أن تطبقوا ما فيها. فإنكم لا ترغبون في السماع، بل كنتم تتواصون فيما بينكم بعدم السماع للقرآن، ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) [سورة فصلت:26].

وليس هذا فحسب، بل قال ربي ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) فحالكم أيضًا إنكم كنتم كذلك مستكبرين على الناس، فكان تعاملكم مع الناس تعامل تكبر، بل كما قال الله: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنۢ بَيْنِنَآ ۗ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ﴾ (الأنعام: 53) [سورة الأنعام:53]، فكنتم لا ترون وجها للفقراء بكم والضعفاء بكم، أنتم أرقى وأعلى، فتستكبرون عليهم وترفضون دين الله. ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26)

وهنا قد يسأل سائل فيقول: وعلى ما عاد الضمير في قوله {بِهِ}؟ ﴿وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (المؤمنون: 75)؟

1- فقال بعضهم : يعود على المسجد الحرام، قالوا لأنهم كانوا يستكبرون بهذا المسجد الحرام. وكيف استكبارهم به؟ كانوا يرون أنهم أهل الحرام، ولذلك فلهم قدر يختلف عن الناس، ولهم منزلة ومكانة، فكانوا يرون أنهم أولياء الله. لماذا؟ لأن الله اصطفى وجعلهم أهلا لهذا البيت الحرام، أو جعلهم من سكان البلد الحرام. لذلك قالوا هنا " تفعلون ذلك مستكبرين على الناس بما تزعمون من أنكم أهل الحرم، ولستم أهله لأن أهله هم المتقون " كما قال الله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوٓا۟ أَوْلِيَآءَهُۥٓ ۚ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الأنفال: 34) [سورة الأنفال:34]، لأن أهله هم المتقون.

2-ومنهم من قال: بل الضمير يعود على القرآن ﴿وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (المؤمنون: 75) أي : بالقرآن الكريم. والمعنى إنكم تستكبرون بسبب تلك الآيات، بأن ترفضوها ولا تقبلوها. فكان الاستكبار استكبارًا عنها، وعدم قبول لها، بسبب تلاوتها تزدادون كبرًا، لأن القرآن الكريم من الناس من ينتفع به عند قراءته ومن الناس من يزداد طغيانًا بقراءته، كما قال الله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: 82) [سورة الإسراء:82]. فهؤلاء ممن زادهم القرآن وسماع القرآن خسارًا بسبب تكبرهم. ويشهد لهذا القول أن قوله سبحانه: ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ (المؤمنون: 66) [سورة المؤمنون:66] يدل على القرآن الكريم. فقوله ﴿قَدْ كَانَتْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ تَنكِصُونَ﴾ (المؤمنون: 66) أي : بالقرآن الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72)

3-ومنهم من قال: بل إن الضمير يعود على الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن قوله بعد ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (المؤمنون: 67) قد يعني أنهم كانوا يعرضون H0. والعلم عند الله.

﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (المؤمنون: 67) أي : تتسامرون حوله، وهو السمر والمراد به الحديث بالليل. فالسمر يراد به الحديث، ولا سيما في الليل، والإنسان يتسامر مع غيره دلالة على الإنس معه أو به في الكلام. فكان سمرهم عبارة عن القيل والقال في حق الرسول عليه الصلاة والسلام وفي حق القرآن الكريم. فكانوا يتحدثون فيما بينهم ويوصي بعضهم بعضًا بالتكذيب بآيات الله والطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (المؤمنون: 67)

1-ومعنى قوله﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 68) أي : تعرضون، تعرضون عن الإيمان، تعرضون عن القرآن، تعرضون عن دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام. هذا كله في معنى قوله﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 68)

2-والمعنى الثاني أنَّ معنى الهجر هو : القول، ويشهد له قراءة نافع إذ قرأها (تَهْجُرُونَ ) من قولهم (هَجر هجرا) يعني هذا أو قال قولا بذيئًا أو سيئًا؛ فأنتم كنتم تتسامرون بالقول البذيء، بالقول السخيف، تشتمون وتسبون وتطعنون في رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وفي القرآن الكريم وهو كلام الله. فأنتم اليوم تصرخون وتستغيثون. ألم تكونوا تسبون محمدا؟ ألم تكونوا تطعنون في كتاب الله المنزل عليه؟ ألم تكونوا تجحدون آيات الله وتكذبون بآيات الله ولا تقرون بالتوحيد في الدنيا؟ فلماذا اليوم تصرخون وتستغيثون؟ هيهات أن ينفعكم هذا. قال الله: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَا تَسْمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْا۟ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (فصلت: 26) قالوا " فأنتم لا تقدسون، لم تكونوا تقدسون القرآن "

قال الله بعدها: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ (المؤمنون: 69)

هذه استفهامات ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات، وهي قائمة على معنى الإنكار والتوبيخ والتقريع. يقرعهم الله ويوبخهم فيقول﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ (المؤمنون: 69) قالوا هنا: " أفلم يتدبر هؤلاء المشركون ما أنزل الله من القرآن ليؤمنوا به ويعملوا بما فيه"؟ ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ﴾ (المؤمنون: 70) المراد بالقول : القرآن الكريم، هذا القول المنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم والمنزل إليهم. لماذا لم يتدبروه كما نعى الله عز وجل عليهم؟ فقال ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ (محمد: 24) [سورة محمد:24]. فقال ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ (محمد: 24) والتدبر التأمل والنظر في مآلاته وفي عواقبه وفيما يدعو إليه. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ (محمد: 24) ينكر عليهم رب العزة سبحانه وتعالى لماذا لم يتدبروا القول؟ لو تدبروه وعلموا ما فيه لآمنوا.

﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 71) ما سبب إعراضهم؟ لم يؤمنوا؟ لماذا أعرضوا؟ لماذا تركوا الإيمان؟ ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72) هل جاءهم كتاب؟ هل جاءهم كتاب فيه ترك الدعوة إلى الإيمان؟ هل جاءهم كتاب يشهد لعبادة الأصنام؟ كتاب لم يأت آباءهم الأقدمين. وقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المؤمنون: 73) للدلالة على الآباء المتقدمين من الأمم السابقة، أيضًا يدخل فيها الآباء من العصور السابقة، وليس فقط الأب الذي ولدهم، وكذلك الجد القريب، وإنما قال: ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72)

ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ﴾ (المؤمنون: 74) ما الذي جعلهم يعرضون؟ ألم يعرفون رسولهم؟ لم يعرفوا أخباره وأحواله وأخلاقه مع أنهم كانوا يلقبونه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في الجاهلية قبل الإسلام بالصادق الأمين؟ فلماذا لم يخبروا أوصافه صلى الله عليه وسلم؟ ما الذي حملهم على ذلك؟ ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72) فأعرضوا عنه وكذبوا به؟ ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ﴾ (المؤمنون: 74) والمراد به الرسول عليه الصلاة والسلام، ﴿وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (المؤمنون: 75) كل هذا على سبيل الإنكار لهم. فهم ينكرونه، ينكرونه ولا يقرون بالرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يقرون بدعوته، فهم له منكرون.

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (المؤمنون: 76)

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (المؤمنون: 77) إنكار، ما الذي قلتموه؟ كنتم تقولون عنه ماذا؟ تقولون عنه إنه مجنون، بل تقولون به جنة، وكأن الجنة تغلغلت فيه صلوات الله وتسليماته عليه. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (المؤمنون: 77) هكذا ذكرت هذه الآيات الكريمة، هذه الاستفهامات التي ينكر الله عز وجل بها، ينكر الله عز وجل فيها عليهم صنيعهم، فقال ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 68-71) [سورة المؤمنون:68-71].

وهذه الاستفهامات، كما قلت، تفيد معنى الإنكار والتقبيح لصنيعهم. والحق إذا تأملت وجدت أنهم قالوا إن الرسول صلى الله عليه وسلم به جنة، فهذا واقع، فهذا الإنكار الواقع الذي زعموه. وكذلك هم لم يتدبروا القول، وكذلك هم لم يعرفوا الرسول حقًا. لكن قوله ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 68) [سورة المؤمنون:68]، فهذا كما قال بعضهم لإنكار الوقوع، لأنه في الحقيقة لم يأتهم شيء اختصوا به عن آبائهم الأولين.

ثم عقب الله فقال: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا۟ رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ (المؤمنون: 69) الرسول عليه الصلاة والسلام جاءهم بالحق، والحق هو القرآن، والحق هو الوحي. ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ﴾ (المؤمنون: 70) هذه هي المشكلة، هذه هي الآفة، أن هؤلاء يكرهون الحق ولا يريدون الحق، لأنهم يرون أن الحق سيسويهم بالفقراء وسيجعل عليهم واجبات إلى غير ذلك، وهم لا يريدون شيئًا من ذلك. إن الحق، وإن الدين، سيأمرهم بالعبادات، وينهاهم عن الفواحش والمنكرات، وهم يكرهون ذلك. ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ﴾ (المؤمنون: 70)

ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 71)

﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72) ما المراد بقوله: ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72)؟ قالوا هنا "ولو أجرى الله الأمور ودبرها على وفق ما تهواه أنفسهم، لفسدت السماوات والأرض ". إذا معنى: ﴿أَمْ تَسْـَٔلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ (المؤمنون: 72) يعني لو أن الله سبحانه وتعالى ترك الأمر لهم وفق ما يريدون، لفسدت السماوات والأرض. ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المؤمنون: 73) لم؟ لأنهم جاهلون، ولأنهم لا يرضون إلا بالباطل، ولا يطلبون إلا الباطل. فحينئذ تفسد السماوات والأرض. لكن ربي سبحانه لا يتبع أهواءهم، ولكن ربي قدر المقادير وأجرى الأمور وفق ما يريد سبحانه وتعالى، وهو الحكيم العليم، اللطيف الخبير، سبحانه عز وجل.

وبعض العلماء فسر الحق : (بالله )، فقالوا المعنى: ولو اتبع الله أهواءهم، لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن. ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المؤمنون: 73) ومنهم من ضعف هذا القول، لكن القول الذي ذكروه مشهور، وهو أن المعنى: ولو أجرى الله الأمور ودبرها وفق ما تهواه أنفسهم، لفسدت السماوات والأرض وفسد من فيهن، لجهلهم بعواقب الأمور، وبالصحيح والفاسد من التدبير.

وإذا كان رب العزة قال ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7) [سورة الحجرات:7]، فكذلك قال هنا: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7)

﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7) لماذا يعرضون؟ وقد أتاهم رب العزة سبحانه وجاءهم بما فيه عزهم وبما فيه شرفهم. وهذا معنى قوله ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْءَاخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَـٰكِبُونَ﴾ (المؤمنون: 74)

﴿وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (المؤمنون: 75) أي : فهم عن القرآن معرضون، لا يستجيبون له. ولعلك ترى، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم، أن رب العزة سبحانه وتعالى في هذه السورة الكريمة قد ذكر قضية الغفلة وقضية الغمرة والانغماس بكثرة في هذه السورة. وهذا ليبين لنا أن سبب خسران الكافرين هو الغمرة، الضلال. وهو كذلك، ونسأل الله السلامة.

ثم قال الله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (المؤمنون: 76)

﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ (المؤمنون: 77) يا رسول الله، هل طلبت منهم أجرًا على الدعوة؟ على تبليغ الدعوة؟ المراد بالخرج الأجر أو الثواب الكثير أو الأجرة الكبيرة. هل أنت طلبت منهم أجرًا كثيرًا أو قليلًا؟ أنت ما أردت منهم شيئًا. والمعنى: أنت مخلص في دعوتك ولا تكلفهم لنفسك شيئًا فلماذا لا يقبلون دعوتك؟ ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَـٰهُم بِٱلْعَذَابِ فَمَا ٱسْتَكَانُوا۟ لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (المؤمنون: 76) فعند الله ما يغنيك، عند الله ما يكفيك، ﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ﴾ سبحانه وتعالى. وقد جاءت القراءات في هذا {خَرْجًا} و {خِرَاجًا}، وكذلك {فَخِرَاجَ} و {فَخْرَاجُ}، ﴿وَهُوَ ٱلَّذِىٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَـٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ (المؤمنون: 78)

ثم قال: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43) هذه دعوتك التي تدعوهم إليها. ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43) كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43) [سورة الزخرف:43]، وكما قال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) [سورة الشورى:52].

قال: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43) وهذا يفيدنا حينما نفسر الهداية هناك في سورة الشورى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَـٰنُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَـٰهُ نُورًا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52) نقول إنَّ الهداية هناك بمعنى الدعوة وبمعنى الدلالة وليست هداية التوفيق بدليل قوله هنا: ﴿فَٱسْتَمْسِكْ بِٱلَّذِىٓ أُوحِىَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الزخرف: 43) فيكون هذا من باب تفسير آية بآية.

ثم قال الله: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى ذَرَأَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (المؤمنون: 79) لكن الذين لا يؤمنون لا يستجيبون إلى هدى الله، لا يستجيبون إلى الصراط المستقيم، ولكنهم عن الصراط لناكبون، أي مائلون إلى غيرها من الطرق المعوجة الموصلة إلى النار، ونسأل الله السلامة.

من فوائد الآيات

خوف المؤمن من عدم قبول عمله الصالح : قال الله سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخْتِلَـٰفُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (المؤمنون: 80) مع ما ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عند الترمذي وغيره في هذه الآية الكريمة.

سقوط التكليف بما لا يستطاع رحمة بالعباد : قال الله سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 286) وهذا أصل كبير ومتقرر في الشريعة، وقد جاء في القرآن الكريم في مواضع كثيرة: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 286) [سورة البقرة:286].

الترف مانع من موانع الاستقامة وسبب في الهلاك لذا قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ ۖ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ ۚ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 286)

قصور عقول البشر عن إدراك كثير من المصالح : لذا قال سبحانه: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ ٱللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مِّنَ ٱلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ﴾ (الحجرات: 7)

قال الله سبحانه ﴿بَلْ قَالُوا۟ مِثْلَ مَا قَالَ ٱلْأَوَّلُونَ﴾ (المؤمنون: 81)

﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (مريم: 77) أي : رفعنا عنهم ما بهم من ابتلاء من قحط وجدب وجوع ونحو ذلك. وقد ورد أن هذه الآية الكريمة سيقت في بيان ما وقع للمشركين حين دعا عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام بالقحط والجوع، فرأوا من ذلك الكثير وشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حالهم وناشدوه الرحمة كيف يدعو عليهم، وسألوه أن يسأل الله عز وجل أن يفرج عنهم. إلا أن بعضهم تكلم في ذلك وقال إن السورة مكية وهذه الواقعة ﴿أَنَّمَا﴾ كانت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. على كلٍ، فالآية العبرة بعموم لفظها. ﴿أَفَرَءَيْتَ ٱلَّذِى كَفَرَ بِـَٔايَـٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (مريم: 77) فالله عز وجل قد قرر أنه يبتلي العباد لعلهم يتوبون ويعودون إلى رشدهم.

﴿قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (المؤمنون: 82) فالله جل وعلا يبتدئ يبتلي الخلق ببعض الابتلاءات لعلهم يعودون إلى رشدهم، فحين يرفع الله عنهم الابتلاء يعودون إلى ما كانوا عليه من غي ويتمادون فيما هم فيه من باطل وضلال. فقال: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 83)

ما معنى ﴿قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 84) أي : لاستمروا. لذلك قالوا " لتمادوا في ضلالهم عن الحق يترددون ويتخبطون " وهذا معنى ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (المؤمنون: 85) فمعنى ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (المؤمنون: 85) أي : يترددون ويتخبطون.

ثم قال ﴿قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (المؤمنون: 82) يقرر الله سبحانه ويؤكد أنه قد ابتلاهم بابتلاءات في هذه الحياة لعل هذه الابتلاءات تكون مذكرة لهم بالله، إذا بهم يعودون إلى رشدهم، لكن الأمر لم يكن كذلك، وإذا بهم على ضلالهم مقيمون. فقال: ﴿قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (المؤمنون: 82)

ما معنى العذاب هنا؟ قالوا " بأنواع المصائب " لأن العذاب في الأصل معناه قطع الراحة عن الإنسان وإصابته بما يؤلمه، وهذا يختلف باختلاف الحال. ولذلك H0.

فقال هنا ﴿قَالُوٓا۟ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (المؤمنون: 82)

أي : أخذناهم بأنواع المصائب، ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (المؤمنون: 86) يعني : ما تذللوا لربهم ولا خضعوا، ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 87)ما يتضرعون خاشعين لله سبحانه وتعالى ليرفع عنهم المصائب.

﴿قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 88) إذا استمروا على ما هم عليه ولم يعودوا إلى رشدهم مع تعذيب الله عز وجل لهم ببعض الابتلاءات. ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون: 89) ما المراد من باب ذي العذاب الشديد؟

1-قال بعضهم المراد به غزوة بدر، فلما جاءت غزوة بدر أهلكهم الله فيها وجعل فيها حتفهم وهلاكهم. 2-ومنهم من قال : إنَّ وصف العذاب بالشديد يؤذن بأنه يوم القيامة، فيكون المراد به عذاب الآخرة. ويكون المعنى: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون: 89) وهو يوم القيامة، عذاب الآخرة، ﴿بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (المؤمنون: 90) آيسون من كل فرج وخير، لأنهم علموا أن وقت العمل قد فات، وأن العذاب مستمر بهم.

ثم قال: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: 91) لماذا لا تستجيبون لأوامر الله؟ لماذا تنكرون البعث وتتشككون فيه؟ إن من آتاه الله السمع والبصر والفؤاد حقيق به أن يشكر نعمة الله، ومن شكر نعمة الله أدرك إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ فآمن بالبعث والنشور. لذلك قالوا هنا في المختصر مبينين وجه المناسبة : " ولما كان إنكار البعث لا يقع ممن ينتفع بسمعه وبصره وعقله ذكرهم الله بما أنعم به منها " فقال: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: 91) والمراد بالأفئدة قالوا هنا "القلوب لتفقهوا بها" ومع ذلك فإنكم لا تشكرونه على هذه النعم إلا قليلًا. والمعنى أن شكرتم شكرًا لا يساوي شيئًا ولا يعدل شيئًا.

قال الله سبحانه: ﴿عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: 92) هو سبحانه الذي خلقكم ونشركم وبثكم في الأرض، وإليه تحشرون، إليه المرجع والمآب.

﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ﴾ (المؤمنون: 93) قالوا هنا: "وهو وحده سبحانه الذي يحيي فلا محيي غيره، وهو وحده الذي يميت فلا مميت سواه." وهذا استفادوه من قوله ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 94) لأن {هو} مبتدأ، و {الَّذِي} خبر، و {هو} ضمير، فهو معرفة، و (الَّذِي) اسم موصول، وهو معرفة. وتعريف المبتدأ والخبر، وهو ما يقال له تعريف جزئي الجملة، يدل على الحصر. فمعنى ﴿وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 95) أي : وهو وحده الذي يحيي ويميت، فهو الذي يحيي ولا يحيي إلا الله، وهو الذي يميت ولا يميت إلا الله، وهو الذي له اختلاف الليل والنهار، فهو يقدر الليل والنهار، ويقدر ما فيهما من اختلاف ظلمة وإنارة وطولًا وقصرًا. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تؤمنون به وبقدرته على البعث؟ ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: 96) وهذا إنكار وتوبيخ عليهم. والآيات التي فيها ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: 96) كما أن فيها إنكارًا عليهم بعدم التعقل، فإنَّ فيها توجيهًا وترغيبًا لهم في التعقل. هي فيها جانبان: الجانب الأول أن الله ينكر عليهم عدم تعقلهم، والأمر الثاني أن الله يوجههم إلى التعقل: تبصروا، تعقالوا، انظروا، تأملوا، تذكروا، آمنوا.

ثم قال: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ (المؤمنون: 97) ليس لديهم دليل وليست لديهم حجة في إنكارهم البعث والنشور سوى أنهم يقولون ويرددون ما قاله الأولون من قبلهم. فماذا قال الأولون؟

قالوا: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (المؤمنون: 98)

لذلك قوله ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ (المؤمنون: 99) بدل أو عطف بيان من قوله ﴿لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 100) في الآية التي قبلها. ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ (المؤمنون: 97) ماذا قال الأولون؟ قالوا ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ (المؤمنون: 101) لذلك لم تدخل وأو عاطفة. قال الله: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (المؤمنون: 102) وقدم التراب لأنه أدخل في البعد، لأنهم إذا حكموا بعقولهم البشرية، فالتراب أبعد عن العودة من العظام. فهم يقولون بعد أن صرنا ترابًا وبعد أن صرنا عظامًا، كيف لنا أن نعود وأن نرجع؟ أيعدكم إنكم إذا متم ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ﴾ إنكم مخرجون؟ هيهات لما توعدون. فهذه الآيات تشبه الآيات التي سبقت من قبلها. فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (المؤمنون: 102)

ثم ذكروا شبهة ثانية ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 103) وهي إذا كان الأمر كذلك وكان كلامه حقًا، فآباؤنا الأولون ماتوا منذ زمن، فلماذا لم يعودوا إلى اليوم؟ لماذا لم يرجعوا إلى اليوم؟ إذا عند المشركين شبهتان: الشبهة الأولى كيف يبعثون بعد أن صاروا ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ﴾؟ والشبهة الثانية هذا قد وعده الرسل السابقون للأمم السابقة أو للمتبوعين للتابعين أو لأقوامهم، فلماذا لم يرجعوا مرة أخرى؟ ولماذا يعودون؟ فالجواب لم يأت أجلهم بعد، فإنَّ الله جعل للبعث موعدًا، فهذا الموعد حينما يأتي سيعود الجميع. ولذلك قال الله سبحانه ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ (سبأ: 29-30) [سورة سبأ:29-30].فهذا بموعد.

قال هنا ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَا هَـٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَـٰذَآ إِلَّآ أَسَـٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (المؤمنون: 83) [سورة المؤمنون:83]. ما هذا إلا أكاذيب وترهات يقولها ويرددها هؤلاء ممن يزعمون أنهم رسل من عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾.

فرد الله عز وجل عليهم ردًا يفحمهم ويستأصل شبهتهم، وهو لماذا هذا كله؟ إن هذا ﴿أَنَّمَا﴾ ينطق به من لا يعلم عظمة الله، من يتشكك في قدرة الله؛ وأما من يعلم إِنَّ ﴿ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ﴾ بيده الأمر كله، وأنَّه يقدر على كل شيء ولا يعجزه شيء، ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾، فما يمنعه من ذلك؟ فلذلك عدد الله بعض دلائل قدرته ليبين أن هذه الدلائل والبراهين كافية في الرد، وهذا من بديع ردود القرآن الكريم على خصومه.

فإنَّ الله يرد على هؤلاء المعتدين بما يعجزهم، وبما يستأصل شبهاتهم ويستأصل أمثالها، وما يكون شبيهًا لها وما يكون على شاكلتها.

فقال: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 84) أنتم تتكلمون عن أنفسكم وعن تراب وعظام؟ السؤال: لمن الأرض؟ جميع الأرض بما فيها؟ ﴿قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 84) وقوله ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (المؤمنون: 85) هذا استفهام تقريري. ﴿قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (المؤمنون: 86) وقوله ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 87) فيه تهييج لهم، لأن الإنسان يعيره أن يكون جاهلًا، فهو لا يرضى لنفسه بالجهل. فحينما يقال له: إن كنت تعلم فقل، فإنَّ هذا يجعله يجيب ولا يسكت عن الجواب؛ لأنه سيرمى بالجهل إن عجز عن الجواب.

لذلك قال ﴿قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 88) لذلك لا تعارض. قد يقول قائل إن قوله﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 87) قد يفهم منه أنهم لا يعلمون. فكيف لا يعلمون وقد أجابوا وقالوا﴿قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 88)؟

الجواب: إنَّ قوله ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 87) من باب التهييج لا يمنع أن لديهم علمًا ثم إنهم لم يعملوا بمقتضى العلم. فعلمهم لا ينفعهم فكأنهم لا يعلمون ﴿قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 88) ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةٌۢ ۚ بَلْ جَآءَهُم بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَـٰرِهُونَ﴾ (المؤمنون: 70) هذا استفهام إنكار. ينكر الله عليهم: ﴿إِلَّا﴾ تتذكرون؟ ﴿إِلَّا﴾ تتذكرون أن الذي له الأرض كلها ومن فيها قادر على إعادة من فيها؟ فهو الذي خلقها وهو الذي بدأها سبحانه وتعالى.

ثم قال: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون: 89)

بدأ بالأرض لأنَّها أقرب إليهم، ثم تكلم أو حدثنا عن السماوات. فقال: ﴿بَلْ أَتَيْنَـٰهُم بِٱلْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (المؤمنون: 90) وهم وإن كانوا لا يرون العرش العظيم لكنهم يرون السماء، فهذا يدل على أن الله خالق الخلق، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الأرض وخلق السماوات وخلق المخلوقات التي نعلم والتي لا نعلمها، فعطف على العرش العظيم.

﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ (المؤمنون: 89)

في قوله: ﴿قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 88) قراءتان: في الآية التي قبلها: ﴿قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 88) قراءة واحدة، وهي ﴿قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 88) لماذا؟ لأن السؤال جاء ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (المؤمنون: 85) فالجواب ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: 91) فالجواب مطابق للسؤال. لكن الآية الثانية والآية الثالثة: ﴿عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ فَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (المؤمنون: 92) والآية التي بعدها: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ﴾ (المؤمنون: 93) فالجواب: اللهُ. ﴿مَن رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾؟ ﴿مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾؟ الله. لذلك فيها القراءتان. فقراءة البصريين يقرؤون هكذا: {سَيَقُولُونَ اللَّهِ}. ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِى فِى ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ (المؤمنون: 94)

وأيضا: ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ﴾ (المؤمنون: 93) {سَيَقُولُونَ الله}. وذلك لأنه مطابق. وأما على قراءة كثير من القراء، وهي قراءة متواترة، وهي التي نقرأ بها: ﴿قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 88) أفاد معنيين: أن الجواب أنه الله، وأن له ذلك. فدلالة على أنه هو الرب، وأنه مالكها يتصرف فيها كيف يشاء سبحانه وتعالى. فهو مدبر شأنها وهو مالكها سبحانه عز وجل. ﴿وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المؤمنون: 95) لماذا لا تتقون الله سبحانه وتخافونه؟ الذي خلق السماوات وخلق الأرض يأمركم أن تؤمنوا به وأن تؤمنوا بكتابه، فلما تعرضون عنه؟

ثم قال ﴿قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّى مَا يُوعَدُونَ﴾ (المؤمنون: 93) أصل الكلام: ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾: من ملكوت كل شيء بيده؟ فهذا التعبير فيه حصر، أعني قوله: ﴿مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ﴾؟ تقديم حقه التأخير. فهو بيده وحده سبحانه وتعالى ملكوت كل شيء. بعد أن فرق جمع، فهو ذكر الأرض وذكر السماوات، ثم قال ﴿ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ٱلسَّيِّئَةَ ۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: 96)

ما معنى ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ (المؤمنون: 97)؟ قالوا " يغيث من شاء من عباده" إذًا (يُجير) : يحمي. الإجار الحماية. يعني هو يحمي ويدفع الضر عن من يشاءوهو يغيث ويمنع ويحفظ ويحمي ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾.

﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (المؤمنون: 98) لا يستطيع أحد أن يحمي أحدًا ممن أراد الله أن ينزل به عذابه. ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (المؤمنون: 98) لذلك قالوا هنا: " ولا أحد يمتنع ممن أراده هو بسوء فيدفع عنه العذاب إن كان لكم علم " فإذا أراد الله بأحد ضرًّا أو ضُرًّا، ما استطاع أحد أن يدفعه. وهذا معناه ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (المؤمنون: 98) وتأمل قوله﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ (المؤمنون: 99) لم يقل: ولا يجير أحد عليه. قال ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ﴾ (المؤمنون: 99) لم يقل: ولا يجير أحد عليه. ﴿أَنَّمَا﴾ ولا يجار عليه، دون أن يذكر أحدًا، لأنه غير موجود. فحينئذ لم يذكر للدلالة على أنه لا يوجد أصلًا. فقال: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (المؤمنون: 98) لو فكر مفكر أو ظن ظان أن أحدًا سيجيره من الله فإنه لن يجد. فقال: ﴿لَعَلِّىٓ أَعْمَلُ صَـٰلِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّآ ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا ۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: 100)

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾ (المؤمنون: 101) لا تذكر ولا تتقي، وإنما هو الإعراض. فقال ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (المؤمنون: 102) أي فكيف تذهب عقولكم وتعبدون غيره مع إقراركم بذلك؟ والمراد بهذه الثلاثة: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ (الصافات: 155)، ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (المؤمنون: 23)، (فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ)، الإنكار والتقريع لهم.

كفران النعم صفة من صفات الكفار : قال: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنْ إِلَـٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون: 91) أما المؤمن فإنه يشكر الله سبحانه وتعالى.

التمسك بالتقليد الأعمى يمنع من الوصول للحق : قال الله عز وجل: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ (المؤمنون: 97) فهذا هو التقليد الأعمى.

الإقرار بالربوبية ما لم يصحبه إقرار بالألوهية لا ينجي صاحبه : فهم قد أجابوا:﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ فِى جَهَنَّمَ خَـٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 103) وأيضًا ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ﴾ (المؤمنون: 104) إذا هم يقرون بأن الله ربهم سبحانه ويقرون بأنه الخالق ومع ذلك لم ينتفعوا بذلك لأنهم صرفوا العبادة لغيره وعبدوا الأصنام. نسأل الله السلامة.

قال الله سبحانه ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِۦ سَـٰمِرًا تَهْجُرُونَ﴾ (المؤمنون: 67)

﴿أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ (المؤمنون: 105) أي : جئناهم بالحرف، ليس الأمر كما زعموا وكما أنكروا، ولكن ربي سبحانه قد جاءهم بالحق، لكنهم أعرضوا عنه. فقال: ﴿قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ﴾ (المؤمنون: 106) ما المراد بالحق؟

قال بعضهم: أتيناهم بالتوحيد. ﴿قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ﴾ (المؤمنون: 106) أي : أتيناهم بالتوحيد أو الإيمان. بل أتيناهم بالحق أو الوحي. بل أتيناهم بالحق الذي لا مرية فيه ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ﴾ (المؤمنون: 107) فيما يدعون لله من الشريك والند والولد.

ثم قال الله ﴿قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (المؤمنون: 108)

﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (المؤمنون: 109) فالله نفى عن نفسه الولد ونفى عن نفسه اتخاذ الولد. فالواحد منا قد لا يكون له ولد لكنه يتخذ ولدًا يريد أن يعتضد به أو أن يتسلى به. أما ربي سبحانه ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ ولد ولم يتخذ ولدًا. وإذا نفى عن نفسه اتخاذ الولد فهو ليس له والد أيضًا من باب أولى. فقال: ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (المؤمنون: 110) ليس مع الله سبحانه وتعالى. وقوله: ﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ (المؤمنون: 111) فسروها هنا فقالوا " وما كان معه من معبود بحق" وهذا جيد، لأنه قد يقول قائل إن الله قال: ﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ (المؤمنون: 111) مع أنه يوجد في واقع الناس آلهة كثيرة عبدوها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾؟

فيقال: هم الذين جعلوها آلهة، ولكنها في حقيقة الأمر لا تستحق الإلهية، لا تستحق أن تكون آلهة. فقوله ﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ (المؤمنون: 111) أي : من إله بحق.

﴿قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (المؤمنون: 112) أي : لو كان الأمر كذلك، يعني لو فرض معه سبحانه وتعالى معبود بحق، ﴿لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍۭ بِمَا خَلَقَ﴾. لذهب كل إله بنصيبه، يقول هذا نصيبي وهذا خلقي، فليكن لي. ثم ستحدث بينهم المنازعة والمغالبة، فيريد كل واحد منهم أن يغلب الآخر. ولو كان كذلك لفسد الكون، لكنه والحمد لله ليست هناك مغالبة ولا منازعة. والأمر كما قال الله: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ (مريم: 65) [سورة مريم:65]

قال: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَٱعْبُدْهُ وَٱصْطَبِرْ لِعِبَـٰدَتِهِۦ ۚ هَلْ تَعْلَمُ لَهُۥ سَمِيًّا﴾ (مريم: 65) وليس الأمر كذلك، فلم تحدث مغالبة ولا منازعة. قال: والواقع أن شيئًا من ذلك لم يحدث. فدل على أن المعبود بحق واحد، وهو الله وحده سبحانه وتعالى ﴿قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ (المؤمنون: 113) سبحان الله، تنزه وتقدس عما يصفه به المشركون مما لا يليق به من الولد والشريك.

وإذا تأملت هذه الآية الكريمة تجد ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم أن رب العزة سبحانه نفى شيئين عنه عز وجل: فنفى عن نفسه اتخاذ الولد، ونفى عن نفسه الشريك. لكنه لما أبطل الأمر الثاني وهو نفي الشريك، لم يبين لنا الرد على الأمر الأول وهو نفي اتخاذه ولدًا؛ وذلك لأن نفي الشريك ينفي وجود ولد وينفي اتخاذ ولد. لأنه لو اتخذ ولدًا أو كان له ولد لكان هذا الولد له صفات أبيه أو لجعله كصفات بمعنى أن هذا الولد يريد أن يكون خليفة للأب ويريد أن يكون مثله. وهذا محال. فإذا امتنع أن يكون له شريك امتنع كذلك أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌ. ولذلك قال الله: ﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ (الإسراء: 111) [سورة الإسراء:111].قال﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ (الإسراء: 111)

﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ (الإسراء: 111) فهو عالم بكل شيء، عالم بما غاب وبما لم يغب، بما ندركه بحواسنا وهو الشهادة، وما لا ندركه وهو الغيب. ﴿وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٌ فِى ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُۥ وَلِىٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًۢا﴾ (الإسراء: 111)

وقوله﴿قَـٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 114) فيها قراءتان: {عَالِمُ الْغَيْبِ الشَّهَادَة} هكذا. {عَالِمِ} بالخفض أو بالجر، فيكون هذا نعتًا لقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115) ويكون المعنى ﴿فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون: 116)

والقراءة الأخرى: {عَالِمُ}. {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة} أي : هو سبحانه وتعالى ﴿هُوَ ۖ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ﴾. ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (المؤمنون: 117)

﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (المؤمنون: 118)

{ﱩ } يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (المؤمنون: 118)

أي : إن عاقبتهم وأنا شاهد ذلك، فلا تجعلني فيهم فيصيبني ما أصابهم من العذاب. سبحان الله! يأمر الله الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو ربه بذلك ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (المؤمنون: 118) لذلك على المرء أن يدعو ربه سبحانه وتعالى أن يسلمه من الظلم وأن يسلمه من الوجود في القوم الظالمين أو معهم. ولذلك قال الله ﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113) [سورة هود:113].

وقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوٓا۟ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (هود: 113) الظالمون هنا : على قول كثيرين المراد بهم : أهل الشرك. وقد وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33) [سورة الأنفال:33].

ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33)

فالله عز وجل قادر على أن يريك عذابه، قضى سبحانه وتعالى ﴿إِلَّا﴾ يستأصلهم بالهلاك وأنت فيهم، صلوات الله وتسليماته عليه. فربنا على كل شيء قدير، وهو إذا أخرهم فإنما يؤخرهم لحكمة منه عز وجل. وإنما الذي عليك يا رسول الله أن تدفع بالتي هي أحسن السيئة، فاصبر وأحسن إليهم، وهذا مناسب لما وقع في السور المكية من الأمر بالصفح والإحسان والعفو والصبر. فقال: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34)

ادفع، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول، من يسيء إليك بالخصلة التي هي أحسن، بأن تصبر على أذاه.

{ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ} بما يصفون به ربك، وبما يصفونه، وبما يصفونك به. فهو أعلم بما يصفون به الله سبحانه وتعالى، وبما يصفون به الرسول، وبما يصفون به القرآن. لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى. ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) ولم يقل ادفع بالحسنة السيئة، ﴿أَنَّمَا﴾ قال{ ﲀ ﲁ ﲂ } أي بالتي هي أفضل. فإذا كانت هناك حسنة وهناك أحسن، فقل الذي أحسن، وإذا كان هناك فعل حسن وفعل أحسن، فافعل الذي هو أحسن.

ثم قال﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 199-200)

تقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾، يا أيها الإخوة الكرام، في سورة الأعراف، في قوله ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 199-200) [سورة الأعراف:199-200]. أنه قد ورد في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع ذكر العدوين: العدو الإنسي والعدو الجن. وبين الله لنا كيف نتعامل معهما.

فقال الله عز وجل: ﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199) [سورة الأعراف:199]. هذا مع العدو الإنسي، ماذا تصنع معه؟ تصانعه بأن تصفح عنه. وهنا قال: ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) وقال كذلك في قوله سبحانه وتعالى في سورة فصلت ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) [سورة فصلت:34].

ثم قال ﴿وَلَا تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ ۚ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُۥ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُۥ وَلِىٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: 34) فبين لنا كيف نتعامل مع العدو الجن، وهو الشيطان، وأن طريقنا إلى النجاة منه ليس المصانعة وليس العفو والصفح لأنه لا يمكن التعامل معه، وإنما الاستعاذة والاستجارة بالله سبحانه وتعالى﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 199-200) أي : من نزغات الشياطين ووساوسهم﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأعراف: 199-200)أي : يحضروني في شيء من أموري. وإذا كان رب العزة قد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك، فحقيق بنا أن نقتفي أثره وأن نتبعه، فإنَّ الشيطان يتربص بنا ويكيد لنا. نسأل الله السلامة منه ومن شره.

ثم قال عز وجل {ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ ﲧﲨ ﲩ ﲪ ﲫ ﲬﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ ﲳ ﲴ}

{ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ}

اختار عدد من المفسرين أن قوله {ﲘ } فيه ابتدائية لابتداء كلام جديد.

أو أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر هلاك هؤلاء وأنه قادر عليه في قوله عز وجل: {ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ} إلى أن قال: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33) فالله يؤخرهم إلى ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: 33)

واختار كثير من العلماء أن الضمير في قوله {ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ} يعود إلى أحد المشركين. فأحد المشركين إذا حضره الموت هو الذي يقول هذا. وأما المؤمن فلا يقوله. {ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ ﲝ ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ }

{ ﲝ ﲞ ﲟ} أي : قال يا ربي. فقوله { ﲞ } أي : يا ربي { ﲟ} هكذا بضمير الجمع. لم يقل: قال: (رَبِّ ارْجِعْنِي)، ﴿أَنَّمَا﴾ قال { ﲝ ﲞ ﲟ} فما وجه هذا الجمع؟

فقال بعضهم: قاله تعظيمًا لله، { ﲝ ﲞ ﲟ} تعظيمًا لله، فخاطبه بصيغة الجمع.

وقال آخرون: بل المعنى تأكيد ذلك، فأقام التكرار والتأكيد، أقام الضمير مقام التكرير والتأكيد. فكان المعنى: ربي ارجعني، ربي ارجعني، ربي ارجعني. جاء هنا { ﲝ ﲞ ﲟ}

أو أن قوله{ ﲞ } خطاب لله : يا ربي. و { ﲟ} خطاب للملائكة. ففيه تحويل في الخطاب. فكأنه قال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَقَالُوا۟ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ۖ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (فصلت: 15) يعني : ارجعوني ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الملائكة، لا تتعجلوا علي بقبض روحي، وهو يقول أيضًا {ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ} فجاء الجواب ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (الأنعام: 28)

{ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲦ } لعلي أعود إلى الحياة فأعمل صالحًا، وهذا يقوله في سكرة الموت حينما يعاين العذاب. {ﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ} وعلم أن جزاءه وخيم وأن عاقبته شديدة، وأنه يصير إلى نار جهنم. نسأل الله السلامة.

﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31) في هذه الحياة يقول ذلك ندمًا على ما فات من عمره.

﴿وَلَوْ رَحِمْنَـٰهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِم مِّن ضُرٍّ لَّلَجُّوا۟ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (المؤمنون: 75) أي : إذا رجعت إليها.

﴿قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 84) ليس الأمر كما طلبت وليس الأمر كما تريد. ﴿قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 84) أي : مجرد كلمة ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾ (الشورى: 7) وإذا تأملت، وجدت أن الجملة قبله جملة كاملة. ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (الزخرف: 31) وهنا سماها الله كلمة لأن الكلمة كما قالوا:

.........................................وكِلْمَةٌ بها كلامٌ قدْ يُؤَمُّ

والمعنى أنه قد يقال (لجملة كاملة) : كلمة، فيقال: خطبنا وقال فينا كلمة جميلة. وما معنى قال كلمة؟ يعني قال كلامًا كثيرًا.

﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (الأنعام: 28) ومعنى ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (الأنعام: 28)

1- أي : هو قائلها لكنه غير صادق فيها، فهو يقولها لأنه عاين العذاب، ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (الأنعام: 28) [سورة الأنعام:28].فسيعود إلى ضلالة وسيعود إلى ما كان عليه. والله لم يظلمه. قال: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (الأنعام: 28)

2-أو أن المعنى : أنها كلمة هو قائلها، أي قائلها لكنه لن يستفيد منها، فهي كلمة لا يتبعها أثر.

ثم قال: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ﴾ (الأنعام: 28) (ومن ورائهم)؟

1- لأنه خلفهم، لأن عذاب الآخرة لم يأت بعد، فذكروا من ورائهم.

وبعضهم يفسر الوراء بالأمام ويجعله من الأضداد كما تقدم معنا في قوله ﴿يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ (إبراهيم: 17) [سورة إبراهيم:17]. قال الله سبحانه: ﴿يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ (إبراهيم: 17) قالوا في المختصر " وسيبقى هؤلاء المتوفون في حاجز بين الدنيا والآخرة إلى يوم البعث والنشور، فلا يرجعون منه إلى الدنيا ليستدركوا ما فاتهم ويصلحوا ما أفسدوه" فالبرزخ هو الحاجز بين الشيئين. هذا هو الأصل في مادة البرزخ.

هنا قال: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ (النساء: 86) اختار كثير من العلماء - ونقله بعضهم اتفاقًا - أن المراد بالبرزخ هنا : القبر، حياة البرزخ، وهي الحياة التي بين الدنيا وبين الآخرة، بين الدنيا وبينما يكون بعد ذلك في البعث والنشور. ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ (النساء: 86) أي : حياة برزخية في قبورهم بعد موتهم إلى يوم يبعثون، يمكثون في قبورهم ما يمكثون إلى أن يشاء ربي. فحينئذ ينفخ في الصور.

قال: {ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ}

ما معنى النفخ في الصور؟ قالوا هنا " فإذا نفخ الملك في القرن النفخة الثانية المؤذنة بالقيامة "

{ﲵ ﲶ }أي : نفخ الملك - والمراد به إسرافيل عليه السلام - {ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ} وقد جاء في الحديث " الصور قرن يُنفَخُ فيه " فينفخ في الصور. وقد اختلفوا في المراد بالنفخ في الصور هنا :-

فقيل النفخة الأولى.

﴿وَقِيلَ﴾ : النفخة الثانية. وهنا اختاروا أنها الثانية لقوله ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ﴾ (عبس: 34-36)

وقوله ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ﴾ (عبس: 34-36) كيف لا أنساب بينهم يومئذ؟ وقد جاء في الآيات ﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ﴾ (عبس: 34-36) [سورة عبس:34-36] فذكر الأنساب؟

فالجواب عن ذلك :- أي فلا أنساب بينهم يتفاخرون بها، وهذا معنى قولهم هنا في المختصر " فلا أنساب بينهم يتفاخرون بها " فتأمل قولهم " يتفاخرون بها " هذا دفع لإشكال، لأنه قد يقول قائل: كيف لا أنساب بينهم يومئذ؟ وقد ذكر الله هناك أما وأبا وأخا وابنا. فيقال: نعم، هم موجودون ومعروفون، بَيْدَ أنهم لا ينفعون الإنسان بشيء. فهذا معنى: فلا أنساب بينهم يتفاخرون بها/ أو فلا أنساب بينهم ينتفعون بها.﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَـٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ﴾ (عبس: 34-36).

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة