سورة المؤمنون — الجزء 3
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
كذلك قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 1) قالوا "ولا يسأل بعضهم بعضًا لانشغالهم أو لاشتغالهم بما يهمهم " وما جاء هنا من أنه لا تساؤل، لا ينافيه ما جاء أنه يقع بينهم تساؤل، وأنه يسأل بعضهم بعضًا، فإنَّ يوم القيامة يوم طويل. ففي بعض الأحيان يتساءلون، وفي بعض الأحيان لا يتساءلون بل يمنعون من هذا التساؤل. أو أن التساؤل لا ينفعهم بشيء، فلذلك نفاه. فقال ﴿قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 1) أي : تساؤلًا ينفعهم أو يذهب عنهم ما هم فيه من عذاب ونحو ذلك.
ثم قال ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 2)
﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (المؤمنون: 3) رجحت موازينه، أو رجحت الحسنات على السيئات﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ﴾ (المؤمنون: 4)
﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ﴾ (المؤمنون: 5) وتقدم معنا، يا أيها الإخوة الكرام، أن مقصود السورة الأكبر هو بيان فلاح المؤمنين وخسران الكافرين. فهنا جاء الحديث عن ذلك﴿إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (المؤمنون: 6) وهذا يذكرنا بأول السورة : ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ (المؤمنون: 7)
وقال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ﴾ (المؤمنون: 5) وهذا سيأتينا أيضًا في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون: 8)
قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (المؤمنون: 9)
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ﴾ (المؤمنون: 10) تأمل الآية، نسأل الله السلامة: ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْوَٰرِثُونَ﴾ (المؤمنون: 10) أي : تحرق وجوههم النار. هذا معنى تلفح: أي تحرق، ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 11) نسأل الله السلامة. ما معنى كالحون؟ قالوا " تقلصت شفاههم العليا والسفلى عن أسنانهم، فارتفعت الشفة العليا إلى منتصف الرأس، وتقلصت السفلى إلى الأسفل إلى السرة عن الأسنان في شدة العبوس." وقد ورد في هذا الباب حديث وهو حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا: ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (المؤمنون: 11) قال: تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، والشفه العليا ترتفع إلى أن تصل إلى وسط الرأس، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته “. لكن هذا الحديث مختلف في تصحيحه، لأنه من طريق أبي السمح دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، وفي رواية دراج أبي السمح عن أبي الهيثم كلام كما هو معلوم عند علماء الحديث. لكن التفسير قاله كثير من أهل العلم.
قال الله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَـٰلِحُونَ﴾ (المؤمنون: 104) [سورة المؤمنون:104]، نسأل الله السلامة.
من فوائد الآيات :
الاستدلال باستقرار نظام الكون على وحدانية الله : قال الله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ ءَايَـٰتِى تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ (المؤمنون: 105) وهذا لم يقع، فاستقرار الكون وانتظامه يدل على عدم وجود إله آخر مع الله سبحانه وتعالى.
إحاطة علم الله بكل شيء :قال الله: ﴿قَالُوا۟ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ﴾ (المؤمنون: 106)
معاملة المسيء بالإحسان أدب إسلامي رفيع له تأثيره البالغ في الخصم : قال الله سبحانه: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَـٰلِمُونَ﴾ (المؤمنون: 107)
ضرورة الاستعاذة بالله من وساوس الشيطان وإغراءاته : قال الله:﴿قَالَ ٱخْسَـُٔوا۟ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (المؤمنون: 108)
قال الله سبحانه:﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (المؤمنون: 109)
﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (المؤمنون: 110) أي : يقال لهم. فقوله: ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ (المؤمنون: 7) نقول لقول مقدر: يقال لهم. قالوا هنا في المختصر: " ويقال لهم تقريعًا لهم" فاستفدنا من قولهم " تقريعًا لهم " أنَّ الاستفهام في قوله ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ (المؤمنون: 7) على سبيل التقريع، وهو أيضًا لا يخرج عن الأصل فيه وهو أن التعبير بقوله ﴿إِنِّى جَزَيْتُهُمُ ٱلْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوٓا۟ أَنَّهُمْ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾ (المؤمنون: 111) تقريري، فهو تقريري ولكن من روادفه وتوابعه التقريع والتبكيت. إذًا هو استفهام تقريري تبكيتي تقريعي. ﴿قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (المؤمنون: 112) كانت آيات القرآن ﴿تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾، لا تقرون بها ولا تصدقون.
﴿قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ (المؤمنون: 113) أي :
ربنا غلب علينا ما سبق في علمك من شقاوتنا، أي حق حقت علينا كلمتك وقدرتك. ﴿قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْـَٔلِ ٱلْعَآدِّينَ﴾ (المؤمنون: 113) والقراءة الأخرى (شقاوتنا(. ﴿قَـٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 114)
وبعضهم فسر الشقاوة هنا : بالأهواء، أي غلبت علينا الأهواء. وهذا أمر مقدر قدره الله، لكنه لم يظلمهم سبحانه وتعالى بدليل أنه أنزل وأرسل الرسل، وبدليل أنه قال: ﴿فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ (المؤمنون: 110) فكانت تتلى وأقيمت عليهم الحجة. ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَـٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (المؤمنون: 115) وتأمل قولهم: ﴿قَـٰلَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (المؤمنون: 114) ففيه اعتراف منهم بأنهم ضلوا وتركوا الصراط المستقيم.
﴿فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ ۖ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون: 116) أي : من هذه النار. ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرْهَـٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓ ۚ إِنَّهُۥ لَا يُفْلِحُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ (المؤمنون: 117) ظالمون لأنفسنا؛ لأنَّه قد انقطع عذرنا وقد عاينَّا العذاب. فأجابهم الله بهذا الجواب :﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (المؤمنون: 118) اسكنوا أذلاء مهانين في النار ولا تكلموني. وهذا جواب شديد وأيُّ شديد.! قال ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (المؤمنون: 118) لا مجال للكلام، لا مجال للاعتذار، لا مجال للطلب، لا مجال لما تقولون وتتمنون.
{ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ}
أما تعرفون ماذا كنتم تصنعون في الدنيا؟ الآن تطلبون الخروج؟ الآن تريدون العودة إلى الدنيا؟ الآن تزعمون أنكم ستتوبون؟ {ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ} كانوا يتوسلون إلى الله بالإيمان. فقوله: ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) لم يقل: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا﴾، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا فِىٓ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ وَفِىٓ ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنۢ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَٱعْمَلْ إِنَّنَا عَـٰمِلُونَ﴾ (فصلت: 5) ما فائدة قولهم: ربنا آمنا؟ أن يتوسلون إلى الله بالإيمان. والتوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح مشروع وتدل عليه هذه الآية الكريمة وغيرها: ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 16) [سورة آل عمران:16].
وهنا قال ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 16) اغفر لنا ذنوبنا وارحمنا وادخلنا جنتك ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 16)
إذا كان هناك راحمون، فإنَّ الله خيرهم فهو أرحم من الأم بولدها. ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 16) هؤلاء العباد كانوا يفعلون ذلك في الدنيا ويتقربون إلى الله، ماذا كنتم تصنعون معهم؟ هل تركتموهم وشأنهم؟ هل تركتموهم وما يصنعون؟ لا، بل كنتم تسيئون إليهم وتستهزئون بهم وتسخرون منهم وهم يتقربون إلى الله ربهم وربكم. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍ مُّفَصَّلَـٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 133) فاتخذتموهم سخريا : أي محلا للاستهزاء تسخرون منهم وتستهزئون بهم. كما قال الله {ﳈ ﳉ ﳊ ﳋ ﳌ ﳍ ﳎ ﳏ ﳐ ﳑ ﳒ ﳓ ﳔ ﳕ ﳖ ﳗ ﳘ ﳙ ﳚ ﳛ ﳜ}
قال الله سبحانه {ﱰ ﱱ } والقراءة الأخرى وهي متواترة أيضًا (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سُخْرِيًّا). فقال بعضهم: سِخريا بمعنى سُخريا، وقال بعضهم: سُخريا من التسخير : أي فاتخذتموهم سُخْرِيًّا يخدمونكم لفقرهم، تستعملونهم وتهينونهم وهم ثابتون على الإيمان، كما صنع أمية بن خلف مع بلال رضي الله عنه، وكذا ما كانوا يصنعون مع فقراء الصحابة رضي الله عنهم. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلْجَرَادَ وَٱلْقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَـٰتٍ مُّفَصَّلَـٰتٍ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ وَكَانُوا۟ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ﴾ (الأعراف: 133) فاتخذتموهم سِخريا : أي محلا للسخرية حتى أنساكم بالسخرية منهم ذكر الله.
هذا معنى ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾ (ق: 20) فقوله { ﱳ } فهؤلاء ما طلبوا منكم أن تنسوا ذكر الله، ﴿أَنَّمَا﴾ أضيف النسيان إليهم، وأنهم هم الذين أنسوكم باعتبار أنهم كانوا السبب؛ لأنَّ الإنسان إذا اشتغل بسخط الله واشتغل بمعصية الله غفل عن طاعة الله سبحانه وتعالى. فمن اشتغل بسب الصالحين والطعن في عباد الله المؤمنين شُغل عن طاعة ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾. فهؤلاء كان شغلهم وهمهم القدح في الصحابة رضي الله عنهم وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنى لهم أن يؤمنوا بالله رب العالمين؟ وأنى لهم أن يعتبروا بما في القرآن الكريم من حكم ومواعظ وأمثال وآيات؟ قال الله: ﴿وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ ٱلْوَعِيدِ﴾ (ق: 20) أنسوكم ذكر الله سبحانه وتعالى. {ﱵ ﱶ ﱷ} وكنتم منهم تضحكون.
{ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ } وتقدم أن السورة هي سورة بيان فلاح المؤمنين، فهنا قال { ﱾ ﱿ ﲀ } وهذا هو الفلاح {ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ } وهذا يجلب للكفار حسرة على حسرتهم، فالكافر يتحسر لأنه من الهالكين ويتحسر لأن الله قد أنجى عدوه وهم عباد الله المؤمنين، فأنجى الله المؤمنين وأهلك الكافرين. {ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ} وتأمل قوله { ﱼ } ليدلنا على أن الصبر جماع خصال الخير، فمن رام الطاعة فإنَّ طريقها الصبر، ومن رام ترك المعصية فإنَّ طريقها الصبر.
{ ﱼ ﱽ } أي بسبب صبرهم. { ﱾ ﱿ ﲀ} هم الفائزون المفلحون الذين يحرزون ما يريدون ويحققون المطلوب وينجيهم الله من المرهوب. والقراءة الأخرى { ﱾ ﱿ ﲀ} قال {ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ } قال بعضهم : أي لأنهم هم الفائزون، فالله جزاهم بما صبروا جزاء حسنًا لأنهم أهل له.
ثم قال الله: {ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ} قالوا هنا "ولما سألوا الرجوع إلى الدنيا ليصلحوا ما أفسدوا " ذكرهم بما عمروا فيها مما يمكنهم من التوبة لو أرادوا ذلك. هذا لبيان المناسبة. {ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ} أنتم تتحدثون عن الدنيا، قد كان لكم في الدنيا متذكر، قد كان لكم في الدنيا معتبر، قد كانت أمامكم الفرصة سانحة وكان الوقت موجودًا، لكنكم أعرضتم. ﴿قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (المؤمنون: 112)
والقراءة ﴿قَـٰلَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ (المؤمنون: 112). ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الملك، يأمر الله الملك بأن يقول لهم: {ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ}
{ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ } وقوله سبحانه وتعالى قبل {ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ ﱾ ﱿ ﲀ } ثم قال {ﲂ ﲃ ﲄ } لم يقل: قلت كم لبثتم؟ ﴿أَنَّمَا﴾ قال: {ﲂ ﲃ ﲄ} فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ إن القائل هو الله، فقبلها قال: {ﱹ ﱺ ﱻ ﱼ ﱽ } ولم يقل: قلت كم لبثتم. فهذا فيه التفات. {ﲂ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ} كم لبثتم؟ هذا الاستفهام يراد به التجهيل، عندكم جهل وعدم وعي وإدراك. { ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ } ما المراد بالأرض هنا؟
قال بعضهم: المراد بها أرض الدنيا.
وقال بعضهم: بل المراد بها القبور{ ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ} ونسبه ابن عطية لجمهور المفسرين. { ﲃ ﲄ ﲅ ﲆ ﲇ ﲈ} وهذا يدل على أنهم مكثوا عددًا من السنوات أو من السنين.
{ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ } ما يتذكرون إلا أنهم لبثوا في الدنيا أو في القبور إلا القليل، فكان الجواب منهم { ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ } وقد بين الله اختلافهم في هذا وتقدم معنا ما تقدم في سورة طه ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ (طه: 104) قال الله عز وجل {ﲊ ﲋ ﲌ ﲍ ﲎ ﲏ ﲐ ﲑ } ما معنى { ﲐ ﲑ }؟ أي فاسأل الذين يعدون بحساب الأيام والشهور. نحن هذا ما عندنا، والعادون يستطيعون أن يجزموا بالحق والصواب في ذلك.
فأجابهم قال {ﲓ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗﲘ ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ}
{ ﲔ ﲕ ﲖ ﲗﲘ } أنتم لبثتم في الدنيا سنوات وليس يوما أو بعض يوم، لكن مع هذا لم يلبثوا إلا قليلًا. لذلك قال بعضهم هنا تقدير كأن المعنى: قال لبثتم في الدنيا سنوات أو لبثتم في الدنيا قليلة لبثهم في الدنيا قرونا ولكن { ﲔ ﲕ ﲖ ﲗﲘ } مدة قليلة عند الله سبحانه وتعالى.
وفي قوله { ﲔ ﲕ } أي : ما لبثتم إلا قليلا { ﲙ ﲚ ﲛ ﲜ} مقدار مكثكم، أو أن القلة هنا جاءت من باب المقارنة لأن الإنسان وإن مكث في الدنيا مدة طويلة فإنه أمام قليل لأن الآخرة لا نهاية لها، ولأنهم يخلدون فيها إما في الجنة وهم أهل الإيمان، وإما في النار وهم أهل الكفران.
قال الله سبحانه بعد ذلك {ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥﲧ ﲨ ﲩ ﲪﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ}
{ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ} هذا على سبيل الإنكار والتوبيخ، ما الذي منعكم من الإيمان بالآخرة؟ ما الذي دفعكم إلى إنكار البعث؟ ما الذي جعلكم لا تؤمنون؟ أو تظنون أن الله خلق الخلق عبثا؟ أو خلق الله السماوات والأرض وسخر لكم المخلوقات عبثا؟ هذا لا يكون ولا يتأتى، فإنَّ عدل الله وحكمة الله وعلم الله تقتضي أنه سبحانه وتعالى يبعث عباده ولا يتركهم هملا أو سدى.
{ﲞ ﲟ ﲠ ﲡ ﲢ ﲣ ﲤ ﲥ} خلقناكم من أجل العبث فلا أمر ولا نهي ولا تكليف ولا جزاء ولا ثواب ولا عقاب؟ بعضهم يقول المراد بالعبث هنا أي : بدون أمر أو نهي، وبعضهم يقول بدون جزاء، وهما متلازمان فلا أمر ولا نهي إذن، ولا ثواب ولا عقاب، وهذا لا يكون، بل الله خلقكم فأمر ونهى ويثيب ويعاقب.
﴿ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعْضُهُم مِّنۢ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ (التوبة: 67) أيضًا تحسبون أنه خلقكم وأنكم لا ترجعون إليه سبحانه وتعالى؟ فأنكر الله عليهم الأمرين، وهما دعوى أن الخلق عبث، ودعوى أنهم لا يرجعون إلى الله، بل قد خلقوا لحكمة وهم كذلك راجعون إلى الله سبحانه وتعالى.
{ﲧ ﲨ ﲩ ﲪﲫ ﲬ ﲭ ﲮ ﲯ ﲰ ﲱ ﲲ} تعالى الله تنزه الله عن هذه الدعاوى، تنزه الله عن أن يكون خلقه عبثا، تنزه الله عن أن يأمر الخلق أو ينهاهم ثم بعد ذلك يتركهم بلا حساب وبلا ثواب أو عقاب، تنزه الله الملك الحق فهو الملك الحق، والملك الحق يأمر وينهى وينفذ ما يريد لا يمنعه أحد، وهو الحق، ومن الحق أن يثيب المحسن وأن يعاقب المسيء، ومن الحق أن يكافئ من أطاع وأن يعاقب من عصى. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَسَـٰٓـُٔوا۟ بِمَا عَمِلُوا۟ وَيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُوا۟ بِٱلْحُسْنَى﴾ (النجم: 31) [سورة النجم:31].
ولذلك جاء التعبير هنا - والعلم عند الله - بقوله ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة: 36) لأن الملك يتصرف بفعله ويتصرف بأمره، وكذلك قال الحق، وهذا يقتضي وجود البعث كما قال الله سبحانه: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة: 36) [سورة القيامة:36].
قال: ﴿أَيَحْسَبُ ٱلْإِنسَـٰنُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة: 36) ومن كان ربًا للعرش فهو رب لكل شيء، قالوا لأنه أعظم المخلوقات فهو ربها سبحانه وتعالى.
قال: {ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ ﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ ﳃ ﳄ ﳅ ﳆ}
{ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ } هذا الذي دعا مع الله إلهًا آخر، وعبد مع الله إلهًا آخر { ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ } أي : هذا الإله الآخر لا دليل له على أنه إله، { ﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ } هذا الذي يجازيه ربي سبحانه وتعالى ويعاقبه، فالله عز وجل لا يقبل من أحد شركه، لا يقبل من أحد اتخاذ ند، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ (النساء: 43) وتأملوا قولهم هنا في قوله { ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ } قالوا: وهذا شأن كل معبود غير الله، هذا لبيان أن قوله { ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ } وصف لازم أو إن شئت فقل وصف كاشف، لذلك قالوا: إنه لا مفهوم له، ما معنى ذلك؟ يعني لا يستفيد الإنسان من قوله {ﲴ ﲵ ﲶ ﲷ ﲸ ﲹ ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ} أنه يجوز له أن يدعو مع الله إلهًا آخر إذا كان له برهان!! لأنه لا يوجد مع الله إله آخر له برهان أصلًا، فكل الآلهة لا برهان لها ولا دليل لها، إذا قوله {ﲺ ﲻ ﲼ ﲽ} يقولون لبيان الواقع وصف كاشف، فالله يبين أن أي إله آخر يدعى من دونه لن يكون معه برهان، لن يكون له دليل ولا حجة، فلذلك يقولون : لا مفهوم له، يعني لا يؤخذ حكم مخالف لذلك بمفهوم المخالفة.
قال: {ﲾ ﲿ ﳀ ﳁﳂ} وقد تقدم معنا التمثيل لذلك مرارًا في مواضع كقوله {ﲩ ﲪ ﲫ ﲬ} ولا يوجد قتل للنبيين بحق، فهذا أيضًا وصف كاشف وبيان للواقع. قال: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون: 8)
تأمل ختام السورة، أول السورة ﴿فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ (المؤمنون: 7) وختامها ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون: 8) فهذا براعة الختام كبراعة الاستهلال، ومن العلاقة بين المطلع والمقطع، وبين البدء والختام، ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون: 8)
ثم قال الله أمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ لِأَمَـٰنَـٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰعُونَ﴾ (المؤمنون: 8) وتأمل الدعوة المباركة المناسبة لدعوة المؤمنين الذين جعلهم الله عز وجل الفائزين، إذ قال: {ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ}
﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) لتكون من وهو إمام الفائزين عليه الصلاة وأزكى التسليم ﴿ٱلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ۖ وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدْخِلُوٓا۟ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ﴾ (غافر: 46) وقوله { ﳌ ﳍ ﳎ} لأن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أدركت رحمته أحدًا فإنه بفضل الله يستغني برحمة الله عمن سواه. وأما رحمة غير الله فبها عن رحمة الله، لذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ".
الكافر حقير مهان عند الله قال الله ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغْفِرْ وَٱرْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ (المؤمنون: 118)
الاستهزاء بالصالحين ذنب عظيم يستحق صاحبه العذاب قال الله سبحانه وتعالى {ﱡ ﱢ ﱣ ﱤ ﱥ ﱦ ﱧ ﱨ ﱩ ﱪ ﱫ ﱬ ﱭ ﱮ ﱯ ﱰ ﱱ ﱲ ﱳ ﱴ ﱵ ﱶ ﱷ ﱸ}