سورة العنكبوت
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
التعريف بالسورة
سورة العنكبوت سورة مكية من مقاصد السورة الأمر بالصبر والثبات عند الابتلاء والفتن وبيان حسن عاقبته سورة العنكبوت مكية هذه السورة المباركة تسمى بسورة العنكبوت لأن الله عز وجل ضرب فيها المثل بالعنكبوت قال مثل الذين ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ وأنت ترى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم أن هذه السورة المباركة تسمى باسم العنكبوت وقبلها بسورتين تسمى بسورة النمل فربي سبحانه سمى سورة باسم النمل وسورة باسم العنكبوت وسورة باسم النحل وهذا كله لأن في هذه المخلوقات آيات عظيمة للمعتبر والمتعظ ولذلك قال الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ هذه السورة المباركة تسمى بسورة العنكبوت هو الاسم المشهور لها وبعض العلماء اقتصر على هذا الاسم فقالوا لا يعرف لها اسم إلا ذلك وقال بعضهم تسمى بصدر السورة الف لام ميم احسب الناس أن يتركون هذه السورة سورة مكية وقد نقل بعضهم كالفيروزآبادي الإجماع على ذلك وان خالف بعضهم في حقيقة الأمر فادعى مدنيتها أن الذي عليه جماهير أهل العلم سلفا وخلفا أن السورة مكية إلاإنهم يقولون أنها من أواخر السور المكية لذلك يرى أكثر المفسرين أن سورة العنكبوت من آخر السور المكية وبعضهم يرى أنه ليس بعدها من السور المكية إلا سورة المطففين من يرى مكية سورة المطففين وأما من يرجح مدنية سورة المطففين كما رجحنا فإنه يرى أن سورة العنكبوت ختام السور المكية والعلم عند الله تبارك وتعالى ولعل في هذا مناسبة مع آخر سورة القصص التي فيها ﴿إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ ثم تأتي سورة العنكبوت والعلم عند الله تبارك وتعالى وكذلك أنها تدل على امتحان وعلى ابتلاء عظيم فأنت وان أوذيت في مكة من المشركين أن أوذيت من أقاربك فإنك يا رسول الله ستهاجر وستلقى أعداء آخرين من اليهود ومن المنافقين من الداخل ومن الخارج ثمإنك تقيم أمة مسلمة وهذا فيه ما فيه من الابتلاءات والمحن فجاءت هذه السورة المباركة مقدمةً لما سيكون من أمر المسلمين عما قريب والعلم عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ قالوا من مقاصد السورة الأمر بالصبر والثبات عند الابتلاء والفتن وبيان حسن عاقبته وهذا الذي ذكروه جميل وجليل ويدل عليه كثير من مواضع السورة المباركة ثم كذلك بقية القصص الواردة في السورة تشهد لهذا المعنى لذلك صرَّح بعض العلماء بأن مقصود سورة العنكبوت بيان سنة الله عز وجل في بيان سنة الله عز وجل في الابتلاء أن الناس في هذه الحياة مبتلون وإنهم مختبرون ولذلك قالوا هذه السورة تتحدث عن الفتنة فالسورة مدارها على الحديث عن الافتتان وان الناس مع الفتنة على أنواع وصنوف، وهم على ثلاثة أنواع رئيسة مؤمن وكافر ومريض في قلبه أو أن شئت فكن منافق ولذلك ذكرت السورة هذه الاصناف الثلاث ومن عجب أن علماء علوم القرآن الكريم يقولون أن ذكر المنافقين في سورة يدل على مدنية هذه السورة لأنَّهم إنَّما ظهروا في المدينة النبوية حينما قويت شوكة المسلمين وبدأ المسلمون يتزايدون فوقع المنافقون في نفاقهم وأما في مكة فلم يكن ثمة حاجة إلى النفاق لأن المشرك يظهر شركه ويبديه كيف يشاء ولذلك بعضهم استثنى الآيات العشر الأولى من السورة وقالوا هي مدنية وبعضهم قال: إحدى عشرة آية مدنية من أول السورة وتقدم معنا من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ القول باستثناء آيات من السورة خلاف الأصل فلا يسار إليه والعلم عند الله تبارك وتعالى إلا بدليل وحجة لم تكن هناك حجة فالأصل أن السورة كلها على ما عليه أغلبها من المكي أو المدني لذلك رجح كثيرون أن السورة كلها مكية ويقال أن ذكر المنافقين في السورة المباركة هو من باب تعليم المؤمنين ما ينبغي عليهم أن يحذروه في المستقبل ولذلك قال أن ذِكر أهل الكتاب أيضًا في السور المكية لا بأس به ولا مانع منه بل هو موجود في القرآن لأن القرآن الكريم يعلم المسلمين ماذا سيصنعون مع المجتمعات الأخرى ولذلك في سورة العنكبوت أيضًا ﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ﴾ وقد ذكروا كل مجادلة لاهل الكتاب فهي في سورة مدنية باستثناء هذه السورة المباركة إذا سورة العنكبوت من مزاياها أنها تحدثت عن المستقبل عما سيلاقيه المسلمون من محن وابتلاءات ولذلك سورة الكهف بينت لنا المنهج في التعامل مع الفتن أو صور الفتن وسورة العنكبوت بيَّنت لنا أنواع تلك الفتن أيضًا فيما يتعلق بالابتلاءات والإيذاءات ولا سيما ما يتعلق بالابتلاء بالعباد بابتلاء العباد بعضهم ببعض من فتنهم وتعذيبهم وما إلى ذلك ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ فإذا أوذي في الله ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ قال الله سبحانه وتعالى احسب الناس أن يتركون ﴿أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ فقالوا هذا يدل على مقصد السورة احسب الناس ازعم بعض الناسإنهم يعيشون في هذه الحياة وقد الإيمان دون ابتلاء أو دون امتحان أو دون فتنة لا أن هذا لا يكون بل لا بد من الابتلاء ولابد من المحنة ثم قال ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ فذكر الفتنة أيضًا وكذلك السورة المباركة ذكرت أبوابا من هذه الفتن ابتلاءات فقالوا الأمر بالصبر والثبات عند الابتلاء والفتن وبيان حسن عاقبته وأما الأمر بالصبر فالذي جاء في القرآن أو جاء في هذه السورة صراحها ذكر الجهاد ولذلك بعضهم يرى أن مقصود السورة هو الأمر بالجهاد وان الجهاد ليس مقصورا على الجهاد بالقتال فان هذا كان بمكة والسورة مكية وإنما المراد به جهاد النفس وان جهاد النفس سيؤدي إلى بقية أنواع الجهاد ويدخل في جهاد النفس جهاد العدو في الدنيا من أعداء الإنس والجن فهؤلاء الاعداء يحتاجون إلى جهاد ولذلك في أول السورة ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ وفي آخر السورة وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ وفي السورة قال ﴿فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ وهذا من الجهاد بالهجر فإذًا في السورة الكريمة الأمر بالصبر والثبات عند الابتلاء والفتن وبيان حسن عاقبته ولعله مما يجعلك تتفطن لهذا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم ما ذكر الله في هذه السورة المباركة من قصص ﴿إِلَّا﴾ ترون أنَّ الله لما ذكر قصة نوح عليه السلام ما ذكرها إلا في آيتين وهذا عجيب قصة نوح في سورة العنكبوت حظها من السورة آيتان فقط ومع ذلك ذكر الله في هاتين الآيتين معلومة ليست في كل سور القرآن الكريم فلم يذكر الله المدة التي مكثها نوح في الدعوة إلى الله إلا في سورة العنكبوت فقال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ هذا لا تجده في سورة نوح نفسها ولا في سورة هود مع أنها أكثرت من ذكر نوح عليه السلام واطنبت في قصته لأن المقصود هنا ذكر هذا العدد بالدلالة على طول مدة المحنة وطول مدة الابتلاء وكأنه يقال للرسول ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ معه اصبروا واثبتوا ها هو ابوكم نوح عليه السلام ها هو جدكم نوح عليه السلام ها هو رسول الله أول رسول بعثه الله وهو نوح عليه السلام لبث في قومه ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ولم يقل فلبث فيهم تسعمائة وخمسين سنة وإنما قال ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ﴾ لأن ذكر العدد الكبير مما يدل على التفخيم وهذا استفاده الناس اليوم فهم إذا أرادوا الكثرة ذكروا العدد الكبير وإذا أرادوا التقليل ذكروا العدد جزئيا دون أن يذكروا الآلاف وما أشبه ذلك الشاهد من ذلك أن ذكر هذا العدد في هذا الموضع من القصة دلالة على الابتلاءات وان المؤمن يحتاج إلى جهاد وإلى صبر وإلى مثابرة كذلك ذكرت هذه السورة المباركة فتنة عجيبة لم تذكر في كثير من مواضع القرآن الكريم وهي الفتنة بالوالدين إنَّما ذُكرت في مواضع قليلة، كلقمان وهذه السورة المباركة لماذا؟ لأن الفتنة بالأبوين شديدة فالأصل أن الإنسان مطلوب منه أن يطيع والديه فكيف لو أن الوالدين أمرا ولدهما بالشرك بالله سبحانه هذا من الابتلاء الشديد والامتحان الكبير ومع ذلك ذكره الله سبحانه وتعالى لا تطعهما فهذا مما ذكرته السورة كذلك في قصة إبراهيم عليه السلام جاء ذكر تعذيبهم له ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ﴾ أو حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ولذلك السورة المباركة ذكرت المحن والابتلاءات واصناف الناس ذكرت وليعلمن • ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ﴾ وليعلمن المنافقين ذكر المنافقين ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ هذا هو المنافق نسأل الله السلامة ثم ذكرت النجاة لذلك لما ذكرت قصة نوح فانجيناه واصحاب السفينة وكذلك لما ذكرت قصة إبراهيم عليه ذكرت أن جاء الله عز وجل فانجاه الله من النار وكذلك لما ذكرت قصة لوط عليه السلام ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ تأمل التعبير بقوله فانجيناه الكلام عن النجاة أن تأتي وتكون شديدة ثم ينجي الله عز وجل أهل الإيمان ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ السور يا أيها الإخوة الكرام هذه السورة المباركة بينت جزاءه الناجحين الناجين في الفتنة وكذلك بينت عاقبة الخاسرين فمن أشد الناس أو مما يبتلى به الناس ويمتحن به الدنيا فلم تغفل السورة الحديث عن فتنة الدنيا فإذا كانت السورة تحدثت عن الابتلاءات في الدين والابتلاءات باعداء الدين والابتلاءات بتكذيب المكذبين فإنها ذكرت الابتلاء باهل الدنيا الابتلاء بالدنيا وفتن الدنيا وهذا ظهر في آخر السورة المباركة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ وفي قوله سبحانه وتعالى ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ وفي قوله ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ فتُذكِّرنا هذه السورة المباركة بحقيقة الدنيا لأن لا نفتن بها هذا كله مما نجده في هذه السورة المباركة ثم إنَّ أعظم المصائب المصاب في الدين ولما كانت الفتنة في الدين أعظم الفتن سميت السورة بسورة العنكبوت لأنَّها دالة على حال من افتُتن في دينه فاشرك بالله رب العالمين ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ هؤلاء فتنوا في دينهم ولذلك جاء في الحديث ولا تجعل مصيبتنا في ديننا فكان بان تسمى بسورة العنكبوت للدلالة على أن أعظم الفتن ما يتعلق بالشرك بالله سبحانه وتعالى وان أصحابه إلى هلاك ودمار كما أن بيت العنكبوت إلى زوال وإلى ضياع على أن العنكبوت فيه بعض الخصائص التي تتعلق به لكننا نرجئ الحديث عنها بإذن الله إلى الحديث عن الآية في موضعها بإذن الله تبارك وتعالى لبيان سر وصف الله أو تشبيه الله عز وجل عبادة المشركين بحال العنكبوت حين اتخذت بيتا قال الله سبحانه وتعالى الف لام ميم احسب الناس أن يتركون أن قولوا امنا وهم لا يفتنون ومما هو جدير بالذكر في هذا المقام أيضًا والعلم عند الله أن سورة العنكبوت من السور التي افتتحها الله بالحروف المقطعة وقد ذكروا أن القاعدة العامة في ذلك أن كل سورة افتتحها الله بالحروف المقطعة فهي سورة مكية استثناء البقرة وال عمران واختلفوا في سورة الرعد والراجح مكيتها والعلم عند الله وأيضًا ذكروا أنه بعد الحروف المقطعة يذكر الحديث عن القرآن وهنا لم يجرِ حديث عن القرآن وإنما جاء الحديث بعدها عن الفتنة للدلالة على أن أهل القرآن مختبرون في هذه الحياة وان من امن بالله وامن بالقرآن فاياه ثم اياه أن يظن أنه الابتلاء لأن بعض الناس حسد أنه إذا امن بالقرآن وامن بالرحمن فإنه يسعد في الدنيا فإذا به لا يجد ذلك بل يجد عناء وهما ويجد طردا ويجد قال الله احسب الناس أن يتركون ﴿أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ أن السعادة سعادة القلب حتى وان وجد الإنسان عناء في حياته وان وجد من يطارده وان وجد من يعارضه وان وجد وان وجد احسب الناس أن يتركون ﴿أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ ومن عجب أن سورة فيها آيات تتحدث عن القرآن الكريم حديثا لا تجده في موضع آخر من القرآن الكريم مع أنَّ السورة في البداية لم تذكر القرآن لكنها في اثنائها لكن في أثناء السورة ضمنت الحديث عن القرآن بطريقة عجيبة تثبت أن القرآن حق وإنه من عند الله سبحانه وتعالى ولذلك الآيات المشهورة التي نستدل بها ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ﴾ • ﴿وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ ثم قال بَلْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ءَايَٰتٌۢ بَيِّنَٰتٌ ﴿فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ﴾ بِـَٔايَٰتِنَآ الظالمون ثم جاء ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ أو لم يكفهم إنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم أن في ذلك ﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ هذا في سورة العنكبوت ولذلك قوله سبحانه وتعالى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قاض على كل سؤالات المشركين وطلباتهم وما كانوا يعاندون وما كانوا يستكبرون به ويطلبونه على سبيل التعنت للرسول عليه الصلاة والسلام بل من العجيب في الآية كما سيأتي التنويه أنَّ الله قال وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّهِۦ ۖ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٱلْـَٔايَـٰتُ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ مُّبِينٌ ثم قال أولم يكفهم قالوا فلما ذكر الآيات جمعها هنا في هذا المقام وكأنه يقول تريدون آيات فالقرآن فيه أعظم من الآيات وفيه أن القرآن ليسآية واحدة في حقيقة الأمر وإنما هو مجموع آيات والعلم عند الله تبارك وتعالى هذا بعض ما يتعلق بمقصود السورة ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح وان يحفظنا من الفتن مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ بسم الله الرحمن ﴿أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ الكاذبين الف لام ميم سبق الكلام على نظائرها في بداية سورة البقرة اظن الناسإنهم بقولهم امنا بالله يتركون دون اختبار يبين حقيقة ما قالوا هل هم مؤمنون حقًا؟ ليس الأمر كما ظنوا ولقد اختبرنا ﴿ٱلَّذِينَ كَانُوا۟ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولقد اختبرنا الذين كانوا قبلهم فليعلمن الله علم ظهور ويكشف لكم صدق الصادقين في ايمانهم وكذب الكاذبين فيه ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بل اظن الذين يعملون من الشرك وغيره أن يعجزون وينجوا من عقابنا قبح حكمهم الذي يحكمون به فهم لا يعجزون الله ولا ينجون من عقابه أن ماتوا على كفرهم مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فإنَّ أجل الله لات وهو السم العليم من كان يأمل لقاء الله يوم القيامة ليثيبه فليعلم أن الأجل الذي ضربه الله لذلك لات قريبا وهو السميع لأقوال عباده العليم بافعالهم لا يفوته منها شيء وسيجازيهم عليها ومن جاهد نفسه بحملها على الطاعة والبعد عن المعصية ﴿وَجَـٰهَدَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ فإنما يجاهد لنفسه لأن نفع ذلك عائد إليها والله غني عن المخلوقات كلها فلا تزيده طاعتهم ولا تنقصه معصيتهم قال الله سبحانه الف لام ميم احسب الناس أن يتركون ﴿أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ وليعلمن الكاذبين افتتح الله عز وجل هذه السورة المباركة بهذه الحروف المقطعة الف لام ميم وقد تقدم الكلام فيها كثيرًا ثم قال احسب الناس أن يتركون ﴿أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ احسب الناس هنا لفظ عام لكن به الخصوص لأنه ليس كل الناس حسبوا هذا الحسبان فقوله احسب الناس أي اظن جماعة من الناس؟ وقد قال كثير من المفسرين ظن عدد من المسلمين ذلك فظن بعض المسلمينإنهم إذ آمنوا بالله رب العالمين وبالرسول الكريم فإنَّ الله سيسلمهم من كل محنة وابتلاء فرد الله قال احسب الناس والاستفهام للأنكار؟ كحسب الناس أن يتركون أي يقولون امنا وهم لا يفتنون إذا قلتإنك امنت فلابد من الفتنة والفتنة المراد بها الاختبار والامتح المادة فتن الذهب عرضه على النار حتى يظهر جيده من رديئة وحتى يظهر حسنه من قبيحه فكذلك الإنسان يتعرض لهذه المحنة ولهذه الفتنة ولهذا الابتلاء ﴿أَن يَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ وهذا فيه أن الإنسان مبتلى ولابد وقد دل على ذلك كثير من الآيات القرآنية قال الله سبحانه ﴿إِنَّا خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ ﴿نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـٰهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ وقال ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؟ وقال ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ مِنكُمْ﴾ وقال ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ وقال ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تدل على أن هذه سنة من سنن الله عز وجل في خلقه ولذلك لما قيل للإمام الشافعي رحمة الله اتحب للعبد أن يمكن له أو أن يبتلى؟ فقال لا يمكن حتى يبتلى وهل يكون هناك تمكين إلا بابتلاء؟ قال الله سبحانه وتعالى وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ ولقد أي والله لقد فتنا الذين من قبلهم ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ ٱلْكَٰذِبِينَ هذا فيه تذكير بحال السابقين والمعنى من قبلكم ابتلي فلذلك أنتم ستبتلون أيضًا فهذا فيه أننا نأخذ من التاريخ ومن السيرة ما وقع لمن سبقنا لنتعظ ولنعتبر ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ اختبرناهم الفتنة ترد في القرآن على عدة أوجه منها أصل معناها واصل معناها الاختبار والامتحان ثم أحيانًا تأتي هذه الفتنة والمراد بها الوقوع في الضلال والمعناه أن هذا اختبر فلم ينجح في اختبار ما كقوله ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنۢ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ﴾ هنا لا يقال فتنا قومك معناه اختبرناهم فقط وإنما المرادإنهم وقعوا في الضلال ومن يرد الله فتنة ﴿فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ يعني يريد اضلالا إذا أحيانًا تأتي الفتنة لبيان الاختبار هناك كمن ينجح وهناك من لا ينجح ومنهم من قال الفتنة بالمعنى العام وفتناك فتونا أي اختبرناك اختبارا أو اختبارات فهذا بحسب السياق وهنا المراد بذلك الفتنة بالمعنى العام وهو الاختبار ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ وهنا سؤال وقد ورد معنا مرارا وهو ما معنى فليعلمن ﴿ٱللَّهُ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ هنا اجابوا في التفسير قالوا: فليعلمنَّ الله علم ظهور ويكشف لكم صدق الصادقين في ايمانهم وكذب الكاذبين فيه إذا ما معنى علم الله أي ظهور علم الله؟ لنا إذا المعنى أن هذا العلم ينكشف لنا أو المراد العلم الذي يترتب عليه الجزاء لأن الله لا يحاسب على ما سبق في علمه وإنما على ما يقع من الناس وهذا كثير في القرآن ثم قال ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن﴾ يسبقون ساء ما يحكم أم هنا بمعنى بل مع همزة الاستفهام التي هي للأنكار؟ أي بل احسب بل اظن الذين يعملون السيئات لذلك تأملوا ماذا قالوا هنا؟ قالوا بل اظن من أين أخذوا بل ا؟ اخذوها من تفسير أم بل اظن الذين يعملون السيئات قال بعضهم السيئات الشرك أو المراد به الشرك والمعاصي عمومًا أي يسبقونا يعني أن يعجزونا ويفلتوا ويهربوا من عذاب الله ساء ما يحكمون ساء ما يحكمون قبح حكمهم الذي يحكمون به فهم لا يعجزون الله وما هم بمعجزين ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ فالآية الكريمة ترشد الإنسان إلى أن يصبر على الابتلاء وان ينجح في الابتلاء وان يعلم أنه ليس بفائت من عذاب الله أن استحق هذا العذاب فليبتعد عنه بطاعة الله سبحانه وتعالى ثم قال الله ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ﴾ • ﴿فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ﴾ وهو السميع العليم على طريقة القرآن المعتاد وعيد ووعد وعد ووعيد ترهيب وترغيب ترغيب وترهيب قوله ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ فيها تهديد وهنا جاء الترغيب مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ ﴿فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ﴾ هنا فسروا من كان يرجو معناها من يأمل لقاء الله وتقدم أن التعبير بقوله يرجو لقاء الله وكذلك مشتقات ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ هناك من يفسر الرجاء بمعنى الطمع وهناك من يفسر بمعنى التوقع من لا يتوقع وهناك من يفسره بمعنى الخوف ويجعلها من الاضداد قالوا هنا مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ • ﴿فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ قال عدد من المفسرين هذه الآية أرجى آية بالنسبة لاهل الشوق للذين يشتاقون إلى لقاء الله سبحانه وتعالى فكل من يشتاق إلى الله وإلى النظر إلى وجه الله الكريم هذه الآية لها وقع عظيم في قلبه لذلك فكان بعضهم يقوم ليلة كاملة يردد الآية الكريمة لا يقدر على مجاوزتها ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ﴾ أجل الله لا بد إذا كنت تطمع في لقاء الله فابشر فإنَّ أجل الله أي فإنَّ أجل الله قريب والمعنى أبشر فعما قريب ستلقى ربك سبحانه وتعالى نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه والشوق إلى لقائه في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة وتأملوا يا أيها الإخوة الكرام في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك ولذلك هذا من العبادات التي يغفل عنها كثير من الناس وهو الشوق إلى لقاء الله سبحانه وتعالى وكلما قوي علم العبد بالله ازداد شوقه إلى الله سبحانه وتعالى وإذا كان أحدنا إذا قرأ سيرة عالم أحب هذا العالم وتمنى أن يكون في عصره وإذا بلغه أنه ما زال حيا فإنه يطمع في لقائه ويعد لذلك العدة ولربما رحل وسافر ولله المثل الأعلى فمن قرأ القرآن أحب الله ومن ذكر الله أحب الله فكلما علم عن الله اشتاق لرؤية الله وللقاء الله سبحانه وتعالى فيهون عليه ما يقرأه من هذه الآيات مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فإنَّ أجل الله لات وتأمل لم يقل مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ اجله لات وإنما اعادها فإنَّ ﴿أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتٍ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وهو السميع العليم السميع لأقوال عباده العليم بافعالهم لا يفوتهم منها شيء سبحانه وتعالى ثم قال ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ولذلك جاء في الحديث المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله عز وجل جاهد نفسه فهنا قال ﴿وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ﴾ فإنما يجاهد لنفسه أي نفع ذلك عائد عليه يعني أنت إذا جاهدت جهاده أنت المنتفع به ولذلك عقب فقال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ والمعنى جهادك لنفسك عائد اليك وفيه أن السورة تدعونا إلى الجهاد إلى الصبر على الابتلاءات وفيه جهاد النفس قال ومن جاهد ﴿فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ﴾ في آخر السورة ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ نعم من فوائد الآيات ابتلاء المؤمنين واختبارهم سنة إلهية غنى الله عن طاعة عبيده ابتلاء المؤمنين واختبارهم سنة إلهية والسورة كلها تدور حول هذا الفلك قال الله احسب الناس أن يتركون أن يقولوا امناهم يفتنون ولقد فتن الذين من قبلهم ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ ٱلْكَٰذِبِينَ غنى الله عن طاعة عبيده إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَٰلَمِينَ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ لو أن اولكم واخركم وانسكم وجنكم كانوا على اتقى قلب رجل واحد منكم ما ما زاد ذلك في ملكي شيء كما جاء في حديث ابي ذر رضي الله عنه في الحديث القدسي نعم ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ والذين آمنوا والذين آمنوا وصبروا على امتحاننا لهم وعملوا الأعمال الصالحات لنمحون بما عملوه من الأعمال الصالحة ولنثيبنهم في الآخرة ﴿أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم﴾ ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ووصينا الإنسان بوالديه أن يبرهما ويحسن إليهما وان جاهداك وان جاهدك والداك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان ﴿لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ﴾ باشراكه علم كما وقع لسعد ابن ابي وقاص رضي الله عنه من أمة فلا تطعهما في ذلك لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إلى وحدي رجوعكم يوم القيامة فاخبركم بما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا واجازيكم عليه ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات لندخلنهم يوم القيامة في الصالحين فنحشرهم معهم ونثيبهم ثوابهم ومن ﴿يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ﴾ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ ﴿أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ ٱلْمُنَٰفِقِينَ ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ فإذا اذاه على ايمانه جعل عذابهم له كعذاب الله فارتد عن الإيمان موافقة للكفار ولأن حصل نصر من ربك لك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول ليقولون أنا كنا معكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون على الإمام ﴿أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ﴾ الناس لا يخفى عليه ما فيها من الكفر فكيف ينبئون الله بما في قلوبهم وهو أعلم بما فيها منهم وليعلمن الله علم ظهور ويكشف لكم الذين آمنوا به حقًا والمنافقين الذين يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا ولنحمي خَطَٰيَٰكُمْ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنْ خَطَٰيَٰهُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ شيءإنهم لكاذبون ولا يحملن ﴿أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ ۖ وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ﴾ ٱلْقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ وقال الذين كفروا للذين آمنوا بالله وحده اتبعوا ديننا وما نحن عليه ونحمل نحن عنكم ذنوبكم فنجازى عليها دونكم وليسوا بحاملين شيئًا من ذنوبهم وإنهم لكاذبون في قولهم هذا ولما كان نفي حملهم لخطايا غيرهم قد منه أن الكفار الداعين إلى ضلالاتهم لا يأثمون اثما زائدا بسبب ذلك رفع ذلك الايهام بقوله وليحملن أو ليحملن هؤلاء المشركون الداعون إلى باطلهم ذنوبهم التي اقترفوها ولا يحملن ذنوب من اتبع دعوة من اتبع دعوتهم دون أن ينقص من ذنوب التابعين لهم شيء ﴿وَلَيُسْـَٔلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟﴾ يختلطونه في الدنيا من الاباطيل ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ﴾ وهم ظالمون ولقد بعثنا نوحا رسولا إلى قومه فمكث فيهم مدة تسعمائة وخمسين عاما يدعوهم إلى توحيد الله فكذبوه واستمروا على كفرهم ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ ظَـٰلِمُونَ﴾ بسبب كفرهم بالله وتكذيبهم فهلكوا بالغرق قال الله سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ هذا حديث عن الفريق الناجح عن الفريق الذي وفق في الابتلاءات وفي المحن والفتن إلا وهم فريق أهل جعلنا الله منهم بمنه وكرمه وعدهم الله فقال لا نكفرن عنهم سيئاتهم فيمحو ذنوبهم سبحانه وتعالى ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ قالوا أحسن الذي كانوا يعملونه في الدنيا قالوا لأن المؤمن إذا عمل فإنما يعمل أعمالا ثلاثة يعمل المباح والمستحب والواجب وأما السيئات فإنَّ الله يمحوها فمعنى وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ فيجزيهم الله عز وجل باحسن عملهم من الواجبات والمستحبات وقال بعضهم بل المراد أن الله يجزيهم جزاء أحسن واكمل واكرم وجزاء الله حسن ولكن يزيدهم وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ثم قال ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ووجه الصلة هذه الآية بما سبق أن الله ذكر وان الإنسان ممتحن في هذه الدنيا ومن أعظم الابتلاءات أن يبتلى في والديه فقال ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا ۖ وَإِن جَـٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا تمهيد لتلك المجاهدة فبين أن بر الوالدين هو الأساس وهو الأصل ثم قال وَإِن جَٰهَدَاكَ ﴿لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ﴾ أن جاهداك أن جاهدك الوالدان على الشرك بالله قال ﴿لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾ ومن المعلوم أن الشرك ليس عليه دليل ولا علم فهنا قوله لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ليس قيدا للاحتراز وإنما لبيان واقع وان الشرك لا يكون معه علم قال فلا تطعهما فلا تطعهما نهي صريح ﴿إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وقد ثبت في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت في شأن سعد ابن ابي وقاص رضي الله عنه كما اشاروا إليه هنا فقالوا كما وقع لسعد ابن ابي وقاص رضي الله عنه من أمة إذ حلفت أمة أنها لن تأكل ولن تشرب وإلى أن تموت أو إلى أن يسلم أو إلى أن يشرك سعد ابن ابي وقاص ويعود إلى ملة قومه فابى سعد عليها فمكثت يوما ويومين حتى كادت تموت كما جاء في بعض الوقت في الثالثة فاغمي عليها وسقاها ولدها الآخر فدعت على سعد وهو في ذلك ثابت وجاء في بعضها أنه قال لو كانت لك مائة نفس فذهبت نفسا ما تركت الإسلام قال الله وَإِن جَٰهَدَاكَ ﴿لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ ۚ إِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ والذين ﴿وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ عاد أيضًا الحديث عن المؤمنين لتقرير هذا المعنى لندخلنهم في الصالحين أي لندخلنهم في زمرة الصالحين قال بعضهم المراد بقوله في الصالحين أي في الأنبياء وقال آخرون في الأنبياء والأولياء عباد الله الصالحين في زمرتهم ثم قال الله ومن الناس انتقلت الآيات للحديث عن المنافقين ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ هذا عود على بدء السورة تقول احسب الناس أن يتركون أي يقولون وهم لا يفتنون نريد صنوفا من هذه الامتحانات منها الامتحان بالوالدين منها الامتحان بالعذاب فالامتحان بالوالدين امتحان عن طريق الحب فالإنسان قد يضعف نتيجة الحب نتيجة العاطفة والإنسان قد يضعف نتيجة العذاب فذكر جانب الحب ممثلا في الأبوين وذكر جانب الخوف ممثلا في جانب العذاب الدنيوي ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ﴾ اذاه الكفار على ايمانه جعل فتنة الناس أي جعل عذابهم إذا ما معنى فتنة الناس هنا؟ عذابهم لأنه سبب فتنتهم إذا أطلق على العذاب فتنة أن العذاب فتنة وقد تقدم أن الفتنة تطلق على العذاب كما في قوله وهم على النار يفتنون وفي قول إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ يعني عذبوهم قال ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ واين فتنة الناس أو أين عذاب الناس من عذاب الله الاكبر والابق الابقى والاعظم ﴿وَلَئِن جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ليقولون أنا كنا معكم بهذه الجملة الاسمية مؤكدينإنهم يعلمون أن المؤمنين يتشككون في أمرهم بما ظهر منهم فقالوا ﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ ۚ أَوَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾؟ الله أعلم سبحانه وتعالى بحقيقة ما في قلوبكم بعض العلماء استثنى هذه الآية الكريمة من مكية السورة وبعضهم جعل صدر السورة إلى هذه الآية أو إلى الآية التي بعدها أو إلى الآية جعلوا هذه الآية والتي قبلها من آيات وكذلك الآية التي بعدها جعلوها مستثناة من مكية سورة وقالوا هي مدنية ويشهد للقول بمدنيتها ما ورد في سبب نزولها إذ ورد في سبب نزولها والعلم عند الله أن جماعات من أهل الإسلام ممن لم يهاجروا ومامكثوا في مكة حملهم أهل مكة على القتال معهم في غزوة بدر فكانوا معهم فانزل الله قوله أن الذين توفاهم ملائكة ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا﴾؟ ﴿قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةً فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا﴾؟ إلى آخر الآيات فكان في ذلك وعيد شديد لهم ثم أن بعدهم أن بعضهم فتن وافتتن باهل مكة وقد فتنوه بتعذيب ونحوه ثم بعد ذلك أنزل سبحانه ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا۟ مِنۢ بَعْدِ مَا فُتِنُوا۟ ثُمَّ جَـٰهَدُوا۟ وَصَبَرُوٓا۟ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فحينئذ قالوا لهم ابشروا أي قال المؤمنون ابشروا فقد جعل الله لكم فرجا فهموا بالهجرة فقتل من قتل منهم واوذي من أوذي منهم ففي بعض الروايات أن بعضهم لما فتن بمكة أنزل الله قولا وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ فالذين قرروا ذلك قالوا باستثناء السور الآية من السورة المباركة وبناء علي يقولون أن ذكر المنافقين هذا لأنه مناسب لما هو في على كل حال سواء ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ باستثنائها أم لم نقل لأن تحرير ذلك يحتاج إلى كلام طويل إلا أن وجودها في سورة العنكبوت مناسب أي ما مناسبة لأن الله أراد بذلك أن يثبت أن هذه فتنة كبيرة وان المؤمنين عليهم أن يحذروا من فتنة ومن عذاب أهل الدنيا ونسأل الله الثبات على دينه ثم قال ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ﴾ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فيها ما تقدم في قوله ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ ثم قال ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ﴾ خَطَٰيَٰكُمْ ﴿بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُم مِّن﴾ شيءإنهم لكاذبون هذه فتنة أخرى وهي فتنة اغراء الرؤساء اغراء من بيدهم مقاليد أمور الدنيا حينما يغوون اتباعهم ويقولون لهم قلدون واتبعون ولا عليكم نحن نتحمل عنكم ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّبِعُوا۟ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ﴾ أي ونحن نحمل خطاياكم ولكن تأمل هذه السورة جاءت في صورة الأمر ولنحمل خطاياكم كأنهم يأمرون والمعنى أن تتبعون نحمل خطاياك ولذلك قال بعدها وما هم بحاملين من خطاياه من شيء كاذبون لأنه قد يرد ايراد هنا وهو أن قوله ولنحمل خطاياكم هذا ظاهره الأمر والأمر من الانشاء والانشاء لا يحتمل صدقا ولا كذبا فكيف والله قالإنهم لكاذبون لأن المعنى كما قال بعضهم على تقدير شرط أن تتبعون نحمل الخطايا وهم كاذبون في هذا القول فقال ﴿وَمَا هُم بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُم مِّن شَىْءٍ﴾ لا يتحملون عنهم من خطاياهم من شيءإنهم لكاذبون ثم قال ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ قالوا وليحملن هؤلاء المشركون إلى باطلهم ذنوبهم التي اقترفوها ولا يحملن ذنوب من اتبع دعوتهم دون أن ينقص من ذنوب التابعين لهم شيء ما يقصدون بهذا الكلام أنه لا تعارض بين الآيتين لأن بعض الناس إذا قرأ وما هم بحاملين من خطاياه من شيء يقول كيف أن الله سبحانه وتعالى نفى أن يحمل عنه من خطاياه من شيء ثم اثبت فقالوا ولا يحملن اثقالا مع اثقالهم يقال أن المنفي غير المثبت فان المنفي في قوله ﴿وَمَا هُم بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُم مِّن شَىْءٍ﴾ يعني لا يتحملون تبعاتهم فلكل تبعة عمله ولكل مسؤولية عمله هذا هو فالذي أذنب واجرم يتحمل هم لا يتحملون ذنوب المجرمين ولكن هم عليهم ذنوب أخرى وهي ذنوب الاضلال فهم جمعوا بين الضلال والاضلال بين الفساد والافساد فهم يحاسبون على فسادهم وعلى افسادهم على ضلالهم وعلى اضلالهم دون أن ينقص ذلك من اوزار المجرمين شيء كما قال الله ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَـٰهُمْ عَذَابًا فَوْقَ ٱلْعَذَابِ بِمَا كَانُوا۟﴾ بما كانوا يفسدون وقال الله سبحانه لِيَحْمِلُوٓا۟ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ﴿أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ قال ليسألن ﴿يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ﴾ يختلطون في الدنيا من الاباطيل تأمل السورة المباركة ذكرت لنا وجوها من وجوه الفتنة مجموعة من الابتلاءات ثم قصت علينا بعض قصص الأنبياء والمرسلين فدخلت السورة بقصة نوح عليه السلام أو ذكرت السورة قصة نوح عليه السلام ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمْ﴾ ظَٰلِمُونَ وتقدم أن ذكر هذا العدد خاص بهذه السورة فليس في سور القرآن ما ينبئ عن هذه المدة التي لبثها نوح عليه السلام في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا للدلالة على طول المدة وطول الامتحان والابتلاء وهذا فيه تذكير للدعاة إلى الله بأنهم وان طال وان طال الابتلاء فان هذا الابتلاء ينبغي عليهم أن يصبروا عليه وان يقتدوا بنوح عليه الصلاة والسلام قوله فلبث الف سنة فعبر بسنة قال إلا خمسين عاما فعبر بعام قالوا لأن العام يذكر غالبًا في جانب الرخاء وأما السنة فإنها تذكر في جانب الشدة وقد تقدم معنا نظير ذلك في سورة يوسف في قوله ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ﴾ دأبة ثم قال ﴿ثُمَّ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ﴾ الناس وفيه يعصرون نعم من فوائد الآيات الأعمال الصالحة يكفر الله بها الذنوب تأكد وجوب البر بالأبوين الإيمان بالله يقتضي الصبر على الأذى في سبيله من سن سنة سيئة فعليه ووزرها ووزر من عمل بها من غير أن من اوزارهم شيء الأعمال الصالحة يكفر الله بها الذنوب قال ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ﴾ الآية تأكد وجوب البر بالأبوين قال الله سبحانه وصينا الإنسان بوالديه حسنا الإيمان بالله يقتضي الصبر على الاذى في سبيله قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ﴾ لا والمعنى لا ينبغي له ذلك بل عليه أن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من اوزارهم شيء قال الله ولا يحملن اثقالهم واثقال مع اثقالهم ثم جاءت سنة الرسول عليه السلام دلت على ذلك صراحة فجاء ومن سن في الإسلام سنة سيئة الحديث وأيضًا جاء حديث ومن دعا إلى ضلالة وهما في صحيح مسلم رحمة الله تعالى نعمآية للعالمين فانقذنا نوحا ومن معه من في السفينة من الهلاك بالغرق وجعلنا السفينة عبرة للناس يعتبرون بها ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أَوْثَٰنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ ﴿تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول قصة إبراهيم حين قال لقومه اعبدوا الله وحده واتقوا عقابه بامتثال اوأمره واجتناب نواهيه ذلكم المأمور به ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون اصناما لا تنفع ولا تضر وتخترقون الكذب حين تزعمون استحقاقها للعبادة أن الذين تعبدونهم ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ فيرزقوكم فاطلبوا عند الله الرزق فهو الرزاق واعبدوه وحده واشكروا له ما أنعم به عليكم من الرزق إليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء لا إلى اصنامكم وَإِن تُكَذِّبُوا۟ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ وان تكذبوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فقد كذبت امم من قبلكم كقوم نوح وعاد وثمود وما على الرسول إلا البلاغ الواضح وقد بلغكم ما أمره ربه بتبليغه اليكم ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ﴾ ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟﴾ كيف بدأ الخلق ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ يعذب ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ﴿وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أولم ير هؤلاء المكذبون كيف يخلق الله الخلق ابتداء ثم يعيده بعد ثناؤه أن ذلك على الله سهل فهو قادر لا يعجزه شيء ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لهؤلاء المكذبين بالبعث سيروا في الأرض فتأملوا كيف بدأ الله الخلق ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ﴾ يحيي الناس بعد موتهم الحياة الثانية للبعث والحساب إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ لا يعجزه شيء فلا يعجز عن بعث الناس كما لم يعجز عن خلقهم أولًا يعذب ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من خلقه بعدله ويرحم ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ من خلقه بفضله واليه وحده ترجعون يوم القيامة للحساب حين يبعثكم من قبوركم إحياء ولست بفائتين ربكم ولا منفلتين من عقابه فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ وليس لكم ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ولي يتولى أمركم وليس لكم ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ نصير يرفع عنكم عذابه ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ﴾ ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ يَئِسُوا۟ مِن رَّحْمَتِى وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ عذاب اليم والذين كفروا بايات الله سبحانه وبلقائه يوم القيامة أولئك قانطوا من رحمة فلن يدخلوا الجنة أبدًا لكفرهم وأولئك لهم عذاب موجع ينتظرهم في الآخر قال الله سبحانه فانجيناه أصحاب السفينة أي انقذنا نوحا عليه السلام ومن معه أي من الهلاك وجعلناهاآية للعالمين على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله وجعلناها قالوا وجعلنا السفينة أو جعلنا هذه العقوبة أو جعلنا النجاة وجعلناهاآية للعالمين معنى جعلنا السفينة آية للعالمين على هذا التقدير؟ قال بعضهم أي جعلنا ذكرى السفينة وقال بعضهم جعلها اللهآية للعالمين فابقى الله اثارها لذلك قالوا ابقى الله اثارها ورآها الجيل الأول على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر بعضهم والعلم عند الله قال وجعلناها العالمين ولذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَـٰهَآ ءَايَةً فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾؟ فقال بعضهم أما المراد ذكرها وأما المراد بذلك ما بقي من اثارها إلى بداية بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ﴾ قال بعضهم واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول قصة إبراهيم إذا وإبراهيم ايذكر قصة إبراهيم اذكر إبراهيم أو أن المعنى وارسلنا إبراهيم وبعضهم قال فانجيناه وانجينا إبراهيم ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قصت علينا السورة المباركة قصة إبراهيم عليه السلام لأن إبراهيم عليه السلام ابتلي ابتلاء شديدا من قومه والقي في النار وهذا من الابتلاء الشديد قال ﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أَوْثَٰنًا يا أيها الإخوة الكرام إذا قررنا أن سورة العنكبوت سورة مكية فإنها قضية البعث وتقرر قضية التوحيد والرسالة تقرر قضية التوحيد والرسالة والبعث وهذا نجده في السورة المباركة فها هو الخليل إبراهيم يقول ﴿ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أَوْثَٰنًا ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أَوْثَٰنًا أي اصنام لا تنفع ولا تضر وتخلقون افك قالوا هنا وتختلقون الكذب حين تزعمون استحقاقها للعبادة قوله وتخلقون افكا فيها معنيان المعنى الأول ما ذكروه هنا أن معنى خلق الإفك أي اختلاق الكذب لأن الإفك معناه الكذب وأصله القلب لأن الكاذب يقلب الحقيقة فمعنى وتخلقون افكا يعني تختلقون كذبا والمعنى الثاني أن معنى وتخلقون يعني تصنعون والمعنى تصنعون بايديكم الاصنام ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ يعني تصنعون بايديكم الاصنام أن الذين يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فلماذا تصرفون لها العبادة والأصل أن يعبد من رزق؟ لا أن يعبد غيره ﴿فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ﴾ قوله ﴿فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ﴾ فيه دليل على التوحيد لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر فاصل الكلام فابتغوا الرزق عند الله قال ﴿فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ﴾ أي فابتغوا عند الله وحده الرزق فهو الرزاق واصرفوا العبادة له لا إلى غيره ﴿وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هكذا يقول الخليل إبراهيم عليه السلام كما ذكر رب العزة سبحانه ثم قال وان تكذبوا قالوا هنا في التفسير وان ت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المشركون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ﴾ يا أيها الإخوة الكرام على قول كثير من المفسرين أن الخطاب في قوله وان تكذبوا أن الخطاب في قوله وان تكذبوا خطاب للمشركين خطاب للمشرك المكذبين بالنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبناء عليه فان في السورة الكريمة جملا معترضة ما وجه ذلك؟ أن الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر طرفا من قصة الخليل إبراهيم عليه السلام وجه الخطاب لامة محمد صلى الله عليه وسلم ثم بعد آيات قال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ﴾ قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ سيروا يعذب ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ وما أنتم بمعجزين والذين كفروا بايات الله ثم قال ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومه فقوله ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومه متعلق بقول إبراهيم عليه السلام ﴿فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ وَٱعْبُدُوهُ وَٱشْكُرُوا۟ لَهُۥٓ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومه وهذه الجمل كلها على هذا جمل معترضة ونستطيع أن نقولها أن نقول فيها ما قلناه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنه من قبيل أسلوب الاستطراد كما قرره بعض علماء البلاغة وهو أن يكون القرآن في غرض من الاغراض ثم ينتقل منه إلى غيره ثم يعود له مرة ثانية فهنا عود إلى الحديث عن الخليل إبراهيم عليه السلام على هذا القول والعلم عند الله قال ﴿وَإِن تُكَذِّبُوا۟ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أولًا يروا أولم يروا؟ قالوا ها هنا الاستفهام للتقرير كما هو المشهور في هذا الأسلوب كما تقدم مرارا ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ﴾ أما أن الرؤية بصرية وأما أن الرؤيا علمية فإن قال قائل وهل رأى الناس بدء الخلق؟ قالوا أنه باقامة الحجج كانهم رأوا ذلك ولذلك قال بعدها ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ﴾ يعيده وهنا وقع إشكال ومن منا رأى الاعادة؟ قالوا لكننا رأينا براهينها فكأننا رأيناها ومنهم من فسر الرؤيا بالرؤية العلمية ومنهم من قال أن ثم أن قوله ثم يعيده معطوف على الجملة كلها أو أنها استئنافية ومن قال أن المراد ثم يعيد أي يكرره فالله ينشئ الإنسان وأيضًا يعيد خلق إنسان وخلق إنسان وخلق إنسان وكذلك خلق الحيوانات وهكذا فالمراد بالاعادة إعادة الخلق في الدنيا أو أن المراد الاعادة في الآخرة وهو الأغلب والأشهر في اطلاقها في القرآن لقوله ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وبدليل قوله في الآية التي بعدها ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ﴾ ينشأ النشأة الآخرة قال ﴿قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ كيف بدأ الخلق ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ﴾ ينشأ النشأة الآخرة وهذا يدل على أن العطف أو أن العطف بثم من قبيل الاستئناف جملة جديدة بدليل قوله ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْءَاخِرَةَ﴾ فكذلك في قوله ثم يعيده كأن التقدير ثم هو يعيده ثم هو يعيده إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴿قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ تأملوا حديث عن التوحيد وحديث عن رسالة حديث عن البعث ثم قال ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ ۖ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ وبدأ بذكر العذاب لأنه المناسب للمكذبين ثم قال ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ تذكر هذه الآية وصلتها بقوله ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ وما قال وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ وَمَا لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ لا تفلتون من عقاب الله لا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ فالله عز وجل بكل شيء محيط ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَئِسُوا۟ مِن رَّحْمَتِى وَأُو۟لَـٰٓئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الذين كفروا بايات الله ولقائه تأمل قوله ولقائه مع قوله ﴿مَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ ٱللَّهِ﴾ وكأن أول السورة اشارة إلى حق إلى المؤمن وإلى صفته وإنه يرجو لقاء الله هذا في مقابلة المكذب أولئك يأسوا من رحمتي أي قنطوا من رحمتي والمؤمن لا يقنطوا من رحمة الله لكن هؤلاء ييأس من رحمتي باستحقاقهم العذاب وأولئك لهم عذاب اليم نسأل الله السلامة من فوائد الآيات الاصنام لا تملك رزقا فلا تستحق العبادة طلب الرزق ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من الله الذي يملك الرزق بدء الخلق دليل على البعث دخول الجنة محرم على من مات على كفره الاصنام لا تملك رزقا فلا تستحق العبادة قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ﴾ رزق طلب الرزق ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من الله الذي يملك الرزق قال ﴿فَٱبْتَغُوا۟ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ﴾ بتقديم ما حقه التأخير فاصل الكلام فابتغوا الرزق فابتغوا الله بدء الخلق دليل على البعث قال الله سبحانه أو لم ﴿يَرَوْا۟ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓ﴾؟ وقال ﴿قُلْ سِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا۟ كَيْفَ بَدَأَ ٱلْخَلْقَ ۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْءَاخِرَةَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن الآيتين وان تكذبوا وكذا قول أو لم يروا أنه من تتم قول إبراهيم فجاء بعد ذلك الأمر للرسول ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ سيروا في الأرض لتقرير هذا المعنى أيضًا والعلم عند الله فتكون الجمل المعترضة من بداية هذا والعلم عند الله دخول الجنة محرم على من مات على كفره قال والذين كفروا بايات الله ولقاء أولئك يأسوا من رحمته أي لا ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ نسأل الله السلامة ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ إِنَّ ﴿كُلُوا۟ وَٱرْعَوْا۟ أَنْعَـٰمَكُمْ ۗ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّأُو۟لِى ٱلنُّهَىٰ﴾ لَـَٔايَٰتٍ لقومه يُؤْمِنُونَ وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذْتُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ دُونِ ٱللَّهِ أو ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن﴾ نَّٰصِرِينَ ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قوم إبراهيم له بعد ما أمرهم به من عبادة الله وحده وترك عبادة غيره من الاوثان ﴿إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ﴾ ارموه في النار انتصارا لالهتكم فسلمه ﴿ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ۚ إِنَّ فِى﴾ تسليمه من النار بعد رميه فيها لعبرا لقوم يؤمنون لأنهم هم الذين ينتفعون بالعبر وقال إبراهيم عليه السلام لقومه ﴿أَنَّمَا﴾ اصناما الهة تعبدونها للتعارف والتواد على عبادتها ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ينقطع ذلك التواد بينكم فيتبرأ بعضكم من بعض عند معاينة العذاب ويلعن بعضكم بعضا ومقركم الذي تأوون إليه النار وليس لكم من يمنعونكم من عذاب الله لا من اصنامكم التي كنتم تعبدونها ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا﴾ من غيرها فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ ۘ ﴿۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ۖ إِنَّهُۥ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ووهبنا له إسحاق يعقوب ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ﴾ والكتاب ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ فامن له لوط عليه السلام وقال إبراهيم عليه السلام ﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ﴾ إلى ارض الشام أنه هو العزيز الذي لا يغالب ولا يذل من هاجر إليه الحكيم في تقديره وتدبيره واعطينا إبراهيم إسحاق وابنه يعقوب وصيرنا في أولاده النبوة والكتب المنزلة من عند الله واعطيناه ثواب صبره ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ في الدنيا بصلاح والثناء الحسن وإنه في الآخرة ليجزى جزاء الصالحين لا لا لا ينقص ما اعطي في الدنيا ما أعدَّ له أو ما أعدَّ له من الجزاء الكريم في الآخرة لا ينقص ما اعطي في الدنيا ما أعدَّ له من الجزاء الكريم في الآخرة ولوطا إذ قال قومه إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ﴾ قالوا ﴿ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ قال ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لوطا حين قال لقومه انكم لتأتون الذنب القبيح ما سبقكم إلى الإتيان به أحد من العالمين قبلكم فأنتم أول من ابتدع هذا الذنب هذا الذنب الذي تأباه الفطر السليمة اانكم لتأتون الذكران في ادبارهم لقضاء شهوتكم وتقطعون الطريق على المسافرين فلا يمرون بكم خشية ما ترتكبونه من الفاحشة وتأتون في مجالس الأفعال المنكرة كالعري وايذاء من يمر بكم بالقول والفعل ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومه له بعد نهيه لهم عن فعل المنكرات إلا أن قالوا له ائتنا بعذاب الله الذي تهددنا به أن كنت صادقا فيما تدعين قال لوط عليه السلام داعيا ربه بعد تعنت قومه وطال بهم انزال العذاب عليهم استخفافا به ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ في الأرض بما ينشرونه من الكفر والمعاصي المستقبحة قال الله سبحانه ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هكذا جاء بأسلوب الحصر لم يكن لهم جواب إلا هذا القول اقتلوه أو حرقوه وأنت إذا تأملت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم وجدت أن قولهم في حقيقة الأمر من قبيل الجواب إلا أنه هكذا قيل وذلك لبيانإنهم لم يجدوا جوابا يستطيعون الرد به على الخليل إبراهيم وهذا كشأن الظالمين دوما إذ يقولون ليس أمامك إلا القتل ليس أمامك إلا السجن ليس أمامك إلا كذا كما وقع من فرعون موسى عليه السلام وتقدم بيانه في تفسير سورة الشعراء فهكذا جوابهم ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوا۟ ٱقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ ليست لديهم حجة ولا بينة وإنما الذي رددوه شبهات واهية واعتراف ثم تراجعوا كما تقدم معنا في تفسير في سورة الأنبياء حينما قالوا ما قالوه وبين لهم إبراهيم عليه السلام أن ما قالوه يرد عليهم ﴿ثُمَّ نُكِسُوا۟ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ﴾ فقال لهم قال ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ﴾ أفلا تعقلون إلا أن قالوا قتلوه أو حرقوه أما القتل وأما التحريق والتحريق نوع من أنواع القتل لكنهم رجحوا ذلك لأنه نوع شديد في القتل وتأمل ذلك مع ذكر الفتنة فهذا مناسب في هذا الباب والعلم عند الله فان الفتنة كما تقدم في اطلاقها عرض الذهب على النار وإبراهيم عليه السلام لا نقول أن إطلاق الفتنة علي هو من قبيل الاستعارة التصريحية كما يعبر علماء البلاغة بل أنه في حقيقته كان على الحقيقة والعلم عند الله فإنه وضع في النار حقيقة لا استعارة ومع ذلك انجاه الله واضرب هذا مثلًا بما تقدم في قوله ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ أما هو فقال كما علمنا الله حسبنا الله ونعم الوكيل قال فانجاه الله من النار ﴿إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أن في ذلك يعني في تسليمه من النار بعد رميه فيها لعبرا لقوم يؤمنون وتأمل الآية لم يقل أن في ذلك لاية ﴿أَنَّمَا﴾ لايات ولذلك المتأمل في قصص الأنبياء والمرسلين لا يجدآية واحدة وإنما آيات بل يجد في الموقف الواحد عبرا كثيرة وفوائد جليلة وقال ﴿أَنَّمَا﴾ اتخذت ﴿مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ وقال القائل هو إبراهيم عليه السلام قالوا يحتمل والعلم عند الله أن إبراهيم قال هذا الذي قاله ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يلقى في النار فعودة القصة إلى بدايتها كثيرة في القرآن فتقدم بعض نماذج في القصة أو بعض المواقف على بعض ولذلك تسبق بعض الأحداث بعض وهذا مما يحتاج إلى تدبر في القرآن الكريم حينما يرد في القصص ما يكون خلاف الترتيب في الزمان ويكون ذلك لحكم أو أن يقال كما قال بعض ﴿أَنَّمَا﴾ قال ذلك إبراهيم عليه السلام بعدما انجاه من انجاه الله من النار فقال له مبككا وموبخا وقد نصره الله ﴿أَنَّمَا﴾ اتخذت ﴿مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ نَّٰصِرِينَ وعلى هذا القول فإبراهيم عليه السلام ما زال داعيا إلى الله قبل القائه في النار وبعد خروجه من النار عليه الصلاة والسلام وقال ﴿أَنَّمَا﴾ اتخذت ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ اوثانا وهذا يذكرنا بما قال سابقا قال ﴿أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ قال اتخذتم اصناما الهة تعبدونها للتعارف والتواد على عبادتها ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مَا﴾ الذي حملكم على عبادة الاوثان؟ التقليد؟ هذا موجود من أجل المحبة والتعارف لأنك تعرف أن هذا يحب هذه الاصنام ويعبدها فأنت تريد أن تشابهها لتتقرب تتزلف اليك سبحان ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ هذا فيه تقرير ما سبق من أن الفتنة تأتي من الجهاتين تأتي من جهة المحبة والرغبة وتأتي من جهة الخوف والرهبة وقال ﴿أَنَّمَا﴾ اتخذت ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ دُونِ ٱللَّهِ أَوْثَـٰنًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ ﴿فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ الله يا عباد الله في هذه الأبواب فأنت قد تفتن بسبب حبك المال بسبب حبك الولد بسبب رغبتك في الصدقات وأنت قد تفتن خوفا من عذاب خوفا من ذهاب مال أو خوفا من أو خوفا من ذهاب جاه أو ما أشبه ذلك فابواب الفتن تتعدد من هنا من هناك قال ﴿ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ وقد جاءت آيات كثيرة تبين براءة بعضهم البعض ﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا۟ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا۟ وَرَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ﴾ قال ﴿وَمَأْوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِينَ﴾ نسأل الله السلامة له لوط فامن له لوط عليه السلام ﴿وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ وقوله فامن له لوط هذا تمهيد وبيان لما سيأتي بعده وإن الله سيقص علينا قصة لوط عليه السلام وكأنه يقال لو لم يؤمن بابراه لوط لكفى فقد سجل الله ذكر لوط في القرآن وبين لنا نجاتك والعلم عند الله ﴿وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ على من يعود الضمير في قوله ﴿وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ﴾ ربك القول الأشهر وعليه الجمهور وهو ما اقتصر عليه هنا وقال إبراهيم ﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ﴾ فإن قال قائل أوليس الضمير يعود على أقرب مذكور وأقرب مذكور هو لوط إذا الضمير يعود علي قال قد قيل بذلك بيد أن الاصح والارجع أن الضمير يعود على إبراهيم وان لم يكن أقرب مذكور وذلك لأنه تقدم أن العلماء يذكرون في قواعد الترجيح أن عود الضمير إلى المتحدث عنه أولى ولذلك هم يقولون يعود الضمير على أقرب مذكور ما لم يرد دليل بخلافه ومما ورد الدليل بخلافه أن يعود الضمير على المحدث عنه هذا من جهة والأمر الآخر لأن اتحاد مرجع الظمائر أولى من تفريقها فالضمائر ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ وقال ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومه إلى أن قالوا اقتلوه أو حرقوه من القائل؟ من الضمائر تعود كلها على إبراهيم عيسى؟ ثم ما جاء بعد ذلك ووهبنا له فلو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن قوله وقال اني مهاجر أنها تعود إلى لوط حينئذ هناك تفكيك في عودة ضمائر لأنَّها ستقول ووهدنا له ووهبنا للوط هذا لا يصح إجماعا إذا سنقول تعودوا إلى إبراهيم فادى ذلك إلى تفكك الضمائر وهذا خلاف الظاهر وقوله ﴿۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ ونستعين أيضًا بقاعدة أو نستفيد أيضًا ذلك من قاعدة أخرى وهو أن القول الذي تؤيده آيات قرآنية مقدم على ما ليست له آيات تؤيده أو مقدما مقدم على غير ذلك وعندنا قول الله ﴿وَقَالَ إِنِّى ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾ فهو في معنى قوله ﴿۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ والهجرة إلى الله عز وجل هذا فيه أنها باب من أبواب النجاة من الفتنة ولذلك جاء في آخر السورة المباركة قول الله سبحانه وتعالى يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ﴾ ارضي واسعة فاياي فاعبدون والمعنى أن ارضي واسعة فلِمَ لا تهاجرون إذا كنتم محتاجين إلى الهجرة أو مضطرين إليها؟ قال ووهبنا له إسحاق ويعقوب ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ﴾ لأن اغلب الأنبياء والمرسلين كما قالوا من نسل إسحاق عن ابن إبراهيم وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فجاء من نسل إسماعيل ابن إبراهيم عليهم السلام ﴿وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلْكِتَـٰبَ﴾ أي في ذرية إبراهيم عليه السلام النبوة والكتاب لذلك قالوا الأنبياء بعد إبراهيم جاءوا من نسل إبراهيم عليه السلام والكتاب ما المراد بالكتاب هنا؟ أي الكتب المنزلة؟ ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ كيف أتاه الله اجره في الدنيا؟ قالوا بصلاح الأولاد والثناء الحسن إذا من الأجر في الدنيا أن الله الولد وان يرزقك الذكر الحسن وقد تحقق هذا للخليل إبراهيم عليه السلام قال وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ يجزى جزاء الصالحين بل في اعلى جزاء الصالحين فهو عليه السلام في مقام عظيم وجل عند الرب الكريم سبحانه ثم قال ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾ ٱلْفَٰحِشَةَ ولوطا قالوا أي واذكر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لوطا أو وارسلنا لوطا إذ قال لقومه انكم لتأتون الفاحشة مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ والمراد بالفاحشة اتيان من العالمين اتأتون ذكرانا مِنَ ٱلْعَٰلَمِينَ ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَٰجِكُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ وقد تقدم أن بعض العلماء ذكرإنهم كانوا يأتون بذلك جهارا وعلنا فجمعوا إلى الفاحشة فاحشة أخرى نسأل الله السلام قال ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ لأن مخالفة للفطر قال الله ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ اانكم على سبيل الإنكار فالاستفهام مربي الإنكار والتوبيخ والتقريع لتأتون الرجال أي لتأتون الذكران في ادبارهم لقضاء شهوتكم إذا قال شهوة من دون نساء شهوة يعني من قصد بقصد قصدي التشهد لأن اتيان الرجال لا يفيد ولا ينتج عنه الأولاد كما هو معلوم ولذلك قال وتقطعون السبيل اختلفوا في معنى وتقطعون السبيل فقال بعضهم المراد به كما ذكروا هنا وتقطعون الطريق على المسافرين فلا يمرون بكم خشية ما ترتكبونه من الفاحشة كانوا يقطعون الطريق على فإذا مر بهم مار اجبروه على فعل الفاحشة أو أرادوا فعل الفاحشة معه كذا قال عدد من المفسرين أوإنهم كانوا يقطعون السبيل فيسرقون الناس ويقطعون الطريق ويأخذون ما لديهم من أموال وقال بعضهم معنى السبيل وتقطعون السبيل أي سبيل الانجاب لأنهم حينما يأتون الذكران من العالمين ويتركون النساء فحينئذ يقطعون النسل فقال هنا اانكم ﴿لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ﴾ والعجيب أن الآية أو أن الجملة جاءت هكذا وتقطعون السبيل لتحتمل هذه الاحتمالات كلها وهذا ﴿مِنْ أَىِّ﴾ القرآن الكريم البليغ وكل آيات القرآن الكريم على هذا النحو من البلاغة سواء ما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن فيه أو أن فيه اجازة إذا قررنا أن فيه اطنابا وايجازا خلافا لمن اثبت أنه كله ايجاز كما سبق عن الشيخ العلامة دراز عليه رحمة الله قال ﴿ٱلسَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ﴾ ما معنى في ناديكم؟ يعني في مجلسكم لأن النادي مكان لاجتماع ﴿وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ ٱلْمُنكَرَ﴾ أي الافعال المنكرة كالعري وايذاء من يمر بكم بالقول والفعل وهذا فيه دلالة أنهم كانوا يفعلون ذلك جهرا وعلنا نسأل الله السلامة ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومي تأمل قولهم قوله ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومه كما قال قوم إبراهيم لإبراهيم ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قوم هذا هو الجواب أنه جواب تهديد ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومي إلا أن قالوا إلا أن قالوا ﴿ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ فإن قال قائل جاءت الآية هنا بأسلوب الحصر ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومي إلا أن قالوا اؤتينا بعذاب الله مع أنه جاء في آيات أخرى ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ﴾ قومي إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ ﴿أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ﴾ وهنا قال إلا أن قالوا اؤتينا بعذاب الله فما الذي كان جوابا يقال هذا وذاك؟ والآية ذكرت والآية الأخرى ذكرت شيئًا إلا أن قالوا ﴿ٱئْتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ هكذا يطلبون العذاب لا يطلبون الهداية قال ربي ﴿ٱنصُرْنِى عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾ الذين افسدوا في الأرض ولم يستجيبوا لطاعة الله ولا للايمان بالله لم يستجيبوا للوط عليه السلام في ترك الفواحش من فوائد الآيات عناية الله بعباده الصالحين حيث ينجيهم من مكر اعدائهم فضل الهجرة إلى الله عظم منزلة إبراهيم وآله عند الله تعالى تعجيل بعض الأجر في الدنيا لا يعني نقص الثواب في الآخرة قبح تعاطي في المجالس العامة عناية الله بعباد الصالحين بعبادة الصالحين حيث ينجيه من مكر اعدائهم قال فانجاه الله من النار فضل الهجرة إلى الله قال ﴿وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ عظم منزلة إبراهيم واله عند الله تعالى قال الله سبحانه ﴿وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ﴾ والكتابة ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ تعجيل بعض الأجر في الدنيا لا يعني نقص الثواب في الآخرة قال الله ﴿وَءَاتَيْنَـٰهُ أَجْرَهُۥ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ وهذا فيه أن الإنسان إذا اثني عليه في الدنيا دون طلب منه فان ذلك لا يضره بشيء H0ين الهالكين فسنهلكهم معهم فسنهلكها معهم ولما أن ﴿رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ﴾ ٱلْغَٰبِرِينَ ولما اتت الملائكة الذين بعثناهم لاهلاك قوم لوط لوطا ساءه واحزنه مجيئهم خوفا من خبث قومه فقد جاءته الملائكة في شكل رجال وقومه يأتون ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ دُونِ ٱلنِّسَآءِ وقال له الملائكة لا تخف فلن يصل اليك قومك بسوء ولا تحزن على ما اخبرناك من اهلاكهم أنا منقذوك واهلك من الهلاك ﴿إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ﴾ الباق الهالكين فسنهلكها معهم ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ ﴿مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ لجزم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ وَلَقَد تَّرَكْنَا ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بينة لقومه يعقلون ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ﴾ هَٰذِهِ ﴿ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَـٰٓئِثَ﴾ عذابا من السماء وهو حجارة من سجيل عقابا لهم على خروجهم عن طاعة الله بما يرتكبون من الفاحشة القبيحة وهي اتيان ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ دُونِ ٱلنِّسَآءِ ولقد تركنا من هذه القرية التي اهلكناهاآية واضحة لقوم يعقلون لأنهم هم الذين يعتبرون بالآيات ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ﴾ يا قومي ﴿ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ﴾ ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ﴾ ﴿فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ وارسلنا إلى مدينة اخاهم في النسب شعيبا عليه السلام فقال يا قومي اعبدوا الله وحده وارجوا بعبادتكم اياه الجزاء في اليوم الآخر ﴿وَلَا تُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ بفعل المعاصي ونشرها فكذبه قومه فاصابته الزلزلة فاصبحوا في دارهم ساقطين على وجوههم لصقت وجوههم بالتراب لا حراك بهم وعادوا وثمود وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿مَّسَـٰكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ واهلكنا كذلك عادا قوم هود وثمود قوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وقد تبين لكم يا أهل مكة من مساكنهم بالشحر أو بالشحر من حضرموت والحجر ما يدلكم على اهلاكهم فمساكنهم الخاوية شاهدة على ذلك وحسن لهم الشيطان أعمالهم التي كانوا عليها من الكفر وغيره من المعاصي فصرفهم عن الطريق وكانوا ذوي ابصار بالحق والضلال والرشد والغي بما علمتهم رسلهم لكن اختاروا اتباع الهوى على اتباع الهدى قال الله سبحانه وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قالوا أنا مهلك أهل هذه القرية أنا اهلها كانوا ظالمين قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ قال الله سبحانه ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ﴾ المراد بالرسل هنا الملائكة ارسلهم الله مبشرين لإبراهيم عليه السلام قال وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ والمراد بالبشرى هنا تبشير الخليل إبراهيم عليه السلام ﴿بِإِسْحَـٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَـٰقَ يَعْقُوبَ﴾ كما جاء بيان ذلك موضحا سور أخرى من القرآن الكريم فجاء بيانه في سورة هود كما تقدم قال الله سبحانه وتعالى وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قالوا أنا مهلك أهل هذه القرية أن اهلها كانوا ظالمين إذا نظرت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم إلى هذه الآيات المباركة أو إلى هذه الآية المباركة لم تجد نصا على تلك البشرى وإنما جاء الحديث عنها مجملا بينما فصل القول في هذه البشرى في مواضع أخرى كما في سورة هود وسورة الحجر والذاريات وأما الإهلاك فقد جاء مفصلا هنا وذلك لأن المقام هنا مقام وعيد ومقام بيان أن هؤلاء قد افتتنوا في الدنيا وتقدم معنا أن سورة العنكبوت سورة تتحدث عن المحن وتتحدث عن الفتن والابتلاءات فناسب هذا والعلم عند الله أن يأتي الحديث عن البشرى مجملا وان يأتي الحديث عن الإهلاك مفصلا قال وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قالوا أنا مهلك أهل هذه القرية والمراد بالقرية هنا قرية سدوم قرية قوم لوط عليه السلام أنا مهلك أهل هذه القرية أن أهلها كانوا ظالمين ولذلك جاء قول الله سبحانه وتعالى ﴿يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ﴾ يعني أن إبراهيم عليه السلام ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَٰهِيمَ ٱلرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ ٱلْبُشْرَىٰ يُجَـٰدِلُنَا فِى قَوْمِ لُوطٍ إِنَّ إِبْرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ اواهم منيب يا إبراهيم اعرض عن هذا أنه قد جاء أمر ربك وإنهم اتيهم عذاب غير مردود فالآيات الأخرى تدل على أنهم بشروا إبراهيم عليه السلام أولًا ثم بعدما فرغوا من تبشيره بينوا له أمرهم وإنهم قصدوا إلى قرى قوم لوط لاهلاكها ولذلك جاء مصرحا قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُرْسَلُونَ؟ إلى آخر ذلك مما ورد في هذا الباب ولذلك والعلم عند الله تبارك وتعالى نلحظ يا أيها الإخوة الكرام أن الله لما قال وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قال ولما جاءت لكنه في الآيات التي بعد قال ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ فدخلت كلمة أن حين حدثنا الله سبحانه وتعالى عن مجيء الرسل إلى لوط عليه السلام وجه ذلك والعلم عند الله على ما حرره بعض العلماء أن تفيدوا معنى الاتصال وتفيدوا معنى الجواب على الفعل أعني ترتب جواب لما على فعلي لمة فلما قال الله ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ علمنا أنه ما أن جاءت رسل الله عز وجل إلى لوط عليه السلام ترتبت في وجه لوط خوفا عليهم وحزنا وأما في قوله وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قالوا أنا مهلك أهل هذه القرية لم يرتب قوله قالوا على قوله جاءت على سبيل مباشرة لأنهم ما قالوا له أنا مهلك أهل هذه القرية ابتداء وإنما قالوه بعد أن بشروه فكان بين البشارة وبين الإهلاك فرق وفاصل فلذلك قال وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَٰهِيمَ بِٱلْبُشْرَىٰ قالوا أي بعد أن بشروك أنا مهلك أهل هذه القرية أن أهلها كانوا ظالمين قوله أهلها كانوا ظالمين جملة تعليلية تبين أن هذا الإهلاك له سبب وهو إنهم ظالمون وفي ذلك أن العادل ﴿أَنَّمَا﴾ يعاقب من يعاقب بسبب جرم اقترفه فلا يظلمه فهم يبينون للخليل إبراهيم عليه السلام أن هذه القرية قد وجبت مقت الله وعذابه فلذلك استحقوا الهلاك قال أن أهلها كانوا ظالمين كانوا ظالمين بما يقومون به من فعل الفاحشة ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا ۚ قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾ قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا قال أن فيها لوطا وهو وبذلك قال وهو أعني الخليل إبراهيم عليه السلام قال ذلك من باب الرحمة التي عنده وفيه أن المؤمن يرحم أخاه ويحرص على سلامة أخيه فلما ذكروا قرى قوم لوط ذكر الخليل إبراهيم عليه السلام لوطا عليه السلام قال لهم أن فيها لوطا أي لوط ليس من الظالمين ولوط عليه السلام بريء مما صنعه أولئك فاجابوه هذا ليس بخاف علينا ﴿قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا ۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ ﴿قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن﴾ ولم يقولون نحن أعلم بمن منها لأن لوطا عليه السلام لم يكن في الأصل من قرى قوم لوط أو من سدوم وإنما جاء إليهم رسولا عليه الصلاة والسلام لكنه لما أقام فيهم وسكن بينهم قَالُوا۟ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لننجي وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ لننجينه واهله أي لننقذنه واهله من الهلاك إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ تقدم معنى أن كلمة الغابرين تستعمل بمعنى الباقي وبمعنى الماضي والذاهب فهي كما يقولون من ابو داد هناك كلمات يقال لها من الاضداد أي تستعمل بمعنى وتستعمل بالمعنى المضاد لهذا المعنى فكلمة الغابر يعني الماضي وكلمة الغابر تعني الباقي لكن الأكثرين رجحوا أن المراد بالغابرين هنا أي الباقين لذلك قال النحاس والاكثر في اللغة أن يكون الغابر الباقي والاكثر في اللغة أن يكون الغابر الباقي فما معنى قوله من الغابرين على هذا التوجيه؟ أي من الباقين في العذاب من الباقين في العذاب وكيف كان بقاؤها في العذاب؟ أماإنهم تركوه أنها لما خرجت معهم التفتت فهلكت فلما التفتت فهلكت فكأنها من الباقين لأنَّها لم تستفد شيئًا من التحرك مع لوط واهله عليه الصلاة والسلام قال لنجينه وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ذكر كثيرون أنها كانت تدل على الشر كانت تدل على الشر وتدعو إلى وتدعو الناس أو تعلمهم بمجيء ضيوف إلى لوط عليه الصلاة والسلام وقال بعضهم بل كانت منافقة غير مؤمنة وهذه هي الخيانة فهي خيانة في العقيدة والإيمان بالله أو فيما يتعلق بالإيمان بالله سبحانه وتعالى قال ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ ولما أن جاءت فدخلت أن وذلك لأن ترتب المساء التي حصلت للوط عليه السلام وكذا الضيق ذرعا هذا ترتب على مجيئهم لأنه خشي عليهم وخاف من أن يصيبهم قومه بسوء ولما أن جاءت ﴿لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ سيء بهم مأخوذ من مادة السوء والسوء كل ما يغم الإنسان من الأمور الدنيوية أو الآخروية والمراد هنا أنه ساءه عليه الصلاة والسلام مجيئهم خوفا عليهم وحزنا من أن يصاب ضيوفه بضرر أو باذى ولوط عليه السلام كريم يحب أن يحفظ أن يحفظ ضيوفه لا أن يساء اليهم سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وضاق بهم ذرعا قالوا أي صدرا سِىٓءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا فالمراد بقوله وضاق بهم ذرعا أي وأصله يدل على امتداد وتحرك قال وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ ﴿مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَـٰبِرِينَ﴾ ﴿وَقَالُوا۟ لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ قال عدد من المفسرين ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ علينا لا تخف علينا وهنا قالوا في ساءه واحزنه مجيئهم خوفا عليهم من خبث قومه فقد جاءته الملائكة في شكل رجال وقومه يأتون ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ دُونِ ٱلنِّسَآءِ وقال له الملائكة لا تخف فلن يصل اليك قومك بسوء ولا تحزن على ما اخبرناك على ما اخبرناك من اهلاكهم ولا تحزن على ما اخبرناك من اهلاكهم هذا أحد الأقوال في تعلق في المتعلق بقوله سبحانه ولا تحزن بما يتعلق فقالوا ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ إذا منهم من قال لا تخف علينا يا لوط أنا رسل ربك فلن ي اليك ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ﴾ لن يستطيعون أن يصلوا اليك بسوء هنا قالوا ولا تحزن على ما اخبرناك أو ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ على ما يدبرون ويخططون من ايذاء ضيوفك فايا ما كان الأمر ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ ثم قالوا له أنا ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ﴾ ٱلْغَٰبِرِينَ فبعد أن بينوا له أنه لا يخاف ولا يحزن بعد أن قالوا له ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ طمأنوه وبشروه فقالوا ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ﴾ ٱلْغَٰبِرِينَ وهم بهذا صاروا على الطريقة المعهودة من أن التخلية قبل التحلية فقولهم ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ هذه تخلية لأن الإنسان يخاف ويريد النجاة فإذا سلم مما يخاف فهذا جانب التخلية ثم جانب التحلية والاكرام ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ ﴿مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهْلِ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ﴾ قرية السدوم قرية قوم لوط عليه السلام رجزا من السماء أي عذابا من السماء والمراد به الحجارة من سجيل لما جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍ فقوله رجزا أي عذابا واصل كلمة رجز تدل على معنى الاضطراب والحركة والارتعاش قيل للعذاب رجز لأنه يزعج الناس ويجعلهم في اضطراب إلى أن يزول أمرهم ﴿رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا۟ يَفْسُقُونَ﴾ أي بسبب فسقهم أي بسبب فسقهم فما ظلمهم ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ قال ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بينة أي تركنا من هذه القرية التي اهلكناهاآية بينة أي واضحة لقوم يعقلون قالوا وهذا الذي تركه الله سبحانه وتعالى أما آثار تلك الحجارة أو أما مساكنهم أو بعض الآثار التي بقيت خلفوها وراءهم عبرة للمعتبرين لكن الله سبحانه وتعالى خصص الانتفاع بهذه الآيات بمن يعقل فقال لقومي يعقلون والمراد بقوله لقوم يعقلون أي لقوم ذوي بصيرة لأن العقل يأتي في القرآن الكريم على معنيين يأتي العقل بمعنى الإدراك الذي ينافي الجنون وهذا هو مناط التكليف فبه يصير الإنسان مكلفا وهذا من تكريم الله للإنسان ولذلك قال بعضهم في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ قالوا كرمه بالعقل وأما هذا العقل الذي يشترك فيه عموم الناس إلا من سلبه الله العقل فصار مجنونا فرفع عنه القلم وأما العقل بالمعنى الثاني فهو العقل بمعنى البصيرة وهو ما نسميه بعقل الرشد بان يكون رشيدا يستفيد مما تعلم ويستفيد مما عرف وعلم ولذلك فإنَّ الله سبحانه وتعالى نفى العقل عن المشركين في مواضع من القرآن الكريم وهنا قد يقول قائل كيف ينفي الله العقل عنهم ثم يحاسبه؟ فيقال أن العقل المنفي هو عقل الرشد وعقل البصيرة وعقل الانتفاع بالحواس وأما العقل المثبت فهو عقل الإدراك الذي صاروا به مكلفين وهم أنفسهم يعترفون بذلك يوم القيامة وقالوا لو كنا نسمع أو ﴿نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىٓ﴾ أَصْحَٰبِ ﴿فَٱعْتَرَفُوا۟ بِذَنۢبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾ قال ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بينة لقوم يعقلون ثم انتقلت بنا السورة المباركة يا أيها الإخوة الكرام إلى قصة أخرى إلى قصة شعيب عليه الصلاة والسلام وتلاحظون يا أيها الإخوة الكرام ايراد قصة لوط عليه السلام هو رمز لفتنة من الفتن وهي فتنة الشهوات فان كثيرًا من الناس يؤتى ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ فتن الشهوات فيدخل في ذلك الافتتان بالنساء فيدخل في ذلك الزنا كما يدخل في ذلك كذلك اللواط وشذوذ الجنسي وما إلى ذلك سلمنا الله وإياكم فهذه كلها من صور الفتن فجاءت هذه القصة لتبين لنا أن العبد ينبغي له أن يحذر من فتن الشهوات ومن الافتتان بهذه الأمور المحرمة المنكرة ثم قال الله جل ذكره وإلى اخاهم شعيبا فقال يا قومي ﴿ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَلَا﴾ تعفوا في الأرض مفسدين وإلى مدين اخاهم شعيبا هنا نص على المرسل إليهم ففي الآيات السابقة قال ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ﴾ ولم يسم القوم وكذلك هنا أهل هذه القرية ولم يسم القرية لكن مديا كانت مشتهرة فلأنهم فلان لهم اسما خاصا ولأن لهم نسبة خاصة حسن مع ذلك أن يذكر الله عز وجل اسمهم فقال ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ﴾ يا قومي اعبدوا الله ورجل يوم الآخر قوله وإلى مدين قال كثيرون أي وارسلنا وهذا ما صنعوه هنا فقدروا وارسلنا إلى مدين اخاهم شعيبا فقال يا قوم وقوله اخاهم أي اخاهم في النسا اخاهم في النسا فقال يا قومي اعبدوا الله وارجوا ﴿ٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فقال يا قومي ﴿ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱرْجُوا۟ ٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ﴾ ما معنى قوله وارجوا اليوم الآخر؟ قالوا هنا وارجو بعبادتكم اياه الجزاء في اليوم الآخر أي ارجوا باعمالكم اليوم الآخر تقربوا إلى الله سبحانه وتعالى حتى تسعدوا في اليوم الآخر فهذا من معاني قوله وارجوا اليوم الآخر وقال بعض العلماء افعلوا ما ترجون أنتم ترجون الجنة فافعلوا ما يقتضي وصولكم إليها أو ما يجعلكم من أهلها قال وارجوا اليوم الآخر ومن العلماء من فسر جاء بالخوف كما هو مشهور في تفسير الرجاء بالخوف في مواضع كثيرة من القرآن فيكون المعنى وخافوا ٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ لا تتمادوا في الأرض بالفساد ﴿وَلَا تَعْثَوْا۟ فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى﴾ دار جاثمين قوله فكذبوه قد يقول قائل ما وجه ذكري فكذبوه بعد الأوامر التي ذكرها الله قبلك فإنه من المعلوم أن التصديق والتكذيب ﴿أَنَّمَا﴾ يكون مع الأخبار والذي مضى أوامر والاوامر من قبيل الانشاء فلا تصدق ولا تكذب فإذا قال لك قائل افعل أو لا تفعل فهذا لا يقال له صدقت أو كذبت ﴿أَنَّمَا﴾ يقال صدقت أو كذبت لمن أخبر بخبر أجيب عن ذلك بان يقال أن كلام شعيب عليه السلام يتضمن اخبارا وقد جاء التصريح بها في مواضع أخرى وكذلك يدل السياق فان قوله يا قومي اعبدوا الله لماذا اعبدوا الله؟ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرُهُۥٓ كما جاء التصريح به في مواضع فهو يخبر بأنه لا إله إلا الله فهم يكذبونه في ذلك الذي أخبر به وكذلك قوله وارجوا اليوم الآخر فيه أنه يقول لهم هناك يوم آخر وهناك القيامة فهم يكذبون بتلك الأخبار التي أخبر بها شعيب عليه الصلاة والسلام قال فكذبوه أي فيما اخبرهم به ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا۟ فِى دَارِهِمْ جَـٰثِمِينَ﴾ فأخذتهم الرجفة قالوا هنا فاصابتهم الزلزلة فاصابتهم الرجفة قالوا الزلزلة وبعض العلماء يقولون أن الملك لما صاح بهم أن الملك لما صاح بهم رجفت بهم الأرض ورجفت قلوبهم ورجفت قلوبهم وخرجت ارواحهم من ابدانهم أو خرجت نفوسهم من ابدانهم تأملوا هنا قال فأخذ الرجفة وفي بعض المواضع قال فأخذتهم الصيحة فلذلك حاولوا الجمع بين العقوبتين فقالوا أن جبريل أو أن الملك لما صاح بهم رجفت الأرض بهم فحينئذ حدثت الصيحة وحدثت الرجفة وأيضًا رجفت قلوبهم رجفت بهم وأيضًا رجفت بهم قلوبهم وهلكوا قال فاصبحوا في دارهم فاصبحوا في دارهم جاثمين لا يتحركون بل هم جثث هامدة ثم قال الله سبحانه وعادوا وثمود وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿مَّسَـٰكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَعْمَـٰلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ وعادوا وثمودا وعادوا وثمودا أي واهلكنا عادوا وثمودا كما قدروا هنا في التفسير فقالوا واهلكنا كذلك عادا قوم هود واستفيد هذا التقدير من السياق لأن الله قبلها قال فكذبوه فأخذتهم الرجفة رجفة هلاك فقوله عادا وثمود أي وأهلك الله عادا وثمود وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّسَٰكِنِهِمْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّسَٰكِنِهِمْ أي وقد تبين لكم يا أهل مكة من مساكنهم ما يدل على اهلاككم فأنتم تعرفون تلك المساكن وانكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون فهذه الديار تمرون عليها وتشاهدونها وتعرفونها فلكم فيها آيات قال الله وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّسَٰكِنِهِمْ ثم قال وزين لهم الشيطان أعمالهم ﴿تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَـٰكِنِهِمْ﴾ ما يكون شاهدا على هلاكهم فهلا اعتبرتم؟ قال وزين لهم الشيطان أعمالهم ما الذي اضلهم؟ وما الذي اغواهم؟ الشيطان فقال وزين لهم فنسب التزيين إلى الشيطان لأنه المباشر له ولأنه سببه قال فصدهم عن السبيل عن الصراط المستقيم اضلهم وكانوا مستبصرين ما معنى وكانوا مستبصرين؟ قالوا هنا فصرفهم عن الطريق المستقيم وكانوا ذوي ابصار بالحق والضلال والرشد والغيب بما علمتهم رسلهم لكن اختاروا اتباع الهوى على اتباع الهدى إذا وكانوا مستبصرين يعني يعلمون الحق من الباطل يميزون الحق من الباطل يعلمون الغي يعلمون الرشد والغي الهدى والضلال لكن ليس كل من علم يعمل بما علم فالمعنى وكانوا مستبصرين أي عارفين بالحق لكنهم لم يتبعوه ويشهدوا لهذا المعنى قوله وتعالى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ فهذه الآية ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّوا۟ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ﴾ تفسروا هذه الجملة وهي قوله وكانوا مستبصرين أي دلهم الله على الطريق المستقيم فعرفوا لكنهم اثروا ولم يتبعوه ومن أهل العلم من قال وكانوا مستبصرين أي كانوا مستبصرين معجبين بالدنيا فهم يفرحون بالدنيا وبتقدمهم فيها وبما أوتوا من قدرة ومن بناءات شامخة وما إلى ذلك فقالوا هذا معنى وكانوا متبصرين ولعل الأول اظهر والعلم عند الله تبارك وتعالى نعم من فوائد الآيات قوله تعالى وقد تبين تدل على معرفة العرب بمساكنهم تدل على معرفة العرب بمساكنهم واخبارهم العلائق البشرية لا تنفع إلا مع الإيمان الحرص على امن الضيوف من الاعتداء عليهم وسلامتهم من الاعتداء عليهم منازل المهلكين بالعذاب عبرة للمعتبرين العلم بالحق لا ينفع مع اتباع الهوى وايثاره على الهدى قوله تعالى وقد تبين تدل على معرفة العرب بمساكنهم واخبارهم نعم وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ مَّسَٰكِنِهِمْ فالعرب يعرفون تلك الأخبار وقد وصلتهم ولذا ذكرها الله في القرآن فهو يذكرهم بما يعرفون وبما لا يغيب عنهم لكنهم لا يتعظون ولا يتأملون العلاء ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ بشرية لا تنفع إلا مع الإيمان ووجه ذلك أن امرأة لوط لم تنتفع بلوط عليه والسلام مع أنه رسول من رسل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ لذلك قالوا أن امرأته كانت من الغابرين الحرص على امن الضيوف وسلامتهم من الاعتداء عليهم فهو حريص عليه الصلاة والسلام على ذلك وظهر هذا جليا واضحا إذ قال وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِىٓءَ بِهِمْ ضاق بهم ذرعا فما وقع له هذا إلا بسبب حرصه وخوفه عليهم منازل المهلكين بالعذاب عبرة للمعتبرين قال الله ﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بينة لقوم يعقلون العلم بالحق لا ينفع مع اتباع الهوى وا على الهدى قال الله فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُوا۟ مُسْتَبْصِرِينَ فالإنسان إذا كان عالما ولم يستفد من علمه فان علمه يضره لذلك ما كل علم ينتفع به الإنسان ونسأل الله أن يرزقنا العلم النافع ونعوذ به من علم لا ينفع نعم ﴿وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ﴾ ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون واهلكنا قارون لما بغى على قوم موسى بالخسف به وبداره واهلكنا فرعون ووزيره هامان بالغرق في البحر ولقد جاءهم موسى بالآيات الواضحات الدالة على صدقه فاستكبروا في ارض مصر عن الإيمان به وما كانوا ليسلموا أو ما كانوا ليسلموا من عذابنا بفوتهم لنا فأخذنا كلا من المذكورين سابقا بعذابنا المهلك فمنهم وملوطن الذين ارسلنا ﴿عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ منضود ومنهم قوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ وقوم شعيب الذين اخذتهم الصيحة ومنهم قارون الذي خزفنا به وبداره الأرض ومنهم قوم نوح وفرعون وهامان الذين اهلكناهم بالغرق ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ باهلاكهم بغير ذنب ولكن كانوا يظلمون أنفسهم بارتكاب المعاصي استحقوا العذاب مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ مثل المشركين ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ اصناما يعبدونهم رجاء نفعهم أو شفاعتهم ﴿كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ يحميها من الاعتداء عليها وان اضعف البيوت لبيت العنكبوت فهو لا يدفع عنها عدوا وكذلك اصنامهم لا تنفع ولا تضر ولا تشفع لو كان المشركون يعلمون ذلك لما اصناما يعبدونها ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ وَتِلْكَ﴾ ٱلْأَمْثَٰلُ نَضْرِبُهَا ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ﴾ خلق الله السماوات الأرض بالحق أن في ذلك لاية للمؤمنين أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يعبدونه من دونه لا يخفى عليه شيء من ذلك وهو العزيز الذي لا يغالب الحكيم في خلقه وتقديره وتدبيره وهذه الامثال نضربها للناس لتوقظهم وت يبصرهم بالحق وتهديهم إليه وما يدركها على الوجه المطلوب إلا العالمون بشرع الله وحكمه خلق الله سبحانه وتعالى السماوات وخلق الأرض بالحق ولم يخلقها بالباطل ولم يخلقها عبثا أن في ذلك الخلق لدلالة واضحة على قدرة الله للمؤمنين لأنهم هم الذين يستدلون بخلق الله على الخالق سبحانه وأما الكافرون فإنهم يمرون على الآيات في الآفاق والانفس دون أن دون أن تلفت انتباههم إلى عظمة الخالق دون أن تلفت انتباههم إلى عظمة الخالق وقدرته سبحانه ﴿ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ اقرأ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول على الناس فيما اوحي أو ما ما أوحى به الله إليك من القرآن واتي بالصلاة على أكمل وجه أن الصلاة المؤداة بصفتها الكاملة تنهى صاحبها عن الوقوع في المعاصي والمنكرات لما تحدثه من نور في القلوب يمنع من اقتراف المعاصي ويرشد إلى عمل الصالح ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ واعظم من كل شيء ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ لا يخفى عليه من اعمالكم شيء وسيجازيكم على اعمالكم أن خيرا فخير وان شرا فشر قال الله سبحانه ﴿وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ ولقد جاء ﴿مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ ﴿وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ أي واهلكنا قارون وفرعون وهامان هكذا يا أيها الإخوة الكرام هذه السورة المباركة تبين لنا صورا من اهلاك الله للظالمين من اهلاك الله للكافرين الفاسق لينتبه العبد وليعلم ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ﴾ النجاة في الإيمان وان الهلاك في الكفران فقال ﴿وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ أي واهلكنا قارون وفرعون وهامان وقد تقدم ذكر قارون قريبا في تفسير سورة القصص إِنَّ قَٰرُونَ ﴿۞ إِنَّ قَـٰرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِنَ ٱلْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلْعُصْبَةِ أُو۟لِى ٱلْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُۥ قَوْمُهُۥ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْفَرِحِينَ﴾ فبغى عليهم فقارون بغى وتكبر وتجبر ﴿وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ قال بعضهم قدم قارون باعتبار شرفه شرف نسبه لأنه من بني إسرائيل فقدم من أجل هذا ثم قدم فرعون على هامان لعلو مرتبة فرعون على هامان وزيره فقدم قائده وهو فرعون فقال ﴿وَقَـٰرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ ۖ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ قالوا ولا يقال أنه رتبه على الادنى فالاعلى لأنه لو كان الأمر كذلك لاخر فرعون لأن فرعون أشد لكنه قدم هنا في الذكر على هامان والعلم عند الله تبارك وتعالى قال ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَـٰتِ﴾ أي بالآيات الواضحات الدالة على صدقه ﴿فَٱسْتَكْبَرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا كَانُوا۟ سَـٰبِقِينَ﴾ وما كانوا سابقين أي وما كانوا ليسلموا من عذابنا بفوتهم لنا وما كانوا سابقين فهم لا يفلتون من عذاب الله سبحانه كما تقدم معنا في أول السورة ﴿أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسْبِقُونَا ۚ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ثم قال الله جل وعلا مجملا ما فقال فكلا اخذنا بذنبه وهذه قاعدة عامة فكلا اخذنا بذنبه أي فأخذنا كلا من المذكورين سابقا بعذابنا المهلك فأنت إذا تأملت في هلاك الأمم السابقة تعلم أن هلاكها ﴿أَنَّمَا﴾ كان بسبب ذنوبها كما قال الله عز وجل فاهلكنا بذنوبهم وكما قال فأخذهم الله بذنوبهم فهلاك الأمم ليس ظلما من الله لهم وإنما بسبب جرمهم بسبب ذنوبهم هم فقال فكلا اخذنا بذنبه فكلا اخذنا بذنبه أي بسبب ذنبه فهذا الذنب هو الذي ادى بهم إلى ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ ومنهم من اغرقنا ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ قالوا هنا فمنهم قوم لوط عليه السلام ارسلنا ﴿عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ ممدود إذا فسروا قوله سبحانه فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا بقوم لوط عليه السلام أو أن شئت فقلهم منهم لأن الله ذكر لنا نماذج وإلا فالأمم المكذبة كثيرة ففي قوله فمنهم من ارسلنا حاصبا إشارة إلى ما وقع لقوم لوط لأن الحجارة قد حصبتهم واهلكتهم فقال ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ وقال بعضهم بل أن الحاصب يدخل فيه أيضًا الريح الشديدة لأن الريح الشديدة تحصدهم أيضًا وتقضي عليهم ولذلك ادخلوا فيها أيضًا هلاك عاد فإذا في قوله ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ يدخل فيه هلاك عاد قوم هود وهلاك قرى قوم لوط عليه الصلاة والسلام قال ابن جزير رحمة الله الحاصب الحجارة والحاصب أيضًا الريح الش ويحتمل عندي أنه أراد المعنيين إذا يحتمل والعلم عند الله أن معنى قوله ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ يدخل فيه عاد ويدخل فيه قرى قوم لوط عليه الصلاة والسلام قال ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ ٱلصَّيْحَةُ﴾ ومن هؤلاء قوم ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ فثمود أهل أهلكهم الله بالصيحة قال ﴿وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ﴾ ومن هؤلاء قارون ومنهم من اغرقنا وقوله ومنهم من اغرقنا يدخل فيه اغراق قوم نوح عليه السلام ويدخل فيه اغراق فرعون ومن معه ففي قوله ومنهم من اغرقن يدخل الفريقان قال ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون هم ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي فاستحقوا العذاب وربي ما ظلمهم والمتأمل يا أيها الإخوة الكرام في القصص القرآني يجد أن الجزاء من جنس العمل وان كل أمة أهلكها الله بعقاب أو بع فإنه كان مناسبا لأعمالهم وكان من جنس أعمالهم وهذا من الباب الجليل والجميل الذي يحتاج إلى مزيد تأمل وتدبر وقد حثنا الله عز وجل عليه فقال ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ﴾ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وتأمل قوله كان لم يقل ماذا عاقب الله ﴿أَنَّمَا﴾ قال كيف كان فمما ينبغي للإنسان أن يتأمله النظر في كيفيات العقوبات وان تلك المثلات أو أن تلك العقوبات جاءت مماثلة لتلك الأعمال والجزاء من جنس العمل وما ظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون وهنا قال ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ثم بعد أن قص الله عز وجل علينا هذه النبذة أو هذه الآيات بعد أن قص الله عز وجل علينا مجموعة من القصص القرآني اتبع ذلك ضرب المثال أو بضرب مثل عظيم وجليل فقال مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ قالوا هنا في المختصر مثل المشرك ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ اصناما يعبدونهم رجاء نفعهم أو شفاعتهم ﴿كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ يحميها من الاعتداء عليها إذا مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ هذا مثل للكفار وعبادتهم غير الله سبحانه وتعالى إلا أن الآية جاءت بأسلوب اوسع فربي قال مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ دون أن يقول ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ الهة فاولياء اوسع دائرة في هذا الباب فمن اتخذ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ الها أو والا غير الله سبحانه وتعالى فهذا المثل ينبهه ويذكره أن كان لديه عقل يتعظ به قال الله ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ فهنا المشبه به هو العنكبوت والمشبه هؤلاء الكفار أو هؤلاء وكذلك ليس المراد تشبيه هؤلاء بالعنكبوت فقط وإنما المراد تشبيه مركب بمركب وهذا أولى في التشبيه كما تقدم بيانه مرارا في مواضع فهنا يشبه الله عز وجل حال هؤلاء حين يصرفون العبادة لغير الله عبادة الله سبحانه وتعالى بحال العنكبوت حين أرادت اتخاذ بيت واتخذت بيتا فكان بيتا هشا وضعيفا وكان بيتا يسهل زواله ويسهل اذهابه فكذلك هؤلاء قد ركنوا إلى ركن غير شديد فهذه الآلهة التي عبدوها وهؤلاء الأولياء الذين اتخذوهم لن ينفعوهم ولم ينفعوهم بشيء فقال ﴿كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ قال ﴿كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ﴾ أي اضعف البيوت لبيت العنكبوت لم لا يدفع عنها عدوا؟ فمن المعروف أن بيت العنكبوت لا يدفع ضرا وكذلك لا يقي من برد ولا يقي من حر ولا يقي من اذى وإنما يصابون وإنما يصابون أو وإنما يصاب هذا البيت باقل شيء فإذا به يذهب وإذا به لا فيكون قال بعض العلماء أن رب العزة سبحانه وتعالى ضرب المثل هنا بالعنكبوت ولما ذكر العنكبوت قال ﴿كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ ولم يقل اتخذ بيتا وقالوا أن كلمة العنكبوت تستعمل مع الذكر والأنثى لكنه لما قال اتخذت عرفنا أن الحديث عن العنكبوت الانثى قالوا وعندنا في واقع الحياة قالوا أن التي تتخذ البيت ﴿أَنَّمَا﴾ هي الانثى ليس الذكر فقالوا أن الذكر العنكبوت مهمته التلق وأما الانثى فهي التي تصنع البيت هي التي تصنعه بنسيج تنسجه من آخر بطنها وقالوا أن ذكرها إذا لقحها قتلته ثم بنت هذا البيت ثم بعد أن تبيض قتلت اولادها أيضًا فلذلك رأى بعض العلماء أن ضرب مثل بيلعنكبوت اتخذت بيتا للدلالة على التفرق وعلى الفساد الاجتماعي وان هذا البيت بيت فيه وهن وفيه ضعف وخلل فماذا تصنع تلك المرأة أو هذه الانثى حين تقتل ذكرها وكذلك حين تقتل اولادها أن هذا فيه المثل لمن عبد غير الله سبحانه بأنه يمزق في اوصاله ويمزق في ارحامه وتمزق حياته ولا يكون في حياة استقرار أو امن أو أمان ولذلك فقد ذهب بعض العلماء إلى أن المثل هنا مجازي وبعض العلماء قال الأصل أنه حقيقي وهو على بابه وسبب ادعاء بعضهم المجاز أو ذهابهم إلى ذلك قالوا أن العلم اثبت أن العنكبوت ينسج خيوطا قوية جدًا هي من أقوى الخيوط فكيف وقد وصفها الله أو قد قال الله هنا وانا أوهن البيوت العنكبوت فأجاب هؤلاء أن الله حدثنا عن البيت ولم يحدثنا عن الخيوط فالوهن هو في البيت وليس في الخيوط وهذا يدل على تمزق هذا البيت وتفرق أصحابه وعدم اجتماعهم على الهدى والرشاد وكذلك المشرك بالله وان كان قويا وان كان ذا لكنه غير مستقر وغير سعيد ومن أهل العلم من قال أن العنكبوت وان كانت خيوطه قوية؟ بيد أن بيته من حيث هو ضعيف وهذا من المثل الذي قرأه العرب ففهموه والقرآن خاإذاً الناس بما يفهمون ونحن إذا اردنا أن نضرب مثالا للبيوت ضربناه بالعنكبوت فإنك إذا وضعت ولو قليلا من الماء على بيت العنكبوت ذاب هذا العنكبوت أو ذهب بيته ولم يبق له أثر فهذا يدل على وهنه وضعفه فلذا جاء المثال بما يعرفه الناس والعلم عند الله تبارك وتعالى وعلى كل فالمت يحدثون عن الإعجاز العلمي يطنبون في الحديث عن هذه الآية الكريمة ولهم فيها كلام طويل معروف في موضعه والعلم عند الله قال الله عز وجل ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ فلو كانوا يعلمون ذلك ما اتخذوا اصناما ﴿أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ رب العالمين ثم قال الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ قالوا أن الله سبحانه وتعالى يعلم ما يعبدون من دونه لا يخفى عليه شيء من ذلك فالله عز وجل يعلم عبادتهم ويعلم ماذا يصنعون يعلم أنها عبادة باطلة وإنهم صرفوا العبادة لغيره سبحانه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ﴾ إذا قوله ما يدعون فسروا الدعاء بالعبادة وتقدم معنى أن الدعاء منه دعاء المسألة ومنه دعاء العبادة إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ سبحانه وتعالى فهو العزيز الذي لا يغلب ولا يقهى وهو الحكيم سبحانه وتعالى فحين يهلكهم وهو غير ظالم لهم عز وجل وبعض العلماء يرى أن ما في قوله إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ﴿أَنَّمَا﴾ هنا نافية فالقول الأول وهو الذي تقدم ذكره ما تكون موصولة أي أن الله يعلم الذي ﴿يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ﴾ فالله يعلم هؤلاء الذين يدعونهم ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ويعلم يعلم تلك الاصنام وأنها لا تنفع ولا تضر ولا تصلح أن تكون إله والمعنى الثاني إِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ أي أن الله عز وجل ﴿يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ﴾ فهم لا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ يعني أن ما يدعونه ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ لا يستحق أن يكون شيئًا لا يستحق أن يكون الها وتكون هذه الآية بهذا المعنى كقوله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾ فقول ﴿وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ﴾ لا يعني لا يتبع فما هناك بمعنى ما لا في آآ النفي ﴿وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن﴾ دونه من شيء ما هناك نافية كما هو معلوم فيآية سورة يونس قالوا وكذلك هنا ومنهم من جوز الاستفهام أن الله يعلم ماذا يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ لكن القول الأول أشهر تلك الأقوال وهو الذي اقتصروا عليه هنا في الم مختصر وهو أن ما موصولة بمعنى الذي أي أن الله يعلم الذي ﴿يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَىْءٍ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ سبحانه وتعالى ثم قال ﴿وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ﴾ وتلك الامثال التي يضربها الله سبحانه وتعالى امثال ضربها الله عز وجل من أجل التعقل ومن أجل العظة ومن أجل الاعتبار فقال وتلك الامثال نضربها للناس كما قال ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ وهنا قال وتلك الامثال نضربها للناس ولذلك قال الله أن الله لا يستحيي أن يضرب ﴿مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً﴾ فما فوقها حينما قال بعضهم يضرب الله المثل بالذباب ويضرب الله المثل بالعنكبوت رد ربي سبحانه وتعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِۦٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ قال وما يعقلها إلا العالم وما يعقلها أي وما يعقلها متبصرا بها فالعقل عقل التبصر وعقل الرشد ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ﴾ وأما غير العالمين فإنهم لا يعقلون ولا يعون ذلك وإنما يقرأون دون أن يعرفون المقصود من هذا المثل ودون أن يحققوا مطلوب الرب سبحانه وتعالى منهم وقد كان بعض السلف إذا قرأ مثلًا من القرآن فلم يفهمه بكى ويقول لأن الله يقول ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ﴾ وانا لم اعقل هذا المثل ولم افهمه فيبكي لأنه ليس في عداد قوله ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ﴾ وقد تقدم معنا يا أيها الإخوة الكرام أن الامثال القرآنية على أنواع فمنها الامثال الصريحة ومنها الامثال كامنة وهناك نوع آخر يسميه العلماء بالامثال المرسلة قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَتِلْكَ ٱلْأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلَّا ٱلْعَـٰلِمُونَ خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ يبين الله سبحانه أنه خلق والأرض بالحق لا بالباطل والحق أن يوحدوه والحق أن يوحده العباد والحق أن يعلموا أن هناك بعثا ونشورا فقال ﴿خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ أي لم يخلقها بالباطل كما قال ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بَٰطِلًا ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وقالوا ﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَـٰعِبِينَ مَا خَلَقْنَـٰهُمَآ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ قال أن في ذلك لاية للمؤمنين أن في ذلك لاية للمؤمنين فالمؤمنون هم المنتفعون وأما غيرهم فإنه لا ينتفع بذلك قال الله سبحانه وتعالى ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ ۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ انتقلت بنا السورة الكريمة لتوجيه الخطاب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يا رسول الله اشتغل بما ينفعك وعلم أمتك ذلك أعظم أو من أعظم ما على المرء أن يتوجه إليه وان يعتني به تلاوة كتاب الله واقام الصلاة فقال ﴿ٱتْلُ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ﴾ كِتَابِ رَبِّكَ قالوا هنا اقرأ على الناس ما أوحى الله به إليك من القرآن وبعض العلماء فسر التلاوة بالاتباع ولذلك التلاوة يقال أن التلاوة تلاوتان تلاوة لفظ وتلاوة معنى فتلاوة اللفظ بحسن قراءة القرآن الكريم وتلاوة المعنى بالعمل بالقرآن الكريم ولذلك قال الجمهور في قوله ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ﴾ قالوا يعني يتبعونه حق الاتباع قال ﴿مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ واقم الصلاة واقم الصلاة أمر باقامة الصلاة ثم بين الله ثمرة الصلاة فقال ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ واقم الصلاة مراعيا اوقاتها وخشوع واركأنها وشروطها إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ فأنت إذا اديت الصلاة على الوجه الصحيح وعلى الوجه التام فإنَّ الله سبحانه وتعالى سيجعلك بتلك الصلاة منتهية ومجتنبا للفحشاء والمنكر أن الصلاة تنهى عن والمنكر قالوا لما تحدثه من نور في القلوب يمنع من اقتراف المعاصي ويرشد إلى عمل الصالحات ومصداق ذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال والصلاة نور فالصلاة نور تنور للإنسان طريقه تنير عقله وقلبه فيبتعد عن المعصية ويبغضها ويقبل على الطاعة ويسعد بها ويعتني بها فقال ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ﴾ والفحشاء قالوا ﴿قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا۟ ٱلْفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فحشه لجميع الناس ففحش وزاد قبحه وأما المنكر فما تستنكره العقول والفطر السليمة فقال أن الصلاة تن عن الفحشاء والمنكر فإن قال قائل نرى بعض المصلين ولا ينتهون عن الفحشاء والمنكر فيجاب عن ذلك بأجوبة منها أنه ما صلى الصلاة التي ينبغي له أن يصليها فإنَّ الله ما قال هنا وصل ﴿أَنَّمَا﴾ قال واقم الصلاة بادائها على الوجه الاكمل والاتم والأمر الثاني أن وجود استثناءات لا يخرم القاعدة فالقاعدة العامة إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ والأمر الثالث أنه ربما فقد شرط الإخلاص والأمر الرابع أن هذا الإنسان سيأتي عليه وقت وستنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر ولذلك لما قيل للرسول الله عليه وسلم أن فلانا يصلي ويسرق قال ستنهاه صلاته يوما ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قالوا ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ واعظم من كل شيء ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي لذكر الله أكبر من كل شيء قال بعض العلماء لما ذكر الله الصلاة والصلاة ذكر لكن الصلاة لها اوقاتها أو الصلاة تكون في بعض الأوقات ولا يكون الإنسان في كل اوقاته في صلاة فعلم الإنسان أن يتوجه إلى الله بالذكر فان الذكر اعم واوسع فقال ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي إذا صليت أيضًا فانك إذا قضيت صلاتك فامامك باب الذكر لذلك قال الله ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ ۚ فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ ۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ وقال بعض العلماء أن قوله أن ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي أن الصلاة فيها فوائد ومن أجل فوائدها فائدتان الفائدة الأولى نهيها عن الفحشاء والمنكر والفائدة الثانية أن فيها ذكر الله وذكر الله أكبر من نهيها عن الفحشاء والمنكر فذكر الله عز وجل في الصلاة أعظم غاية واعظم هدفا واسمى من كونها تنهى عن الفحشاء ﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ وهناك قول قال به بعض المفسرين أي ولذكر الله اياكم أكبر فالأقوال كلها السابقة وغيرها مما لم نذكره تقدير الكلام فيه ولذكركم الله فقوله ولا ذكر الله من إضافة المصدر إلى المفعول إلى ما هو في موضع المفعول وأما على هذا القول الأخير ولذكر الله اياكم فيكون من إضافة المصدر إلى الفاعل أي إذا ذكركم الله فهو أكبر من ذكركم اياه فأنتم إذا صليتم لله فإنَّ الله يذكركم وذكر الله أكبر من اياه قال ﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى من فوائد الآيات أهمية ضرب المثل مثل العنكبوت تعدد أنواع العذاب في الدنيا تنزه الله عن الظلم التعلق بغير الله تعلق باضعف الأسباب أهمية الصلاة في تقويم سلوك المؤمن اهمية ضرب المثل مثل العنكبوت قال الله سبحانه وتعالى ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ﴾ ﴿ٱتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ﴾ تعدد أنواع العذاب في الدنيا قال الله ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنۢبِهِۦ﴾ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا منهم من اخذته الصيحة وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ ٱلْأَرْضَ ومنهم من اغرقنا ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون تنزه الله عن الظلم قال ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون التعلق بغير الله تعلق باضعف الأسباب ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ﴾ اتخذ البيت فنستطيع أن نقول أن هذه الفائدة تبين لنا وجه الشبه ما وجه الشبه في هذا المثل؟ وجه الشبه في هذا المثل بيان أن التعلق بغير الله تعلق باضعف الأسباب كما أن بيت العنكبوت هو أول البيوت هو اضعفها أهمية الصلاة في تقويم سلوك المؤمن أن الصلاة تنهى الفحشاء والمنكر لذلك ينبغي أن ينصح العاصي إذا جاء ليسألنا أو إذا دعوناه إلى الله أن نذكره وان ندعوه إلى الصلاة فإنه إذا استقام على الصلاة فإنه سيستقيم على الطاعة ويترك المعصية بفضل ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ نعم ﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ ﴿إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ﴾ ولا تحاوروا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون ولا تخاصموا اليهود والنصارى بالأسلوب الاحسن والطريقة المثلى وهي الدعوة بالموعظة والحجج البينة إلا الذين ظلموا منهم بالعناد والمكابرات واعلنوا الحرب عليكم فقاتلوهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عيدوا وهم صاغرون وقولوا لليهود والنصارى امنا بالذي أنزل الله إلينا من القرآن وامنا بالذي أنزل اليكم من التوراة والإنجيل والهنا والهكم واحد لا شريك له في الوهيته وربوبيته وكماله ونحن له وحده منقادون متذللون ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ ۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ﴾ هَٰٓؤُلَآءِ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِۦ ۚ وَمَا يَجْحَدُ﴾ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَٰفِرُونَ وكما أنزلنا وكما أنزلنا الكتب على من قبلك أنزلنا عليك القرآن فبعض هؤلاء الذين يقرأون التوراة مثل عبدالله مثل عبدالله بن سلام مثل عبد الله ابن سلام يؤمنون به لما يجدونه من نعته في كتبهم ومن هؤلاء المشركين من يؤمن به وما يكفر بآياتنا إلا الكافرون الذين دأبوهم الكفر والجحود للحق مع ظهوره وما كنت تتلو من إذا بآياتنا إلا الظالمون وما كنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول تقرأ قبل القرآن أي كتاب وما كنت تكتب شيئًا بيمينك لأنك امي لا تقرأ ولا تكتب ولو كنت تقرأ وتكتب لا شك الجهلة من الناس في نبوتك وتذرعوا بأنك كنت تكتب عن الكتب السابقة بل القرآن المنزل عليك آيات واضحات في صدور الذين اعطوا العلم من المؤمنين ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ لأنفسهم بالكفر بالله والشرك به وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَٰتٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّهِۦ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٱلْـَٔايَٰتُ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ م أولم يكفهم ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا ۖ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ وقال المشركون هلا أنزل على محمد آيات من ربه مثل ما أنزل على الرسل من قبله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول لهؤلاء المقترحين ﴿أَنَّمَا﴾ الآيات بيد الله سبحانه ينزلها ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ شاء إلى انزالها وإنما أنا نذير لكم من عقاب الله واضح نذاره أولم يكفي هؤلاء المقترحين للايات إنا أنزلنا عليك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول القرآن يقرأ عليهم أن في القرآن المنزل عليهم لرحمة وعظة لقوم يؤمنون فهم الذين ينتفعون بما فيه فما أنزل عليهم خير مما اقترحوه من نظير ما أنزل على الرسل سابقا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول كفى بالله سبحانه شاهدا على صدقه فيما جئت به وعلى تكذيبكم به ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَـٰمًا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَـٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ويعلم ما في الأرض لا يخفى عليه شيء فيهما والذين آمنوا بالباطل من كل ما يعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ وكفروا بالله المستحق وحده للعبادة أولئك هم الخاسرون لاستبدالهم الكفر بالإيمان قال الله سبحانه ﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ﴾ قولوا امنا بالذي ﴿أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ والهنا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ يا أيها الإخوة الكرام أن السورة الكريمة انتقلت بنا انتقالا آخر انتقلت بنا إلى الحديث عن مجادلة أهل الكتاب وهذا هو العلم عند الله تبارك وتعالى فيه ملحظ دقيق وهو أنه من أعظم الفتن التي تصيب الإنسان ما يتعلق بفتن الشبهات وفتن الشبهات تتأتى من المعاندين ومن المستكبرين على اتباع الحق المبين ومن أشهر هؤلاء اليهود فإنهم يجحدون آيات الله سبحانه وتعالى فلذلك حذرنا الله سبحانه وتعالى من مجادلتهم ﴿إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ﴾ فلذلك وردت هذه الآيات مع أنَّ أهل الكتاب جرى الحديث عنهم غالبًا في السور المدنية لا في السور المكي والحديث عنهم في السور المكية قليل ولكنه هنا جاء بالحديث ليس فقط عنهم ﴿أَنَّمَا﴾ في الحديث عن مجادلتهم وكأن في هذا تعليما للمؤمنين ما الذي عليهم أن يصنعوه؟ حينما يأتون المدينة فهذا من باب الاستعداد ومن باب التهيئة من باب التهيئة لهم فقال ﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ أي ولا تحاوروا ﴿أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ أهل الكتاب اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن قالوا بالأسلوب الاحسن والطريقة المثلى وهي الدعوة بالموعظة والحجج البينة وقال بعضهم بالتي هي أحسن أي أحسن مما يكلمونكم به فكونوا أنتم الأفضل في الخطاب وفي الحديث وفي الأسلوب إلا الذين ظلموا منهم أي إلا الذين ظلموا منهم بالعناد والمكابرة واعلنوا الحرب عليكم فقاتلوكم فقاتلوهم حتى يسلموا أو ﴿يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ هنا قوله إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ قد يقول قائل اوليس أهل الكتاب كلهم ظالمين إلا من امن منهم والله قال ولا جادلوا أهل الكتاب ومن المعلوم أن المجادلة ستكون مع غير المؤمن ومع ذلك قال إلا الذين ظلموا منه فكيف مع أنَّ المجادل في الأصل ظالم؟ قالوا أن قوله إلا الذين ظلموا منهم المراد بالغوا في الظلم فهو وان كان ظالما أعني هذا الكتابي الذي جحد آيات الله إلا أن منهم من يقبل المحاورة ويكون منصفا ويعود إلى رشده ومنهم من يكون ظالما متماديا في غيه فهذا هو المراد بقول إلا الذين ظلموا منهم وقال بعضهم المراد بالذين ظلموا منهم المعاندون أو المحاربون الذين يحاربونكم فحينئذ لا وجه لمجادلتهم فإنه لا يعيدهم عما هم إلا السيف أو إلا أخذ الجزية عنهم ﴿عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾ هذا هو المراد قال إلا الذين ظلموا منه لذلك قال بعضهم إلا الذين ظلموا منهم هنا تقدير أي إلا الذين ظلموا منهم ماذا نصنع معهم يا ربنا؟ فلا تجادلوهم ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ فَلَا﴾ تجادلوهم قال وقال بعضهم أو فجادل لكن ليس بالتي هي أحسن فهذان وجهان ذكرهما بعض العلماء والعلم عند الله قال ﴿وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ﴾ اليكم ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌ﴾ ونحن له مسلمون هذا من الآداب التي يتعلمها الإنسان في وقت المناظرة أو وقت الجدال وهذا فيه أنه لا بأس جدال إذا كان المراد به الوصول إلى الحق لكن هذا له ضوابطه لكن هذا له ضوابطه فإذا كان الإنسان لا يأمن على دينه فإنه لا يولد دينه موارد الخطر والشكوك وعلى هذا يتأتى ما ورد عن سلفنا يرحمهم الله حينما كانوا يمتنعون من مناظرة أهل البدع لأن الواحد منهم كان يخشى على نفسه من أن يفتن في دينه من جهة أو لأنه كان يرى المكابرة من هذا الضال الذي لا يستفيد شيئًا من تلك الموعظة أما إذا رجي الخير من وراء تلك الموعظة وكان المناظر من أهل الحق والعلم وكان يستطيع دفع الشبهات ودرءها فهذا مقام لا بأس به وهو حسن ويشهد له ما جاء هنا في الآية الكريمة فإذا ابيحت مناظرة أهل الكتاب فمناظرة من دونهم من أهل الإسلام من هو أفضل منهم من أهل الإسلام أيسر واسهل والعلم عند الله تبارك وهذا ما صنعه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حين نظر الخوارج لكن على كل هذا الباب له ضوابط وقواعد ينبغي أن تراعى في هذا الباب قال الله وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ اليك هذا من الآداب المهمة التي ينبغي للمناضل أن يراعيها وهو أن يبين القواعد الثابتة التي يسير عليها فأنت إذا ناظرت غيرك لا بد من أصول تراعيها ولابد من قواعد تبين فيها منهجك واصولك التي تسير عليها ﴿وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وفيه من جهة أخرى بيان القواسم المشتركة فإلى هنا واحد والكتب منزلة من عنده سبحانه وتعالى فتعالوا هذا تتفقون عليه لكنكم بعد ذلك تحيدون وتنصرفون عنه فحينئذ يخصمهم أو يستطيع أن يقيم الحجة عليهم يستطيع أن يفحمهم وان يقيم الحجة عليهم والعلم عند الله تبارك وتعالى لذلك المحدد كما يقال مواضع الإجماع والاتفاق ثم ينطلق منها إلى مواضع الاختلاف فنعود إلى الأصول الثابتة والقواعد المتينة قال ﴿وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ﴾ اليكم وتأمل قوله وانزل اليكم لأن الذي أنزل اليكم من عند الله فهو وحي فنحن نؤمن به لكن هم حرفوه وبدلوه والذي حرفوه وبدلوه تحليفهم وتبديلهم تحليفهم وتبديلهم ليس هو المنزل ﴿أَنَّمَا﴾ هو تحريف للمنزل لذلك قال ﴿وَقُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱلَّذِىٓ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ﴾ اليكم وليس الذي جئتم به وإنما الذي أنزل اليكم أنتم الذين حرفتم ﴿وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ أي كما أنزلنا الكتب على من قبلك أنزلنا عليك الكتاب والمراد بالكتاب القرآن ﴿فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ﴾ أي آتيناهم الكتب السابقة بعض هؤلاء الذين يقرأون التوراة مثل عبدالله بن سلام يؤمن به تأمل قولهم هنا في المختصر بعض إذا قول فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ قد يقول قائل وهناك من لم يؤمن فيقال أن المعنى الذين آتيناهم الكتاب أي بعض الذين اتاهم الله الكتاب وقد تقدم معنا أن الذين آتيناهم تأتي كثيرًا في مواضع المدح بخلاف أوتوا فأنها ترد في موضع الذم والعلم عند الله تبارك وتعالى قال فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ لكن ليس بلازمٍ أن تكون كل المواضع التي فيها الذين آتيناهم الكتاب فيها في مقام المدح لكن اقول ورد هذا في بعض المواضع كما صرح بعض العلماء قال ﴿فَٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ ۖ وَمِنْ﴾ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِۦ ومن هؤلاء على من يعود اسم الإشارة هؤلاء؟ قالوا هنا ومن هؤلاء المشركين من يؤمن به ولعلكم تتذكرون يا أيها الإخوة الكرام القاعدة التي ذكرناها والعادة القرآنية التي صرح بها ابن عاشور رحمة الله تعالى من أن اسم الإشارة هؤلاء إذا عاد إلى غير مُشارٍ إليه فإنه يراد به مشرك مكة فهنا قال ومن هؤلاء ولم يُسمِّ لنا مَن هؤلاء؟ فالمراد بهم مشرك مكة كما قال بل متعت هؤلاء واباءهم وكما في قوله سبحانه وتعالى فما لهؤلاء ﴿ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ﴾ حديثه إلى غير ذلك مما ورد في هذا الباب وقد تقدم بيانه في مواضع من كتاب الله سبحانه وتعالى قال ومن هؤلاء من يؤمن بي ومن ﴿يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ ما ﴿يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ الذين دأبهم الكفر والجحود للحق مع ظهوره ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ﴾ • ﴿وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ تقدم يا أيها الإخوة الكرام أن سورة العنكبوت وان كان ربي سبحانه بحمده افتتحها بالحروف المقطعة فإنه لم يتحدث بعدها عن القرآن صراحة بيد أن الله ذكر في هذه السورة حديثا واضحا وجليا عن القرآن الكريم وبين أنه حق وان الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفتري على الله كذبا وها هو بيان هذا في هذه الآيات المباركة فهنا قال ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ﴾ ولا تخطه بيمينك لماذا يدعونإنك تعلمتها القرآن عن غيرك أو اخذته من غيرك أو أنه اساطير الأولين انى لك أن تفعل شيئًا من ذلك أو أن تستفيد ممن سبقك فان الأمر كما قال ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ﴾ ما كنت تقرأ قبلها القرآن من كتاب فهو امي لا يقرأ ولا يكتب وهذه علامة من علامات الصدق عليه الصلاة والسلام فالامية في حقه منقبة وثناء قال ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَـٰبٍ﴾ ولا تخطه بيمينك فأنت لا تقرأ ولا تكتب لذلك اكد هذا بقوله بيمينك إذا لارتاب المبطل إذا لارتاب المبطلون يعني لو كنت تقرأ أو تكتب لارتاب لتشكك أولئك المرتابون لوجدوا ذريعة يتذرعون بها ويقولون أنه قارئ أنه كاتب فاطَّلع على الكتب السابقة وتأمل جمال التعبير القرآني لم يقل الله سبحانه إذا لارتاب الناس ﴿أَنَّمَا﴾ اقال إذا لارتاب المبطلون والمعنى أن هذا الارتياب هو ارتياب وليس ارتياب محق لأنه لا يلزم لا يلزم من كون الرسول يقرأ أو يكتب أن يكون ما جاء به هو من عند الناس لأن القرآن نفسه ينبئ عن أنه ليس من كلام الناس وإنما هو من كلام رب الناس فلو فرضنا أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان قارئا ولم يكن اميا فان هذا لا يعني أنه لم يأت بالقرآن من عند الله لأن القرآن نفسه بما حوى من آيات ودلائل على أن هذا القرآن من عند الله يكفي في هذا الباب والعلم عند الله لذلك قال إذا لارتاب المبطلون فاغلق الله عز وجل عليهم هذا الباب وجعل رسوله اميا لا يقرأ ولا يكتب مع أنَّ القرآن فوق الطاقة وفوق القدرة لكن مع ذلك قطع الله عليهم الباب فجعل رسوله اميا صلوات الله وتسليماته عليه والذي عليه جمهور أهل العلم والذي عليه جمهور أهل العلم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يزل اميا وان الامية في حقه شرف ومنقبة ودلالة على صدق صلى الله عليه وسلم لكن بعض العلماء وهم قلة ذهبوا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام زالت عنه الامية وصار كاتبا يقرأ عليه الصلاة والسلام وبعضهم استدل بهذه الآية فقالوا ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ﴾؟ لم يقل وما كنت تتلو من ﴿أَنَّمَا﴾ قيده بقوله من قبله فمعنى ذلك أنه لا مانع من أن يتلو بعد مجيء القرآن الكريم لكن الجمهور يقولون أن هذا القيد ليس للاحتراز وإنما هو وصف كاشف وصف كاشف هو لبيان الواقع والعلم عند الله تبارك وتعالى قال ﴿بَلْ هُوَ ءَايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ﴾ بل هو أي هو القرآن هو أي القرآن آيات بينات واضحة جليات ﴿فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ﴾ وهذا فيه أن القرآن يحفظ في الصدور ولذلك سمي قرآنا بَلْ ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿ايَـٰتٌۢ بَيِّنَـٰتٌ فِى صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْعِلْمَ﴾ فاهل العلم يحفظونه في صدورهم قال وما يجحد اياتنا إلا الظالمون ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِـَٔايَـٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ لأنفسهم الكافرون بالله سبحانه وتعالى ثم قال وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّهِۦ ۖ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٱلْـَٔايَـٰتُ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ﴿مُّبِينٌ وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ﴾ ءَايَٰتٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّهِۦ ذكر الله سبحانه وتعالى قول المشركين حينما اقترحوا تلك المقترحات التي هي من قبيل التعنت فمع أن القرآن الكريم وهو رسالة ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ إليهم وهو كاف في الدلالة على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم إلاإنهم طلبوا طلبات وأرادوا أمورا هي إلا تعنتات فقال وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبِّهِۦ ۖ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٱلْـَٔايَـٰتُ ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ مُّبِينٌ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم يا رسول الله أي ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهؤلاء المقترحين ﴿أَنَّمَا﴾ الآيات بيد الله ينزلها ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ شاء وليس إلى انزالها فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس هو الذي ينزلها ﴿أَنَّمَا﴾ ينزلها ولذلك علَّم الله نبيه صلى الله عليه وسلم ما ذكر عن جبريل إذا علمه ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ۖ لَهُۥ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ فقال ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ﴿ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ نذير لكم من عقاب الله واضح نذار ففسروا المبين بواضح ومنهم من قال مبين فهو واضح ويبين صلى الله عليه وسلم بما علمه الله عز وجل اللي اياه من هذا الوحي العظيم وتأمل قوله وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَٰتٌ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ربي ثم رد الله ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَـٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَـٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ٱلْـَٔايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ ثم قال ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ يتلى عليهم هذا فيه أن القرآن أعظم من الآيات التي اقترحوها فهم وان طلبوا آيات بصيغة الجمع فقال الله أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ لذلك القرآن آيات القرآن آيات أعني حجج وبراهين ساطعة وقالوا أن معجزة القرآن تختلف عن غالب معجزات الأنبياء والرسل السابقين لأنَّها معجزة عقلية تخاإذاً البصيرة وتخاإذاً العقول وهذا مصداقه في قول الرسول الامين عليه الصلاة والسلام ما من الأنبياء نبي إلا اعطي من الآيات ما مثله امن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا اوحاه الله إلى فارجو اكون أكثرهم تابعا يوم القيامة قال أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ؟ أولم يكفي هؤلاء المقترحين هذا القرآن الذي أنزله الله عز وجل عليك يتلى عليهم هذا الكتاب فهو أعظم الآيات وأجلها فكان ينبغي عليهم أن يكتفوا به وان يعلموا صدقك خلاله أن في ذلك لرحمة أن في ذلك المنزل وهو القرآن لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فالقرآن فيه الرحمة وفيه الذكرى أن في ذلك ﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ قال بعضهم لا رحمة في هداياته وفي معانيه وذكرى كذلك تذكير لهم فالقرآن فيه الرحمات فيه الذكرى بفضل الله لذلك فالقرآن الكريم فريد في أسلوبه وفي نظمه وكذلك بديع في هداياته فكل ذلك من إعجاز القرآن الكريم ثم قال ربي سبحانه ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ أي شاهدا على صدقي فيما جئت به وعلى تكذيبكم وعلى تكذيبكم به يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ فهو العليم بكل شيء سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ والذين آمنوا بالباطل آمنوا بالباطل بالله وعبدوا غيره وتركوا الإيمان بالكتب السماوية أو بالقرآن الكريم قال ﴿وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ وتتذكر بهذا ما ذكر الله سبحانه وتعالى في أول السورة ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ﴾ وقال فليعلمن الله آمنوا وليعلمن المنافقين فهؤلاء سقطوا في الامتحان والاختبار وأما أهل الإيمان فإنهم صدقوا جعلنا الله من الصادقين بمنه وكرمه من فوائد الآيات مجادلة أهل الكتاب تكون بالتي هي أحسن الإيمان بجميع الرسل والكتب دون تفريق شرط لصحة الإيمان القرآن الكريم الآية الخالدة والحجة الدائمة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم مجادلة أهل الكتاب تكون بالتي هي أحسن قال ﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا۟ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْهُمْ﴾ الإيمان بجميع الرسل والكتب دون تفريط شرط لصحة الإيمان قال وقولوا امنا الذي ﴿أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ﴿وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَٰحِدٌ﴾ ونحن له مسلمون القرآن الكريم الآية الخالدة والحجة الدائمة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم قال الله ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ يتلى عليهم أن في ذلك ﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ويستعجل ﴿بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ﴾ لمحيطة بالكافرين يوم يغ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ يستعجلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول المشركون بالعذاب الذي انذرتهم اياه ولولا أن الله قدر لعذابهم وقتا لا يتقدم عنه ولا يتأخر لجاءهم ما من العذاب وليأتينهم فجأة وهم لا يتوقعون يستعجلونك بالعذاب الذي وعدتهم اياه وان جهنم التي وعدها الله الكافرين لمحيطة بهم لا يستطيعون الفرار من عذابها يوم يغطيهم العذاب من فوقهم ويكون فراش لهم من تحت ارجلهم ويقول لهم الله توبيخا لهم ذوقوا جزاء ما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ﴾ ﴿أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ الذين آمنوا بي هاجروا من ارض لا تتمكنون فيها من عبادة أن ارضي واسعة فاعبدوني وحدي ولا تشركوا بي احدا ولا يمنعكم من الهجرة خوف الموت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا﴾ وحدنا ترجعون يوم القيامة للحساب والجزاء ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ والذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحات التي تقرب إليه لنسكننهم منازل عالية في الجنة ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ ماكفين فيها أبدًا لا يلحقهم فيها فناء نعم العاملين بطاعة الله هذا الجزاء نعم جزاء العاملين بطاعة الله الذين صبروا على طاعته وعن معصيته وعلى ربهم وحده يعتمدون في جميع أمورهم وإياكم وهو كل الدواب على كثرتها التي لا تستطيع جمع رزقها ولا حمله الله يرزقها ويرزقكم فلا عذر لكم في ترك الهجرة خوفا من الجوع وهو السميع لأقوالكم العليم بنياتكم وافعالكم لا يخف عليه من ذلك شيء وسيجازيكم عليه ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عباد ﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكثر لا يعقلون ولان سألت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول هؤلاء المشركين من خلق السماوات ومن خلق الأرض ومن سخر الشمس والقمر وهما يتعاقبان ليقولن خلقهن الله فكيف يصرفون عن الإيمان بالله وحده ويعبدون من دونه الهة لا تنفع لا تضر الله يوسع الرزق عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ ويضيقه على ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ لحكمة يعلمها هو أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ لا يخفى عليه شيء فلا يخفى عليه ما يصلح أو ما يصلح لعباده من تدبير ولئن سألتهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول ولئن سألت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول المشركين ﴿مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ فانبت به الأرض بعد أن كانت قاحلة ليقولون أنزل المطر من السماء وانبت به الأرض الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول الحمد لله الذي اظهر الحجة عليكم بل الحاصل أن معظمهم لا يعقلون إذ لو كانوا يعقلون لما اشركوا مع الله اصناما لا تنفع ولا تضر قال الله سبحانه ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ سورة الكريمة يا أيها الإخوة الكرام انتقلت بنا إلى الحديث عن الساعة والحديث عن الآخرة وبينت لنا عقيدة المشركين في الآخرة فإنهم متشككون أو منكرون للدار الآخرة ولذلك كانوا يستبطئون وكانوا يستعجلون بعذاب الله سبحانه وتعالى ويتهكمون من النبي صلى الله عليه وسلم فقال ربي ويستعجلونك بالعذاب أي يستعجلك هؤلاء المشركون بالعذاب الذي انذرتهم به ﴿وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ أي لولا أن الله قدر لعذابهم وقتا لا يتقدم عنه ولا يتأخر لجاءهم ما طلبوا من العذاب ولذلك كثر في القرآن الكريم بيان استعجال المشركين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ ومما اجابهم الله به ﴿قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لَّا تَسْتَـْٔخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ فالله عز وجل لا يعجل لعجلتهم بل جعل ليوم القيامة موعدا فقال وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فهم يستعجلون بالعذاب لأنهم يتشككون فيه فهم يظنونإنهم حينما يستعجلون بالعذاب فإنهم بذلك يقرعون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويدفعون دعوته وينكرون ما هو عليه من الحق المبين صلوات الله وتسليماته عليه قال وليأتينهم بغتة أي فجأة وهم لا يشعرون وهم لا يتوقعون يستعجلونك بالعذاب يستعجلونك بالعذاب جاء تقرير هذا وتأكيده هم وان جهنم لمحيطة بالكافرين ولترتيب ما بعده عليه وان جهنم التي وعدها الله لمحيطة بهم لا يستطيعون الفرار من عذابها وان جهنم لمحيطة بالكافرين لذلك لا يستطيعون الفرار منها نسأل الله السلامة ﴿يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يوم يغشاهم العذاب أن يغطيهم العذاب من فوقهم ويكون فراش لهم من تحت ارجلهم فالعذاب يغشاهم من الفوق أي من اعلاهم وكذلك من تحتهم وهذا كقوله سبحانه ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ وكقوله تعالى لهم من فوقهم غلل مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥ يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ فاتقون قال الله ﴿يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ ﴿مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ جمع الله لهم بين نوعي العذاب لأن العذاب نوعان عذاب حسي واخر معنوي فقول ﴿يَوْمَ يَغْشَىٰهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ من فوقهم ومن تحت ارجلهم لماذا؟ عذاب حسي وقوله ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ على سبيل التوبيخ لهم هذا عذاب معنوي وقوله يقول ﴿ذُوقُوا۟ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيه ما تقدم مرارا أن الله عز وجل يعبر بقوله ما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ كثيرًا والمراد بقوله ما كنتم جزاء ما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فعبر عن الجزاء بالعمل نفسه لأن الجزاء من العمل فتقدير الكلام ويقول ذوقوا جزاء ما ﴿كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ثم قال يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ﴾ ارضي واسعة فاياي فاعبدون يذكرهم الله سبحانه وتعالى بان الإنسان إذا امتحن وابتلي فلم يستطع إقامة شعائر دينه فان عليه أن يهاجر حتى يجد المكان الذي يعبد الله عز وجل فيه حتى يجد المكان الذي يعبد الله عز وجل فيه فقال يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ﴾ ارضي واسعة فاياي فاعبدون أي أن ارضي واسعة فهاجروا أن لم تستطيعوا العبادة في مكان من الأماكن فاياي فاعبدون وحد الله سبحانه وتعالى واعبدوه وحده لا شريك له وهذه الآية تذكرنا بما مضى في صدر الآيات الكريمة من بيان ما وقع اه من بعض الناس حينما وقع له الافتتان في شأن هجرته في قوله ومن الناس ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ وامنا ﴿بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ﴾ كعذاب الله وتقدم أن هذه الآية هناك ورد لها سبب نزول ويمكن أن يقال أنها الآية المستثناة من مكية السورة المباركة لما ورد في سبب نزولها فتكون وضعت في هذا المقام إشارة إلى ما سيأتي بعد من أمر الهجرة والعلم عند الله تبارك قال الله عز وجل يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ﴾ ارضي واسعة فاياي فاعبدون قال بعضهم تقدير الكلام فاياي اعبدوا فاعبدوني لأن قوله فاعبدوني استوفى فاعله ومفعوله لأن تقدير الكلام أو أصل الكلام فاعبدوني فقوله فايا له فعل أي فاياي يعبد ثم قال اعبدوني والمعنى اعبدوني اعبدوا الله وحده لا شريك له سبحانه وتعالى وتقدم الحديث عن هذا الأسلوب في قوله تعالى فاياي فارهبون فاياي فاتقون قال الله عز وجل ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ لماذا من الموت لماذا تخافون من الموت؟ لماذا تحرصون على الدنيا الفانية؟ أن العبد عليه أن يترك لله وان يقدم لله سبحانه وان يعلم أنه ميت فليمت على الطاعة هم فليمت على الطاعة لأن يعيش الإنسان في طاعة خير له من أن يعيش في ظنا منه أنه في سعادة وهو في الحقيقة في وهن فقال كل نفس ذائقة الموت وتأمل إذا ذكرت ذكر الموت يذكر هنا معه النفس كل نفس ذائقة الموت لأن بعض العلماء يفرق بين الروح والنفس فيقولون أن الإنسان يكون له نفس وبدن في حالة في حالة اتصال النفس به فإذا خرجت النفس منه قيل لها رح فالروح المراد بها الروح المنفصلة المجردة عن البدن ولذلك في الحديث أن الروح إذا قبض تبعه البصر أي إذا خرجت من جسد الإنسان والعلم عند الله تبارك وتعالى قال ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ الينا ترجعون كل نفس ذائقة الموت لذلك قالوا هنا واحسنوا ولا يمنعكم من الهجرة خوف الموت كل نفس ذائقة الموت وهذا فيه بيان وجه المناسبة لذلك إذا قال قائل ما وجه المناسبة؟ بين قوله كل نفس ذائقة الموت بعد الحديث عن الهجرة قال ولا من الهجرة خوف الموت ولا يمنعك من الهجرة خوف الموت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ ٱلْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة للحساب ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ والذين ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ لنبوئنهم أي لنسكننهم من الجنة غرفا منازل عالية في الجنة ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ هذا فيه أن الإنسان له عمل وله مشيئة وله اختيار ففيه رد على الجبرية ومن ذهب مذهبهم قال وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ يا أيها الإخوة الكرام الآيات عود على بدء فكما أن الله في صدر السورة قال ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِى كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ وقال ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ هنا قال الذين ﴿امَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ وكما جاء في الحديث أن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكب الغابر في الافق من المشرق والمغرب تفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال بلى رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ليتراءون أهل الغرف كما تتراءون الكوكبة الغابرة في الافق من المشرق والمغرب فهذا يدل على أن الناس يتفاضلون يوم القيامة فنسأل الله سبحانه أن يجعلنا من أهل الفردوس الأعلى وكذلك جاء في الحديث أن في الجنة غرفا يرى ظهورها من بطونها وبط من ظهورها قال الله سبحانه ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وفي كثير من الآيات القرآنية يجمع الله بين الأمرين بين الصبر والتقوى ولذلك تقدم معنا في سورة في سورة إبراهيم عليه السلام ما ردده أولئك الأنبياء والمرسل من صبرهم ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ المؤمنون فالإنسان إذا جمع الله له بين الصبر والتوكل كان مفلحا وكان ناجيا وكان سعيدا في الدنيا والآخرة قال ٱلَّذِينَ صَبَرُوا۟ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ومما يعينك على التوكل أن تثق في الله وان تعلم أن الرزق بيد الله لذلك جاء الحديث عن الرزق فقال وكأي ﴿مِّن دَآبَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ٱللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ وفي هذا لفتة والعلم عند الله إلى معنى من المعاني وهو أنه من الفتن التي يفتن بها الإنسان الفتنة في باب الرزق كثير من الناس يفتنون في أبواب الأرزاق فيحملهم هذا الباب على ترك الطاعة وعلى التقاعس عنها وعلى الاجتراء على محارم الله فبين الله سبحانه أن الرزق بيده وإنه يرزق الدواب كلها سبحانه وتعالى قال ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ عجيب أمر هؤلاء المشركين يعتقدون أن الله هو الخالق وإن الله هو الرازق ثم يصرفون العبادة لغيره ولذلك ذمهم الله سبحانه وتعالى وبين تهافت صنيعهم وتناقضهم في أمرهم فقال ولئن ﴿مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾ ليقولن الله قال فانى يؤفكون أي فكيف يصرفون عن الإيمان بالله وحده ويعبدون من دونه الهة لا تنفع ولا تضر وهنا قدروا في التفسير ليقولن خلقهن الله ومنه من يرى أن التقدير الأفضل أن يقال ليقولن الله خلقهن فيقدر الخبر لقوله الله لا أن الله يقع في موقع الفاعل قال الله ليقولن الله ﴿فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾ وقال بعضهم بل أن التصريح جاء هكذا في موضع آخر ليقولون خلقهن العزيز العليم تقدير ما صرح به في موضع آخر أولى وانسب والعلم عند الله تبارك وتعالى ثم قال ربي عز وجل ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ يبين الله حقيقة واضحة وجلية كررها في القرآن في مواضع أنه سبحانه يوسع رزق على ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ويضيق رزق على ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ فهو يوسع رزق لمن يشاء ويضيق الرزق على ﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ كل ذلك بحكمته فيبسط يعني يوسع ويقدر أن يضيق أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ سبحانه وتعالى ثم قال ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا﴾ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ وفي قوله وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا به ﴿ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ دلالة على قدرته وعلى عظيم انعامه وعلى أنه الإله الحق وعلى أن البعث حق ففيه أيضًا هذا المعنى لذلك نسب هذا أن يذكر إحياء ﴿ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ لأن هذا برهان من براهين بعث فهذا مناسب لهذا المقام الذي ذكر الله عز وجل فيه أن هؤلاء يستعجلون بالعذاب قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الحمد لله الحمد لله الذي اظهر الحجة الذي اظهر الحجة واوضح المحجة بل أكثرهم لا يعقلون بل أكثرهم لا يعقلون فيتبصرون لكنهم لم ينتفعوا بالادراك فهو أدراك ناقص هم صاروا مكلفين لكنهم لم يستفيدوا من عقولهم كما قال الله ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن﴾ سفي نفسه قال ﴿لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ نعم من فوائد الآيات استعجال الكافر بالعذاب دليل على حمقه باب من أجل سلامة الدين مفتوح فضل الصبر والتوكل على الله الاقرار بالربوبية دون الاقرار بالالوهية لا يحقق لصاحبه النجاة والإيمان استعجال الكافر بالعذاب دليل على حمقه قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ ٱلْعَذَابُ﴾ ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ﴾ بِٱلْكَٰفِرِينَ ولذلك قال الله ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ﴾ باب الهجرة من أجل سلامة الدين مفتوح بل مطلوب ومرغوب فيه قال الله يا ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ﴾ ارضي واسعة فاياي فاعبدون ولذلك جاء H1ا بما فيها من الشهوات والمتاع الإلهو لقلوب المتعلقين بها ولعب ما يلبث أن ينتهي بسرعة ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ﴾ الحياة الحقيقية لبقائها لو كانوا يعلمون لما قدموا ما يفنى على ما فيكون ولما سجل الله على المشركين تناقضهم بايمانهم بربوبية الله عندما يسألون عن من ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ وكفرهم بالوهياته عندما يعبدون غيره سجل عليهم تناقضا آخر واخلاصهم التوحيد عند الخوف من الغرق وعودتهم للشرك عند امنهم فقال ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فإذا ركب المشركون في السفن في البحر دعوا الله وحده مخلصين له الدعاء أن ينجيهم من الغرق فلما نجاهم من الغرق انقلبوا مشركين يدعون معه الهتهم انقلبوا مشركين ليكفروا بما اعطيناهم من النعم وليتمتعوا بما اعطوا من زهرة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ فسوف يعلمون عاقبتهم السيئة عند يموتون أو لم ﴿يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ أولم يرى هؤلاء الجاحدون لنعمة الله عليهم حين نجاهم الله من الغرق نعمة أخرى هي أنا جعلنا لهم حرما يأمنون فيه على دمائهم واموالهم على حين أن غيرهم تشن عليهم الغارات فيقتلون ويؤسرون وتسبى نساؤهم وذراريهم هم وتنهب اموالهم افبالباطل من الهتهم المزعومة ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فلا يشكروها لله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓ ۚ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ﴾ لا أحد اظلم ممن اختلق على الله كذبا بان نسب إليه شريكا أو كذب بالحق الذي جاء به رسوله لا شك أن في جهنم مسكنا للكافرين ولامثالهم وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ والذين جاهدوا أنفسهم مرضاتنا لنوفقنهم لاصابة الطريق المستقيم وإن الله مع المحسنين بالعون والنصر والهداية قال الله سبحانه ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ لو كانوا يعلمون وما هذه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ إلا له ولعه يحذر الله عباده من الافتتان بالحياة الدنيا فإنه من أعظم الفتن التي يفتتن بها الناس الافتتان بالحياة الدنيا بزخارفها وزينتها ولعبها ولهوها فقال ﴿وَمَا هَـٰذِهِ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَآ إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ فلذلك يشتغل الناس بها وينصرفون عن الطاعة إلا من رحم الله سبحانه وتعالى وما هذه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ إلا له ولعب وقد تقدم يا أيها الإخوة الكرام في بعض المقامات التفريق بين الله وواللعب والعلماء لهم في ذلك أقوال فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أن اللهو يتعلق بالقلب واللعب يتعلق بالجوارح قال الله لهية وقال بعضهم أن الله ويحمل الإنسان يحمل الإنسان على ترك الحق والاعراض عنه وان اللعب يحمل الإنسان على فعل على فعل الباطل فينصرف الإنسان عن الحق باللهو ويقبل على الباطل بالله ﴿وَقِيلَ﴾ غير ذلك قال الله ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ أي لهي الحياة الدائمة الكاملة فمعنى قوله ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ قال بعضهم لهي الحيوان لا الموتان لهي الحيوان لا الموتان لأن الدنيا تفنى والمعنى أن الدار الآخرة هي دار البقاء ولذلك بعض العلماء فسر الدار الآخرة بالجنة فقالوا معنى وان أن الدار الآخرة أي وان الجنة لهي الحيوان أي الحياة الباقية الخالدة المستمرة خلود فلا موت وقد تقدم يا أيها الإخوة الكرام في آخر سورة القصص وهذا من المناسبة بين ختام الصورتين ﴿تِلْكَ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ للمتقين ﴿وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلْءَاخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ﴾ لهي الحياة الحقيقية لبقائها لو كانوا يعلمون لو كانوا يعلمون ما قدموا ما يفنى على ما فيكون قالوا هنا في التفسير ولما سجل الله على المشركين تناقضهم بايمانهم بالربوبية الله عندما يسألون عمن خلق السماوات وكفرهم بالهيته عز وجل عندما يعبدون غيره سجل عليهم تناقضا آخر فالمشركون متناقضون يقولون أن الله هو الخالق ومع ذلك يصرفون العبادة لغيره وكذلك يشركون بالله عز وجل في الرخاء ويؤمنون به أو يدعونه ويخلصون له في الشدة فقال الله سبحانه ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ﴾ مادة الفلك تدل على الاستدارة في الشيء فلعله قيل للسفن فلك لأنَّها تدار لأنَّها تدار في الماء لأنَّها تدار في والفلك يستعمل مع المفرد ومع الجمع كما تقدم قال ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ﴾ أي في السفن دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ما معنى مخلصين له الدين؟ قال بعض العلماء أي دعوا الله مخلصين له الدعاء وهكذا قالوا هنا دعوا الله مخلصين له الدعاء وبعضهم عمم ولم يقتصر على الدعاء ﴿أَنَّمَا﴾ قال دعوا الله مخلصين له العبادة أي اطاعوه واقروا له بالتوحيد واذعنوا له بالإلهية وصرفوا العبادة له وتركوا الهتهم ففسروا الدين بما هو أوسع دائرته من دعاء المسألة وبعضهم قصره على دعاء المسألة قال ﴿دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ﴾ إلى البر إذا هم فلما نجاهم من هذا الخوف ومن الغرق عادوا إلى ما كانوا عليه من الشرك بالله سبحانه وتعالى قال ﴿لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا۟ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ليكفروا بما آتيناهم أي انقلبوا مشركين ليكفروا بما اعطيناهم من النعم إذا ليكفروا بما قالوا أن اللام للتعليل والمعنى انقلبوا مشركين لم؟ ليكفروا بما آتيناهم وهنا قد يقول قائل هم مشركون فكيف يقول ليكفروا؟ وهؤلاء قد اشركوا قالوا المراد بالكفر هنا كفر الأنعام إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا۟ بِمَآ ءَاتَيْنَٰهُمْ بدليل القول بما آتيناهم أي بما آتيناهم من نعم هم مشركون وجاحدون لنعم الله سبحانه وتعالى وليتمتعوا أي وليتمتعوا بما اعطوا من زهرة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ وقال بعضهم أن هذه اللام هي لام العاقبة ليكفروا بما آتيناهم أي ليؤول أمرهم إلى ذلك وليتمتعوا وقد تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في قوله سبحانه ﴿فَٱلْتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ما ذكره الحافظ ابن كثير رحمة الله تعالى من تحرير في لام العاقبة بان هذا باعتبار البشر أو بالنظر إلى البشر وأما بالنسبة لله فهي لام التعليل لأنه يعلم سبحانه وتعالى فقد ال أمرهم لأنهم يجهلون أن أمرهم سيؤول إلى كذا أما هي بالنسبة لله مقدرة قدرها الله فهو فعل ذلك سبحانه وتعالى ليفعلوا كذا وليقع منهم كذا فتكونوا على التعليل على بابها والعلم عند الله وهناك قراءة أخرى متواترة وليتمتعوا بسكون اللام وهي تفيد بذلك وهي تفيد بذلك لام الوعيد كما قال بعضهم فيلام الأمر ولكن المراد بالأمر هنا الوعيد والتهديد كقوله سبحانه وتعالى ﴿ٱعْمَلُوا۟ مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُۥ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وليتمتعوا يعني تمتع كقوله ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ قليلاإنك من أصحاب النار قال فسوف يعلمون فسوف يعلمون عاقبتهم السيئة عندما يموتون ثم قال الله سبحانه ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ يذكرهم الله بنعمه فالإنسان قد يمتحن ويفتتن بسبب الخوف هم وهم قد امنهم الله سبحانه وتعالى وتأمل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأخ الكريم الآية الكريمة فإنها أيضًا قريبة مما ذكره الله هناك في سورة القصص ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا ءَامِنًا يُجْبَىٰٓ إِلَيْهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَىْءٍ رِّزْقًا﴾ ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ لدنه فبين الله سبحانه وتعالى ولكن اكثرهم لا يعلمون قال الله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ فهو يمتن عليهم سبحانه وتعالى بنعمة الأمن والأمان والمعنى الله قد رزقكم والله قد امنكم فجدير بكم أن تؤمنوا بالله رب العالمين وان توحدوا الله عز وجل والا تكونوا من المفتونين ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا ءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ويت الناس من حولهم أي يستلبون أو يؤخذون بسرعة ﴿أَفَبِٱلْبَـٰطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ افبالباطل من الهتهم المزعومة ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فلا يشكرون الله سبحانه وتعالى وتأمل هذه الآية مع قوله ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْبَـٰطِلِ وَكَفَرُوا۟ بِٱللَّهِ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ ثم قال الله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ﴾ ﴿عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓ﴾ ومن اظلم لا أحد ﴿أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓ﴾ فهو مفتري على الله الكذب ﴿أَوْ كَذَّبَ بِٱلْحَقِّ لَمَّا﴾ جاء وتأمل قوله أو كذب بالحق ما أن جاءه الحق إلا وكذب به وكان الحقيق به إذا جاءه الحق أن يقبل عليه وان يؤمن به أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ؟ بلى في جهنم مثوى للكافرين نسأل الله السلام وشتان بين ما في قوله أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـٰفِرِينَ؟ وقوله والذين آمنوا ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ﴾ لنبوءن من الجنة غرفا ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوْ كَانُوٓا۟ ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْإِيمَـٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ ۚ أَلَآ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ خَٰلِدِينَ فِيهَا ﴿نِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ ثم ختم الله السورة المباركة فقال وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ختم الله السورة بالحديث عن المجاهدة كما بدأ السورة بقوله في افتتاحها أو في أوائل وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَـٰهِدُ لِنَفْسِهِۦٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنِ ٱلْعَـٰلَمِينَ لأن السورة سورة الحديث عن المحن والابتلاءات وجهاد والجهاد بانواعه قالوا والذين جاهدوا فينا قال كثيرون والذين جاهدوا فينا أي جاهدوا جهاد النفس قال بعضهم جاهدوا جهاد الاعداء وجاهدوا الكفار على أن الجهاد كما هو معروف شرع بالمدينة النبوية كما هو معلوم ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟﴾ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ والذين جاهدوا فينا ولذلك جاء التعبير القرآني والذين جاهدوا فينا قال بعضهم جاهدوا فينا التعبير بقوله فينا أي في تحقيق مرضاتنا فينا في طاعتنا أو أن «في» بمعنى السببية أي جاهدوا لسببنا ولجهتنا التي امرناهم بها إذا التعبير بقوله والذين جاهدوا فينا أي ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى وجاهدوا لنا إذا جهادهم هم مخلصون فيه جهادهم في الوصول إلى الله سبحانه وتعالى وابتغاء مرضاته وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا تأمل لم يقل لنهدينهم إلى سبلنا ولم يقل لنهدينهم في سبلنا فالهداية تتعدى بالحرف تتعدى باله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍ﴾ مست ﴿أَنَّمَا﴾ قال لنهدينهم سبلنا فلم يعدها بالحرف لتكون اعم وأوسع فمن معاني لنهدينهم سبلنا بان نرشدهم إلى الصراط المستقيم بان نعرفهم به ومن الهداية اعانتهم على العمل به إذا من فوائد الجهاد البصيرة في العلم ومن ف الجهاد البصيرة في العمل بان يكون الإنسان مسددا في علمه موفقا في عمله فالإنسان إذا جاهد نفسه اعلمه الله بعيوبه فترك عيوبه واعلمه الله عز وجل باعدائه فكان حذرا من اعدائه واعلمه الله عز وجل بما عليه أن عليه فإذا به مقبل على الطاعات مدبر عن المعاصي والزلات فقال لنهدينهم سبلنا وتأمل قوله لنهدينهم سبلنا يعني يفتح له الأبواب لذلك قالوا إذا جاهد الإنسان نفسه فإنَّ الله عز وجل يجعله يغلب هواه يغلب نفسه ويتغلب على هواها وكذلك يفتح له أبواب الخير من كل جهة ومن كل باب ولما أضاف السبل إليه جمعها فقال لنهدينهم سبلنا فهي سبل السلام فكلها داخلة في الصراط المستقيم بخلاف السبل الأخرى ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ﴾ فهي سبل الضلال اعاذنا الله منها قال وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا أي لنهدينهم إليها وفيها فشمل المعنيين أي نهديهم إليها ونهديهم فيها أنت تعرف الصراط المستقيم تريد أن تهدى فيه وان تثبت عليه وان تزداد منه فهذا كله من إذا يهديك الله فتعرف الحق ويهديك الله فتعمل بالحق ويهديك الله فتثبت ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ ويهديك الله فتزداد من العمل بالحق ويختم لك باتباع الحق ثم ختم الله فقال ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ لمع المحسنين بالعون والنصر والتأييد فهي المعية والعلم عند الله تبارك وتعالى
من فوائد الآيات لجوء المشركين إلى الله في الشدة ونسيانهم لاصنامهم واشراكهم به في الرخاء دليل على تخبطهم الجهاد في سبيل الله سبب للتوفيق إلى الحق نعم لجوء المشركين إلى الله في الشدة ونسيانهم لاصنامهم واشراكهم به في الرخاء دليل على تخبطهم قال الله سبحانه وتعالى ( فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) فهذا يدل على تخبطهم نسأل الله السلامة ويدل على تناقضهم.
الجهاد في سبيل الله سبب للتوفيق ﴿إِلَى ٱلْحَقِّ ۚ قُلِ ٱللَّهُ﴾ (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) فمن معاني الهداية التوفيق ولذلك ذكر السعدي رحمة الله تعالى أن أحرى الناس بموافقة الصواب أهل الجهاد فالله عز وجل يوفقهم ويسددهم نسأل الله أن يهدينا سواء السبيل وأن يجعلنا من المستقيمين على طاعته وبهذا بفضل الله ومنته نكون قد فرغنا من التعليق على تفسير سورة العنكبوت ونسأل الله الإعانة والتوفيق هذا والله أعلم والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.