سورة الواقعة
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
التعريف بالسورة
سورة الواقعة - مَكيّة-
[مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ] بيان أحوال العباد يوم الميعاد.
قال الشيخ حفظه الله
نعم هذه السورة تسمى بسورة الواقعة، وقد ورد في صدرها ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ (الواقعة: 1) وقد جاء ذكر الواقعة أيضًا في قوله سبحانه ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ (الحاقة: 15) [الحاقة: 15]، والواقعة هي يوم القيامة. وهذا مؤذنٌ بأنّ السورة يدور حديثها عن يوم القيامة، والسورة مكية نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نقل بعض أهل العلم الاتفاق على ذلك. قال ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ (الواقعة: 1) قالوا هنا (من مقاصد السورة بيان أحوال العباد يوم المعاد ) والسورة التي سبقت وهي سورة الرحمن، كما سمعنا دار الحديث في ختامها عن أحوال الآخرة، عن المجرمين وعن حال المتقين الذين خافوا مقام ربهم وبيان الجنان التي جعلها الله - سبحانه وتعالى لهم - ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يتحقق هذا؟ ومتى يكون هذا؟ ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ (الواقعة: 1) فالسورة تبين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ سيكون هذا الجزاء؟ ومتى يدخل أهل النار النار؟ ومتى يدخل أهل الجنة الجنة؟، ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ يكون هذا النعيم للمتقين؟ فحديثها عن يوم المعاد وما يقع فيه وعن انقسام الناس وأحوالهم يوم القيامة. ولذلك قسم الله - سبحانه وتعالى - الناس في صدر السورة إلى ثلاثة أقسام وقسمهم كذلك في آخر السورة إلى ثلاثة أقسام. قال ﴿فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ (الواقعة: 8) وقال هناك في خواتمها: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ (الواقعة: 88) فهذا ذكر لأحوال الناس وذكر لأقسام الناس يوم القيامة. وبين هذا وذاك، بين البدء والختام حدثنا الله عن جزاء المقربين وعن جزاء أصحاب اليمين وعن جزاء أصحاب الشمال ثم عرضت السورة الكريمة لبعض الآيات الدالة على عظيم قدرته واستحقاقه الألوهية ﴿أَفَرَءَيْتُم﴾، ﴿أَفَرَءَيْتُم﴾، ﴿أَفَرَءَيْتُم﴾ كل هذا للدلالة على أنّ الله هو القادر، ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ﴾ وأنّ العباد ينبغي أن يوحدوا الله - سبحانه وتعالى - ولم تخلُ السورة من الحديث عن القرآن الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام ﴿إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: 77) كما سيأتي بيانه بإذن الله تبارك وتعالى.
قال الشيخ حفظه الله
﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ (الواقعة: 1)
نعم. قال الله سبحانه ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ (الواقعة: 1) إذا ظرفية تضمنت معنى الشرط على قول كثير من أهل العلم، وجاء بعدها ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّا﴾ (الواقعة: 4) يعني ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلْوَاقِعَةُ﴾ (الواقعة: 1) جاء البدل منها ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّا﴾ (الواقعة: 4) ثم جاء بعد ذلك ﴿فَأَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ (الواقعة: 8) يعني إذا وقعت الواقعة ماذا سيكون؟ سيكون هناك انقسام الناس، فهناك أصحاب الميمنة، وهناك أصحاب المشئمة وهناك السابقون. وهذا استفتاح من استفتاحات سور القرآن الكريم، بأن تفتتح السورة الكريمة بالشرط أو بالظرف قال هنا إذا وقعت الواقعة والواقعة كما تقدم هي القيامة. وهي واقعة لأنَّها واقعة لا محالة، ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، قالوا هنا في المختصر (لن توجد نفس تكذب بها كما كانت تكذب في الدنيا) إذن ما معنى ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾؟ على هذا التفسير أي : ليس لوقعتها نفسٌ كاذبة، فقوله (كاذبة ) على هذا التفسير صفة لموصوف مقدر، تقديره نفس، يعني ليس لوقعتها نفس كاذبة، ليس هناك نفس تكذب يوم القيامة. ولذلك قال ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق: 22) [ق: 22]، ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا۟ حَتَّىٰ يَرَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ﴾ (يونس: 88) فالجميع يقر أنّ هذا يوم مشهود، وأنّ هذا يوم القيامة. وهناك قول ثان أيضًا في التفسير نذكره لشهرته : ليس لوقعتها يعني ليس لوقعتها كذب ولا تخلف، بمعنى هي واقعة؛ فإذن ليس هناك تقدير وليس هناك كلمة نفس مقدرة؛ ﴿أَنَّمَا﴾ المعنى : ليس لوقعتها كذب ولا تخلف، واقعة، ( وكاذبة ) فاعلة تأتي بهذا المعنى ﴿لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَـٰغِيَةً﴾ (الغاشية: 11) [الغاشية: 11]، يعني لا تسمع فيها لغوًا.
﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنۢبَثًّا﴾
قال ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ (الواقعة: 3) أي : خافضة للكفار الفجار بإدخالهم في النار، ( رافعة ) : للمؤمنين المتقين بإدخالهم في الجنة، إذاً ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ (الواقعة: 3) فهي خافضة لأهل الكفر رافعة لأهل الإيمان، ولذلك الإنسان مهما فاته في الدنيا من رفعة ومن جاه ومن مكانة وسؤدد؛ يقال له إذا كنت قريباً من الله فلا يضرك؛ فإنّه سيأتي اليوم الذي سترفع فيه، يرفعك الله عز وجل فيه يوم تزلُّ الأقدام ويوم يشيب الولدان ويوم يقع ما يقع من أهوال ونسأل الله الثبات والسداد ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ (الواقعة: 3) فكم من شخص كان في الدنيا في رفعة، يصير يوم القيامة في انخفاض وكم من عبد رُئِيَ في الدنيا وهو في انخفاض لكنه يوم القيامة يكون في رفعة ونسأل الله أن يرفعنا وأن يرزقنا الجنان.
قال الله سبحانه ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلْأَرْضُ رَجًّا﴾ (الواقعة: 4) حُرِّكَت تحريكاً عظيماً، قال ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّا﴾ (الواقعة: 5) قالوا هنا في المختصر (فُتِّتَت الجبال تفتيتًا) إذن بُسَّتْ معناها: فُتِّتَتْ، ويشهد لهذا المعنى أن كلمة ( البسيسة ) تطلق على الدقيق الملتوت بالسمن، هكذا كما جاء: فُتِّتَت الجبال تفتيتًا، كما وصف الله الجبال بقوله ﴿وَكَانَتِ ٱلْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾ (المزمل: 14) [المزمل: 14]، ومن معاني البس: أنه سوقها فمعنى ﴿وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسًّا﴾ (الواقعة: 5) يعني : (ساقها سوقًا) بمعنى : أنّه سيرها ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ﴾ (الكهف: 47) فيكون المراد : التسيير، وهذا موجود أيضًا في القرآن الكريم ما يشهد له ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ (النبأ: 20) [النبأ: 20]، وأيضاً من المعاني : أنها قُلِعَتْ من أماكنها ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفًا﴾ (طه: 105) [طه: 105]، ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنۢبَثًّا﴾ (الواقعة: 6) قال الله سبحانه ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنۢبَثًّا﴾ (الواقعة: 6) قالوا في المختصر : يعني (فكانت من التفتيت غباراً منتشراً لا ثبات له)، كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ ﴿كَثِيبًا مَّهِيلًا﴾.
﴿وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًا ثَلَـٰثَةً﴾ (الواقعة: 7)
قسم الله عز وجل الناس إلى ثلاثة أقسام : إلى أصحاب الميمنة وإلى أصحاب المشئمة، وإلى السابقين. نسأل الله أن نكون منهم بمنِّه وكرمِه.
وقوله هنا - سبحانه وتعالى - ﴿مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ (الواقعة: 8) وهناك ﴿مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ﴾ (الواقعة: 9) قالوا هنا في التفسير (ما أعلى وأعظم منزلتهم ) (ما أخسَّ وأسوأ منزلتهم) يعني كأنّ المراد : تَعَجَّبُوا من حال هؤلاء! فأصحاب الميمنة في منزلة عالية وأصحاب المشئمة في منزلة منخفضة وفي سوء حال. وكأن هذا، والعلم عند الله، بيانٌ لما جاء قبله في قوله ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ (الواقعة: 3).
﴿وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًا ثَلَـٰثَةً﴾ (الواقعة: 7)
هنا قوله ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ﴾ كيف أخبر عن السابقين بأنّهم السابقون؟ والأصل ﴿إِلَّا﴾ يخبر عن الشيء بنفسه. يُقال : لكن أحياناً قد يخبر عن الشيء بنفسه للدلالة على عظمته وأنّه ليس أفضل من أن يخبر عنه إلا به. كما يقال في امتداح الرجل :( أنت ) ويكون هذا في مقام الثناء، وقد جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» فجاء الجواب كالشرط ومنه :-
(فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله)؛ فأحيانًا يأتي الخبر أو الجواب مطابقًا للمبتدأ أو للشرط. وهذا يكون في باب المدح، ويكون أيضًا في باب الذم. ولذلك بعدها «وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» فأطلق أي : إلى ما هاجر إليه هذا الخسيس.
لكن في مقام المدح وفي مقام الثناء لا بأس بالتكرار؛ بأن يكون دليلاً على أنّه لا يخبر عنه بأفضل منه والعلم عند الله تبارك وتعالى. فكأننا : (والسابقون) : هم السابقون وليس أفضل من أن يوصف السابقون إلا بأنهم السابقون. أو أن يكون في الكلام تقدير : وهذا ما صنعوه هنا في التفسير فقالوا (والسابقون بفعل الخيرات في الدنيا هم السابقون في الآخرة لدخول الجنة) إذاً معناها والسابقون في الدنيا : هم السابقون في الآخرة. فحينئذ يكون هناك التعلُّق متغايرًا، فهذه تتعلق بشيء، وهذه تتعلق بشيء فيكون هناك تغاير ولا إشكال حينئذٍ، وهما وجهان مشهوران في توجيه هذه الآية ونظائرها والعلم عند الله تبارك وتعالى. جعلنا الله من السابقين بمنه وكرمه.
وقد جاءت آيات كثيرة تدعو إلى الاستباق في فعل الخيرات ﴿فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ ﴿وَفِى ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ﴾ (المطففين: 26) ﴿وَسَارِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (آل عمران: 133) ﴿سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (الحديد: 21) نعم.
قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِى جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ﴾ ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيْهَا مُتَقَـٰبِلِينَ﴾
هنا قال ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (الواقعة: 13) قالوا : (جماعة من هذه الأمة ومن الأمم السابقة وقليل من الناس في آخر الزمان هم من السابقين المقربين).
هنا قوله ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (الواقعة: 13)، ما المراد بالأولين والآخرين؟ بعض العلماء يرى أنّ هذا خاص بالأمّة، يعني الكلام خاص بأمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - فالكلام في قوله ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًا ثَلَـٰثَةً﴾ (الواقعة: 7) تقسيم لأمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، أقسام الناس في هذه الأمة هي هذه الأقسام الثلاثة؛ وعلى ذلك فقوله سبحانه ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (الواقعة: 13) يعني من الجيل الأول جيل الصحابة - رضي الله عنهم - ثم من يتبعهم ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ﴾ ممن يتأخر عنهم.
ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ - وهذا ما اعتمدوه هنا - أنّ قوله ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ (الواقعة: 39) في شأن أصحاب الميمنة، أي أصحاب اليمين، وهذا فيه أن المقربين أقل من أصحاب اليمين؛ لأنّ الثلة : الجماعة الكثيرة، فلما ذكر المقربين قال (ثلة ﴿مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾) : جماعة كثيرة ﴿مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾. وقليل من الآخرين؛ وأما في أصحاب اليمين : فذكر أنهم كثيرون في الأولين وفي الآخرين.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• انقطاع تكذيب الكفار بمعاينة مشاهد القيامة.
• تفاوت درجات أهل الجنة بتفاوت أعمالهم.
قال الشيخ حفظه الله [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ].
• انقطاع تكذيب الكفار بمعاينة مشاهد القيامة : هذا على التفسير الذي ذكروه في قوله (ليس لوقعتها كاذبة) وأن معناه أي ليس لوقعتها نفسٌ كاذبة.
• تفاوت درجات أهل الجنة بتفاوت أعمالهم: ولذلك جعلهم الله قسمين أعني أهل الجنة : أصحاب الميمنة والمقربين. نعم.
قال الشيخ حفظه الله
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ (الواقعة: 17)
نعم. قال الله -سبحانه- ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ (الواقعة: 17) هذه أوصاف مباركة، وصف الله -سبحانه وتعالى- بها نعيم أولئك المقربين في الجنة نسأل الله الكريم من واسع فضله، والقول هنا (مُّخَلَّدُونَ) قالوا في المختصر (لا ينالهم هرم ولا فناء) وهذا تفسير مشهور، في معنى قوله (مُّخَلَّدُونَ) فهم على ما هم عليه من كونهم غلماناً ومن كونهم ولداناً قال الله ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ﴾ (الطور: 24) [الطور: 24] وهنا قال ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَٰنٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ وكذا جاء في سورة الإنسان نظير ذلك،
﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ (الواقعة: 18) قال هنا في المختصر (بأقداح لا عُرى لها ) وهذا معنى الكوب الذي هو مفرد أكواب، وأباريق لها عُرَى وهذه هي الأباريق. إذن هنا قال : ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ (الواقعة: 18) ومعروف الكأس الذي يُشرب فيه الخمر (من معين) ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ﴾ (الواقعة: 19) أيضًا قدم الله ذكر الفاكهة في الذِكْر على لحم الطير كما هو المشهور والغالب حينما يقترن ذكرهما في القرآن الكريم. وقلنا إنّ بعض العلماء استنبط من ذلك فوائد صحية لكنّ المقام مقام الحديث عن نعيم أهل الجنة، وأما فيما يتعلق بطعام أهل الدنيا فاستدل لذلك أيضًا بتقديم المن على السلوى والمنُّ : من جنس ما يتلذذ به، وما يكون إلى الحلوى كالعسل؛ والسلوى : أقرب ما يكون إلى اللحوم كما هو معروف.
وهنا قال الله ﴿مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ (الواقعة: 20) في الفاكهة، وقال ﴿مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ (الواقعة: 21) في لحم الطير فقالوا : ذكر الاشتهاء في لحم الطير هكذا قال بعضهم تعليلًا، والعلم عند الله. قالوا : لأن الجائع يناسبه الاشتهاء، وأما الشبعان فإنه يُقدَّم الفاكهة وحينئذٍ يتخير ما يشاء، فيكون في باب التفكه التخيُّر، وفي مقام أكل اللحم الاشتهاء. وهذا يعني يحتاج إلى مزيد تأمل. والعلم عند الله تبارك وتعالى.
﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأَمْثَـٰلِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ﴾ ﴿جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَـٰمًا سَلَـٰمًا﴾
قال هنا ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَـٰمًا﴾ (الواقعة: 26) قال يعني : (لا يسمعون إلا سلام الملائكة عليهم) قوله هنا ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَـٰمًا سَلَـٰمًا﴾، أي قولًا: سلامًا سلامًا؛ هذا ليس من اللغو ولا التأثيم. لذلك يمكن أن يُقال إن ( إلا ) هنا استثناء منقطع يعني : ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا﴾، وإنما يسمعون قيلًا سلامًا سلامًا ) فقول ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَـٰمًا﴾ (الواقعة: 26) ليست مستثناة من اللغو ولا من التأثيم وإنما من عموم ما يُقال أو ما يُسمَع.
ثم قال ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلْيَمِينِ﴾ (الواقعة: 27)
ثم قال الله ﴿فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ (الواقعة: 28) والسدر المخضود: مقطوع الشوك، والطلح المنضود قالوا (الموز المتراكم ) ولذلك إذا قيل لك أين ذكره في القرآن الكريم؟ فيقال في هذه الآية الكريمة، ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ ﴿وَفَـٰكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً﴾ ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَـٰهُنَّ إِنشَآءً﴾، على ما يعود الضمير؟ على الحور، من أين علم ذلك؟ من ذكر الفرش، ثم ما جاء بعد في الأوصاف ﴿فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا﴾ ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ فقلنا إن ذكر الفرش، كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك في سورة الرحمن، يناسبه ذكر الحور العين، ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ (الواقعة: 37) قال في المختصر (متحببات إلى أزواجهن ) وأترابًا: المتساويات في السن. وهذا من جميل ما يمتدح، فمن جميل ما يمتدح في المرأة أن تكون متحببة إلى زوجها، وهذا معنى (عربًا) قال الله ﴿فَجَعَلْنَـٰهُنَّ أَبْكَارًا﴾ ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ ﴿لِّأَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ ٱلْءَاخِرِينَ﴾ يعني جماعة كثيرة ﴿مِّنَ ٱلْأَوَّلِينَ﴾، وجماعة كذلك كثيرة من الآخرين.
ثم قال ﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ﴾ (الواقعة: 41)
﴿وَأَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصْحَـٰبُ ٱلشِّمَالِ﴾ (الواقعة: 41) نسأل الله السلامة، ﴿فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ (الواقعة: 42)، ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ (الواقعة: 43)، أي دخان أسود ﴿لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ (الواقعة: 44) ما السبب؟ ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة: 45) ما المراد بالحنث العظيم؟ قالوا هنا في المختصر الكفر بالله (كانوا يصرون على الكفر بالله وعبادة الأصنام من دونه عز وجل) إذن هذا معنى الحنث العظيم، وكانوا يصرون على ذلك، مع أن الله أخذ عليهم العهد والميثاق أن يعبدوه وحده لا شريك له.
﴿وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (الواقعة: 47)
﴿وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (الواقعة: 47) قالوا هنا في التفسير -وأحسنوا – (وكانوا ينكرون البعث فيقولون استهزاءً واستبعادًا له) فعلم من ذلك أنّ الاستفهام في قوله ﴿وَكَانُوا۟ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (الواقعة: 47) ما المراد بهذا الاستفهام؟ الاستهزاء والاستبعاد. وهذا كثير فيما يذكره أهل المختصر وهو جيد منهم أنهم قد يبينون المراد بالاستفهام في سياق الآيات الكريمة ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْأَوَّلِينَ وَٱلْءَاخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ نعم
من فوائد الآيات
• العمل الصالح سبب لنيل النعيم في الآخرة.
• الترف والتنعم من أسباب الوقوع في المعاصي.
• خطر الإصرار على الذنب.
قال الشيخ حفظه الله : [من فوائد الآيات]
• العمل الصالح سبب لنيل النعيم في الآخرة : ولذلك دخل أهل الجنة، ويشهد لهذا قوله سبحانه ﴿جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ (الواقعة: 24).
• الترف والتنعم من أسباب الوقوع في المعاصي : ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا۟ قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (الواقعة: 45).
• خطر الإصرار على الذنب : قال الله سبحانه ﴿وَكَانُوا۟ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلْحِنثِ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الواقعة: 46).
قال الشيخ حفظه الله:
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 51)
نسأل الله السلامة والعافية. قوله سبحانه وتعالى ﴿فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ (الواقعة: 55) فسَّروه هنا قالوا في المختصر (فمكثرون من شربه كما تكثر الإبل من الشرب بسبب داء الهيام) وهذا معروف في الإبل فإنها تشرب شربًا ولا ﴿تَكَادُ﴾ ترتوي، بسبب هذا الداء، يعني : أنّكم تشربون ومع ذلك لا تستفيدون، وقد قال الله ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: 29) [الكهف: 29]، وهناك من فسر قوله ﴿فَشَـٰرِبُونَ شُرْبَ ٱلْهِيمِ﴾ (الواقعة: 55) بالأرض التي بها رمل كثيف؛ فمهما وضع عليها من الماء فإنها تحتاج غيره ولا تشبع ولا ترتوي بهذا الماء، والمعنى أنّ الماء الذي يطلبونه ويقولون ﴿أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾ (الأعراف: 50) فحين يشربون الماء لا يجدون رِيًّا وهذا لمزيد العذاب أو للعذاب الذي يلاقونه نسأل الله السلامة.
هذا ﴿هَـٰذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ ٱلدِّينِ﴾ (الواقعة: 56) الأصل في النزل أنّه الضيافة، فإذا كانت هذه الضيافة فماذا بعده؟ وهذا فيه توبيخ وتقريع وتهكم بهم والله أعلم.
﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ ﴿ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ﴾ ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ ٱلْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلْأُولَىٰ فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾
﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ (الواقعة: 58) هذا ردٌ على دعواهم حينما قالوا ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَـٰمًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أَوَءَابَآؤُنَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾ يرد الله عز وجل عليهم، وما المانع؟ وما الذي يحول بين الله وبين البعث؟ أنسيتم أصلكم وأصل خلقكم؟ قال ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ (الواقعة: 57) والذي خلق قادرٌ على أن يبعث، ولذلك هذه السورة الجليلة مع أنَّ فيها وعداً ووعيداً وترغيباً وترهيباً إلا أنّ فيها دلائل وحججاً على إثبات البعث؛ ولذلك سور القرآن الكريم تجد فيها إقناع العقل وإمتاع العاطفة؛ ففي الوقت الذي يتشوق الإنسان إلى الجنة. ويتخوف الإنسان من النار في الوقت أيضًا يقرأ السورة فيجد الحجج والبراهين والإنسان في خطابه للناس وفي كلامه إذا غلّب جانب الترغيب والترهيب لم يتحدث عن خطاب العقل؛ ﴿أَنَّمَا﴾ يكون القائم في حديثه هو الوعد. وإذا تكلم بكلام فيه شيء من خطاب العقل وإثبات الحجج فإنّ الكلام يخرج غالباً جافاً بمنأى عن الترغيب والترهيب هذا دأب الخلق في كلامهم.
وأما كلام الحق سبحانه وتعالى فإنه يجمع بين الجانبين بين اقناع العقل وامتاع العاطفة، وأنت تقرأ السورة الواحدة؛ بل ربما في آية واحدة من آيات القرآن الكريم وهذا عجيب! وهذا من إعجاز القرآن الكريم، وتفوقه على كلام البشر لأنه كلام الله - سبحانه وتعالى -.
جاء هنا ﴿أَفَرَءَيْتُم﴾، ﴿أَفَرَءَيْتُم﴾، ﴿أَفَرَءَيْتُم﴾ وكل هذا للتدليل على قدرة الله وأنّه قادر على البعث وأنه الإله الحق سبحانه وتعالى ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ﴾ (الواقعة: 58) قالوا هنا في المختصر (وما نحن بعاجزين)؛ وأيضاً من المعاني المشهورة، أي : وما نحن بمغلوبين. ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الواقعة: 61) فالذي أنشأكم قادر على إعادتكم كما قال ﴿وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلْأَعْلَىٰ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ (الروم: 27) [الروم: 27].
﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63)
﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63) هنا قالوا في المختصر أي ( أأنتم الذين تنبتون ذلك البذر أم نحن الذين ننبته ) إذن ما معنى الزارعون؟ لأنه قد يقول قائل أوليس الفلاح يزرع؟ فيُقال إنّ معنى قوله ﴿ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُۥٓ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّٰرِعُونَ﴾ (الواقعة: 64) يعني تُنْبِتُون ذلك البذر أم نحن الذين نُنْبِتُه، ليس المقصود مجرد وضع البذر، ولكن مَن الذي يُنبته؟ إنه الله سبحانه وتعالى.
﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (الواقعة: 65) قالوا هنا في المختصر (تتعجبون مما أصابه) ومن معاني التفكه هنا في الآية (تَفَكَّهُونَ) قال بعضهم : يعني : تتلاومون أو تندمون، هذه أيضًا من المعاني التي قيلت في معنى قوله ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾.
﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ (الواقعة: 66) لمعذبون بخسارة ما أنفقناه لها ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (الواقعة: 67) وهذا أيضًا فيه تذكيرٌ بالنعم، إذاً : تجمع هذه الآيات المذكورة بين كونها دلائل على قدرة الله، وكونها نعماً على الخلق وهذا كثير في القرآن الكريم يذكر الله آيات من آياته تجمع بين كونها دلائل على قدرة الله وعظمته وكونها نعماً أنعم الله عز وجل بها على العباد. فهي آية، أي دليل يشهد على وحدانية الله وعظمته وقدرته، وهي نعمٌ ينتفع بها الخلق ولا يستغنون عنها وهذا من فضل الله وكرمه وإحسانه إلى خلقه.
قال ﴿ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ﴾ (الواقعة: 69) أي : من السحاب في السماء أم نحن الذين أنزلناه، وما أحوجنا إلى هذه الأمطار وإلى هذه المياه. فهذا من نعمة الله على عباده وهنا سؤال أوجِّهه إليكم للبحث والمطالعة أنّ الله سبحانه وتعالى لما ذكر الزرع ﴿أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ (الواقعة: 63) فجاءت اللام ولما ذكر الماء قال ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا﴾ (الواقعة: 70) ولم يقل ( لو نشاء لجعلناه أجاجا) فهل من سر في ذكر اللام في الموضع الأول دون الثاني في قوله ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ (الواقعة: 70) ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾، أي هلا تشكرون، وكذلك مضى معنا في قوله - سبحانه وتعالى - ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ (الواقعة: 57) يعني : فهلا تصدقون، فـ«لولا» إذن في هذه المقامات يُراد بها التحضيض والحث على التصديق والشكر.
﴿أَفَرَءَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ﴾ (الواقعة: 71)
تحليل مقارن وربط بين السور
وقد تقدم معنا في سورة يس ﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (يس: 80) ﴿نَحْنُ جَعَلْنَـٰهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ (الواقعة: 73) إذاً من فوائد النار : أنها تُذَكِّر بنار الآخرة، وأنها أيضًا ﴿وَمَتَـٰعًا لِّلْمُقْوِينَ﴾ فيستفيد منها المسافرون. ويستفيد منها أيضًا المقيمون. فالناس يستفيدون من هذه النار في الدفء وإنضاج طعامهم والتسخين بها وما إلى ذلك ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الواقعة: 96) ولذلك قوله للمقوين فُسِّرَ بعدة تفسيرات قالوا هنا للمسافرين ومنهم من قال الجائع الذي لا زاد معه بصفة عامة.
قال الله سبحانه ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلْعَظِيمِ﴾ (الواقعة: 96) نزه الله سبحانه وتعالى عن النقائص وقل سبحان الله. وتقدم أنّ قوله ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ (الواقعة: 96) يتضمن تنزيه الله وأن يردد الإنسان قول سبحان الله. وهذا من أسرار كلمة اسم. يعني لم يقل ( فسبح ربك ) ﴿أَنَّمَا﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِٱسْمِ رَبِّكَ﴾ (الواقعة: 96) فهذا معناه أن تلهج بهذا، وأن تذكر اسم الله وأن تقول سبحان الله أو سبحان ربي العظيم.
﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ (الواقعة: 75) قالوا هنا في المختصر ( أقسم الله بأماكن النجوم ومواقعها) المناسب أن يُقَال : أقسم يعني إذا كنا نفسر على وفق سياق الآيات فهنا رب العزة يقول ﴿فَلَآ أُقْسِمُ﴾ إذن هم إذا أرادوا أن يقولوا إن هذا فيه إثبات القسم فيكون المعنى : فأقسم بأماكن النجوم ومواقعها، لكنهم قالوا : ( أقسم الله ) كأنه إخبار عما يكون والأصل أن يجري التفسير على نسق الآية وهذا مضى في بعض المواضع يجد منهم أحيانًا في التفسير هنا قال ﴿فَلَآ أُقْسِمُ﴾ فيه إثبات القسم، هذا معناه أنّ ( لا ) في قوله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ﴾ ليست نافية وإنما هي لتأكيد القسم، وهذا ما عليه كثيرون.
ولذلك هذا أسلوب متكرر في القرآن الكريم، ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ (القيامة: 1) ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ (البلد: 1) ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ إِنَّا لَقَـٰدِرُونَ﴾ (المعارج: 40) فنقول فيه قولًا مختصرًا يناسب المقام لأنه ربما أتانا أيضًا في مواضع أخرى بإذن الله - تبارك وتعالى-: فقوله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ﴾ كثير من الأئمة يرون أن «لا» هنا لتأكيد القسم، ففيه إثبات القسم وليس نفي القسم، ولذلك قالوا هنا في المختصر (أقسم الله بأماكن النجوم ومواقعها).
ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بل هي (لا ) النافية لكنها نفيٌ لكلام مقدَّر،( لا ) يعني : ليس كما تزعمون من إنكار البعث،( لا ) ليس كما تدعون من كذا وكذا؛ إذًا هي نفي لكلام باطل من أقاويل هؤلاء ثم جاء بعد ذلك (أقسم ).
ولكن هذا رُدَّ عليه، واستُدلَّ لذلك بأنه جاء في بعض القراءات (لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) فجاء بإثبات أنها لام التأكيد التي تدل على إثبات القسم لا على نفيه.
ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ إنّ هذه اللام في قوله - سبحانه وتعالى - (لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) وهنا في قوله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ (الواقعة: 75) فيه إثبات القسم وفيه معنى لطيف : وكأن هذا الأمر ظاهر جليل لا يحتاج إلى قسم؛ ومع ذلك فإنّ الله يُقسِم عليه. فلذلك جمع بينهما فقال (لَآ أُقۡسِمُ) وقالوا هذا كما نقول نحن في تعاملاتنا أحياناً : (أنا لا أريد أن أقسم لك على أنني أحبك وأحرص عليك) وأنت تريد بذلك تأكيد الكلام وأنه لا يحتاج إلى قسم وكأنّه في مقام القسم والعلم عند الله تبارك وتعالى.
على كل في هذا الأسلوب كلام كثير للأئمة؛ لكن الأكثرين من العلماء على أنّ فيه قسم ومما يشهد لهذا أنّ الله قال ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ (البلد: 1) مع أنّه أقسم بهذا البلد في مواضع أخرى ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلْأَمِينِ﴾ (التين: 3) فهذا يفيد أنه قسم وليس نفيًا للقسم، والعلم عند الله.
هنا فسروا : (بمواقع النجوم) : (بأماكن النجوم ومواقعها) ولعلكم تذكرون كما سبق معنا في تفسير قوله ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ (النجم: 1) وقلنا هناك : إنّ من أهل العلم من يُفسِّر النجم بنجوم القرآن الكريم، كذلك هنا منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ (الواقعة: 75) يعني: بتنـزُّلات القرآن الكريم وقالوا هذا المناسب لقوله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ (الواقعة: 75) وهذا هو المناسب للقرآن؛ وأيضًا جاء جواب القسم في قوله ﴿إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: 77).
ومنهم من قال : بل إنّ النجوم إذا أُطلِقتْ فإنّها تنصرف إلى النجوم في السماء، وفيها آيات عظيمة فلا مانع من القسم بها. وأيضاً لربط الناس بالسماء والوحي يأتيهم من السماء فحينئذٍ يكون هذا أيضًا قسماً مقبولاً ولكل قولٍ في هذا وجه. والعلم عند الله - تبارك وتعالى -.
﴿وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (الواقعة: 76) وقوله لو تعلمون : هذه جملة معترضة وفيها تحفيز وتشجيع لهم للعلم والنظر والتأمل ﴿وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (الواقعة: 76)، أي لو تعلمون عظَمته لعلمتم أنه عظيم. أي : وإنّ هذا القسم لو تعلمون عظمه لعظيم.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• دلالة الخلق الأول على سهولة البعث ظاهرة.
• إنزال الماء وإنبات الأرض والنار التي ينتفع بها الناس نعم تقتضي من الناس شكرها لله، فالله قادر على سلبها ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ شاء.
• الاعتقاد بأن للكواكب أثرًا في نزول المطر كفر وهو من عادات الجاهلية.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• دلالة الخلق الأول على سهولة البعث ظاهرة: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَـٰكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾
• إنزال الماء وإنبات الأرض والنار التي ينتفع بها الناس نعم تقتضي من الناس شكرها لله، فالله قادر على سلبها ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ شاء. وهذا واضح في الآيات السابقة: ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَـٰهُ حُطَـٰمًا﴾، ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـٰهُ أُجَاجًا﴾
• الاعتقاد بأن للكواكب أثرًا في نزول المطر كفر وهو من عادات الجاهلية : وهذا سيأتينا بإذن الله تعالى في الآيات المقبلة فلا أدري لِمَ قدَّموه، وحقه التأخير. فحقه أن يكون في الصفحة المقبلة بإذن الله في قوله ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ فالأصل أن يُجعل هذا لاحقًا. نعم. سيتكلمون على الكواكب، هذا اعتقادهم بأن للكواكب أثرًا في وجود المطر؛ لأن الحديث عن سبب نزول ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾. فحقها أن تُؤَخَّر إلى الصفحة المقبلة والله أعلم. نعم.
قال الشيخ حفظه الله:
﴿إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: 77)
﴿إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: 77) هذا هو جواب القسم في قوله ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ (الواقعة: 75) ويؤكد أنّ قوله ( لا ) فيها تأكيد وقسم، وليس نفي القسم قوله ﴿وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٌ﴾ هذا أيضًا يؤكد هذا المعنى ويبيِّن أن «لا» هنا ليست نافية، قال ﴿إِنَّهُۥ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ﴾ (الواقعة: 77)، ثم قال ﴿فِى كِتَـٰبٍ مَّكْنُونٍ﴾ (الواقعة: 78)، قالوا في المختصر: (مصون عن أعين الناس)، والمراد بالكتاب المكنون اللوح المحفوظ.
﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة: 79) الأصل: أنّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور، ما لم يرد دليل بخلافه، وأقرب مذكور لقوله ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ﴾ (الواقعة: 79) هو: الكتاب المكنون؛ لذلك فالمعنى: لا يمس الكتاب المكنون، أي اللوح المحفوظ، إلا المطهرون. أي: الملائكة المطهرون من الذنوب والعيوب. ولذلك قال كثير من العلماء : ليس في الآية دليل على مسألة مس المصحف لغير المتطهر. لكن قال آخرون: إذا كان هذا الشأن في اللوح المحفوظ ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة: 79) فكذلك القرآن الذي أنزله الله - سبحانه وتعالى - ثُمَّ كُتِبَ في المصاحف لا ينبغي أن يمسه إلا المتطهرون؛ فأخذوا هذا من ذاك عن طريق الاستنباط أو الإشارة، كما أومأ إلى ذلك عدد من الأئمة وتفصيل ذلك معروف في الفقه قال ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ (الواقعة: 80)
﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ﴾ (الواقعة: 81)
﴿أَفَبِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ﴾ (الواقعة: 81) أي : مكذبون غير مصدقين ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ يعني : وتجعلون شكر رزقكم فعبر بالرزق هنا والمراد به : الشكر ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 82) المطلوب منكم ﴿إِلَّا﴾ تُكذِّبوا بآيات الله سبحانه وتعالى. وقد ذكروا هنا في المختصر : أنهم ينسبون المطر إلى النوء (فيقولون: مُطِرْنا بنوء كذا وكذا) كما دل على ذلك حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجه الشيخان، حينما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الصبح على إثر سماء كانت من الليل ثم قال : هل تدرون ماذا قال - أي يقول الله تعالى - هل تدرون ماذا قال ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾؟ قالوا :- الله ورسوله أعلم. قال : قال الله تعالى :- «أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ» «فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ»؛ «وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ» ) فهذا وقع من بعض الناس أنهم ينسبون هذه الأمطار إلى نوء كذا ونوء كذا فهذا من التكذيب وعدم شكر الله - سبحانه وتعالى -.
قال ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 82) يعني: هلا إذا بلغت الروح الحلقوم، فقوله ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ (الواقعة: 83) أيضًا لم يذكر ما الذي بلغ الحلقوم؟ والمراد به : الروح، لكن فُهِمَ هذا من السياق أيضاً، وهنا قالوا في المختصر (لما ذكر بعض أدلة البعث أراد أن ينبه على قدرته على الإعادة بالإشارة إلى عجزهم عن دفع الموت، فالذي أمات قادر على أن يحيي) وهذا وجه المناسبة، إذاً هذا من كلامهم النفيس هُنا في بيان وجه المناسبة : بين قوله ﴿فَلَوْلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلْحُلْقُومَ﴾ (الواقعة: 83) وما قبلها من الآيات.
﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ (الواقعة: 84) قالوا : (أقرب إليه منكم) أي : (بعلمنا وقدرتنا وملائكتنا ) أقرب إلى ميتكم منكم ﴿وَلَـٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿فَلَوْلَآ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي: غير محاسَبين ولا مجزيِّين على أعمالكم كما تزعمون؛ لأنّ المُداينة تأتي بمعنى الجزاء، ومنه قيل ليوم الدين : يوم الدين؛ لأنّه يوم الجزاء ﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ (الواقعة: 87).
ثم ذكر الله أقسام الناس :-
﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ (الواقعة: 88)
وقد استدل بعض الأئمة بهذه الآيات على إثبات نعيم القبر وعذابه، قالوا : لأن هذا جاء بعد قبض الروح والذي يكون عقب قبض الأرواح ﴿أَنَّمَا﴾ هو دخول القبر، فيكون في هذا دليل على نعيم القبر وعذابه.
﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ (الواقعة: 89) يعني : فله راحة لا تعب بعدها، ورزق طيب هذا في قوله ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ هناك قراءة أخرى متواترة (فَرُوحٌ وَرَيْحَانٌ) ستكون له هذه الروح الطيبة والريحان وجنة نعيم.
﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ (الواقعة: 90) قالوا في المختصر أي ( وأما إن كان الميت من أصحاب اليمين فلا تهتمّ لشأنهم، فلهم السلامة والأمن ) هذا على أحد الأقوال في قوله سبحانه وتعالى ﴿فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾ (الواقعة: 91) بعض العلماء يقول : فسلام لك - أنت - من أصحاب اليمين. فكأن هنا تقديرًا : وَأَمَّآ ﴿وَإِذْ قَالُوا۟ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلْيَمِينِ فَسَلَٰمٌ لَّكَ أنت من أصحاب اليمين، يعني: ﴿فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ﴾.
قالوا : من الملائكة أو من غيرهم من أصحاب اليمين، وعلى كل في الجنان أو في الجنات سلامات متعددة وجليلة ومباركة وأعظمها سلام الله – سبحانه - ﴿سَلَـٰمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾.
﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ (الواقعة: 92) وترون الصلة الوثيقة بين فاتحة السورة وخاتمة السورة، هناك ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَٰجًا ثَلَـٰثَةً﴾ (الواقعة: 7) وهنا ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ﴾ (الواقعة: 88)، هذا تقسيم أيضًا إلى الأقسام الثلاثة.
قال ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلْيَقِينِ﴾ (الواقعة: 95) أي : اليقين الحق، ما معنى حق اليقين؟ يعني: اليقين الحق، فهو من إضافة الصفة إلى الموصوف. فالم.
مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ
• شدة سكرات الموت وعجز الإنسان عن دفعها.
• الأصل أن البشر لا يرون الملائكة إلا إن أراد الله لحكمة.
قال الشيخ حفظه الله: [مِنْ فَوَائِدِ الآيَاتِ]
• الاعتقاد بأن للكواكب أثرًا في نزول المطر كفر وهو من عادات الجاهلية : وهذا مستفاد من قوله ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (الواقعة: 82)، مع ما ورد في حديث رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وسلم – (أتدرون ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾؟).
بعد هذا ننتقل إلى سورة الحديد. ونسأل الله التوفيق والسداد.
من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)