تفسير سورة القصص 4 جزء 2 13 9 2013م
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
التفريغ النصي الكامل للدرس
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
أن هذا الإسرائيلي كان ظالماً؟ بل كان مظلومًا، ولكن كل ما هنالك أنه لا يحسن بالإنسان أن يوقع نفسه في مواضع التهلكة، وأن لا يضع نفسه في مواضع لا تليق به. يعني: معناه: أنت ليست لك طاقة بالقبط، ولا طاقة بهذا القبطي؛ لماذا تُقحم نفسك معهم فحينئذٍ لا تقدر عليهم، فيقع الأذى منهم عليك، وأنت السبب في ذلك. يعني: كما نقول مثلًا: واحد يكون هادئاً، يعني: رجل ما يظلم، ولكن يذهب إلى بعض الظالمين، إن واحدًا يسطو عليه ويضربه، يوم ثاني يوم رايح له ويضرب مرة ثانية؛ طب أنت ما الذي ودّك هناك؟
وضّح المعنى: ما الذي أذهبك؟ ما الذي حملك على أن تذهب إلى قبطي آخر، وعلى أن تقع بينك وبينه مشكلة؟ قد كان لك فيما سبق آية أو عبرة؛ اعتبر بالدرس الماضي. أنت أمس كنت تستغيث، طب اليوم تستصرخ؟ ﴿قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾2 (القصص: 18).
﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾3 (القصص: 19). ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ (القصص: 19) — فلما أن أراد؛ أراد مَن؟ مَن الذي أراد؟ موسى عليه الصلاة والسلام على قول الجمهور، بل أكثر المفسّرين على الاقتصار على هذا القول: فلما أراد أن يبطش. وقال بعضهم: فلما أراد، أي: أراد هذا الإسرائيلي أن يبطش.
وهذا يبعده أنه يستصرخ؛ فالمستصرخ ضعيف إذًا، ما يملك البطش، ﴿أَنَّمَا﴾ يملك البطش القوي. ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ (القصص: 19) — أن يبطش، أن يضرب، ﴿بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾.
الذي هو عدو لهما: عدو لمَن؟ عدو لموسى عليه السلام، وعدو للإسرائيلي. طيب عدو للإسرائيلي الأمر واضح؛ لأنه يظلمه، وهذا ألجأ الإسرائيلي إلى الاستصراخ وإلى الاستنجاد وإلى الاستنصار.
طيب وعدو لموسى لماذا؟ لأنه ظالم. لذلك استُدلّ على أن القبطي كان أيضًا ظالماً؛ لأنَّ موسى عليه السلام أراد أن يبطش به، فإذًا هو ظالم أيضًا. وقال بعضهم: عدو له لأنه على خلاف دينه؛ فقد كان على الكفر، والإسرائيلي على الدين، على قول عدد من أهل العلم.
الشاهد أنَّ هذا القبطي عدو لموسى وعدو للإسرائيلي. ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾4 (القصص: 19). مَن القائل؟ القبطي؟ ولا الإسرائيلي؟
ما لسه ما لحق؛ يعني: العصا يقول: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ﴾5 (القصص: 19)، لسه في البداية. حتى دخلت ﴿أَنْ﴾؛ قال بعضهم: إنها للتأكيد: ما قال فلما أراد، ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ﴾ (القصص: 19)، وفيها كلام لأهل العلم طويل. يعني: هو همّه — يعني: لسه رايح يبدأ — قال: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى﴾6 (القصص: 19).
إذن إذا كان التوجّه للقبطي مباشرةً، القبطي له يقول كلام كذا واضح. طب إذا كانت الضربة مجهولة تحتمل، فكيف يكون هذا؟ الآن؟ هو قال للإسرائيلي منذ قليل ماذا؟ ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾7 (القصص: 18). هل موسى عليه السلام وهو يقول له ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (القصص: 18) — قال عدد من أهل العلم: المتوقع أنه يقول ذلك بغضب: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (القصص: 18)، يعني: كل يوم تعمل مشكلة، لكنه عارف إنه مظلوم: ما الذي ودّك له؟ فبدأ يلجأ للتأنيب. فالإسرائيلي نفسه خاف أن تكون الضربة له. هذا على قول عدد من المفسّرين. يعني: أقوله لكي أحكي القولين؛ لأنَّ المسألة فيها القولان، والقولان مشهوران لأهل العلم؛ منهم من يختار هذا القول، ومنهم من يختار هذا القول، لكن ننظر القرائن، القرائن.
ما هو ﴿عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ هذا في الآية، لكن هل القبطي — هل الإسرائيلي يعلم أنه سيضرب العدو؟ يعني: هذا ربنا الذي يسجّل يقول: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ (القصص: 19)؛ هذه هي الحقيقة، لكن بالنسبة للإسرائيلي الأمر مجهول، لكنه سمع وهو يقول له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (القصص: 18).
فكأنَّه يقول ماذا؟ ما الذي حصل لك؟ ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ﴾8 (القصص: 19) قالوا: ويقوّي ذلك أن القبطي الآخر من أين له أن الذي قتله هو موسى ﴿أَنَّمَا﴾ يعلم مسألة القتل الإسرائيلي مع موسى عليه السلام.
هو اللحظة — ووضّح المسألة — يعني: ما قالوا: إن الإسرائيلي هو الذي رأى، هو الذي رأى بالأمس موسى عليه السلام وهو يضرب القبطي؛ فاليوم لما وجده يقول: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ (القصص: 18)، ولم يقلها له بالأمس، خشي أن يتحوّل عليه فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾9 (القصص: 19). دققوا: القول الثاني قالوا: لا، ﴿أَنَّمَا﴾ الذي قال ذلك هو القبطي، ويناسبه أن هذا أقرب مذكور: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ﴾10 (القصص: 19) — قال هو؛ الضمير يعود به على الذي هو عدو لهما. مَن العدو؟ القبطي.
القبطي هو الذي قال، وأيضًا نقول له: أيضًا قال: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ (القصص: 19). الذي يصف موسى عليه السلام بأنه جبّار، هذا ليس على منهجه وليس من شيعته، ﴿أَنَّمَا﴾ يكون من العدو له الذي لا يدين بدينه من الكفر.
ولكن هنا يرد الإشكال: ومن أين له أن يعرف ذلك يعني: عرف من أين إن موسى إلا عملها فقالوا: أمر القبطي بدأ يشتهر؛ يعني: لا مانع أن يكون أمر القبطي قد اشتهر، أو على أقل تقدير الإسرائيلي صاحب المشكلة معروف.
يعني: القبطي — الإسرائيلي الذي هو الضرب بالأمس، أو اللي هو كان سيقع عليه الضرب أمس — معروف، لكن من المشكلة أمره: مَن الذي ضرب ومَن الذي استنصره؟ فلما كرّر هذا الإسرائيلي تلك الاستغاثة وكانت لموسى، عرف هذا القبطي الآخر أن الذي وجّه الضربة أمس هو مَن؟ هو موسى عليه الصلاة والسلام.
على كلٍّ هما قولان لأهل التفسير. لو نظرنا في قواعد التفسير، لو نظرنا في قاعدة: الضمير يعود إلى أقرب مذكور، ودي من قواعد الترجيح.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 18 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 19 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَـٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 19 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 19 ↩
- آية: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 19 ↩
- آية: ﴿إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 18 ↩
- آية: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 19 ↩
- آية: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 19 ↩
- آية: ﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ﴾ — كما ورد في الدرس: القصص 19 ↩
من سلسلة: سلسلة التفسير (61 درسًا)