مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة البلد

المختصر في تفسير القرآن الكريم · الدرس 72 من 103 · 15 دقيقة · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب

التفريغ النصي الكامل للدرس

التعريف بالسورة

سورة البلد - مَكيّة -

مقاصد السورة

(مِنْ مَقَاصِدِ السُّورَةِ): بيان افتقار الإنسان وكبده وسبل نجاته

تعليق الشيخ حفظه الله

نعم. سورة البلد تسمى هذه السورة الجليلة بسورة البلد، والمراد بالبلد البلد الحرام، مكة حفظها الله وحرسها من كل سوء، وقد ورد ذكرها في السورة الكريمة في آيتين متتابعتين في صدر السورة، ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ والسورة مكية، نزلت قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف المفسرون في تفسير ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ كما سيأتي بيانه بإذن الله تعالى بعد قليل قالوا ( من مقاصد السورة بيان افتقار الإنسان وكبده وسبل نجاته ) فالإنسان مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ﴾ ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ إلى غير ذلك والله هو الذي هداه ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ فالسورة تبيِّن افتقار الإنسان وحاجته إلى الله وتبين أن الإنسان في الدنيا في دار ابتلاء فإذا كانت سورة الفجر قد حدثتنا عن هذه الحقيقة فإنَّ سورة البلد قد أكدت هذه الحقيقة؛ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ في عناء وفي مشقة وفي ابتلاء وعلى الإنسان أن يَجِدَّ وأن يقتحم العقبة ﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ لا بد أن يقتحم العقبة حتى يصل إلى ما يريد ومن اقتحم العقبة نجا ولذلك قالوا هنا ( وسبل نجاته ) يعني أن الإنسان إذا اقتحم العقبة وقد فسرها الله وبينها لنا خير بيان فإنه حينئذ يكون من الناجين الفائزين فيكون من أصحاب الميمنة جعلنا الله عز وجل منهم بمنه وكرمه.نعم

تعليق الشيخ على المتن

تعليق الشيخ حفظه الله :

افتتح الله عز وجل هذه السورة الكريمة بقوله ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ ونظيرها ذلك أو نظيراتها في ذلك ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ وقد تقدم من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ هذا الأسلوب على قول الأكثرين أسلوب قسم وفيه إثبات القسم وتكون ال (لا ) هنا في قوله ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ للدلالة على تأكيد القسم، لا على نفيه ومنهم من قال بل لا نافية لكلام مقدر (لا ليس كما تزعمون أو كما تدعون ثم قال أقسم بهذا البلد ) أو أن هذا الأمر لا يحتاج إلى قسم ومع ذلك أقسم الله عز وجل عليه لتأكيده ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ وهو البلد الحرام، وعلى قول من فسر الفجر بفجر يوم العيد والليالي العشر من ذي الحجة فإنها تذكر بالحج والحج له علاقة بالبلد الحرام فتكون هذه من المناسبة ومن المناسبات أيضًا والعلم عند الله أن أول سورة الفجر والفجر هذا قسم وقوله ﴿لَآ أُقْسِمُ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ هذا قسم وقوله ﴿وَٱلْفَجْرِ﴾ ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ هذا قسم ببعض الأزمنة وهنا قسم ببعض الأمكنة فهذا من أوجه المناسبة ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ : لا أقسم بهذا البلد ومما يدل على أن الله أقسم بهذا البلد قوله سبحانه ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ ﴿وَهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ ٱلْأَمِينِ﴾ هذا فيه دلالة أن البلد الحرام قد أقسم الله عز وجل به، وأنت حل بهذا البلد قالوا هنا ( وأنت ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول حلال لك ما تصنع فيها من قتل من يستحق القتل وأسر من يستحق الأسر ) وعلى هذا المعنى تكون الآية بشارة لما سيقع بعد ذلك؛ يعني أنت يا رسول الله ابتُليت من أهلك وعشيرتك ومن أقرب الناس إليك ومن قومك وستخرج من مكة إلى المدينة النبوية وتهاجر ثم تعود بعد ذلك وحينئذ سيحل لك أن تصنع كذا وكذا كما كان الأمر في فتح مكة إذ فتح الله عز وجل له مكة وقد أُحِلَّت له ساعةً من نهار، مع أنَّ هذا البلد حرام بحرمة الله عز وجل لكن الله سهلها له ويسرها له سبحانه فيكون هذا من قبيل البشارة والوعد بتمكنه صلى الله عليه وسلم من خصومه وأعدائه، ومن المفسرين من قال: ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ :: يعني وأنت مقيم بهذا البلد أي أنا أقسم بهذا البلد حال إقامتك فيها وكأن وجودك بين ظهرانيهم هو من أعظم النعم وأجل المنن على هؤلاء لكنهم لا يلتفتون إلى هذا فيكون معنى وأنت حل أي وأنت مقيم وعلى الأول: أي يحل لك ما لا يحل لغيرك ومن المفسرين من قال ::: وأنت حل بهذا البلد أي وأنت حلال بهذا البلد أي يستباح دمك فيكون المراد أقسم بهذا البلد فهو بلد جليل وله قدر عند الله ومكة أحب البلاد إلى الله مع أنَّ دمك يستحل في هذا البلد وتؤذى وأنت رسول الله حقاً وصدقاً فكيف لو أن هؤلاء آمنوا بك وأعطوك حقك من الطاعة. هذه أقوال قيلت في الآية الكريمة ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ أقسم الله بالوالد وما ولد قال بعضهم الوالد آدم، والولد أولاده

تحليل مقارن وربط بين السور

﴿وَقِيلَ﴾ هو أعم الوالد كل والد والولد كل مولود وذلك أن الوالدية والمولودية : آية من آيات الله سبحانه وتعالى بأن جعل الولد في يوم من الأيام يصير والداً ويولد له ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ فِى كَبَدٍ :: هذا جواب، وهذا فيه إخبار عمَّا يقسم الله عليه ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ ولذلك جاء باللام و«قد» الدالتين على التوكيد وكل هذا تأكيد بعد توكيد ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ قالوا أي في تعب ومشقة لما يعانيه من الشدائد في الدنيا ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ أي في تعب ومشقة على هذا قول الأكثرين إذن في كبد أي في تعب وفي مشقة وبعضهم قال في كبد يعني منتصبة قائمة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ﴾ فقوله في كبد إذا فسرناه بالعناء والمشقة فيه مناسبة لذكر الابتلاء المذكور في سورة الفجر وفيه مناسبة لما سيأتي بعد ﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾

﴿أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾ أيظن هذا الإنسان أنه إذا اقترف المعاصي لا يقدر عليه أحد ولا ينتقم منه ولو كان ربه الذي خلقه يقول: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا﴾، يعني أنفقت مالًا كثيرًا متراكمًا، هكذا يغره المال كما قال في سورة الهمزة ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ﴾ ... ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخْلَدَهُۥ﴾

﴿أَيَحْسَبُ﴾ مرة أخرى يعني أيظن وهذا فيه إنكار على هذا الإنسان وتوبيخ له ﴿أَن لَّمْ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ﴾ فلو كان عنده يقين بأن الله يراه ما تجرأ على الله ولذلك هناك قال الله في العلق ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ﴾ وهذا فيه أن من تذكر أن الله يراه لم يجترأ على محارم الله سبحانه وتعالى ثم قال مذكراً له مقرراً ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ﴾ ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ هذه نعم جليلة وقد كان بعض سلفنا يقرأ الآيات ويبكي ويقوم بها الليل كله أو اكثره ويبكي ويقول :: ما شكرنا هذا ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُۥ عَيْنَيْنِ﴾ أين الشكر على العينين وأين الشكر على اللسان والشفتين فالحمد لله على نعمه ﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ قالوا (عرفناه طريق الخير وطريق الباطل ) إذن ما المراد بالنجدين طريق الخير وطريق الشر أو طريق الحق وطريق الباطل وتأمل جمال التعبير القرآني فالنجدين يعبر عنهما في القرآن بالسبيل ولكن هنا عبر بالنجدين لأن النجد فيه وعورة وصعوبة وهذا مناسب لقوله في كبد ومناسب لقوله (العقبة) فلما كان في سياق السورة العقبة والكبد جاء أيضًا التعبير بالنجدين ومناسب للبلد الحرام أيضًا ﴿فَلَا ٱقْتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ﴾ بعضهم يقول أفلا اقتحم العقبة أو فهلا اقتحم العقبة فليقتحم العقبة ويتجاوزها حتى يصل إلى المراد وهذا معناه أن من أراد الوصول إلى الجنان لا بد أن يقتحم العقبة ويفسر هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكَارِهِ، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَوَاتِ» إذن فلا اقتحم العقبة ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾ ثم جاء تفسيرها ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ قالوا هنا وهو مطالب بأن يتجاوز العقبة التي تفصله عن الجنة فيقطعها ويتجاوزها يقطع هذه العقبة وينتهي منها ويفرغ منها إلى أن يصل إلى مراده قال ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أَوْ إِطْعَـٰمٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ﴾ فك رقبة والقراءة الأخرى _﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ (البلد: 13) يعني أن يعمل بهذه الأعمال الصالحة منها تحرير الرقاب يعتق رقبة يحرر رقبة، لا يبخل بماله يبذل من ماله لأن بذله من ماله وتضحيته بماله دليل على صدقه في إيمانه ولذلك H0...)ولما كان في السورة الكريمة حدثتنا عن الكبد، وحدثتنا عن العقبة وهذا يستدعي صبراً فذكر هنا التواصي بالصبر (ولأن المرء يحتاج إلى مَن يصبره ويثبته جاء التذكير بالتواصي واقترن التواصي بالصبر بالتواصي بالمرحمة أو اقتران التواصي بالمرحمة بالتواصي بالصبر قرن الله بينهما ﴿وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْمَرْحَمَةِ﴾ وهذه نعمة عظيمة أن يوصي بعضنا بعضًا بالمرحمة ولذلك كان الحديث المسلسل بالأولية لدى أهل العلم والمحدثين أن يقول العالم لتلاميذه، وأن يذكر لهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَٰنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» دلالة على أنَّ الصلة بين المعلم والتلاميذ بين الشيوخ والطلاب قائمة على الرحمة وكذكل المسلمون مع بعضهم بعضا( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾ أي أصحاب الميمنة هم أصحاب اليمين ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا هُمْ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَشْـَٔمَةِ﴾ أي أصحاب الشمال ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌۢ﴾ مغلقة يعذبون فيها وهذا من أشد ما يكون، أن يكون المعذب في مكان مغلق مؤصد عليه نسأل الله السلامة. نعم

من فوائد الآيات :

1- عتق الرقاب وإطعام المحتاجين في وقت الشدة والإيمان بالله والتواصي بالصبر والرحمة من أسباب دخول الجنة : لأنه بهذه الأشياء يقتحم العقبة فيصل إلى مراده ثم قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْمَيْمَنَةِ﴾

2- من دلائل النبوة إخباره أنَّ مكة ستكون حلالًا له ساعة من نهار : كما جاء في السنة وهذا كما قلت أحد الأقوال المشهورة في تفسير ﴿وَأَنتَ حِلٌّۢ بِهَـٰذَا ٱلْبَلَدِ﴾ فتكون السورة مكية كما تقدم ومع ذلك فيها إخبار بأن الله سيُحِلُّ له مكة في يوم من الأيام وهذا كان في فتح مكة في السنة الثامنة من هجرة رسول الله، ثم هناك قولان آخران مشهوران تقدم بيانهما أيضاً

3- لما ضيق الله عز وجل طرق الرق وسّع طرق العتق فجعل الإعتاق من القربات والكفارات :

ولذلك في كثير من الكفارات نجد تحرير رقبة، وهذا فيه فتح هذا المجال ولذلك حثنا النبي ﷺ على ذلك كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ» وبهذا نكون قد انتهينا من التعليق على تفسير سورة البلد لننتقل بفضل الله وتوفيقه إلى تفسير سورة الشمس.

من سلسلة: المختصر في تفسير القرآن الكريم (103 درسًا)

دروس مشابهة