سورة المائدة — الجزء 1
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فنستكمل بفضل الله سبحانه وتعالى القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم مع التعليق عليه وقد فرغنا بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه من التعليق على تفسير سورة النساء وننتقل الليلة بإذن الله عز وجل إلى سورة المائدة ونسأل الله العون والتوفيق والسداد.
قال أصحاب المختصر في التفسير:
-سورة المائدة سورة مدنية.
مقاصد السورة
-من مقاصد السورة: الأمر بالوفاء بالعقود والتحذير من مشابهة أهل الكتاب في نقضها.
التعريف بالسورة
سورة المائدة سورة مدنية، وهذا بالإجماع؛ فهناك اتفاق من العلماء على أن سورة المائدة سورة مدنية نزلت بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم -بل إنه قد جاءت بعض الروايات تفيد أن سورة المائدة آخر سورة نزلت من القرآن الكريم.
والحق أن هناك اختلاف في تحديد آخر سورة نزلت من القرآن الكريم.
فهناك روايات تدل على أن آخر سورة نزلت من القرآن هي سورة المائدة.
وروايات تدل على أن آخر سورة نزلت هي سورة براءة التوبة.
وروايات تدل على أن آخر سورة نزلت هي سورة النصر ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ﴾.
ويمكن أن نقدر مع هذه الروايات كلمة (من) فيكون المعنى: (من آخر سور القرآن نزولا سورة المائدة)،
-فسورة المائدة على التحقيق ليست هي آخر السور نزولا ولكنها من آخر سور القرآن نزولا، ولعل الأقرب من ذلك قول من قال: “ إن آخر سورة نزلت من القرآن كاملة هي سورة النصر “.
وذلك أن سورة المائدة كما سيأتي التنبيه عليه بإذن الله تعالى في موضعه: وردت روايات في نزول بعض آياتها تدل على تقدم نزول هذه الآيات، وهذا يدل على أن بعض سورة المائدة نزل متأخرا وأن بعضها نزل متقدما بخلاف سورة النصر فإنها نزلت جملة واحدة: لأنَّها شرط وجوابه كما تقدم في التعليق على تفسير سورة النصر.
-وقول العلماء أن هذه السورة آخر سورة أو أن هذه السورة من آخر سور القرآن نزولا على أن غالب ما ورد فيها من أحكام فهو محكم غير منسوخ؛ لأن النسخ حينما يقع فإنَّ المتأخر ينسخ المتقدم فإذا كانت السورة آخر سورة أو من آخر السور نزولا فهذا يعني أن الأحكام التي وردت فيها ليست منسوخة.
-على أن وجود النسخ قليل، بل نادر على التحقيق، وإن كنا لا نمنعه وهذا له موضع آخر وتفصيل ومقام فيما يتعلق بهذه المسألة من مسائل علوم القرآن الكريم.
-لكن مع ذلك فهناك بعض الأحكام التي وردت في سورة المائدة قال بعض العلماء بوقوع النسخ فيها:
كما في الآية الثانية من هذه السورة الكريمة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ فقد ذهب بعضهم، بل الجمهور إلى أن القتال في الأشهر الحرم نسخ تحريمه، وإن كان لبعض العلماء كلام في تحرير هذه المسألة.
وكذلك قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ (المائدة: 2) [سورة المائدة:2]. ﴿وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ﴾: لا تمنعوا أحدا قصد البيت، قال بعضهم بنسخ ذلك؛ إذ جاء.
-على كل حال فالأصل أن الأحكام التشريعية التي وردت في سورة المائدة أحكام محكمة، بل إن شئت فقل إن هذه السورة الكريمة سورة تكميل الأحكام وسورة تتميم الأحكام.
-ولعل هذا مناسب لما جاء في أول السورة: ﴿أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ فالسورة فيها الأمر بالوفاء بالعقود والعقود كما قال بعضهم: الأحكام التي شرعها الله جل وعلا فيما بينه وبين خلقه وفيما بين الخلق بعضهم البعض أو بعضهم مع بعض.
والعقد: العهد الموثق، فيدخل فيه التكاليف الشرعية عموما، فربنا قال ﴿أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾، قالوا: هذا يدل على أن سورة المائدة جاءت بتتميم الأحكام.
-ومما يدل على ذلك أن فيها قول الله سبحانه وتعالى ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ وفيها تشريعات كثيرة سبق ذكرها في سور أخرى، لكن استقرار الحكم جاء في السورة.
تحليل مقارن وربط بين السور
فهناك آيات وردت في شأن الخمر كما تقدم معنا في البقرة ﴿۞يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْءَايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ٢١٩﴾ وكما ورد في سورة النساء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾ لكن التحريم الجازم وبيان الحكم الذي انتهى إليه الأمر في شأن الخمر ورد في هذه السورة سورة المائدة سورة تتميم الأحكام ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
-في السور السابقة جاء ذم اليهود والنصارى الذين لم يفوا بالعهود والذين كتموا ما أنزل الله وتركوا دعوة الصادق رسول الله -صلى الله عليه وسلم -، توعدتهم وذمت صنيعهم وحذرتهم، لكن جاء في سورة المائدة ما هو أكثر تفصيلا من ذلك، ولذلك جاء في السورة الكريمة التصريح بتكفير من زعم أن لله ولدا أو أن المسيح هو الله
﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّآ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فهذا أيضًا فيه تتميم لما جاء في باب الاعتقاد، بل إن السورة الكريمة استقلت ببعض الأحكام التشريعية التي لا تراها في سورة أخرى.
-لذلك هناك عدد من الأحكام والفرائض أوصلها بعض العلماء إلى ثماني عشرة فريضة قالوا موجودة في سورة المائدة وزاد بعضهم على هذا العدد.
-فلذلك بعض الحدود كحد السرقة لا توجد إلا في سورة المائدة
-وما يتعلق بقطع الطريق والحراب لا توجد إلا في سورة المائدة
-بل الأذان ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ قال بعضهم دليل الأذان موجود في سورة المائدة إلى غير ذلك من الأحكام في باب العبادات والمعاملات.
-وبعض التفصيلات وبعض الأمور التفصيلية التي وردت في الأنكحة والأطعمة جاءت في سورة المائدة
لذلك في بعض السور السابقة جاء ذكر المحرمات، لكن تفصيل المحرمات ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ إلى آخر السورة جاء في هذه السورة سورة المائدة
-فهي سورة تتميم الأحكام والأمر بالوفاء بها
-وهذه السورة الكريمة تسمى بسورة المائدة وهذا اسمها المشهور لذلك نقول إنه توقيفي
-وتسمى أيضًا بسورة العقود: وهذا مناسب لصدرها بأولها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ وإن شئت فقل أن هذا الاسم دال بوضوح على مقصودها
-لذلك ما مقصود سورة المائدة العام؟ الأمر بالوفاء بالعقود
-ما المراد بالعقود؟ العهود، العهد الذي بين الله وبين خلقه العهد الذي بين العباد بين الخلق
فأوفوا بالعقود: التزموا أوامر الله، امتثلوا ما أمركم الله به واجتنبوا ما نهاكم الله عز وجل عنه
-فإذا كانت سورة آل عمران قد حدثتنا عن الثبات على الهداية والتوحيد كما تقدم وجاءت سورة النساء لتتكلم عن بعض التشريعات وتوصي بعضنا ببعض من عدل ومن ورحمة فإنَّ سورة المائدة جاءت لتعمم الأحكام ولتتمم بقية الأحكام فناسب أن يبدأ فيها بقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾
ولذلك تكرر في السورة الكريمة ذكر العهود، ذكر المواثيق كما سيأتي التنبيه عليه بإذن الله تعالى بعد قليل من ذكر المواثيق سواء أكانت المواثيق المأخوذة علينا، أم كانت المواثيق السابقة التي أخذت على بني إسرائيل؛ لبيان أنه لا ينبغي لنا أن نكون مثلهم إذ نقضوا العهود التي عاهدوا الله عز وجل عليها.
تسمى هذه السورة بأسماء أخرى دون هذين الاسمين في الشهرة كـــ:
-سورة الأحبار -سورة الأخيار
لكن الاسمين: اسم المائدة والعقود هما أشهر الأسماء (سورة المائدة، سورة العقود)
-فإن قال قائل وما علاقة اسم المائدة بالعقود والعهد؟
فيجاب عن ذلك:
أولًا: بأن قصة المائدة من أعجب ما ورد في السورة الكريمة من القصص هذا ابتداءً وقد تقدم أن
بعض العلماء يقول أن السورة تسمى بشيء عجيب أو بشيء غريب فيها وذكر المائدة مما انفردت به سورة المائدة
-سورة البقرة انفردت بقصة البقرة: لكن قد تقدم بيان أن هذا وحده ليس بكاف في بيان تحقيق القول في سر تسمية السورة؛ لأن السورة أو لأن اسم السورة له صلة وثيقة بمقصودها، علم ذلك من علمه وجهله من جهله، ولكن تكون هذه الصلة ظاهرة واضحة في بعض الأحوال، كسورة الإخلاص، فسورة الإخلاص ما هو مقصود السورة؟ الإخلاص وتوحيد الله وقد يكون في الاسم معنى خفي لطيف ينبئ إلى مقصود أو ينبأ مقصود السورة، من ذلك أن قصة المائدة في آخرها قال الله ﴿قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ففيه أخذ الميثاق والعهد على بني إسرائيل، على الحواريين، على من طلب من عيسى عليه السلام هذا الطلب حينما سألوه نزول تلك المائدة
-فكأن الله يقول “ احذروا ها هي المائدة قال الله في شأنها كذا وكذا وأخذ الميثاق عليهم، فاعلموا أن الله قد أخذ عليكم المواثيق في التوحيد والأحكام والعبادات والمعاملات فاتقوا الله ولا تخالفوا أمره “
ففيه إشارة إلى هذا المعنى الذي صدر الله به السورة: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾
ثانيًا: كلمة المائدة أصل المادة (مَادَ يُمِيدُ) تدل على معنى الاضطراب، فقالوا هذا فيه إشارة إلى أن حال
الإنسان: إما الالتزام بالعقود، وإما الاضطراب والقلق، فهي سورة العقود وسورة المائدة.
-من لم يلتزم بالعقود ماد واضطرب حاله في الدنيا وفي الآخرة، إلى هذا أشار بعضهم والعلم عند
الله
سورة المائدة فيها ستة عشر نداء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
في هذه السورة الكريمة ستة عشر نداء بقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهذا أكبر عدد نادى الله فيه أو هذا أكبر عدد في سورة من سور القرآن نادى الله عز وجل فيه المؤمنين ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فـ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في القرآن الكريم قرابة تسعين موضعا أو تسعة وثمانين موضعا على التحديد، في سورة واحدة وهي سورة المائدة ستة عشر نداء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
-وهذا يدل على أن السورة تدور حول الأوامر للمؤمنين والنواهي للمؤمنين لأن ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يتبعها في العموم أمر أو نهي، ولذلك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في سورة المائدة أكثر من ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في سورة البقرة
-ففي سورة البقرة أحد عشر نداء يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا
-وفي سورة المائدة هذا العدد ستة عشر نداء
هذا يدلك على كثرة النداءات والأوامر والنواهي والأحكام والفرائض والتشريعات الموجودة في هذه السور وافتتحها الله بهذا النداء: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾
ونظيرتها في ذلك سورتان:
◂ سورة الحجرات ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾
◂ وسورة الممتحنة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾
-في سورة المائدة نداءات أخرى ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ وهناك نداء للرسول ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾و ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ﴾ وهنا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾يأيها الذين ءامنوا نداء من الله سبحانه وتعالى للمؤمنين بهذه التشريعات الحكيمة العظيمة
-إذا هذه السورة مقصودها العام الالتزام بالعقود التي أمر الله عز وجل بالالتزام بها
ولذلك أحسنوا هنا في المختصر حينما قالوا من مقاصد السورة: الأمر بالوفاء بالعقود والتحذير من مشابهة أهل الكتاب في نقضها وهذا تابع لهذا المقصد.
لذلك ذكر الله سبحانه وتعالى حديثا عن أهل الكتاب، والحديث الذي حدثنا الله فيه عن أهل الكتاب في هذه السورة كان فيه ذم لهم بسبب نقضهم العهود والعقود، فالله عز وجل يريد منا ﴿إِلَّا﴾ نكون مثلهم وألا نسير على منوالهم
ولذلك جاء في السورة ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ وجاء فيها ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً﴾ وقال ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ﴾ تأمل حينما يذكر الله السورة أو يذكر الآيات المتعلقة ببني إسرائيل يتعلق بها الميثاق والعقد، وأيضا لما ذكر الله عز وجل قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾ فكان فيه نقض العهد؛ لأن العهد المأخوذ عليهم أن يتبعوا الرسول واتباع الرسول يكون بالاستجابة لتعاليمه، وهم نقضوا العهد ولم يستجيبوا لرسول الله موسى عليه السلام، فهذا من شأنهم
وكذلك قصة ابني آدم أيضًا فيها التحذير من ذلك لأنه يجب عليه أن يحافظ على النفس لا أن يقتل أو أن يسفك دم أخيه، فلذلك جاء التحذير من ذلك ثم جاءت أيضًا قصة المائدة في آخر السورة وهي من هذا الباب كما سبق
-أنت حينما تتأمل التشريعات الواردة في هذه السورة الكريمة تجد أنها حوت أصول وأمهات مقاصد التشريع:
فإذا كان علماء الشريعة أو علماء الفقه يقولون هناك مقاصد ضرورية وتشريعية يحصرون هذه المقاصد الضرورية في خمسة مقاصد وبعضهم يجعلها ستة مقاصد تجد أن أصولها وأن دلائلها موجودة في هذه السورة الكريمة
يقولون حفظ الضروريات الخمس:
فيقولون حفظ الدين
1 -حفظ الدين نجده في هذه السورة الكريمة ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾و ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ كل هذا من باب الحفاظ على الدين
2 -هناك الحفاظ على العقل
لذلك جاء في السورة تحريم الخمر، حرمت الخمر ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
3 -حفظ المال
شرع حد السرقة في هذا وكذلك حد قطع الطريق لأن بعضهم يقطع الطريق لإخافة الناس وأخذ اموالهم فجاء في السورة ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
4 -كذلك تجد في السورة حفظ النفوس
ولذلك جاء في السورة ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ وجاء فيها ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ إلى آخر الآية الكريمة، إذًا فيها حفظ النفس وحفظ أيضًا النسل
5 -وبعضهم يقول والعرض
وهذا موجود في مسألة ما يتعلق بالمنكوحات ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ذكر من الذي يباح لنا أن نتزوجه من هؤلاء المحصنات العفيفات. كل هذا موجود في السورة الكريمة
-فإذا السورة حدثتنا عن الضروريات الخمس كما يسميها الفقهاء أو الأصوليون أو العلماء من حفظ الدين والعقل والنفس والعرض والنسل، كل هذا موجود في هذه السورة الكريمة
-ثم أيضًا العقود جاءت شاملة ما يتعلق بحق الله من التوحيد والدعوة إلى الإيمان وهذا موجود في السورة الكريمة
-وأيضا التحاكم إلى الشرع ولذلك من خصائص هذه السورة، ما جاء في ذم الحكم بغير ما أنزل الله ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ هذه الآيات الثلاث ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ جاء فيها تشريعات تتعلق بالمطعومات والمأكل وجاء فيها أحكام الصيد وتفصيلات لا توجد في غير هذه السورة الكريمة
-ثم أيضًا في المطعومات المحرمة التي جاءت في سور أخرى جاء التفصيل أكثر في هذه السورة المباركة
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ﴾ وبعد ذلك ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ﴾ ومن أول السورة ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾
-جاء فيها حديث عن الصلاة الوضوء ما يتعلق بالوضوء وهذا من العقد بين العبد وبين ربه
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ ثم بعد ذلك جاء أيضًا ﴿وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وهذه القاعدة عامة
إذا ما الميثاق؟ سمعنا وأطعنا، إذا هذا هو الميثاق، فإذا أردنا أن نفهم أوفوا بالعقود: الميثاق الذي أخذه الله عليكم. ماذا فيه؟ سمعنا وأطعنا
فالسورة قامت على أن هناك تكاليف أو على أن هناك أحكاما، والواجب على المؤمن أن يقول سمعنا وأطعنا لا أن يقول سمعنا وعصينا كما قال أهل الكتاب أو ﴿كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾.
ذمت السورة الكريمة أهل الكتاب ونعت صنيعهم حينما كانوا ﴿يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ﴾ وكانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه وكانوا يفعلون ويفعلون وينقضون العهود والمواثيق ويخالفون رسل الله سبحانه وتعالى
هناك أحكام تشريعية كثيرة أيضًا مثل: أحكام الإيمان انظر إلى الفرق بينما جاء في سورة البقرة ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ انتهى الحديث عن الإيمان بهذه الآية في هذه الآية لكن جاء في سورة المائدة تفصيل لذلك ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَـٰنَ﴾ وهذا مناسب لأوفوا بالعقود ﴿فَكَفَّـٰرَتُهُۥٓ﴾: فجاء التنصيص على الكفارة ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَـٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّـٰرَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَٱحْفَظُوٓا۟ أَيْمَـٰنَكُمْ﴾
الشاهد من ذلك أن هذه السورة الكريمة سورة مملوءة بالحديث عن الأحكام التشريعية والدعوة إلى امتثالها والتذكير بمراقبة الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
كل هذا في هذه السورة الكريمة وفيها الآية الجليلة كما تقدمت الإشارة إليها ﴿وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ وهي من آخر آيات القرآن نزولا وليست الآية الأخيرة في نزول القرآن كما تقدم التنبيه عليه عند قوله ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
حتى ما ورد في آخر السورة الكريمة جاء ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّـٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وهؤلاء هم الذين أوفوا بالعقود
وأيضا لما ذكر الله قصة عيسى عليه السلام وما يكون من شأنه يوم القيامة ﴿وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ يبين عيسى عليه السلام أنه أوفى بالعقد بينه وبين الله وأنه عبد الله ورسوله وأنه ليس إلها وليس ابنا للإله إلى غير ذلك مما هو مبثوث بكثرة في هذه السورة الكريمة
وقد وردت رواية لكنها لا تصح “ علموا رجالكم سورة المائدة وعلموا نسائكم سورة النور “ وهذا لكثرة التشريعات الموجودة بهذه السورة الكريمة
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على فهم كتابه وعلى تعلم آياته، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.
نعم
نشرع بإذن الله تعالى في تفسير السورة والتعليق عليه،
بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الشيخ حفظه الله:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾
ذكر عدد من المفسرين أن الكندي وقد زعم في أمره أنه يريد محاكاة القرآن الكريم، فقال له أصحابه نريد منك أن تأتي لنا بمثل القرآن أو بآية مثل آيات القرآن الكريم، تؤلف لنا نظيرها، فقال لهم: أفعل، فدخل بيته فترة ثم بعد ذلك خرج إليهم وقال لهم أنى لي أن اصنع هذا وقد وجدت آية واحدة، بعد أن فتح المصحف وأراد محاكاته، ما كان منه إلا أن فتح المصحف ليحاكي آية فوقع نظره على أول آية في سورة المائدة، فلما قرأ الآية قال “ نداء وأمرا وتحليلا وتحريما واستثناء من الاستثناء “ ﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ﴾ استثناء بعد استثناء ثم بعد ذلك أخبار بأنه يحكم بما يريد فأنى لأحد أن يأتي بمثل ذلك إلا في أجلاد “، ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يكتب مثل هذا في سطرين ما استطاع أن يكتبه إلا في مجلد أو
في مجلدات،فتراجع عن محاولته الطائشة الجائرة وما كان له ولا لغيره أن يأتي بمثل القرآن لأن القرآن الكريم معجز في أسلوبه ونظمه وبلاغته كما هو معلوم
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾
قالوا هنا: أتموا العهود الموثقة بينكم وبين خالقكم وبينكم وبين خلقه، إذا فهمنا من ذلك ما معنى العقود؟ العقود: جمع عقد، والعقد: العهد الموثق؛ ولذلك يقال عقد الحبل إذا ربطه ولذلك قال بعضهم سميت الأحكام الشرعية بالعقود لأن الله ربطها بخلقه كربط الحبل للأشياء أو كربط الأشياء بالحبل ونحو ذلك، فهذا معناه أن الأحكام مرتبطة بك لا ينبغي أن تتخلى عنها،اوفوا بالعقود، وجاء التعبير بقوله ﴿أَوْفُوا۟﴾ أكملوا وتمموا.
﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ تستطيع أن تقول هذا تفصيل بعد إجمال؛ ﴿أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ هذا عام وقالوا العقود شاملة للعقد بين العبد وربه، وبين العبد والعبد الآخر، وكل ذلك داخل في الوفاء بالعقود التي افترضها الله جل وعلا على عباده من أوامر أو ما نهاهم سبحانه وتعالى عنه من محرمات، فقال أحلت لكم بدأ التفصيل في هذه العقود ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾
ومن لطف الله وكرمه أن يبدأ بالحلال فأول التشريعات وأول العقود قال ﴿أُحِلَّتْ﴾ هذا في البداية ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ والمراد بالأنعام هنا: الابل والبقر والغنم
ولذلك قال بعضهم إن الإضافة هنا على معنى “ من البهيمة من الأنعام “ من جنس الأنعام من الإبل والبقر والغنم.
﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ أي إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ تحريمه، وهو الميتة وما ذكره الله في الآية التي جاءت بعد ذلك الآية الثالثة حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ.
ولذلك هذا نسميه ماذا؟ نسميه بالاحالة يعني أن الله لما قال ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ إذا أنت ستبحث تقول “ وما الذي تلي علينا في المحرمات؟ “ هذه اسمها إحالة، بأن يحيلنا الله من آية إلى آية أخرى.
وفي بعض الأحيان تكون الإحالة إلى آية في السورة نفسها كما في هذا الموضع
وفي بعضها في سورة أخرى وقد تقدم التنبيه على ذلك، كقوله سبحانه وتعالى ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾،﴿مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ إذا قص علينا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ محرمات على الذين هادوا كما في قوله ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ﴾ إلى آخر الآية فيكون هناك إشارة في موضع إلى موضع آخر
قال ﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ قالوا هنا: أي وإلا ما حرم عليكم من الصيد البري
في حال الإحرام بحج أو عمرة هذا استفادوه من ماذا؟ مما جاء بعد ذلك في آخر السورة، في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فعلم من ذلك أن هذا هو الصيد المحرم، وهذا مما يدلك أيضًا على ربط المطلع بالمقطع
ولذلك تقدم معنا في بعض المناسبات أنك من خلال صدر السورة “ أوائل السورة -الآيات الأولى في السورة تستطيع أن تعرف الموضوعات التي ستبث في تلك السورة، السورة تتحدث عن المطعومات، ستتحدث عن أحكام الصيد، ستتحدث عن كذا، يوجد من أوائل الآيات؛ لذلك جاء في أواخر السورة حديث عن الصيد وما يحرم منه وما يباح.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ يعني في حال الإحرام بحج أو
عمرة، ويلحق إذا كنتم في الحرم.
إذا هذا الصيد محرم في حالين:
الحالة الأولى: في حالة الإحرام، والحالة الثانية: إذا كنتم داخل الحرم ولو لم تكونوا محرمين؛ لأن الإنسان قد يكون داخل الحرم وليس محرما، ليس حاجا، ولا معتمرا، لكنه في الحرم، فيحرم عليه أيضًا صيد البر،
وكذلك إذا كان محرما، سواء كان في الحرم، أم خرج من حدود الحرم وهو محرم.
إذا تعلق التحريم بجهاتين: بجهة الإحرام وبجهة الحرام
قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ وهذا ختام جميل وعظيم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ والقاعدة عامة ﴿أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ و ﴿ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ فما يحكم الله عز وجل به ينبغي التسليم له
ثم جاء النداء الثاني، وينبغي لنا أن نستحضر كلما وجدنا نداء أن نستحضر أن بعده أوامر أو نواهي هذا هو النداء الثاني، وقلنا هناك ستة عشر نداء في هذه السورة المباركة للذين ءامنوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ليس نداء فقط ولكن ب ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وإلا هناك نداءات أخرى كما تقدم التنبيه على ذلك.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ﴾
قالوا هنا: لا تستحلوا حرمات الله التي أمركم بتعظيمها، إذا لنا أن نقول أن المراد بالشعائر:الشعائر عموما، الأحكام، فتكون الآية من بدايتها نهي العباد عن استحلال المحرمات، حافظوا على معالم الدين، إذا هذا من بداية السورة
أو أن القضية تحدثت عن بعض أحكام الحرم والحج؛ ولذلك جاء في أواخر السورة ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَـٰمًا لِّلنَّاسِ﴾ إذا ﴿لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ﴾ فيها أيضًا المحافظة على الأحكام الشرعية، قال﴿لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ إذا الآيات تدل على الوفاء بالعقود وعلى النهي عن التخلي عن شعائر الله سبحانه،
كما أن في السورة ما يدل على التوازن أن الله حينما يأمرنا وينهانا فإنه يأمرنا وينهانا بما فيه الخير لنا وإنه لا يكلفنا فوق طاقتنا ولذلك جاء في السورة ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحَرِّمُوا۟ طَيِّبَـٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾
قال ﴿وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ يعني لا تحلوا الشهر الحرام، قالوا هنا: لا تستحلوا حرمات الله التي أمركم
بتعظيمها وكفوا عن محظورات الإحرام، كلبس المخيط، وعن محرمات الحرم كالصيد، كل هذا
أدخلوه في معنى الشعائر، إذا هذا تفسير كلمة الشعائر.
وكلمة (المخيط) التي تذكر في كتب الفقه المراد به: المفصل على قدر العضو، فيقال يحرم على المحرم أن يلبس مخيطا، أي مفصلا على مقدار العضو، كما يلبس الإنسان الملابس المعروفة، لكن ليس المراد بالمخيط أن يكون من خيط فهذا شيء آخر، ليس القضية أو ليست القضية تتعلق بخيط أو غيره، ﴿أَنَّمَا﴾ الموضوع يتعلق بأن الإحرام لا يكون بملابس قد لبست على مقدار الأعضاء، كما هو في الأيام العادية أو كما هو في الوضع الطبيعي.
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ قالوا هنا: ولا تستحلوا القتال في الأشهر الحرم وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، هذا من تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم -حينما قال “ السنة اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم “ ثم فسرها “ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب مضى بين جمادى وشعبان “
بعض العلماء يرى أن هذا الجزء من الآية منسوخ و﴿وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ﴾ قالوا يجوز القتال في الشهر الحرام، كان هذا في بداية الأمر محرما ثم بعد ذلك أبيح وهذا قول الجمهور
ومنهم من فرق بين البدء والدوام، فلا يبتدأ القتال في الأشهر الحرم، لكن إذا كان هناك قتال سابق للأشهر الحرم، وكان الموجود استمرارا لما سبق، فلا بأس، وأيضا كل هذا يتعلق بجهاد الطلب، وأما ما يتعلق بالدفع إذا داهمنا العدو ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت فإنَّ المسلمين يدفعونه سواء كان في شهر حرام، أم لم يكن في شهر حرام، وقد أشار إلى طرف من ذلك عند تفسير قوله ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾
قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ﴾ قالوا هنا: ولا الهدي، أي ولا تستحلوا ما يهدى إلى الحرم من الأنعام لله هناك، لا تستحلوا هذا الهدي، حافظوا عليه ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ فيه، بغصب ونحو أو منع من وصوله إلى محله، ولا تستحلوا البهيمة التي عليها قلادة أيضًا قالوا ﴿وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ﴾
إذا الهدي لا تتعرضوا له بأذى، اتركوه حتى ينحر فيه، وكذلك القلائد لا تستحل تلك القلائد، القلائد في الأصل: جمع قلادة من صوف وغيره، لكن هنا تأملوا ماذا قال؟ قالوا: ولا تستحلوا البهيمة، إذا فسر القلادة بالبهيمة هذا معناه ماذا؟ أن المراد بقوله ﴿وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ﴾ يعني: ولا تستحلوا ذوات القلائد إذا كأننا نقول هناك مجاز بالحذف، أو المراد بها: صاحبة القلائد، لكن عبر عنها بالقلائد باعتبار أنها أعظم مكانة
خلاصة وتثبيت الفكرة
فإنْ قال قائل: هذا استفيد من قوله الهدي، فقالوا: هذا زيادة في المبالغة؛ لأن شكلها أجمل وأحسن منظرا وأكثر أهمية، فهناك من يرسل الهدي، وهناك من يقيد الهدي فيكون هذا من عطفه الخاص على العام أو إذا نهى عن القلادة فكيف بصاحبة القلادة؟
قال ﴿وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا﴾ وقد كانوا يرسلون الهدي يرسل الهدي وربما صحبه من مكانه ومن بلده إلى الحرم؛ لينحره هناك. قال الله سبحانه ﴿وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا﴾ قالوا هنا: ولا تستحلوا قاصدي بيت الله الحرام، إذا معنى ﴿وَلَآ ءَآمِّينَ﴾ لا تتعرضوا، يقصد بيت الله الحرام، وكما قلت بعض العلماء يرى أيضًا بنسخ هذا الجزء قالوا لأن المشرك لا يُمَكَّن ﴿مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾، والرسول قال “ لا يحج بعد العام مشرك “، فلذلك قالوا ليس المراد به “ أهل الشرك “، لكن ﴿ءَآمِّينَ﴾ ما معناها؟: قاصدين، ومنه: الأمر القصد.
ولذلك من الأخطاء الشائعة في قول بعض الناس (ءامين) أن يقول (آمّين) ف (ءآمّين) بالتشديد غير ءامِين (ءامِين) معناه استجب اسم فعل أمر بخلاف (ءآمّين)
قال ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًا﴾ ما المراد بالفضل؟ قالوا هنا: ربح التجارة والرضوان ومرضاة الله، فيكون قالوا: يطلبون ربح التجارة ومرضاة الله سبحانه وتعالى
قال ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟﴾ إذا حللتم: إذا حللتم من الإحرام فاصطادوا، صار الصيد مباحا لكم
وهنا تأتي المسألة الشهيرة ما حكم الأمر بعد الحظر؟ يعني ربنا نهانا عن الصيد ونحن محرمون ثم أمرنا، الأمر المطلق يقتضي الوجوب على قول الجمهور، فهل هنا الصيد واجب؟
الصيد ليس واجبا قالوا لم؟ لأنه أمر به بعد حظر، يعني منع ثم أمر به، فإذا قالوا: يحمل على الإباحة، والذي اختاره عدد من المحققين أنه يرجع إلى حكمه الأول، فإذا كان حكمه قبل الحظر مباحا فإذا هو على الإباحة، وإذا كان حكمه قبل الحظر على الوجوب أو الاستحباب فيصير إلى الحكم الأول، وتقدم التنبيه إليه في بعض الآيات كما في سورة ﴿وَيَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُوا۟ ٱلنِّسَآءَ فِى ٱلْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] وأيضا ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَٱبْتَغُوا۟ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10] فيقال هذا أمر بعد حظر يعود إلى حكمه قبل النهي
قال ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ ولا يجرمنكم: ولا يحملنكم بغض قوم شنآن: معناه بغض وفيه القراءتان (شَنََٔانُ) بالفتح و (شَنَْٔانُ) بسكون النون، والمراد به، البغض (أن صدوكم) والقراءة الأخرى (إن صدوكم) ﴿عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟﴾
يأمرنا الإسلام بالعدل، اعدلوا ولا تظلموا، عدوًّا كان أو قريبًا، عدوًّا كان أو حبيبًا قريبا كان أو بعيدا
قال ﴿أَن تَعْتَدُوا۟﴾ و ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ هذه قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة الأمر بالتعاون على البر والتقوى والنهي عن التعاون على الإثم والعدوان، وكم من مسألة فرعية تُطرح على الفقيه ربما لا يجد فيها نصا خاصا، أو دليلا مستقلا، لكنه يستدل بهذه الآية، فيقول هذا من باب التعاون على البر والتقوى والله قال ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ﴾ أو يقول: هذا من باب التعاون على الاثم والعدوان، والله نهانا فقال ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾
فهي قاعدة كلية من قواعد الشريعة ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾
﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ وهنا عطف التقوى على البر، فقال بعضهم: إذا جاءت كلمة البر وحدها فالمراد بها عموم الطاعات، وإذا جاءت التقوى وحدها أفادت جميع الطاعات أيضًا، لكن إذا جاء البر مع التقوى فيكون البر: فعل الخير، والتقوى: ترك الحرام، ترك المحرمات فالمراد ﴿بِٱلتَّقْوَىٰٓ﴾: ترك المحرمات والمراد بالبر: فعل الطاعات
وكذلك الإثم والعدوان، قالوا الإثم: المعاصي المتعلقة بالإنسان، والعدوان: التعدي على الخلق بأن يتعدى على الناس، والله أعلم. ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾
الأصل هو حِلُّ الأكل من كل بهيمة الأنعام، سوى ما خصه الدليل بالتحريم، أو ما كان صيدا يعرض
للمحرم في حجه أو عمرته
النهي عن استحلال المحرمات، ومنها محظورات الإحرام، والصيد في الحرم، والقتال في الأشهر الحرم، واستحلال الهدي بغصب ونحوه، أو منع وصوله إلى محله.
قال الشيخ حفظه الله:
“ الأصل هو حل الأكل من كل بهيمة الأنعام “، هذا هو الأصل، بدليل قوله ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ﴾ قال سوى ما خصه الدليل بالتحريم ﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ وسيأتي تفصيله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ﴾ إلى آخر الآية، “ أو ما كان صيدا يعرض للمحرم في حجه أو عمرته “ ﴿غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ وهنا قال ﴿غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾؛ لأن هذا تحريم مؤقت، يعني بعد الصيد عادت إباحته، بخلاف ﴿إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ فهو محرم باق على هذا التحريم، وهذا وجه الاستثناء من الاستثناء، فكان هذا لتحريم مستمر وهذا لتحريم مؤقت والله أعلم.
قال “ النهي عن استحلال المحرمات، ومنها محظورات الإحرام، والصيد في الحرم، والقتال في الأشهر الحرم، واستحلال الهدي بغصب ونحو، أو منع وصوله إلى محله “ وهذا واضح في الآية الثانية ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَـٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَـٰٓئِدَ﴾ مع مراعاة أن بعض ما ورد في هذه الآية الكريمة منها ما يقول بعض العلماء بنسخه، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قال الشيخ حفظه الله:
قال الله سبحانه ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ إلى آخر الآية الكريمة، هذا ذكر للمحرمات، فربنا سبحانه وتعالى، بعدما ذكر الحلال، وقال ﴿أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَـٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ بين لنا ما الذي سيتلوه علينا من ذلك، لبيان المحرمات من المطعومات، فقال حرمت عليكم الميتة، والميت: ما مات حتف أنفه، أي بلا تذكية شرعية.
فقال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ﴾ هنا قال ﴿وَٱلدَّمُ﴾ دون أن يبين لنا هذا الدم يحرم على إطلاقه، أم أنه يحرم في حالة معينة؟ لكن جاء في الآية الأخرى ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِى مَآ أُوحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] دما كثيرًا غزيرا متتابعا، فعلم من ذلك أن الدم المحرم هو الدم المسفوح، فهذا من تفسير القرآن بالقرآن؛ لذلك قالوا هنا في التفسير: وحرم عليكم الدم المسفوح؛ أي بدليل الآية الأخرى.
وقد جاء في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - (أحلت لنا ميتتان ودمان) فهذا أيضًا يخصص عموم الآية الكريمة فما جاء هنا ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ﴾ (أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد) فهذا أيضًا يخصص قوله ﴿ٱلۡمَيۡتَة ﴾.
وكذلك (وأما الدمان فالكبد والطحال) فهذا أيضًا من قوله ﴿وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ﴾ فهذا محرم ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾أي ما ذكر عليه اسم غير اسم الله عند الذبح، فهذا أيضًا محرم.
والمنخنقة: أي الميتة التي كان سبب موتها بالخنق، وتأملوا ﴿وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ﴾ كل هذا داخل في معنى الميتة، فكلها من جنس الميتة؛ تستطيع أن تقول هذا من قبيل التخصيص بعد التعميم؛ لبيان بعض أسباب الموت بدون تذكية شرعية، ولذلك قال ﴿وَٱلْمُنْخَنِقَةُ﴾ أي التي ماتت بالخنق ﴿وَٱلْمَوْقُوذَةُ﴾التي ماتت بالضرب ﴿وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ﴾ التي ماتت بالسقوط من مكان عال، أو التي انحدرت في بئر ونحوه فماتت، قال ﴿وَٱلنَّطِيحَةُ﴾ الميتة بنطح غيرها لها وأيضا ﴿وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ﴾ أي وما افترسه السبع مثل الأسد.
قال ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي إلا ما أدركتموه قبل موته، فذكيتموه فإنه يحل لكم أكله؛ إذا قوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي أدركتموه، فحينئذ ذكيتموه، فحينئذ يحل أكله.
قال ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ﴾ أي وحُرمت عليكم أو حُرم عليكم أيضًا ما ذبح على النصب، قالوا هنا: “ وحرم عليكم ما كان ذبحه للأصنام “ هذا معنى وما ذبح على النصب، والأصل في النصب: أنها أحجار كانت عند الكعبة، أو حول الكعبة ينصبونها، يذبحون عليها، ويلطخون هذه الأحجار بالدماء؛ تقربا إلى آلهتهم، وليست النصب هي الأصنام نفسها، ولكن هناك فرق، فالنصب هي تلك الأحجار، والأصنام كانوا يسمونها ببعض الصور والتماثيل وما إلى ذلك.
قال ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾ يعني أيضًا من المحرمات (الاستقسام بالازلام)، قال: وحرم عليكم أن تطلبوا ما قسم لكم من الغيب بالأقداح وهي حجارة أو سهام مكتوب فيها افعل أو لا تفعل فيعمل بما يخرج له منها، حُرم عليهم ذلك فكانوا يستقسمون بالأزلام التي هي الأقداح، فيكون عنده أكثر من قدح، هناك قدح مكتوب عليه افعل، والآخر لا تفعل، بعضهم يقول في بعض ما ذكر في ذلك، والثالث غُفْل ليس فيه افعل أو لا تفعل، ثم يستقسم بها ليختار بينها.
فإذا جاء “ افعل “ يقدم.
وإذا “ لا تفعل “ لا يفعل.
وإذا جاء الغُفْل فإنه يعيد مرة أخرى.
وعوضنا الله سبحانه وتعالى عن ذلك بالاستخارة الشرعية، فالاستخارة هو ما شرعه الله، لا هذا الاستقسام بالأزلام، فبين الله أن هذا محرم
قال ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَـٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾ على ما يعود اسم الإشارة ذلكم؟ يحتمل احتمالين:
1 -ذلكم المذكور السابق من هذه المحرمات، وهذا ما اختاروه هنا قالوا: فعل تلك المحرمات المذكورة
خروج عن طاعة الله، إذا قولهم هنا في المختصر: فعل تلك المحرمات المذكورة، هذا تفسير لقوله
﴿ذَٰلِكُمْ﴾
2 -وهناك من يجعل ﴿ذَٰلِكُمْ﴾ يعود على الاستقسام بالأزلام باعتباره أقرب مذكور
قال ذلكم فسق: خروج عن طاعة الله
﴿ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ﴾ أي ﴿يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن﴾ ارتدادكم عن دين الإسلام وهذه الآية الكريمة وقوله ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ نزلت والنبي -صلى الله عليه وسلم -واقف بعرفة في حجة الوداع فقال الله ﴿ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ ولذلك لما قال الرجل لعمر -رضي الله عنه -: آية من كتاب الله نزلت عليكم، لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، وأخبره عن هذه الآية فقال لقد عرفنا المكان وزمان الذي نزلت فيه، نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم -وهو واقف بعرفة يوم جمعة، هذا في الصحيح، وفي رواية في غير رواية الصحيح، قال: وكلاهما لنا عيد بحمد الله تعالى.
﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فالمراد باليوم هنا ماذا؟ يوم عرفة بدليل ما ورد في نزول الآية الكريمة أو وقت نزولها ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هنا سؤال ما المراد بإكمال الدين؟
المراد بإكمال الدين إعزازه ونصرة الدين، وأن الدين قد قام واكتمل، وليس لأحد أن يدحره، أو أن مكة صارت عزيزة بهذا الدين، فلا تتحول إلى دار كفر، هذا معنى ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
أو المراد بإكمال الدين إكمال أصول الدين، لم؟ لأنه في هذا العام حج الرسول -عليه السلام -،
واكتملت أركان الإسلام الخمسة بحجة رسول الله.
وليس المراد بقوله ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ أكملت نزول القرآن؛ لأن هناك آيات نزلت بعد هذه الآية على الأرجح فقوله ﴿وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 281] ورد في بعض الروايات أنها نزلت قبل وفاته -صلى الله عليه وسلم -بتسع ليال، وأما هذه الآية فنزلت في حجة الوداع والرسول توفي في ربيع بعد ذلك، فهذا يدل على أن هناك آيات نزلت بعد هذه الآية.
إذا ليس المراد بإكمال الدين إنهاء الأحكام أو إنهاء الآيات.
وإنما المراد بإكمال الدين: إكمال أركان الإسلام “ حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم “ أو المراد بالإكمال هنا: الإعزاز والإنجاح والإظهار كما نص على ذلك الطبري وغيره.
﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾
-ومن لطيف ما يذكر في الفرق بين الإكمال والإتمام:
أن الإتمام يقبل الزيادة والإكمال لا زيادة فيه ولذلك ورد “ ليس بعد الكمال إلا النقصان، ولذلك هذا فيه أن من ابتدع في الدين لا يقبل منه: لأن الذي يبتدع في الدين يطمع أن يأتي بزيادة، فيقال له كيف تأتي بزيادة بعد الكمال؟ من أراد أن يأتي بزيادة بعد الكمال فما يكون إلا النقصان.
فلما ذكر الله الدين عبر بأكمل؛ لأن الدين لا مجال فيه للزيادة قد اكتمل.
ولما ذكر النعمة قال ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ لأن التمام لا حد له قابل للزيادة والعلم عند الله
قال ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ فالحمد لله على دينه، رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد -صلى الله عليه وسلم -رسولا.
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ﴾: بسبب مجاعة، فاضطر إلى الأكل منه ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ﴾ غير مائل ﴿لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، هذا في مجال الرخصة (الترخيص عند الضرورة).
قال الله بعدها ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ ذكر المحرمات ثم أتبعه أيضًا بذكر بعض ما أحل، والحلال أكثر، ولذلك الحلال هو الأصل والحرام محدود فلذلك نص عليه فقال حرمت كذا وكذا، وأما الحلال، فإنه لا يحصى.
قال ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ﴾، ﴿أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ﴾، قالوا هنا: ما طاب من المأكل ﴿وَمَا عَلَّمْتُم﴾ يعني أحل لكم أيضًا أكل ما علمتم من الجوارح ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ والمراد به أكل ما صاد ما علمتموه من الجوارح، إذا ما معنى ﴿وَمَا عَلَّمْتُم﴾؟ هل معنى ذلك أنكم ستأكلون جوارح سباعي أو سباع البهائم وسباع الطير؟ لا ليس هذا هو المقصود، ﴿أَنَّمَا﴾ ما صادوه، فقوله ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ﴾ أي: وصيد ما علمتم من الجوارح، فهذه التقديرات تُعلم من السياقات.
﴿مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ﴾ المراد بالجوارح سباع البهائم كالكلب والفهد ونحو ذلك وسباع الطير كالصقر والنسر ونحو ذلك مما يعلمه الإنسان، وقد ذكر هنا كيف يعلم فقالوا: مما منّ الله عليكم به من العلم بآدابه حتى صارت إذا أمرت ائتمرت، وإذا زجرت ازدجرت، صار يعلمها فإذا أرسلها أرسلت وإذا منعها امتنعت، فإذًا هو علمها بذلك، ويرسلها ويذكر اسم الله سبحانه قال الله سبحانه ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ﴾ ﴿وَقِيلَ﴾ لها جوارح لأن الجوارح معناها الكواسب فهي تكسب، يقال جرح أهله إذا كسبهم أو أعطاهم كسبهم، فالمراد بالجوارح الكواسبة؛ لأنَّها تأتي بالخير للإنسان تأتي بهذا الصيد ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ﴾ قالوا هنا: من ذوات الأنياب، كالكلاب والفهود وذوات المخالب، كالصقور، تعلمونهن أو تعلمونها الصيد مما من الله عز وجل عليكم به من العلم بآدابه، ولذلك معنى مكلبين: قالوا معوذين لها ومؤدبين، ولذلك يقال في الكلب: كلبه، وأصل المادة يدل على معنى الضراوة؛ لأنه لاعتياده، فإنه يفترس من أصابه، فمعنى مكلبين يعني: معتادين هذا بالتعليم الذي علمتموه لهم أو لهن.
قال ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ﴾ استدل بعض العلماء بهذه الآية على فضل العلم على غيره أو على الجهل؛ لأن الله أباح صيد الكلاب المعلمة، أو الجوارح المعلمة، وفي المقابل لا يجوز أكل أو صيد ما أكل صيد الجوارح غير المعلمة، فإذا أرسل بدونه فلا يجوز لك أكل ما اصطاده فهذا يدل على فضل العلم حتى في هذه الحيوانات والطيور.
قال ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ يعني أنهن أمسكن عليكم بخلاف ما إذا أمسك على نفسه فأكل منها فلا تأكل حينئذ كما جاء في النبي -صلى الله عليه وسلم - “ إذا أرسلت كلبك “ إلى آخر الحديث هو معروف
قال ﴿وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ﴾ جاء في الحديث ما يدل على وقت ذكر اسم الله، إذا أرسلت كلبك المعلم فحينئذ تذكر اسم الله، الذكر عند الإرسال وأيضا هناك ذكر عند الأكل لكن المراد عند الإرسال من البداية، قالوا: لأن ذكرك لله عند إرساله يقوم مقام التسمية عند التزكية، فكما أننا عند الذبح والتذكية نقول “ بسم الله “ فكذلك عند إرساله يقوم هذا مقام التذكية.
قال الله ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ﴾ والصيد له أحكامه المعروفة في الفقه، لكننا نذكر ما يناسب المقام هنا.
﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ﴾ قالوا: أكل المستلذات، وقد تقدم أن الطيبات في مقام التحليل والتحريم يراد بها الحلال، وفي مقام ذكر الطيبات يراد بها أو مقام الإنعام يراد به المستلذات، فإذا جاءت الطيبات في مقام الإنعام والامتنان يراد بها المستلذات، وقد ذكره ابن جزي وغيره من المفسرين.
قال ﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ سؤال ما المراد بالطعام؟ المراد بالطعام هنا الذبائح، إذا قوله ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ أراد به الذبائح، لأن الطعام غير الذبائح مباح من الجميع، يعني لو أن شخصا ليس من أهل الكتاب، المشرك والكافر والبوذي وكل من عبد غير الله ونسأل الله السلامة، هل يجوز لك أن تشتري منه طعاما ليس من باب الذبائح كالجبن؟ نعم يعني لو أن إنسان اشترى مشروبا أو شيئًا من الأشياء التي ليس لها علاقة ليست من الذبائح هل هذا حلال؟ حلال، ﴿أَنَّمَا﴾ الذي يدخله التحريم هنا الذبائح، فقوله ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ أي وذبائح الكتابي حل لكم، فطعام أهل ﴿ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾، وهذا من تيسير الله سبحانه وتعالى، ولذلك جاء في الحديث “ سمّ الله وكل “ فحينئذ لا بأس بأكل ذبائح أهل الكتاب، والعلماء لهم أيضًا اختلافات في بعض الصور تتعلق بهذا، لكن هذا هو الحكم العام
قال الله ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ فهذا مباح، إذًا انتقل الحديث من المباح من المطعومات إلى الحلال من المنكوحات، في باب النكاح قالوا: والمحصنات من المؤمنات: العفيفات من المؤمنات، قالوا هنا: وأحل لكم نكاح الحرائر العفيفات العفائف من المؤمنات، ففسروا المحصنات بالحرائر العفائف، وقد تقدم معنا أن المحصنة جاءت في القرآن على معان:
◂ منها أنها بمعنى الحرائر وبمعنى العفائف
ومنها أنها بمعنى المتزوجات كما في قوله ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 24] وذكرنا هذا في سورة
النساء
قال ﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيضًا العفائف الحرائر ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ، فيجوز نكاح الكتابية، وهذا أيضًا مما جاء هنا في سورة المائدة، لكن الذي جاء في سورة البقرة الحديث عن حرمة نكاح المشركات ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] لكن هنا جاء الحديث عن حل نكاح الكتابيات بشرط أن تكون الكتابية محصنة
وقد اختلفوا، هل المراد الكتابية التي تعتقد أن الله إله واحد؟ لأن أهل الكتاب يعتقد كثير منهم الآن أو العقيدة الشائعة لديهم من النصارى يقولون أن الله ثالث ثلاثة فكيف هذا؟ ولذلك بعض العلماء وذهب إليه ابن عمر -رضي الله عنهما -يرون أن هذا في الكتاب الذي يعتقد التوحيد وإلا قالوا إن الله قال و﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلْمُشْرِكَـٰتِ﴾ وأي شرك أعظم من أن تقول أن عيسى إله لها، كما قال ابن عمر.
لكن الذي عليه الجمهور أن الكتابيات بصفة عامة “ من دانت بدين النصارى “ فإنه يحل نكاحها إذا
كانت محصنة لأن الله عز وجل لما سماهم بالذين أوتوا الكتاب ذكر أيضًا في هذه السورة ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ وقال ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وخاطبهم بأنهم أهل الكتاب، فهذا أيضًا
يدل على جواز النكاح من الكتابية إذا كانت عفيفة، والله تعالى أعلم، غير مشهورة بالدعارة والزنا
وما إلى ذلك نسأل الله السلامة.
قال ﴿إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ﴾ غير متخذينهن ترتكبون زنا معهم ﴿وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍ﴾