مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المائدة — الجزء 2

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 282 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قال ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ قالوا: ومن يكفر بما شرعه الله لعباده من الأحكام، فقد بطل عمله ﴿وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾ نسأل الله السلامة.

من فوائد الآيات:

تحريم ما مات دون ذكاة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذكر عليه اسم غير اسم الله عند الذبح، وكل ميت خنقا، أو ضربا، أو بسقوط من علو، أو نطحا، أو افتراسا من وحش، ويستثنى من ذلك ما حيا وذكي بذبح شرعي.

قال الشيخ حفظه الله:

تحريم ما مات دون ذكاة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، وما ذكر إلى آخره في قوله ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ﴾ الآية

حِلّ ما صاد كل مدرب ذي ناب، أو ذي مخلب من الطير، كما في قوله سبحانه ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾

إباحة ذبائح أهل الكتاب وإباحة النكاح من العفيفات، وذلك في قوله ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ﴾

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ﴾ إلى آخر الآية الكريمة

هذا انتقال واضح من الحديث عن المطعومات، والمنكوحات، إلى الحديث عن الطهارة والصلاة،

* وقد يقول قائل ما وجه المناسبة؟ والجواب عن ذلك:

1 -إذا عرفنا أن مقصود السورة هو: الحديث عن العقود، والعهود والتكاليف الشرعية، والفرائض التي افترضها الله جل وعلا على عباده، فحينئذ لا إشكال في وجه المناسبة، ولذلك تقدم معنا أن المناسبة قد تكون مناسبة جزئية وقد تكون مناسبة كلية، بحيث أن الآية أو المجموع من الآيات، يتحدث عن موضوع يتفق في المقصود مع مقصود موضوع آخر ملاصق لهذا الموضوع أو لتلك الآيات، هذا من جهة.

2 -ومن جهة أخرى: فالحديث عن المطعومات يتعلق بالغذاء، غذاء البدن، وهناك غذاء الروح، ومعظمه يتمثل في الصلاة، فبعد أن حدثنا الله عن الطعام، وعما يحل منه ويحرم، وعن النكاح وما يتعلق بالشهوة، حينئذ جاء الحديث عن الروح، الروح تحتاج إلى غذاء، وهذا يتأتى بالصلاة، والصلاة لها مفتاح، ومفتاحها الطهور كما جاء

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ﴾ وعلى النسق المعهود في هذه السورة افتتحت الآية بقول ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ﴾ قالوا هنا: إذا أردتم القيام؛ لأن غسل الوجه، ولأن الوضوء لا يكون بعد القيام للصلاة، وإنما يكون عند إرادة قيام الصلاة، ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ أي أردتم القيام إلى الصلاة، واستدلوا بذلك على اشتراط أو وجوب النية، أنه لا بد من نية لهذه الصلاة

قال ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ ظاهر الآية أن الوضوء لازم عند القيام لكل صلاة، لكنهم قالوا هنا في التفسير: إذا أردتم القيام لأداء الصلاة، وكنتم محدثين حدثا أصغر، هذا معناه: أن الوضوء ﴿أَنَّمَا﴾ يجب بشيئين:

﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الإنسان الصلاة.

وكان محدثا

وأما إذا لم يكن محدثا فإنه لا يجب عليه الوضوء، فإنه يجوز له أن يصلي أكثر من صلاة بوضوء واحد ولذلك H1

وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في مسلم (صلى عام الفتح الصلوات الخمس بوضوء واحد) ولما سئل عن ذلك قال (عمدًا صنعته يا عمر)

فصلى الصلوات بوضوء واحد للدلالة على أن الوضوء لكل صلاة ليس بشرط، وليس بواجب إذا كان الإنسان غير محدث، وإن كان الوضوء لكل صلاة مستحبا وقد جاء في حديث ابن عباس عند البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ عند كل صلاة.

قال ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ هذه أركان الوضوء، أو فرائض الوضوء، وقد تقدم الحديث عن طرف من ذلك فيما يتعلق بآية سورة النساء ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ﴾ [النساء: 43] عن جزء من الآية؛ لأن جزءا من الآية في سورة النساء مشابه لهذه الآية، وإلا ففي سورة المائدة تفصيل أكثر كما ترون، ﴿فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ قالوا: المرافق معناها مع المرافق، فقالوا: (إلى) بمعنى (مع)؛ لذلك قالوا المرافق داخلة

وقد اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا في دخول ما بعد (إلى) أو عدم دخوله

فمنهم من قال إذا كان ما بعد (إلى) من جنس ما قبل (إلى) فإنه داخل وإذا لم يكن من جنسه فإنه ليس بداخل، وما بعد المرفقين داخل في مسمى اليد، فهو داخل، ثم جاءت السنة وهو “ أنه كان يغسل المرفقين حتى يشرع في العضد “ فدل على دخوله، ومن مجيء (إلى) بمعنى (مع) ﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ﴾ أي مع اموالكم؟

قال ﴿وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ﴾ وامسحوا برؤوسكم، هذا فيه أن حق الرأس المسح.

* وقد اختلفوا اختلافا كبيرا في هذه الباء:

وهنا قالوا في هذه الآية الكريمة قال: وتمسحوا برؤوسكم لكنهم لم يتحدثوا عن المراد بمعنى الباء

فمنهم من قال: أن الباء للإلصاق، وهذا هو الأشهر، بل إن بعضهم قصر معاني الباء في معنى الإلصاق،

والمعنى الذي لا ينفك عنها، كما نص عليه كثير من المحققين، كسيبويه وغيره، ويشهد لهذا: أن المعنى وامسحوا برؤوسكم أيديَكم، فاستفيد من ذلك أن المسح يكون باستعمال اليد، وكذلك وامسحوا برؤوسكم الماءَ، فقالوا ﴿أَنَّمَا﴾ جاءت الباء للدلالة على أن المسح يكون بشيء، وهو الماء؛ لأنه لو قال وامسحوا رؤوسكم، فيحتمل أن يضع الإنسان يده على رأسه دون استعمال ماء، فذكر الباء دل على إلصاق شيء، وهو إمرار الماء على الرأس.

وبعضهم يجعلها للتبعيض

وبعضهم أنكر التبعيض في ذلك

وبعضهم قال بل هو ثابت في اللغة وبناء عليه وقع الاختلاف فيما يجب من مسح الرأس أيجب

مسح الرأس كله؟ أم يجب مسح بعضه فحسب، ثم اختلفوا في هذا البعض على أقوال متعددة

وقد جاءت سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم -تدل على أنه كان يمسح رأسه كله فيمسح بمقدم رأسه إلى مؤخره صلى الله عليه وسلم، وورد أنه كان يمسح على ناصيته وعلى العمامة، أو على الخمار، فاستدل بعضهم بذلك على أن المتعين هو البعض بدليل أنه كان يمسح على العمامة وبعضهم قال، بل هذا خاص إذا كان هناك هذا، خاص بما إذا كان هناك ساتر للجمع بين الأدلة ولا شك أن هذا هو الأحوط والأقرب، والله تعالى أعلم.

قال ﴿وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ﴾ استفاد الإمام الشافعي رحمة الله تعالى، وجوب الترتيب؛ وذلك لأن الله ذكر الممسوح بين المغسولات، وقالوا أنه لا يذكر أو لا يفرق بين المتماثل إلا لحكمة، فلو لم يكن الترتيب مقصودًا، لناسب أن يجمع بين المغسولات معًا، فيقول: ﴿فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾، وأرجلكم إلى الكعبين، ثم يقول: وامسحوا برؤوسكم، فكون الآية جاءت على هذا النسق، وذكر المسح بين المغسولات دل على أن هذا الترتيب مقصود

وهذا استنباط لطيف وجيد وهو من لطيف استنباطات الإمام الشافعي رحمة الله تعالى وما أجمل استنباطاته كما هو معروف لمن تتبع كلامه وكلام الأئمة الكبار رحمة الله عليهم

قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ﴾ فهذا فيه أيضًا وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين وهذه هي القراءة وأرجلَكم بالنصب، دل على أن حق الرجلين هو الغسل لذلك فقوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ أي: واغسلوا أرجلكم، ولذلك هذا معطوف على قوله ﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ في ﴿فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ﴾ أي واغسلوا أرجلكم، لكن فرّق بين هذا وذاك كما ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ من أجل الترتيب، فذكر المسح بين هذه الأعضاء،

وهناك قراءة أخرى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ﴾ بالخفض، فحينئذ اختلفوا في توجيهها:

فمن قائل يقول: معطوف على مسح الرؤوس، فهل معنى ذلك أن حق الرجلين المسح الذي عليه جماهير أهل السنة، كما هو معروف أن الرجلين لا بد من غسلهما؟

ولذلك قالوا القراءة الدالة على الجر ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ﴾ محمولة على أن هذا المسح مسح على الخفين، وجاء بيان ذلك في السنة، فتكون إحدى القراءتين وهي قراءة “ وأرجلَكم “ دالة على الغسل وإحدى القراءتين “ وأرجلِكم “ دالة على المسح، لكن المسح جاء مفسرًا في السنة، بأنه مسح على الخفين، لا على الأرجل مباشرة.

وبعضهم قال ﴿أَنَّمَا﴾ الجر جاء على الجوار، وهذا معروف في اللغة، فحق الرجلين الغسل لكن جاء الجر عطفًا على رؤوسكم من حيث اللفظ، لا من حيث المعنى.

ومنهم من قال ﴿أَنَّمَا﴾ جاء على صيغة الجر للدلالة على شيء وهو أنه لا ينبغي أن يبالغ في غسل الرجلين إلى حد الإفراط، فكان المراد به غسل قريب من المسح، بمعنى لا تغالوا، كما يجري من بعض الناس فيغالون

وقال بعضهم، بل فيه إشارة إلى أن الغسل يكون مصحوبا بوضع اليد أو بإمرار اليد ففيه إشارة إلى الدلك، والعلم عند الله، وللعلماء في ذلك أقوال وتوجيهات كثيرة، في توجيه تلك القراءات.

قوله ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ﴾ هذا أيضًا مما يدل على أن المقصود ليس المسح؛ لأن المسح لا علاقة له بالتحديد إلى الكعبين، وإنما الذي يكون فيه تحديد إلى الكعبين هو الغسل، فإذًا قالوا هذا حقه هو الغسل، ولذلك في المسح على الخفين لا يقال إذا مسح على الخفين يمسح إلى الكعبين

-والمراد بالكعبين: العظمان الناتئان اللذان يربطان بين القدم وبين الساق فهذان العظمان يقال لهما الكعبان، قال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ﴾ هذه أركان الوضوء كما في الآية الكريمة.

قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُوا۟﴾ هذا أمر بالغسل، إذًا في الآية الكريمة حديث عن الطهارتين الصغرى والكبرى: حديث عن الطهارة بالوضوء، وحديث عن الطهارة بالغسل، الغسل من الحدث الأكبر وهو الجنابة ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُوا۟﴾ أي محدثين حدثا أكبر فاطهروا، ﴿وَقِيلَ﴾ لها جنابة؛ لأن الإنسان الجنب يمتنع عن بعض الطاعات، كما هو معلوم.

قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ حدَّثَنا ما إذا وجد عند الإنسان حدث أصغر، أو أكبر، ولم يجد الماء، فحينئذ يتجه إلى التيمم، وكذلك إذا عجز عن استعمال الماء، فالماء موجود لكنه عاجز عن استعماله، فيكون فيه كما لو فقده، لذلك قالوا العجز قد يكون عجزًا حقيقيًّا وقد يكون عجزًا حكميًا

قال: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ﴾ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾: فوقع في حدث أصغر ولذلك قالوا هنا: أو كنتم محدثين حدثًا أصغر بقضاء الحاجة، وهذا في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ وقد تقدم أن الغائط: المكان المنخفض من الأرض، ثم بعد ذلك أطلق على قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا يتجهون إلى هذا المكان من أجل قضاء الحاجة، فعبر عنه بالغائط والمراد به: ما يقع في الغائط، ثم بعد ذلك صار الإنسان يقضي حاجته وإن لم يكن في مكان منخفض، ومع ذلك يطلق عليه غائط وهذا معروف في اللغة

قال ﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ فسروا هنا أو لامستم النساء قالوا: أو محدثين حدثا أكبر بمجامعة، ففسروا الملامسة بالمجامعة، وهذا أقرب، والعلم عند الله، وله دلائل في الآية، وله دلائل من السنة أيضًا، من دلائله في الآية: أن الآية تكون قد شملت البابين، فالله ذكر في الأول الوضوء، وذكر الغسل ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَٱطَّهَّرُوا۟﴾ فلما ذكر الأحداث ذكر الحدث الأصغر وذلك في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ثم ذكر الحدث الأكبر وهو في قوله ﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ فيكون هذا فيه حديث عن الحدث الأكبر، فيكون فيه جمع للأقسام جميعها للطهارة الصغرى، والطهارة الكبرى، وللحدث الأصغر، والحدث الأكبر، ثم جاء ما ينوب عن ذلك وهو التيمم.

وأيضا ما جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم مما يشير إلى أن مجرد الملامسة ليست موجبة للوضوء أو ليست ناقضة للوضوء يعني، والله تعالى أعلم. من ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم - “ لمسته أمنا عائشة رضي الله عنها “ حين فقدته وهو يصلي وسمعته يقول ﴿قَالَتْ إِنِّىٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَـٰمًا زَكِيًّا﴾ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك لا أحصي ثناء عليك وهو في أثناء صلاته ووضعت يديه على قدميه صلى الله عليه وسلم، فدل على أن هذا ليس بناقض للوضوء، وأن اللمس وحده ليس بناقض للوضوء، وهو أقرب والله أعلم، وإن كان في المسألة كلام معروف للعلماء:

فمنهم من يرى أن لمس المرأة ينقض الوضوء

ومنهم من يرى أن اللمس بشهوة هو الذي ينقض الوضوء

والقول بأن مطلق اللمس ناقض الوضوء فيه ضعف، وإنما القولان اللذان فيهما أخذ ورد، اللمس مع الشهوة، أو أن المراد بالآية هو الجماع، فهذان القولان هما اللذان بينهما شيء من الأخذ والرد والعلم عند الله وتحرير ذلك معروف في دراسة الفقه وإن كان الأقرب أن الملامسة في الآية الجماع، ويقال إن الله يكَنِّي بما يشاء، لأن الله حيي سبحانه وتعالى

والقراءة الأخرى أو لَمَستم النساء، وحملوا اللمس على الملامسة.

قال ﴿فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ قالوا: فلم تجدوا ماء، أي: مما يقال له ماء، لأن ماءً جاءت نكرة في سياق النفي، فإذا كان هذا ماءً، فإنه يصح التطهر به، قال ﴿فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ الاتجاه إلى التيمم، حينئذ يتجه الإنسان إلى التيمم، وهذا فيه دليل على أن التيمم رافع وإن ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه رافع مؤقت للحدثين الأصغر والأكبر وليس للأصغر فقط، لا سيما مع تفسير أو لامستم النساء بالجماع، فهو مستعمل في البابين، ودلت على ذلك سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم -في قصة عمار رضي الله عنه عنه

قال: ﴿فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ قالوا: هنا فاقصدوا وجه الأرض، إذًا فسروا الصعيد بوجه الأرض، ومنهم من يفسره بالتراب، أو التراب الذي له غبار، إذًا هذا مبني على الخلاف في المراد بالصعيد، هم فسروا هنا بوجه الأرض، فلا يشترط حينئذ غبار على هذا القول، ومن قيده بأن الذي له غبار فسره بذلك، والعلم عند الله

قال ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فيكون هذا الصعيد طاهر وطيب قال ﴿فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾، هذا للدلالة على أركان التيمم، فالتيمم له ركن النية وهذا من معاني التيمم: القصد، وأن يكون فيه مسح الوجه واليد

وبعضهم استدل بـ (منه) أن الذي يكون فيه منه، دلالة على أنه من تراب له غبار، أو يؤخذ منه، ولا

يكون مجرد وجه الأرض، ومنهم من لم يشترط ذلك كما هو معلوم.

قال ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذا فيه أن من مقاصد التيمم: رفع الحرج عنه، وتيسير الأمر عليه، وهذا فيه أيضًا: أن المقصود بهذا التعبد، ولذلك لا يقول قائل: “ أن علة الوضوء الطهارة، أو النظافة “ نقول هذه ليست بعلة، ﴿أَنَّمَا﴾ هذه من حكم الوضوء، وإلا لو كانت هذه علة، فما الفائدة أنه إذا لم يجد الماء يتجه إلى التيمم، أين موضع النظافة حينئذ؟ وأين مقصد النظافة حينئذ؟ ثم إن الإنسان يخرج ريحا من أسفله، ويتوضأ من أعلاه، فما وجه ذلك؟ إلى غير ذلك؛ ﴿أَنَّمَا﴾ يقال هذا تعبد لله بأن نتوضأ تعبدنا لله بأن نتيمم، والله أعلم، قال ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾

ثم قال ﴿وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ نتذكر مقصود السورة، ﴿وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ﴾ هذه هي العقود التي قال الله فيها ﴿أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ﴾ هذا هو الضابط العام، قال ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ﴾ هذا نداء آخر لأهل الإيمان، نداء بالقيام بالعدل، وترك الظلم، كونوا قوامين لله بالقسط، ﴿بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ﴾ بغض قوم، ﴿عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله هو؟ يعود على المصدر المفهوم من اعدلوا، أي المعنى: اعدلوا، العدلُ أقرب للتقوى، اعدلوا لأن كل فعل يتضمن مصدرًا، أو معه مصدر،ثم مع الحدث زمن أيضًا، فالفعل يجمع بين الحدث والزمان، فقوله ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ أي: العدل أقرب للتقوى، فسره هنا التقوى للخوف من الله، والجور: أقرب إلى الجسارة، فالجائر عنده تجاسر،وعنده جرأة على الله، وأما المتقي العادل: فإنه يتقي الله، ﴿لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

من فوائد الآيات:

الأصل في الطهارة هو استعمال الماء بالوضوء من الحدث الأصغر والغسل من الحدث الأكبر في حال تعذر الحصول على الماء أو تعذر استعماله لمرض مانع أو برد قارس

قال الشيخ حفظه الله:

الأصل في الطهارة هو استعمال الماء بالوضوء من الحدث الأصغر والغسل من الحدث الأكبر، ولذلك التيمم يأتي عند فقد الماء، قال ﴿فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً﴾ إذًا الأصل استعمال الماء في الطهارة من الحدث الأصغر، والحدث الأكبر في حال تعذر الحصول على الماء، أو تعذر استعماله، وهذا معنى تعذر استعمال الماء حكمًا، لمرض مانع، أو برد قارس، يشرع التيمم بالتراب، وقولهم بالتراب تفسير للصعيد، وقد

فسَّروه قبل بوجه الأرض، هما قولان، قال لرفع حكم الحدث الأصغر والأكبر

وقد اختلفوا في التيمم، أرافع هو أم مبيح؟

◂فمنهم قالوا مبيح ليس برافع للحدث

◂ومنهم من قال بل هو رافع للحدث

والأقرب أنه رافع مؤقت، “ فإذا جاء الماء -في الحديث -فليتق بشرته “ فحينئذ هو ليس رافعًا مطلقًا؛

لأنه يجب حينئذ أن يمس الماء، وإنما نقول رافع مؤقت، لأنه إذا تيمم أبيح له أن يصنع ما يصنعه المتوضئ، لا نقول ليس له إلا أن يصلي تلك الصلاة بهذا التيمم، بل يقوم مقام الماء في الطهارة عموما، إلا إذا وجد الماء، فحينئذ يجب عليه استعمال الماء، وهذا معنى رافع مؤقت، لكن على كلٍ معروف أن لهذا أو أن في هذا أقوالا للفقهاء المعتبرين، والعلم عند الله.

الأمر بتوخي العدل واجتناب الجور حتى في معاملة المخالفين، ولذلك قال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾

قال الشيخ حفظه الله:

قال ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾ هذا على طريقة القرآن المعهودة، وعادة القرآن المعروفة، ذكر الترغيب والترهيب، فبعد أن قال ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قال ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَحِيمِ﴾

ثم جاء نداء آخر من النداءات للمؤمنين ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ولعلكم تذكرون في الآيات السابقة، قال الله ﴿وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ فجاء هنا التكرار وهو ﴿ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ لكن الفرق أن الآية السابقة ﴿وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ عام، ثم قال هنا ﴿ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ فذكر نعمة خاصة، قال ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾، قال بعض العلماء هذا ما جرى من بني النضير، حينما أرادوا قتل الرسول -صلى الله عليه وسلم -، واغتياله، فأنقذه الله عز وجل من شرهم، أو عندما حاول بعض اليهود قتل الرسول -صلى الله عليه وسلم -، أو إيذاءه، وإيذاء من معه من أصحابه، فكف الله عز وجل أيديهم عنكم وحفظكم ورعاكم، فاذكروا نعمة الله عليكم، ولا شك أن النعمة على الرسول نعمة على الأمة، فإنّ حفظ الرسول حفظ لدين الله، وحفظ للأمة الإسلامية، وقوله ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي بالإيذاء، ولذلك قال بعض العلماء فرق بين أن يقال بسط إليك يده وبين قوله بسط يده:

فقوله بسط يده كناية عن الجود والعطاء

أما بسط إليك يده أي بالإيذاء والمضرة

وكذلك “ بسط إليك لسانه “ يكون المراد بالإيذاء باللسان،

قال ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ وسنرى أيضًا أن في السورة الكريمة تكرارًا للأمر بتقوى الله؛ لأن تقوى الله عز وجل محرك ودافع لامتثال الأوامر، واجتناب النواهي

قال ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ هذا معلم من المعالم في السورة الكريمة، أن الله أمرنا بالوفاء بالعقود، ثم ذكر لنا حال اليهود، وحال أهل الكتاب، وأن الله أمرهم بالوفاء بالعقود، لكنهم أخلفوا، ولكنهم نقضوا العهود، فالله يحذرنا يقول: لا تكونوا أمثال هؤلاء، فهؤلاء قد عقدوا العقود، وقد أمرهم الله بالوفاء بها، لكنهم أخلفوا ونقضوا، وسمعوا وعصوا

قال الله ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ قالوا هنا: رئيسًا، (فالنقيب): الرئيس، أو الذي يستخلفه الإمام، والمراد بذلك: أن موسى عليه السلام جعل عليهم اثني عشر نقيبًا، أو قالوا: عريفًا، ﴿وَقِيلَ﴾ له نقيب؛ لأنه ينقب عن أمورهم، ويبحث عنها ويفتش، ويتتبع أحوالهم، وذلك أن الله قال ﴿وَقَطَّعْنَـٰهُمُ ٱثْنَتَىْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: 160] فجعل على كل قبيلة، أو على كل أمة منهم نقيبًا يراعي أحوالهم، ويكون القائم على الجميع نبي الله موسى -عليه الصلاة والسلام -

قال ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ﴾ هذا بيان بفضل الله ومنته، ومع ذلك لم يراعوا هذا

﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ هذا هو العهد، قال ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ هذا هو الجزاء، ولعلكم تذكرون ما سبق في سورة البقرة في قوله ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40] ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هناك من باب تفسير القرآن بالقرآن، من المفسرين من قال ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ما المراد بعهد الله في قوله ﴿وَأَوْفُوا۟ بِعَهْدِىٓ﴾؟ قوله “ ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وما معنى “ أوف بعهدكم “؟: ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ وسترون في الآيات المقبلة في هذه السورة الكريمة حديث عن هذه الأوامر والعقود والعهود التي أمرهم الله بها من هذا الجنس، لكنهم أخلفوا ونقضوا ولم يكونوا من الوافين بالعهود أو العقود.

قال الله ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ وقالوا: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: 58].

قال ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وقال في السورة: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، فانظر بدلًا من أن يقرضوا الله قرضًا حسنًا، ويشكروا نعمة الله، ﴿أَنَّمَا﴾ قالوا هذا الذي قالوا

قال ﴿وَءَامَنتُم بِرُسُلِى﴾ وهم قد خالفوا رسل الله، كما وقع منهم لموسى وعيسى عليهما السلام في السورة نفسها، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 20] وأيضا إ﴿إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَـٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 112]، هذا كله في السورة.

قال ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ قالوا هنا: وعظمتموهم، ونصرتموهم؛ لأن التعزير يأتي بمعنى التعظيم والنصرة،

كما يأتي بمعنى التأديب، الذي يوضح ذلك السياق، ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ١٢﴾.

﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ﴾ عدنا إلى المقصود، أنهم نقضوا الميثاق، وقلنا إن بعض العلماء يقول المعنى: ليس بشيء إلا بسبب نقض المواثيق ﴿لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً﴾: غليظة لا تعي ولا ترعوي ولا تستجيب، وإذا قسي القلب ضعف العمل، تكاسل الإنسان وتقاعس وترك العمل.

قال ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ وهذه القسوة جرتهم إلى تحريف الكلم عن مواضعه، فصاروا يحرفون اللفظ والمعنى، وإذا لم يستطيعوا التحريف فيتركون العمل، إذا هم بين تحريف للفظ أو المعنى أو ترك العمل.

قال ﴿وَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ﴾ أي: تركوا العمل، ما معنى نسوا هنا؟ معنى تركوا، فالنسيان كما تقدم يأتي بمعنى الترك، والترك هو الإهمال، ومن ذلك قول الله سبحانه ﴿۞أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ

وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ ﴾ [البقرة: 44] قالوا: يعني تتركون أنفسكم، فلا تعملون بطاعة الله.

قال ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ هذا مشهور فيهم، الخيانة قالوا خائنة خيانة فبعضهم فسرها بالمصدر (على خائنة) يعني (على خيانة تقع منهم إلا قليلًا منهم) سبحان الله فماذا قال الله بعد؟ ﴿فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ﴾ مع هذا النقض، ومع هذه القسوة، ومع هذا التحريف، ومع هذا الترك للأعمال، يأمر الله نبيه فيقول:﴿فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ قالوا هنا: وقدروا الكلام “ فإنَّ ذلك من الإحسان “، لماذا أمر الله بالعفو والصفح؟ قالوا: فإنَّ ذلك من الإحسان، ثم قال يعني هذا التقدير فإنَّ ذلك من الإحسان؛ لذلك قال مصرحًا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ جعلنا الله من المحسنين بمنه وكرمه.

من عظيم إنعام الله عز وجل على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أن حماهم، وكف عنهم أيدي أهل الكفر وضررهم.

أن الإيمان بالرسل ونصرتهم، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة على الوجه المطلوب، سبب لحصول معية الله تعالى، وحدوث أسباب النصرة، والتمكين، والمغفرة، ودخول الجنة.

قال الشيخ حفظه الله:

من عظيم إنعام الله عز وجل على النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه أن حماهم، وكف عنهم أيدي أهل الكفر، وضررهم، وذلك في قوله ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ﴾.

أن الإيمان بالرسل ونصرتهم، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة على الوجه المطلوب، سبب عظيم لحصول معية الله، وحدوث أسباب النصرة، والتمكين، والمغفرة، ودخول الجنة ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ﴾، ولكن حققوا ما ذكره الله ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ وأيضا الجزاء قال ﴿لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾.

نقض المواثيق الملزمة بطاعة الرسل سبب لغلظة القلوب وقساوتها ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَـٰقَهُمْ لَعَنَّـٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَـٰسِيَةً﴾ نعوذ بالله من قسوة القلوب.

ذمُّ مسالك اليهود في تحريف ما أنزل الله إليهم من كتب سماوية، قال الله ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ﴾ بعد أن حدثنا الله عن جماعة اليهود، حدثنا الله عن النصارى، واليهود والنصارى يقال لهما أهل الكتاب، فالسورة تتحدث عن الفريقين، وإن كان فيها حديث كثير عن النصارى،

قال ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ﴾ كما أخذنا على اليهود عهدًا مؤكدًا موثقًا أخذنا على الذين زكوا أنفسهم بأنهم أتباع عيسى عليه السلام، وهذا مستفاد من قوله ﴿قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ﴾

تأمل لم يقل ومن النصارى لكن ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَـٰرَىٰٓ﴾ هم زكوا أنفسهم وزعموا أنهم نصارى ولم يمتثلوا لنصرة عيسى على الوجه الصحيح، كما قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّـۧنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ﴾ قالوا ذلك، لكنهم، أو لكن أكثرهم لم يف بهذا.

قال ﴿أَخَذْنَا مِيثَـٰقَهُمْ﴾ تأملوا السورة الكريمة تتحدث عن المواثيق، عن العقود، هذا هو مقصود السورة

﴿فَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ﴾ أيضًا تركوا نصيبًا من العمل مما ذكروا به، ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ﴾ وهذا فيه أن من ترك الاتباع للكتاب، ومن ترك اتباع الدين، فإنَّ الفرقة تزداد بينه وبين أصحابه، وأن اتباع الحق سبب للوحدة، ولذلك الذي يريد أن يجمع الناس ويريد أن يؤلف بين القلوب

يقال له: فإذا اتبعت ولم تبتدع فإنَّ الاتباع سبب للألفة

قال ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ﴾ قالوا هنا: “ وألقينا بينهم الخصومة والكراهة الشديدة إلى يوم القيامة “، ففسروا العداوة والبغضاء بالخصومة، وهذا معنى العداوة والبغضاء بالكراهة الشديدة، وقد تقدم الكلام عن العداوة، والبغضاء، والتفريق بينهما، فيما مضى في تفسير،أو في التعليق على سورة الممتحنة ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا﴾، فللعلماء في ذلك أقوال عديدة.

قال الله ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ نداء عام لأهل الكتاب ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ﴾ أي تكتمون ﴿مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ المنزل عليكم ﴿وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾ يتجاوز عن كثير، قالوا هنا: مما لا مصلحة فيه إلا افتضاحكم، فالقرآن يتجاوز عنه، ولا يذكره، إلا ما احتيج إليه، ببيان الحق، والرد على الضلال، والف

﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ﴾ قالوا ما المراد بالنور هنا؟

قالوا هنا: “ في الكتاب قد جاءكم القرآن كتابًا من عند الله وهو نور يستضاء به وكتاب مبين “، إذًا فسروا النور بأنه القرآن، فيكون النور وصفًا للقرآن، فكيف وقد عطف عليه الكتاب المبين؟ يكون هذا التغاير باعتبار الأوصاف، فالقرآن وصف بأنه نور، وبأنه كتاب مبين، وكما جاء في ختام سورة النساء ﴿قَدْ جَآءَكُم بُرْهَـٰنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا﴾

ومنهم من فسر النور بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم والمراد أن الرسول نور أي ينير لكم الطريق هذا هو المراد بوصف الرسول بالنور على هذا القول، أنه يريد ينير لكم، وليس معناه أنه مخلوق من نور، فليس هناك ما يدل على ذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ الرسول عليه الصلاة والسلام كما قال الله عنه ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110]، لكنه ينير لنا الطريق، وهو هاد لنا صلوات الله وتسليماته عليه، إمام الهدى.

قال الله ﴿قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ﴾ إذًا هذا القرآن يهدي، لكن من الذي يتقبل هذا الهدى؟ من اتبع رضوان الله، ﴿مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ﴾ هنا جاء سبل السلام، جاءت مجموعة، مع أنَّ السبيل جاء مفردًا، ﴿وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٰطِى مُسْتَقِيمًا فَٱتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِۦ﴾ [الأنعام: 153]، فسبيل الله يأتي مفردا، والسبل الباطلة تأتي مجموع،ة لكن لأن السبل هنا أضيفت إلى السلام، فهي ليست خارجة عن سبيل واحد، إذًا هو سبيل واحد، لكن جاء الجمع هنا سبل؛ لأنَّها جاءت مضافة إلى السلام، فالمعنى: أنها فروع هذا السبيل، والمراد به: التشريعات الموجودة في التشريع في الدين وهو دين الإسلام، ولذلك قال هنا: إلى طرق السلامة من عذاب الله

قال ﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ لذلك جاءت الظلمات أيضًا مجموعة، والنور جاء مفردًا؛ لأن الطريق واحد، لا يتعدد. قال ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾

﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ هكذا جاءت الآية الصريحة بهذا الأسلوب المؤكد ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ والله ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾، كيف لا يكونون كفارًا؟ وقد صرفوا العبادة لغير الله ورفعوا المخلوق ليكون في مصاف الخالق، وهل هذا إلا كفر بالله؟

ثم رد الله عليهم ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يبين الله أن عيسى لا يصلح أن يكون إلهًا، وأن مريم لا تصلح أن تكون كذلك، ثالث ثلاثة؛ لأن الإله لا يعجز عن شيء، ولا يقدر عليه أحد، والله سبحانه ﴿إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ﴾، لم يقدر المسيح، ولم تقدر أمه على دفع ذلك، وإذا كانوا يزعمون أن عيسى وقع له ما وقع، مع أنَّ التناقض بيّن في أمرهم، كما مضى معنا في الدرس الماضي في ختام سورة النساء. ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ﴾ [النساء: 157] إلى آخر الآيات الكريمة، فماذا يقولون في مريم وقد ماتت؟ فلماذا لم تدفع عن نفسها الموت؟ لماذا لم تدفع عن نفسها الموت؟ وهم يقولون أنها ماتت كغيرها. فإذًا ما الفرق؟ ولو كانت ثالث ثلاثة ما كان ليصنع بها ذلك.

قال الله عز وجل ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فهم خلقٌ من خلقِ الله؛ لذلك قال ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ لذلك قالوا: من يقدر أن يمنع اللهَ من إهلاك المسيح عيسى -عليه السلام -ابن مريم، ويهلك أمه، ويهلك ﴿مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾، والله سبحانه قادرعلى ذلك، ما يستطيع أحد أن يدفع عنه، ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الله أن يضر أحدًا ما استطاع أحد أن يدفع الضر، وإذا أراد الله أن ينفع أحدًا ما استطاع أحد أن يدفع هذا النفع، فالذي يملك النفع والضر، والذي يملك الإحياء والإماتة هو الله، قال ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ فجمع بين إثبات الملك لله وحده، والقدرة له وحده، وأنه الخالق سبحانه وتعالى، فهو لا يفتقر إلى أحد، وليس له والد، ولا ولد سبحانه عز وجل.

الرد على النصارى القائلين بأن الله تعالى تجسد في المسيح -عليه السلام -، وبيان كفرهم وضلال قولهم

من أدلة بطلان ألوهية المسيح أن الله تعالى إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ وأمه -عليهما السلام -وجميع أهل الأرض فلن يستطيع أحد رده، وهذا يثبت تفرده سبحانه بالأمر وأنه لا إله غيره.

من أدلة بطلان ألوهية المسيح أن الله تعالى يذكر بكونه تعالى يخلق ما يشاء، فهو يخلق من الأبوين، ويخلق من أب، ويخلق من أم بلا أب، كعيسى -عليه السلام -، ويخلق من الجماد، كحية موسى -عليه السلام -، ويخلق من رجل بلا أنثى، كحواء من آدم -عليهما السلام -

قال الشيخ حفظه الله:

ترك العمل بمواثيق الله وعهوده قد يوجب وقوع العداوة وإشاعة البغضاء والتقاتل بين المخالفين لأمر الله تعالى؛ لذلك قال ﴿فَنَسُوا۟ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ واستفيد هذا من ذكر الفاء، يعني هذه العداوة والبغضاء جرت ووقعت بسبب ماذا؟ بسبب نسيانهم نصيبًا مما ذكرهم الله عز وجل به، وبسبب أنهم نقضوا المواثيق، ولذلك إذا أردنا الألفة والمحبة فعلينا بالاتباع

الرد على النصارى القائلين بأن الله تعالى تجسد في عيسى عليه السلام معاذ الله، وبيان كفرهم وضلال قولهم، وهذا واضح في الآيات الكريمة ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾

من أدلة بطلان ألوهية المسيح أن الله تعالى إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ وأمه عليه السلام وجميع أهل الأرض، فلن يستطيع أحد رده، وهذا يثبت تفرده سبحانه بالأمر، وأنه لا إله غيره، هذا واضح في قوله ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾

من أدلة بطلان ألوهية المسيح: أن الله تعالى يذكر بكونه تعالى ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ سُبْحَـٰنَهُۥ﴾ وتعالى، فهو يخلق من الأبوين، ويخلق من أم بلا أب، كعيسى عليه السلام، وقد خلق أبانا آدم بلا أب ولا أم، ولذلك قال الله ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]،وتقدم أن هذا فيه رد واضح على النصارى، ولو كانت العلة في عبادة عيسى: أنه خلق بلا أب، فإنَّ الأحق منه بذلك آدم، فإنه بلا أب، ولا أم، ومع ذلك، فإنَّ آدم لا يستحق أن يُعبد، فكذلك عيسى، “ ويخلق من الجماد “ كحية موسى عليه السلام، حين تحولت إلى ثعبان مبين، وفي الأصل أنها كانت عصا، فالعصا الجماد، وتحولت إلى حية، أين أبوها؟ وأين أمَّها؟ “ ويخلق رجل بلا أنثى كحواء من آدم عليه السلام - “، وهذا مبني على خلاف فيما سبق معنا، في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1] هل هي خلقت منه؟ أم أن المراد من جنسه؟ وليس المراد أنها خلقت منه لا سيما وأن بمسألة خلقها من ضلعه، فيه كلام، إلى غير ذلك مما هو معروف في روايات الحديث، فهذا الجزء في كلامهم الأخير فيه بعض كلام ونظر، والعلم عند الله تعالى.

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾

يبين الله سبحانه وتعالى لنا في هذه الآية الكريمة هذه المقولة، التي ترددت على ألسنة اليهود، والنصارى، قال: ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ﴾ أي: قالت اليهود ذلك، وقالت النصارى ذلك، فكل من الفرقتين يدعي هذا الادعاء، يقولون ﴿نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ﴾ لا يقصدون بهذه البنوة الحقيقية، فهم لا يزعمون أنهم أولاد الله على الحقيقة، وإنما المقصود “ نحن ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ في العفو والحنان والرحمة والإحسان “، فنحن أبناؤه، ومن ثم فإنه يرحمنا ولا يعذبنا، ويعطينا ولا يمنعنا، فهذا معنى قولهم ﴿نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ﴾ أي: في الرحمة والشفقة، أي: كأبنائه

أو أن يكون معنى ﴿نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ﴾ أي: نحن أشياع أبنائه، فيما يزعمون؛ لأنهم يرون أنهم أشياع لعزير ولعيسى -عليهما السلام -، وهم يزعمون -أعني اليهود -تزعم اليهود أن عزيرًا ابن الله، وتزعم النصارى أن عيسى ابن الله -معاذ الله -، ومن ثم فهم يقولون نحن أشياع ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾، ومن ثم فلنا قدر ومنزلة عند الله سبحانه، ونحن أيضًا أحباؤه؛ بسبب صلة بأبنائه -عياذا بك اللهم -

فرد الله عز وجل عليهم ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ هذا أسلوب فيه إلزام وتبكيت لهم فالاستفهام هنا يراد به التبكيت لماذا تزعمون هذا الزعم؟ لو كلامكم صدق ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾؟ ومن المعلوم أن من أحب شخصا، فإنه لا يعذبه، بل يتجاوز عنه، والواقع أنكم تعاقبون كغيركم على ذنوبكم، فوقع لكم ما وقع، من خسف، وقتل، وهزم، وتدمير، وما إلى ذلك؛ فلو كانت لكم هذه المنزلة عند الله، لتجاوز الله عن سيئاتكم، ثم إنكم أيضًا تزعمون كما زعمت اليهود ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80] فإذا كنتم حقيقة كما تزعمون أبناء لله، وأحباء الله، فما وجه أن تدخلوا النار قليلا كان أو كثيرًا؟

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ﴾ حقيقة الأمر أنكم بشر ممن خلق الله سبحانه وتعالى، والمعنى أنكم كغيركم تحاسبون، كما قال الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]

﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾

قالوا هنا في التفسير: ولله وحده ملك السماوات والأرض وملك ما بينهما وإليه وحده المرجع فقولهم: وحده -كما تقدم مرارًا -من باب أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، فأصل الكلام: ملك السماوات والأرض لله، فلما قال ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ أفاد هذا معنى الحصر.

استفاد بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أحب عبدًا لم يعذبه؛ لأن الله عز وجل رد على دعواهم نحن ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ وأحباؤه بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾؟ فإذا أحب عز وجل عبدًا، سلمه من العذاب، ووقاه من السوء، وتقدم أن معنى قوله ﴿نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ﴾ أي: في الرحمة والشفقة، أو نحن خاصة أبنائه فيما يزعمون، قال ﴿وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾

ثم قال ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾

هذا نداء لأهل الكتاب، وتقدم أن هذه السورة الجليلة فيها نداءات متعددة لأهل الإيمان، يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين ءامنوا، ولكن أيضًا فيها نداءات أخرى لأهل الكتاب، وللرسول -صلى الله عليه وسلم -فهنا قال ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وتقدم أنه إذا قيل أهل الكتاب، فالمراد بهم اليهود والنصارى، لكن أحيانًا في بعض قرائن الآيات، أو القرائن الموجودة في بعض الآيات يقتصر على اليهود، أو على النصارى بحسب السياق.

هنا قال ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ أي: ﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ من اليهود والنصارى ﴿قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾قالوا: بعد انقطاع من الرسل، وشدة الحاجة إلى إرساله، إذًا ما معنى قوله على فترة من الرسل؟ أي: بعد انقطاع من الرسل، وذلك أنه على القول الصحيح: ليس هناك رسول، ولا نبي بين بعثة عيسى عليه السلام ورسالة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك جاء في الصحيح “ أنه ليس بيني وبينه نبي “،

فدعوى بعض العلماء: أن هناك أنبياء كانوا بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصح، وهذا الحديث يرده وتدل عليه الآية الكريمة ﴿عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ وأيضًا ما جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال “ وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عجمهم وعربهم إلا بقايا من أهل الكتاب “؛ فهذا يدل على أن الناس قد صاروا إلى الكفر، إلا ما استثني من قلة قليلة كانت تدين بالإيمان بالله سبحانه وتعالى. وهذا معنى قولهم هنا في التفسير: وشدة الحاجة إلى إرساله بسبب الظلمات المتتابعة التي صار الناس يعيشون فيها ويعرضون بها عن دعوة الحق وعن الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ﴾ ولذلك ما أورده بعضهم كالقضاعي من أن هناك نبيًا يقال له خالد بن سنان وأنه كان بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم لا يصح أن يقال أنه كان بينهما؛ لأن الحديث يرده ثم ظاهر هذه الآية الكريمة.

قال ﴿أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ قالوا هنا في المختصر: لئلا تقولوا معتذرين ما جاءنا رسول يبشرنا بثواب الله، وينذرنا عقابه، إذا هم قدروا اللام فمعنى قوله ﴿أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا﴾ أي: لئلا تقولوا ما جاءنا بشير ولا نذير؛ لئلا يقع ذلك منكم وهذا تقدم معنى أنه يقع أحيانًا في مثل هذه الأساليب، مع أنه كما تقدم قريبا في ختام سورة النساء ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّوا۟﴾ [النساء: 176] أي: يبين الله لكم لئلا تضلوا كقوله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِىِّ وَلَا تَجْهَرُوا۟ لَهُۥ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَـٰلُكُمْ﴾ أي: لئلا تحبط أعمالكم ﴿وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2].

فهنا قال: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا﴾، يعني: لئلا تقولوا ما جاءنا ﴿مِنۢ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ﴾ وهذا في الحقيقة هو أحد الأوجه في تأويل الآية الكريمة، وإلا فهناك أوجه أخرى.

﴿أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ وهذا معناه أنه إذا جاء الرسول، أقيمت عليهم الحجة، فانقطعت الأعذار، كما تقدم معنا قبل ذلك، في قوله ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 165]، فهذه الآية في معنى تلك الآية، قال: ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ سبحانه وتعالى.

ثم قال الله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

لا ينبغي أن نغفل، ونحن نقرأ هذه السورة الكريمة، ونقرأ تفسيرها، لا ينبغي أن نغفل عن مقصود السورة الأم، الذي تم التنبيه عليه في الدرس الماضي، وهو أن مقصود السورة الكريمة الوفاء بالعهود والعقود والالتزام بها التحذير من مخالفتها، فرب العزة سبحانه ضرب لنا بعض الأمثلة، والنماذج، وقص علينا بعض القصص لأولئك من بني إسرائيل، ممن نقضوا العهد ولم يوفوا بالعقود، فها هو نبي الله موسى -عليه السلام -، وهو رسول مكلّم، وله منزلة عظيمة عند الله جل وعلا، وقد رأى بنو إسرائيل تلك الآيات الباهرات التي أيده الله عز وجل بها، ومع ذلك حين يأمرهم بأمر، أو يدعوهم إلى شيء فإنهم لا يمتثلون، ويقع منهم ما يقع من معصية، ومخالفة لنبي الله موسى -عليه السلام -

فقال ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وتأملوا في الآيات السابقة، ذكرنا الله أيضًا بذلك ﴿وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَـٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ﴾ [المائدة: 7] وقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 11]، وهنا موسى يذكر قومه بذلك، قال ﴿ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وذِكْر النعمة يكون بتَذَكُّرِها، ويكون بالثناء على الله عز وجل بها، ويكون باستعمالها فيما يطيع الله، في طاعة الله سبحانه وتعالى.

قال ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ﴾ هذا تفسير لتلك النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليهم ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ﴾ وهذا واضح وجلي، فهناك أنبياء كثيرون أرسلهم الله إلى بني إسرائيل، بل إن الله قال -كما سيأتي بعد قليل بإذن الله -﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟﴾ فالتوراة حكم بها جماعة من النبيين.

قال: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ ما معنى وجعلكم ملوكًا؟ قالوا هنا في المختصر: وجعلكم ملوكًا، تملكون أمر أنفسكم، بعد أن كنتم مملوكين مستعبدين؛ إذًا هم فسروا الملوك بالأحرار، وهذا أحد الأوجه في تفسير الملوك هنا، فقوله ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾، أي: وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم وكنتم قبل ذلك مملوكين للقبط، وكنتم قبل ذلك مملوكين لفرعون وملأه وحاشيته، فسلمكم الله وصرتم أحرارا غير مستعبدين ولا مستذلين لأحد.

ومن المفسرين من قالوا أن معنى قوله سبحانه وتعالى ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ أي: جعل لكم خدامًا قالوا لأن الرجل إذا كان له خادم قيل له أنه ملك، فيعد الرجل ملكا إذا خدمه غيرُه،أي: اتخذ خادمًا، فقوله ﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾ أي: رزقكم حتى صرتم تُخدمون.

﴿وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ قالوا هنا في التفسير: قالوا ﴿وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا﴾ أي: ولم يعط، قالوا: وأعطاكم ما لم يعط أحدًا من العالمين في زمانكم؛ إذًا ما معنى على العالمين؟ أي: في زمانكم، وتقدم نظير ذلك في قوله سبحانه في سورة البقرة: ﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 122]، قال عدد من المفسرين أي: عالم زمانكم، فهم فضلوا على عالم زمانهم، أو على من سبقهم، إلى إن جاء وقتهم، فكانوا أكثر تفضيلا من غيرهم ممن سبقهم، وممن كان في عصرهم، وأما بعد ذلك فإنَّ الفضل لأمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويدل على ذلك أن رب العزة قال:﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، وورد في الحديث “ أنتم توفون سبعين أمة، أنتم أكرمها على الله عز وجل “.

وبناء عليه فكيف الجمع بين قوله ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وبين هذه الآية ونظائرها؟

الجواب:

1 -أن المراد بهم عالم زمانهم أي: في بني إسرائيل، وأما لأمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنَّ التفضيل

تفضيل عام.

2 -وهناك وجه ثان وهو أن قوله ﴿وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ في بعض الأبواب، فهو ءاتاهم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ في عدد الأنبياء والرسل، عدد الأنبياء والرسل في بني إسرائيل أكثر من غيرهم، حتى من أمة محمد، فالرسول الذي بعث لأمة محمد هو رسول الله محمد صلى الله عليه وسل، وبعض العلماء ذكر في ذلك المن والسلوى، وما إلى ذلك مما خصهم الله عز وجل به، واعْتُرِض على ذكر المن والسلوى، باعتبار أن هذا ﴿أَنَّمَا﴾ وقع في التيه، وذكر التيه جاء بعد ذلك، لكن يقال هذا من باب ذكر ما سبق بصفة عامة في الآية الكريمة.

قال: ﴿وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ على أنه لا يلزم من ذلك أن يراد به المن والسلوى فقط، وإنما ما فضل به بنو إسرائيل من بعض العطاءات، من ذلك أيضًا ما ذكره الله هنا ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا﴾

قال بعدها ﴿يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة