مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المائدة — الجزء 3

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 283 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ﴾ أمرهم نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام أن يدخلوا أرض بيت المقدس فاتحين لها، وقد استولى عليها الكنعانيون، فأراد منهم أن يخرجوا مجاهدين في سبيل الله، ومعهم رسول الله موسى -عليه السلام -وهو مؤيد عند ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾، فقال ﴿يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ ومعنى قوله ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ أي: أمركم بدخولها، أو أنها لكم إن آمنتم، وبهذا يزول الإشكال ويندفع الاشتباه؛ لأن قائلا قد يقول حين يقرأ تلك الآية: إن الله قال ﴿يَـٰقَوْمِ ٱدْخُلُوا۟ ٱلْأَرْضَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِى كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ وبعدها ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، فكيف كتبها الله لهم وهي محرمة عليهم؟

فيقال: إن المراد بالكتابة هنا أي: ما فرضه الله عليهم من الجهاد لدخولها أي: كتب الله عليكم أي: أمركم بدخولها لكنكم لم تمتثلوا فحينئذ صارت محرمة عليكم

أو أن هذا معلق بالإيمان والجهاد والاستسلام لأمر الله وأمر رسوله، ولكنهم لما لم يستجيبوا لذلك حرمت عليهم وحرموا من دخولها في هذه الفترة التي بينها الله سبحانه أو في هذه التي بينها الله عز وجل قال﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾

إذًا ما المراد بالأرض المقدسة: بيت المقدس وما حولها قال ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ﴾ قالوا هنا: ولا تنهزموا أمام الجبارين، فيكون مآلكم الخسران في الدنيا والآخرة، إذًا هذا معنى الارتداد على الأدبار: وهو الانهزام، وعدم الإقدام على الجهاد في سبيله

﴿قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ﴾

هكذا يعتذرون بهذا الجبن والخور فيقولون ﴿يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ أي: ولن نقدر عليهم، ولا طاقة لنا بهم ﴿جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا﴾ إذًا أين الجهاد؟ وأين التضحية؟ وأين الهمة؟ وأين البذل؟ وأين الشجاعة؟ ﴿فَإِن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ﴾ هذا هو الوقت الذي سندخل فيه، حين يخرجون منها، والجبن من الصفات الشهيرة والمعهودة والمعروفة عن اليهود.

﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ يخافون مَن؟

◂الذي عليه الأكثرون يعني: يخافون الله سبحانه وتعالى؛ لأن بعض المفسرين يقولون: ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: من الجبارين، يخافون الجبارين أيضًا، لكن مع ذلك﴿أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ فثبتهما،

فالأصل أنه كان عندهم شيء من الخوف والوجل، لكن أنعم الله عز وجل عليهما، فألقى في قلوبهما السكينة، والأقرب أن معنى قوله ﴿يَخَافُونَ﴾ يعني: يخافون الله؛ لأن الكلام الذي خرج منهم دال على توكلهم على الله وخوفهم منه سبحانه وتعالى

ولذلك قالوا هنا في التفسير: قال رجلان من أصحاب موسى ممن يخشون الله ويخافون عقابه، وقد ذهب كثير من المفسرين إلى أنهما -أعني هذين الرجلين يوشع أو كالب والله أعلم بهذا -، لكن أكثرهم على مثل ذلك، على كلٍ قال لهما، أو قال للقوم، قال لقومهم، أو لقومهما، كما قال الله ﴿ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

﴿ٱدْخُلُوا۟ عَلَيْهِمُ ٱلْبَابَ﴾ اقتحموا عليهم باب البلدة، اقتحموا عليهم الباب، ولا تتوانوا ولا تتكاسلوا، بل فاجئوهم ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ﴾ حينئذ ستقع الهزيمة لهؤلاء الجبارين، حينئذ سيكون الانتصار والظفر لكم بفضل الله سبحانه فإنكم غالبون

﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أرشدوهم إلى طريق النصرة وإلى طريق الظفر والفوز، وهو التوكل على الله سبحانه وتعالى، قال ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ قالوا هنا: وعلى الله وحده اعتمدوا وتوكلوا إن كنتم مؤمنين، وقولهم “ على الله وحده “ أيضًا استفيد من أن ما حقه التأخير يفيد الحصر،أو القصر؛ لأنه قال ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟﴾، لم يقل “ وتوكلوا على الله “ وإنما قال: ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ﴾ أي: وعلى الله وحده، فأصل الكلام: فتوكلوا على الله؛ لأن على الله متعلق بقوله فتوكلوا، فلما تقدم عليه أفاد معنى الحصر، وهذا كثير في القرآن وكثير في باب التوكل؛ ولذلك جاء ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122]، [إبراهيم: 12]، ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38]، إلى غير ذلك.

قال ﴿فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ قالوا: فالإيمان يستلزم التوكل عليه سبحانه وتعالى، ولذلك عطف التوكل على العبادة، وقد تقدم أن بعض العلماء يقول: إن التوكل نصف الإيمان أو نصف الدين؛ فالله قال ﴿فَٱعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: 123].

وهذا يدل أيضًا على وجوب التوكل؛ لأنّّ الله قال ﴿فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ومثل ذلك لا يكون إلا في واجب؛ لذلك التوكل على الله من العبادات الواجبة.

من فوائد الآيات:

تعذيب الله تعالى لكفرة بني إسرائيل بالمسخ وغيره يوجب إبطال دعواهم في كونهم ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ وأحباءه.

التوكل على الله تعالى والثقة به سبب لاستنزال النصر.

جاءت الآيات لتحذر من الأخلاق الرديئة التي كانت عند بني إسرائيل.

الخوف من الله سبب لنزول النعم على العبد ومن أعظمها نعمة طاعته سبحانه.

قال الشيخ حفظه الله

تعذيب الله تعالى لكفرة بني إسرائيل بالمسخ وغيره يوجب إبطال دعواهم في كونهم ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ وأحباءه ولذلك تقدم أن الاستفهام في قوله ﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ فيه تبكيت وإبطال وتوبيخ لهم، ـأنتم تقولون ﴿نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ﴾ فلم يعذبكم؟ ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾.

التوكل على الله والثقة به سبب لاستنزال النصر، ولذلك قالوا ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَـٰلِبُونَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.

جاءت الآيات لتحذر من الأخلاق الرديئة التي كانت عند بني إسرائيل، واضح، فالآيات الكريمة تحذر مما كانوا عليه من جبن وقال الله ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا۟ عَلَىٰٓ أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾.

الخوف من الله سبب لنزول النعم على العبد، ومن أعظمها نعمة طاعته سبحانه، وهذا على أن معنى قوله ﴿ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: يخافون الله وهو الأقرب، فتأمل ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾، فمن أعظم أسباب الإنعام عليهما أنهما يخافان الله، فالخوف جالب للنعم مزيل للنقم

قال الشيخ حفظه الله:

﴿قَالُوا۟ يَـٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا مَّا دَامُوا۟ فِيهَا ۖ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾

هكذا صمموا وأكدوا أمرهم ﴿إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَآ أَبَدًا﴾ لم يستجيبوا إلى هذين الرجلين اللذين يخافان الله سبحانه وتعالى، ولم يتوكلوا على الله، وإنما هو الجبن الذي ملأ قلوبهم، ثم لم يكتفوا بذلك وإنما أساءوا الأدب مع نبي الله موسى، بل وأساءوا الأدب مع رب العزة، قالوا حينئذ ﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ بإساءة أدب وجبن، وغير ذلك من الأفعال الشنيعة التي وقعت منهم،

وهذا بخلاف ما وقع من أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم حين استشار أصحابه يوم بدر، قال الصحب الكرام ما قالوا من هذه الأقوال الجميلة الجليلة التي تسطر بماء الذهب بل أغلى منه، ومن ذلك قول المقداد رضي الله عنه وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم (لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون) وقالوا له (يا رسول الله، والله لو خضت بنا البحر لخضنا معك، ولو بلغت بنا برك الغماد ما تخلف عنا أحد)، إلى غير ذلك مما قالوه، فسُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقرت عينه، ولم يكونوا قوالين فحسب، ﴿أَنَّمَا﴾ كانوا قوالين بالحق فعالين له، رضي الله عنهم فشتان شتان بين أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبين هؤلاء من بني إسرائيل

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِى ۖ فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾

ماذا يقول الكليم موسى عليه السلام أمام هذا الخلل وأمام هذا الجبن وإساءة الأدب: أنا أملك نفسي، وأنا كذلك أملك أخي يعني واثق من أخي، وهو هارون عليه السلام، فهارون لن يتخلى عني بل هو أيضًا نبي كريم، وهو ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾ وعلى الجادة

وبعض المفسرين قالوا أن المعنى: ربي ﴿إِنِّى لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى﴾، ولا يملك أخي إلا نفسه، فكل منا يملك نفسه، وأما غيرنا فنحن لا نأمنه ولا نطمئن له بعد هذا الكلام الذي قالوه

﴿فَٱفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ أي: افصل بيننا وبينهم، بيننا وبين القوم الخارجين عن الطاعة

اقض بيننا يا ربنا، فحكم الله عليهم بسبب تخليهم عن الاستجابة لله ورسوله.....

﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾

قال لنبيه موسى عليه السلام: إن الله حرم دخول الأرض المقدسة على بني إسرائيل مدة أربعين سنة

يضلون هذه المدة في الصحراء حيارى لا يهتدون

قالوا: كانوا يخرجون في أول اليوم يتحركون هنا وهناك يريدون الوصول إلى مكان فلا يصلون، ثم يكونون في الليل ينظرون يجدون أنفسهم في المكان ذاته الذي كانوا فيه في أول النهار، يدورون حول أنفسهم يتجهون هنا وهنا في الصحراء ثم يعودون ولا يعرفون مكانا آخر، فكتب عليهم التيه لمدة أربعين سنة

وقوله ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ اختلف العلماء بم يتعلق قوله ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؟ أيتعلق بقوله ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾؟ أم يتعلق بقوله ﴿يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾؟ وما الذي يترتب على ذلك؟

هناك ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ أن قوله ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ يتعلق بقوله ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾، والمعنى على ذلك: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، إذًا عرفنا الآن أن مدة التحريم كانت أربعين سنة، ثم بعد ذلك يكون هناك استئناف: يتيهون في الأرض، ببيان ماذا يجري لهم في هذه المدة

وأما على القول الثاني قال: فإنها ﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أن هؤلاء القوم لن يدخلوا الأرض المقدسة أساسا، ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾، فالمدة هذه مدة التيه، لذلك بعض العلماء قال إن هؤلاء لم يدخل منهم أحد الأرض المقدسة، ﴿أَنَّمَا﴾ دخل الأرض المقدسة غيرهم أو من ذريتهم، أما هم هذا الجنس وهذا الجيل لم يدخل أحد منهم الأرض المقدسة، حرمها الله عز وجل عليهم، وبناء عليه في التوقيت في قوله ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ يتعلق بقوله ﴿يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾

وللعلماء في ذلك كلام طويل ويترتب على ذلك ما يسميه العلماء أو يسميه بعض العلماء بوقف التعانق،

ومعنى ذلك أننا إذا وقفنا على كلمة أفادت معنى، فإذا وصلنا ووقفنا عند كلمة أخرى أفادت معنى آخر، وهذا له أمثلة في القرآن الكريم، وقد تقدم الحديث عنه في بعض المواضع فيما سبق

بعض العلماء رجح الوصل وهو قوله ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ كابن جزي وغيره، وقالوا: لأننا إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ تتعلق ب ﴿يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ كان هذا فيه تقديم أربعين بدون مقتض، لذلك الأصل أن قوله ﴿أَرْبَعِينَ﴾ يتعلق بما سبق لأن العامل فيه يكون متقدمًا عليه فتقدمه على العامل وهو ﴿يَتِيهُونَ﴾ خلاف الأصل، فما الداعي إليه؟ فالأصل أن يكون متعلقا بقوله ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾، وأن يكون هذا لبيان المدة، ولأن هذا هو المراد، وهو بيان مدة التحريم

ومنهم من رجح العكس وقالوا لأن السيرة والتاريخ فيه أن هؤلاء حرم عليهم دخول الأرض المقدسة، وأن الذي فتح له الأرض المقدسة ﴿أَنَّمَا﴾ هو يوشع ابن نون عليه السلام كان هذا بعد وفاة هارون وموسى عليهما الصلاة والسلام، حينما حبست له الشمس ليالي سار إلى بيت المقدس

قال الله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ عليهم، ولا ﴿تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾، هنا قالوا: فلا تأسف يا موسى، وهذا ما عليه الأكثرون فالسياق يتعلق بموسى؛ لأن بعض المفسرين يقولون ﴿فَلَا تَأْسَ﴾ يا رسول الله لمحمد ﴿عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ فإنَّ هؤلاء سيعاقبهم الله، كما عاقب بني إسرائيل؛ بسبب تخليهم عن طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم

ثم انتقلت بنا السورة الكريمة انتقالًا آخر إلى قصة أخرى فيها عظة وعبرة وهي قصة ابني آدم

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾

وإذا سألنا فقلنا من ابني آدم المذكوران في الآيات الكريمة؟

إذا قررنا أنهما ابني آدم لصلبه فحينئذ انتقال من قصة تتعلق ببني إسرائيل إلى قصة ابني آدم عليه السلام فهو انتقال من عصر إلى أول عصر جاءت فيه البشرية إلى عصر ابني آدم عليه السلام، ويكون المراد بذلك: كما قال بعضهم للدلالة على أن الداء قديم وأن الشر داء أصيل، يعني أنه موجود في الخلق كما قال الله عز وجل ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَىٰهَا﴾ [الشمس: 8]، فهناك الضال وهناك المهتدي وهناك البر وهناك الفاجر والمؤمن والكافر، وإن هذا من قديم، وإن وقوع المخالفات واتباع الأهواء هذا من قديم من أيام أبناء آدم عليه السلام

وهناك من قال بل المراد بقوله ﴿نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ﴾: ابني آدم من بني إسرائيل؛ لأننا جميعا أبناء آدم مجازًا، يعني يقال نحن أبناء آدم باعتبار أننا يمتد أو تمتد أصولنا إلى آدم عليه السلام،

فمن نظر إلى السياق العام قال ﴿ٱبْنَىْ ءَادَمَ﴾ هنا هما المراد بهما رجلان من بني إسرائيل؛ لأن الحديث قبل ذلك كان عن بني إسرائيل، ولأن الله قال بعد ذلك:﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾

ومن نظر إلى السياق الداخلي قال أنهما ابني آدم لصلبه وهذا هو الصحيح وهذا الذي عليه جمهور المفسرين خلافا للقول الأول الذي ذهب إليه بعضهم كالحسن البصري رحمة الله حينما قالوا أن المراد بهما رجلان من بني إسرائيل فنقول هذا فيه ضعف، ومن أدلة ذلكأن الأصل في إطلاق ابني آدم أن يكون المراد بابني: ابنيه لصلبه، فهذا هو الأصل فحمل اللفظ على الحقيقة أقرب.

ثم إن الله قال في سياق الآيات: ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ ومعروف أن هذا لو كان في بني إسرائيل ما كان ليخفى على الرجل كيفية الدفن فإنَّ الدفن لا يزال موجودًا في الأمم، ولا يزال موجودًا في تلك العصور، وإنما خفي ذلك على ابن آدم الأول فابن آدم ما جرب ماذا يصنع بالميت إذا مات أو بالقتيل إذا قتل، فذكر قصة الغراب والبحث ﴿فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ تقضي بأن المراد به ابن آدم الأول

ثم أيضًا ما يدل عليه حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا تقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها لأنه أول من سن القتل، فهذا يؤكد هذا المعنى والعلم عند الله تعالى.

نرجع إلى القصة

قال: ﴿۞ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ قالوا هنا: واقصص ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول على هؤلاء الحسدة الظالمين من اليهود خبر ابني آدم، وهذا معنى لطيف منه

إذًا من أسباب ذكر هذه القصة بيان أن الحسد سبب في الضلال والإفساد، فلماذا أنتم يا بني إسرائيل تحسدون رسول الله محمدا صلى الله عليه وسلم وتحسدون المؤمنين على ما أولاهم الله به من نعم؟ فقد من الله عز وجل عليكم بالنعم أيضًا، فاشكروا نعمة الله ولا تكفروا به ولا برسله، فإذا أردتم أن تعرفوا عاقبة الحسد فانظروا إلى عاقبة ابن آدم الذي قتل وسفك الدم وتحسر وندم ووقع منه ما وقع، إذًا هذا لبيان أن هذا الذي وقع من ابن آدم مرده إلى الحسد، ومرده إلى الحقد، إلى غير ذلك من هذه الأوصاف الكريهة التي رسخت في بني إسرائيل

قال ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ﴾ الآيات الكريمة طوت لنا سبب هذا القربان،لكن جاءت الإسرائيليات لتبين سبب ذلك أو جاءت الروايات من هذه الروايات الإسرائيلية لتبين سبب ذلك، فالمشهور في هذا الباب: “ أن آدم عليه السلام كانت تنجب له حواء في كل بطن بولدين كانت تنجب له بولدين ذكر وأنثى، وكذلك في البطن الأخرى إلى غير ذلك، أو في البطن الآخر، الشاهد من ذلك أن الذكر كان يتزوج من الأنثى التي لم تكن معه في البطن، أو في الوقت ذاته، فكان من المفترض أن يتزوج هابيل من أخت قابيل وأن يتزوج قابيل من أخت هابيل، وكانت أخت قابيل جميلة، فأراد قابيل أن يتزوج أخته، ورفض أن يتزوج أخت هابيل، فحينئذ احتكم إلى آدم عليه السلام وقضى آدم عليه السلام بأن يتقرب كل واحد منهما بقربان إلى الله سبحانه وتعالى، فمن قبل قربانه فيكون هو الأحق بالزواج من هذه المرأة “، هذه القصة ليست موجودة في صحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولسنا في حاجة إلى سردها.

المهم لسبب ما من الأسباب والعلم عند الله وقع تقديم القربان من الرجلين من هابيل وقابيل، وأكثر العلماء على ذكر هذين الاسمين هابيل وقابيل وأن قابيل هو المعتدي

قال الله هنا ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ إذًا السبب مسكوت عنه، فحينئذ لسنا بحاجة لمعرفته وإن كان هذا مشهورًا في كتب التفسير

قال ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ والأصل أن يقال قربا قربانين، لكن قالوا المعنى ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ يعني قرب كل واحد منهما قربانا، أو باعتبار أنه مصدر، فحينئذ أغنى عن التثنية أو الجمع

﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ﴾ أيضًا القرآن الكريم لا يهتم بذكر الأسماء، مسألة أن هذا اسمه قابيل أو أن اسمه هابيل، هذا مما لا يهتم به القرآن الكريم ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ﴾ قد ذكروا أيضًا طريقة التقبل وهو: أن النار كانت تأتي، فتأكل هذا التقرب إن كان صاحبه مخلصا فيه، فلما أكلت النار القربان الذي قدمه أحدهما عرف أنه هو المقبل على الله وأنه الصادق وأنه المتقي

وحينئذ أوردوا هذا القربان فيقولون: “ إن هذا أتى بسنبلة وكانت رديئة فقدمها سنبلة من قمح، وأما الآخر فأتى بأشهى ما عنده من الماعز، أو من الضأن يقدمه قربة إلى الله سبحانه وتعالى “ أيا ما كان

قال ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْءَاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾كان المتوقع أن يقول أُصلح نيتي، وأُخلص عملي، وأُراجع نفسي، وبدلا من أن أُقدم الرخيص والدنيء أُقدم الغالي والنفيس، وأَحتسب عند الله، وأرجو رحمته، وأخاف عذابه، لكنه الشيطان الرجيم الذي يغوي ابن آدم، والذي يضله عن السبيل

﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ ما ذنب أخيك؟ ما ذنبه؟ لا ذنب له هو أحسن وقدم الحسن، فلا يلام على ذلك، لكنه الحسد والحقد الذي يعمي الإنسان

﴿قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ فرد:﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾هذا يدل على أنه من أسباب قبول الأعمال تقوى الله سبحانه وتعالى قال بعضهم يتقي الله في هذا العمل؛ لأنه قد يقول قائل هل معناه أن شخصا إذا لم يحقق التقوى فكل أعماله مرفوضة غير مقبولة؟ لا يقال بذلك لأن الله سبحانه وتعالى يتقبل أيضًا من العاصي التوبة، ويتقبل من العاصي ما تقرب به من قربة وأخلص فيها لله؛ لذلك بعضهم قال المعنى “ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ في هذا الباب “ فهو يتقي الله في العمل نفسه، بالإخلاص لله عز وجل، نسأل الله أن يجعلنا من المتقين

قال ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ وبعضهم قال من المتقين الشركَ، أي: من الموحدين

ولذلك اختلفوا في ابن آدم هذا أكان كافرا أم كان مؤمنا؟

فبعضهم قال بكفره بدليل قوله ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ﴾ جزاء الظالمين

وبعضهم قال هذا لا يقتضي هذا، بل هذا الذي وقع منه قتل وحسد، وهما كبيرتان، لكن ليس في النص ما يدل على كفره بالله، ولو كان كافرا ما وسع أخاه إلا أن يقتله، وأن يدفع عن نفسه وألا يدع نفسه لأخيه، هذا إذا كان كافرا بالله ليقتله، وإنما لأنه كان أيضًا على الإسلام، فهذا الذي جعله لا يبادر بقتله، ولا يريد تحمل إثمه حينئذ.

﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

قالوا هنا أي: لَئِن مددت يدك إلي، تقصد قتلي، فلست مجازيك بمثل صنيعك ذلك، ليس جبنا مني، ولكني أخاف الله رب المخلوقات وهذا جميل، فقوله ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ تعليل لعدم الإقدام على القتل، هو لا يقدم على قتله ليس جبنا، وإنما خوفا من ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

قال ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ وهذا فيه فضل الخوف من الله، وأن الخوف من الله يمنع الإنسان من الوقوع في الموبقات، فالإنسان وإن كان قادرا على الوقوع فيها لكنه يمتنع لمَ؟ ﴿إِنِّىٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾

ولذلك في الحديث المتفق عليه (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله)، فالخوف من الله يحجز الإنسان عن ارتكاب المعاصي؛ ولذلك قال الله ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النازعات: 40]

﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

وهذه الآية فيها بعض مسائل منها:

1 -كيف يريد الإثم لأخيه؟ وإذا قررنا أن أخاه لا يزال على الإسلام كما قرره غير واحد من المفسرين

فكيف يريد الإثم لغيره؟ والأصل أن الإنسان لا يريد أن يقع غيره في الإثم، وهو يقول ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾: أن ترجع بإثمي وإثمك

2 -ثم ما معنى ﴿بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾؟ وهل يتحمل الإثم عنه؟

الإجابة:

1 -أما عن السؤال الأول كيف يريد الإثم لأخيه؟ وأن يقع أخوه في المعصية؟ فيقال هذا ليس على سبيل الاستهزاء، وليس على سبيل الرغبة في وقوع المعصية، وإنما هو اختيار أخف الضررين

كما قرر عدد من المفسرين، ما معنى ذلك؟ كأنه يقول “ إن كان ولابد أن يكون أحد آثما والآخر غير آثم فلتكن أنت، فأنا لا أريد أن أكون متحملًا للإثم “؛ يعني “ إذا كان لا مناص من أن يعصي أحدنا ربه وأن يقع أحدنا في الذنب فلتكن أنت " " فأريد أن تكون أنت لا أن أكون أنا “، لكن ليس معناه أنه من البداية يبادر بذلك، بل أنه منعه من الإقدام، حين قال له ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾.. ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ﴾. كأنه يمنعه من الوقوع في ذلك، فلما وجد التمادي من أخيه، وأن أخاه مصر على ذلك فقال ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾، لا أكون أنا المقدم على ذلك

إذًا هذا ليس من قبيل الرغبة في الغير لله سبحانه، وإنما من باب اختيار أخف الضررين، وألا يكون الإنسان هو المرتكب بنفسه ما يعصي به ربه عز وجل

2 -وأما قوله ﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾ فما المراد بقوله باثمي وإثمك؟

◂قالوا هنا في التفسير: أن ترجع بإثم قتلي ظلمًا وعدوانًا إلى آثامك السابقة، إذًا معنى قوله ﴿بِإِثۡمِي﴾ أي: بإثم قتلي ﴿وَإِثْمِكَ﴾ أي: الآثام السابقة، فأنا أريد أن ترجع أنت بذنب قتلي، مع ذنوبك الأخرى، فهذا معنى ﴿بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾ أي: بإثم قتلي وآثامك السابقة ◂ومن أهل العلم من قال أن قوله ﴿أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾ أي: أن تعود بإثمي، إذ أنك حينما تظلمني،

فإنني سأقتص منك يوم القيامة، ومن اقتصاصي منك يوم القيامة: أن تتحمل عني بعض الآثام، فحينئذ كما هو معروف في حديث المفلس، فيتحمل عنه بعض الآثام، حملًا من هذه الأعباء، ومن هذه الأحمال، ومن تلك الذنوب وكأنه يقول أنت وإن غلبتني في الدنيا وإن قتلتني في الدنيا فإنَّ الله سبحانه سيعوضني في الآخرة وحينئذ تتحمل عني بعض الخطايا التي وقعت مني

أو أن قوله ﴿أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ﴾ يعني لو فعلت ذلك، أن تبوء بإثمي لو كنت أنا القاتل، لكنك أنت القاتل فحينئذ تتحمل ولذلك فإنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال (المُسْتَبَّان ما قالا، فعلى البادئ منهما ما لم يعتدِ المظلوم) فأنت حينئذ تتحمل الإثم، حتى لو أنني حاولت الإقدام تتحمل ذلك، فكيف وأنا محجم، ولا أريد أن أقع، أو أن أوقع بك سوءًا، فضلا عن أن أوقع بك قتلًا.

﴿إِنِّىٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ تقدم معنا أن “ أصحاب النار “ هذا معروف في القرآن الكريم، أو من عادة القرآن الكريم أن يستعمله مع الكفار، ولذلك جاء مع أصحاب النار ﴿هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ وهذا جعل بعض المفسرين كما قلت يقول: إذًا هو كافر، ومنهم من قال: بل هذا من المواضع المستثناة من هذا التركيب القرآني أصحاب النار، قال ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُا۟ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

﴿فَطَوَّعَتْ لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾

قالوا هنا: فزينت لقابيل نفسه الأمارة بالسوء، وهذا معنى فطوعت له نفسه: يعني زينت ﴿لَهُۥ نَفْسُهُۥ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ﴾، قالوا: من الناقصين أنفسهم حظوظهم في دنياهم وأخراهم

وهنا أيضًا تجد مسألة وهي لماذا لم يدفع عن نفسه؟ ومعروف في شريعتنا أنه هناك ما يقال له دفع الصائل، فلو أن شخصا أراد قتلك فإنك تدفع عن نفسك ولا يضيرك هذا، وإنما تدفعه بالأخف أولا؛ ولذلك فإنَّ النبي قال (من قُتل دون ماله فهو شهيد)، إلى غير ذلك، مما ورد من أحاديث في هذا الباب،

قال بعضهم لكن هذا ليس على سبيل الوجوب، وإنما هو على سبيل الإباحة

أو قال بعضهم ﴿أَنَّمَا﴾ هذا في شريعتنا، وأما في حق ابن آدم الأول فلن يكن هذا متعينا عليه، يعني لا يلزمه أن يدفع، بل قد يبيح له، أو قد يتركه وشأنه، ويتحمل هو الإثم، على أن هذا يجري أيضًا في زمان الفتن ولذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم (كن كابن آدم المقتول ولا تكن ابن آدم القاتل) قالوا: وهذا محمول على زمان الفتنة؛ يعني إذا وقع الأمر ووقعت الفتن فحينئذ حتى ولو لم يدفع الإنسان عن نفسه، فإنه يؤجر ويثاب على ذلك. بخلاف إذا لم يكن المقام كذلك فإنَّ الأصل أن يدفع الإنسان عن نفسه الضرر قدر استطاعته، قال: فأصبح من الخاسرين

﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ﴾

أيضًا اختلفوا هذا الغراب ماذا صنع؟

◂فبعضهم يذكر قصة أن غرابًا قتل غرابًا آخر، تذكر به ماذا صنع بأخيه ثم دفنه

◂وبعضهم يقول هذا ليس بلازم وليس في الآية ما ينبئ عنه صراح، وإنما مجرد بحثه في الأرض وبيان كيفية الدفن، تعلم منها ابن آدم، هذا فيه: أن الحيوان أو أن الطائر قد يعلم الإنسان.

﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى﴾ وأيضًا هذا فيه: بيان عجزه، وأنه عاجز عن مثل هذا الصنيع الذي صنعه الغراب، وفيه: أن الأصل في الإنسان أن يوارى إذا مات، وألا يترك هكذا تأكله الدواب وتأكله الحيوانات، ولذلك شرع الدفن، والله قال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَآءً وَأَمْوَٰتًا﴾ [المرسلات: 25 -26]، وجاء هنا ﴿كَيْفَ يُوَٰرِى سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ لأن السوءة أهم ما يستر؛ فلذلك نص عليها.

﴿قَالَ يَـٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِىَ سَوْءَةَ أَخِى ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ﴾أي: فاصبح من المتحسرين بسبب فعلته، كيف أنه تسرع وكيف أنه تجرأ فقتل أخاه.

من فوائد الآيات:

مخالفة الرسل توجب العقاب، كما وقع لبني إسرائيل؛ إذ عاقبهم الله تعالى بالتيه.

قصة ابني آدم ظاهرها أن أول ذنب وقع في الأرض -في ظاهر القرآن -هو الحسد، والبغي، والذي أدى به للظلم، وسفك الدم الحرام الموجب للخسران.

الندامة عاقبة مرتكبي المعاصي.

أن من سنّ سُنّة قبيحة، أو أشاع قبيحا، وشجع عليه، فإنَّ له مثل سيئات من تبعه على ذلك

قال الشيخ حفظه الله:

مخالفة الرسل توجب العقاب كما وقع لبني إسرائيل إذ عاقبهم الله بالتيه ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ وهذا فيه: أيضًا يا أيها الإخوة الكرام: أن الإنسان يُعاقب عقوبات دنيوية بسبب معصيته لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والتيه ليس شرطًا أن يكون كما وقع لبني إسرائيل، تيه حقيقي في المكان، وإنما قد يكون تيه في الفكر والعقل، فالإنسان يعصي الله يعصي رسول الله، فتشتبه عليه الأمور، وتختلط عليه الأحوال، وتراه يعيش في كآبة، ويعيش في ألم، ويعيش في تشتت، فيقدم على شيء ثم يحجم عنه، وسرعان ما يعود من حيث بدأ، وما سبب هذا التيه؟ المعصية لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكم ينال العبد من البركات، والخيرات، واجتماع القلب والفكر والفؤاد، بسبب طاعته لله، وطاعته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم -.

وكم تذهب من الأوقات، وتضيع كثير من الخيرات، والبركات، ويصير الإنسان إلى الحسرات، بسبب معصية الله ومعصية رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم -.

قصة ابني آدم ظاهرها أن أول ذنب وقع في الأرض في ظاهر القرآن هو الحسد والبغي، والذي أدى به للظلم وسفك الدم الحرام الموجب للخسران، وهذا واضح من القصة، ففي ظاهر القرآن يعني فيما أخبرنا الله عز وجل به، هذه هي المعصية التي وقعت من ابن آدم الأول، كان مرجعها ومردها إلى الحسد، والبغي، ثم وقع القتل وسفك الدماء

قال الندامة عاقبة مرتكب المعاصي، ولذلك قال ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّـٰدِمِينَ﴾ وهناك فرق بين الندم الذي هو تحسر على ما وقع منه، ثم لا يصحب بتوبة نصوح، وبين من يقع منه فيتوب توبة نصوحة، فحينئذ يتأتى الحديث الذي ورد في الباب (الندم توبة)

* ففرق بين ندم يصحبه توبة وبين ندم هو ندم تحسر، ثم بعد ذلك يفوت ويمضي الإنسان على ما هو عليه من معصية الله سبحانه وتعالى

أن من سن سنة قبيحة أو أشاع قبيحًا وشجع عليه فإنَّ له مثل سيئات من اتبعه على ذلك، وبيان ذلك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم “ (لا تُقتل نفس ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل)

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾

قالوا هنا: من أجل قتل قابيل أخاه أعلمنا بني إسرائيل أن ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ﴾ سبب من قصاص أو إفساد في الأرض بالكفر أو الحرابة، ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾، فاسم الإشارة في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ﴾ أي: من أجل ما سبق ذكره من هذه الجريمة النكراء التي وقعت من أحد ابني آدم مع أخيه

وقوله ﴿كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ أي: أَعْلَمنا وسجلنا ذلك في التوراة، وفي كتبهم، ولا يعني ذلك: أن هذا الحكم خاص ببني إسرائيل، فإنَّ هذا الحكم أعني حرمة القتل، وحرمة سفك الدماء بغير حق، مُحَرّم في كل الشرائع ومُحَرّم لدى جميع الأمم، لكن خص بنو إسرائيل بالذكر هنا: لأن المقام مقام توبيخ لهم وزجر عما وقع منهم تجاه المؤمنين، وتجاه الرسول الكريم -صلى الله عليه وعلى آله وسلم -

﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ قالوا هنا: نفسا بغير نفس، أي: بغير سبب من قصاص، بأن تقتل النفس بالنفس قصاصا، كما قال الله ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ وستأتينا الآية الكريمة، وكما في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]

وكذلك قوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ فهناك فساد في الأرض كالردة عن الدين، كالارتداد والحرابة؛ ولذلك قولهم: إفساد في الأرض بالكفر أو الحرابة، كلمة الكفر هذه واسعة؛ لأن الكفر أنواع كما تقدم، أو أن الكفار أنواع: منهم المعاهد، والمستأمن، والذمي، فهؤلاء لا يقاتلون.

وأما الحربي، وكذا من ارتد عن دينه فهذا يقتل، فعلى هذا يحمل قوله ﴿أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ﴾، وكذلك ما كان من جنس الحرابة كما جاء بعد ذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فيمكن أن يقال أن هذه الآية التي جاءت بعده فيها تفسير للفساد في الأرض الذي جاء في الآية التي قبلها

قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ يعني من قتل نفسًا ولو كانت واحدة ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ لماذا؟

◂ لأن العقيدة واحدة، ولأن المبدأ واحد؛ ولذلك قالوا هنا: لأنه لا فرق عنده بين البريء والجاني، إذا عنده قاعدة “ فالذي يستبيح قتل شخص، يستبيح قتل اثنين، وعشرة، ومئة، وأكثر “ فكأنَّما قتل الناس جميعا لأنه لا يفرق بين المحرّم وغير المحرّم، وبين الدم المعصومة، وغير المعصومة فهذا معنى ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾

◂ ولأن قتله لنفس يؤدي إلى قتل أخرى وإلى قتل ثالثة ورابعة وهكذا ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾

ولذلك أيضًا في باب القصاص: لو أن جماعة اجتمعوا على قتل واحد فإنهم يُقتلون به لو تمالؤا عليه

ليَقتلوه فقتلوه يُقتَلون به أيضًا

قال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ ما معنى ومن أحياها؟ فسروا هنا قوله ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ قالوا: “ ومن امتنع عن قتل نفس “؛ إذًا معنى أحيا النفس: يعني امتنع عن قتلها ﴿فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي: من امتنع عن قتل نفس حرمها الله تعالى معتقدًا حرمة قتلها، ولم يقتل كأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن صنيعه فيه سلامتهم جميعًا، فهو يمتنع عن قتل النفس ويحافظ عليها ﴿فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾

وبعض العلماء يقدر تقديرًا فيقول ومن أحيا نفسًا بإنقاذ أو من قتل فيجعلها أخص، خاصة في بعض الأبواب، لأن قائلا قد يقول: كيف يحيي النفس والذي يحيي النفوس هو الله سبحانه؟

فيقال أحياها مما كان متوقعًا أن يحدث لها كاعتداء من شخص أو حرق أو غرق أو نحو ذلك؛ فإذًا أنقذها فقالوا معنى ومن أحيا نفسًا يعني استنقذ نفسًا ﴿فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾

وقوله ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ يدل على مكانة الحفاظ على النفوس، ولذلك تقدم معنا أن السورة الكريمة -أعني سورة المائدة -تحدثت عن الضروريات، ومنها حفظ النفس وهذا ظاهر في هذه الآية الكريمة، الحفاظ على النفوس، وعدم الاعتداء عليها.

﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِٱلْبَيِّنَـٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ وتأملوا ولقد جاءتهم رسلنا، علام يعود الضمير في قوله ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ﴾ جاءت من؟ جاءت بني إسرائيل، وهذا يدل على أن بني إسرائيل أرسل إليهم رسل كثيرون، قال ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾.

﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا﴾

يعني ما جزاء أو ما عاقبة ﴿ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ إلا هذا المذكور في الآية الكريمة، لذلك جاء بأسلوب الحصر ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ وقوله ﴿يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ قالوا: يعني يحاربون عباد الله، فمن حارب عباد الله فكأنَّما حارب الله، وهذا أحد الأقوال في قوله: ﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾

وبعضهم يقول يحاربون الله يعني يحاربون الله، لكنه ذكر الله، ثم عطف عليه الرسول؛ إجلالًا لرسول الله وبيانا لمكانته كقوله: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ﴾ والله عز وجل غني عن أن يكون له شيء من ذلك سبحانه، بل هو الذي يُعطى عباده.

قال: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا﴾ قالوا: الآية تحدثنا عن قطع الطريق، فبعض الناس يقطعون الطرق يؤذون خلق الله، وهؤلاء على مراتب ومراحل،

◂وبعضهم يخيف فقط

إذًا هم درجات وأنواع؛ لذلك قال هنا، قال ﴿أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ﴾ قالوا هنا: ويبارزونه بالعداوة، والإفساد في الأرض بالقتل، وأخذ الأموال، وقطع الطريق، إلا أن يقتلوا من غير صلب، أو يقتلوا مع الصلب على خشبة ونحوها، أو تقطع يد أحدهم اليمنى مع الرجل اليسرى، ثم إن عاد قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى، أو يغرب في البلاد.

هذه عقوبات بعض العلماء حملها على التخيير، وأن الأمر مرده إلى الإمام ينظر إلى الأَوفَق والأصلح، عامل هؤلاء من قطاع الطرق والمحاربين بعقوبة القتل أو بعقوبة الصلب أو بعقوبة النفي، وهو قوله ﴿أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ وما إلى ذلك مما ذكر الله هنا

ومن أهل العلم من قال ليس هذا على سبيل التخيير ﴿أَنَّمَا﴾ هو على سبيل حالة كل شخص فلكل حالة عقوبة وهذا ما مال إليه الإمام الشافعي رحمة الله تعالى، ورأى أن “ أو “ في قوله ﴿أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ هذا باختلاف حالة كل إنسان

3 -وهذا الذي يقطع الطريق قد يخيف فقط وقد يسرق فقط، إذًا هي على مراتب.

فقال هنا ﴿وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ أي: ﴿يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ﴾، فمن قَتَل قُتِل ومن قَتَل وسَرَق صلب، أو وقع له ذلك، ومن سرق قطعت يده وأرجله من خلاف، ومن أخاف الناس فإنه ينفى من الأرض، واشتدت العقوبات هنا؛ لأن الإخافة فيها شيء من الشر، وفيها شيء من الضر الكبير الذي يقع للناس،

وهل هذا فيمن تصدى للناس خارج البلد، أو لمن تصدى لهم خارج البلد؟ قولان لأهل العلم

◂ ومنهم من قال حتى ولو كان داخل البلد، كعصابة ترصدوا للناس في السير، وفي الذهاب، والإياب

وهذه الآية العظيمة فيها حفظ على أمن الناس، حفاظ واضح على أمن الناس، وإن الناس يأمنون في بلادهم، ويأمنون إذا خرجوا من بلادهم، وهذا كله مما بينه ربنا سبحانه وتعالى في تشريعه العظيم في هذه الآية الجليلة

إذا قوله ﴿أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ بحسب حالة كلٍ. ومنهم من جعل هذا على سبيل التخيير

قوله هنا ﴿مِّنْ خِلَـٰفٍ﴾ كما فسروا هنا: بأن تقطع يد أحدهم اليمنى مع الرجل اليسرى، فإنَّ عاد قطعت يده اليسرى، ورجله اليمنى، هذا معنى الخلاف

﴿أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ اختلفوا أيضًا في معنى ينفوا من الأرض:

◂ومنهم من قال المراد ينفى من الأرض يعني أن يسجنوا

ثم اختلفوا: ◂قالوا يسجن في البلد. ◂ومنهم قال بل يغرب ويسجن خارج البلد.

فهذا أيضًا على اختلاف بينهم في المراد بقوله ﴿خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾

ومعروف أن المراد بقوله ﴿مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ أي: الأرض وقع فيها هذا الضرر، أو وقع فيها هذا قطع للطريق، أو وقعت فيها المحاربة، وإلا لو أن المعنى ﴿أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ﴾ كلها فأين يذهبون؟ وهذا في أن الكلمة قد تطلق ويراد بها جزءها أو بعضها، فالمراد بالأرض أرض معينة، وهي التي وقعت فيها تلك الواقعة، كما هو ظاهر من سياق الآيات والعلم عند الله.

قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ﴾ من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تصلوا إليهم، وتمسكوا بهم، فتابوا إلى الله، وأعلنوا التوبة، وقالوا نحن تبنا إلى الله سبحانه وتعالى، فحينئذ تسقط عنهم العقوبة، وهذا معنى ﴿فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يعني ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ﴾ فاغفروا لهم، لم؟ فإنَّ الله غفور رحيم فقوله ﴿فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ عرفنا منه الجواب: إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ فحينئذ لا تعاقبوهم، بل أسقطوا العقاب عنهم.

﴿فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فالله غفور رحيم، وأنتم أيضًا اغفروا لهم وارحموهم

قالوا وإذا كان هذا الحد يسقط مع أنه بلغ الحد، يسقط إذا تاب صاحبه قبل وصوله إلى الإمام، فأن تسقط بعض العقوبات الأخرى التي هي دون الحد إذا تاب صاحبها من باب أولى.

فالشخص الذي بدرت منه مبادرة سوء أو وقع منه خلل أو خطأ ثم تاب وصدق في التوبة فحينئذ يعفى عنه والعلم عند الله

ثم اختلف العلماء فقالوا العقوبة التي تسقط عنه ما هي؟

فأجمعوا على أن هذه العقوبة أو اتفقوا على أن هذه العقوبة هي العقوبة المذكورة التي تتعلق بالحد لكن هل تسقط عنه عقوبة حقوق الخلق؟ فقالوا لا تسقط، بمعنى أنه سرق، إذًا هذه السرقة لها حد، وهو قطع اليد، دون قضية ﴿مِّنْ خِلَـٰفٍ﴾ فهذا له علاقة بحق هذا الحد لكن السرقة نفسها لها حد، ثم هذا المال يجب رده فهل يلزمه رده؟ نعم يلزمه رده، فلذلك الذي رجحه عدد من العلماء أن الذي يسقط هو ما يتعلق بحق هذا الحد، ثم بالعقوبة الأخروية إذا تاب إلى الله، وأما حقوق بني آدم أن لهم أن يطالبوا بها والعلم عند الله سبحانه وتعالى

قال﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ظاهر الآية الكريمة ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ﴾ أن هذا في حق أناس قطعوا الطريق، لكنهم مسلمون، لكن وقعوا في المعصية،

ولكن ورد في سبب نزول الآية الكريمة ما يدل على أن هذا وقع من قوم مرتدين، كما في شأن العرانيين حينما أظهروا الإسلام، ثم بعد ذلك اشتكوا مرضًا، أو داء، وخرجوا، واستاقوا الإبل، ومعهم راعي رسول الله، ثم قتلوه، وأخذوا الإبل، فأمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذهم وسمل أعينهم، وعاقبهم عقوبة شديدة، من باب الجزاء من جنس العمل، وفيهم أنزل الله الآيات، فبعض العلماء يقول هذا يدل على أنها في قوم مرتدين.

لكن ظاهر قوله: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ﴾، أن هذا في قوم عصاة، ولا يمنع، والله أعلم أن الآية وإن وردت على سبب أن تأتي الآية لتكون أعم من السبب نفسه، وهذا باب فسيح للنظر الدقيق في تفسير الآيات القرآنية وله مقامات كثيرة، ليس المقام مقام التفصيل فيها؛

لأنه أحيانًا يرد سبب نزول الآية، ثم ترد الآية بما هو أوسع دائرة من هذا الباب وإذا حملت على السبب وحده ورد إشكال في فهمها، من ذلك ما ورد مثلًا في سورة النور في قول الله سبحانه:﴿ٱلزَّانِى لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 3] مع قصة مرثد ابن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه عنه في قصة طلبه النكاح من عناق كما سيأتي التنبيه عليه في موضعه.

قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَـٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

قالوا هنا: ﴿وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ ما معنى وابتغوا إليه الوسيلة؟ قالوا: واطلبوا القرب منه، إذًا ما المراد بالوسيلة؟ الوسيلة بمعنى وصل أي: ما يتوصل به إلى الله، وما الذي يوصل العبد إلى الله؟ التقرب إلى الله بالإيمان والعمل الصالح؛ إذًا المراد بالوسيلة أي: ابتغوا إليه القربى بالإيمان به والعمل الصالح

﴿وَجَـٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

ما هو به؟ على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله ﴿لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ﴾؟ أي: ليفتدوا بما قدموه، أو ليفتدوا بما معهم، وإن كان المذكور هنا ﴿مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ﴾ فلم يقل يفتدوا بهما؛ لأنه المراد ﴿لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ﴾ أي: ليفتدوا بالذي جمعوه بهذا الذي معه، فاستغني عنه بالتذكير، وهذا كثير في القرآن الكريم، ومعروف في اللغة ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لأن الذي أمروا به هو توحيد الله سبحانه وتعالى، ولذلك في الحديث “ قد طلبت منك أو أردت منك أهون من ذلك ﴿إِلَّا﴾ تشرك بي شيئًا فأبيت إلا الشرك “،الذي أراده الله من العباد أن يوحدوه سبحانه وتعالى.

من فوائد الآيات:

حرمة النفس البشرية، وأن من صانها وأحياها، فكأنَّما فعل ذلك بجميع البشر، وأن من أتلف بشرية، أو آذاها من غير حق، فكأنَّما فعل ذلك بالناس جميعا.

عقوبة ﴿ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ ممن يفسدون بالقتل، وانتهاب الأموال، وقطع الطرق هي القتل بلا صلب، أو مع الصلب، أو قطع الأطراف من خلاف، أو بتغريبهم من البلاد، وهذا على حسب ما صدر منهم.

توبة المفسدين من المحاربين، وقاطع الطريق قبل قدرة السلطان عليهم توجب العفو.

قال الشيخ حفظه الله:

حرمة النفس البشرية، وأن من صانها وأحياها، فكأنَّما فعل ذلك بجميع البشر، وأن من أتلف نفسًا بشرية، أو أذاها من غير حق فكأنَّما فعل ذلك بالناس جميعًا، وهذا في قوله ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفْسًۢا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾

عقوبة ﴿ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ ممن يفسدون بالقتل، وانتهاب الأموال، وقطع الطرق، وهي القتل بلا صلب أو مع الصلب، إذا قتل يقتل، قتل وسرق يصلب، أو قطع الأطراف من خلاف بسبب ما وقع منه من سرقة، قال: أو بتغريبهم من البلاد لمن أخاف الطريق، وهذا على حسب ما صدر منهم، هذا على أحد الوجهين: منهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: هذا على حسب ما صدر منهم وهذا أقرب واختيار الشافعي، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: بل هذا على سبيل التخيير، ويراه الإمام بما فيه أصلح في واقع الناس، وأحوالهم

توبة المفسدين من المحاربين وقاطعي الطريق قبل قدرة السلطان عليهم توجب العفو وهذا في قوله:﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وقلنا وقع الاختلاف فيما يتعلق بحقوق بني آدم، والله أعلم.

قال الشيخ حفظه الله:

قال ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾

﴿أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾، على ماذا يعود اسم الإشارة في قوله ﴿يُرِيدُونَ﴾؟ على من؟ يعود على الكفار المذكورين في قوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾، وبناء عليه فلا يصلح الاستدلال بهذه الآية على أن مرتكبي الكبائر دون الشرك مخلدون في النار، كما ذهب إلى ذلك الخوارج والمعتزلة فاستدلوا بهذه الآية

فيقال لهم انظروا إلى السياق؛ فالآية تتحدث عن الكفار

إذًا قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ هذه ليست في عصاة الموحدين وإنما هي في حق الكفار؛ ودليل ذلك سياق الآيات الكريمة، وبهذا يزول الإشكال

ولذلك لما وقع من بعضهم خلل في فهم الآية قال اقرأ ما قبلها ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفْتَدُوا۟ بِهِۦ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على أن هذه الآية من جهة أخرى تدل أيضًا على عدم فناء النار؛ لأنّّ الله قال ﴿وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنْهَا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ وهذا هو المعروف أن النار لا تفنى ولا تبيد كما تدل عليه نصوص كثيرة من كتاب الله، ومن سنة الصادق رسول الله صلى الله عليه وسلم

ثم انتقلت بنا الآيات إلى حد آخر من الحدود، وإلى عقوبة أخرى من العقوبات، وفيها حفظ الأموال فقال:

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

واسمعوا يا رعاكم الله كيف أن هذه السورة الكريمة حوت هذه الحدود، وبيان تلك العقوبات، وهي من خصائص سورة المائدة؛ فحد الحرابة، وقطع الطريق، وحد السرقة مما اختصت به سورة المائدة، وذكر السرقة، أو السرقة وعقوبة السارق والسارقة بعد ذكر عقوبة قطع الطريق، والمحاربين المناسبة بينها ظاهرة أو المناسبة بين تلك الآيات ظاهرة وواضحة؛ لأن قطع الطريق مما يحمل الناس عليه السرقة

فكذلك جاء هنا على حكم السرقة بصفة عامة حتى وإن لم يكن معها قطع طريق، قال: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ﴾ قالوا هنا: والسارق والسارقة، قالوا: ولما ذكر الله حكم من يأخذ أموال الناس، بين حكم من يأخذها خفي وهو السارق،

وهذا أيضًا من محاسن ما ذكروا هنا في المختصر من وجه المناسبة، فقاطعو الطريق يأخذون المال علنًا، وأما السارق فإنه يأخذه خفي، ولذلك هناك فرق بين من يأخذ المال غصبًا وجهرًا، وبين من يأخذه سرقة، فالسرقة أخذ المال في خفاء

قال: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا﴾ قالوا: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الحكام فاقطعوا، “ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الحكام “ للدلالة على أن الذي يقيم الحد هو الحاكم، أو نائب الحاكم، فالذي يقيمه الحاكم أو من أنابه الحاكم، وليس لعامة الناس؛ لئلا يحدث شيء من الفساد في إقامة تلك الحدود، فإنها توكل إلى ولي الأمر أو من استخلفه؛ ولذلك هذا من أسباب وجود إمام للمسلمين، وهو إقامة الحدود الشرعية.

قال: ﴿فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا﴾ قالوا هنا: فاقطعوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الحكام اليد اليمنى أي أيمانهما، وقد قُرِأَ بذلك، لكنها قراءة شاذة أو تفسيرية، وقد جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم لتفسر ذلك وأن المراد بقوله أيديهما أي: اليد اليمنى، وهذا هو الذي يكون في حد السرقة.

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقوله ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ﴾،* قدم السارق على السارقة، قالوا: لأن السرقة من الرجال أكثر، وتقع من الرجال لأنهم عليها أجسام، بخلاف الزنا: فإنَّ الضرر يأتي من النساء أكثر في باب الزنا؛ لأنَّها الداعية، ولأنها التي ترغب الرجال فيها؛ لذلك في مقام الزنا قال:﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] ولأن العار الذي يلحقها أشد، فقدم هناك المرأة، وقدم هنا الرجل.

قال: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وقد جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم فخصصت بعض هذا الموجود في الآية ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ﴾ أي: إذا سرق نصابًا وهو ربع دينار فصاعدًا،

أما إذا كانت السرقة دون ذلك فإنه لا قطع، وكذلك إذا كانت السرقة من حرز، أما إذا لم تكن من حرز فإنه لا قطع، إلى غير ذلك من الشروط المعروفة التي توجب حد السرقة

فهذا يقال مما جاء في القرآن الكريم ثم جاء بيانه في سنة الرسول أو جاء تخصيص السنة للقرآن الكريم

قال: ﴿جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ﴾ نكالًا أي: صنيعًا يُحَذِّرُ الغير، وهذا معنى التنكيل: بأن ينكل بفلان، فهي عقوبة يوعظ بها الغير، وينزجر بها الغير فتكون نكالًا

قال: ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وهذا مناسب لذكر العزة، قالوا: عز فحكم فقطع

قال ﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعْدِ ظُلْمِهِۦ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

أيضًا فيه فتح باب التوبة، لكن كما قالوا هنا، قالوا: فمن تاب إلى الله من السرقة وأصلح عمله، فإنَّ الله يتوب عليه؛ تفضلا منه، ذلك إن الله غفور لذنوب من تاب من عباده رحيم بهم، لكن لا يسقط عنهم الحد بالتوبة إذا وصل الأمر إلى الحكام.

ولذلك إذا وقعت سرقة فتاب صاحبها ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يصل الأمر إلى الحاكم عفي عنه ولا يعاقب

أما إذا وصل أمره إلى الحاكم حتى وإن تاب فإنه يعاقب هذه العقوبة بقطع اليد، ولذلك جاء.

قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾

قال بعضهم: قدم هنا (يعذب) على (يغفر)؛ لأنه مناسب لما ذكر قبله في عقوبة السارق والسارقة، فالذي قبله عقوبة، وقدمت العقوبة على التوبة، وهنا كذلك قدم التعذيب على المغفرة، وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة