مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المائدة — الجزء 4

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 284 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

ثم قال: ﴿۞يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ٤١﴾

انتقال إلى هذا النداء الذي نادى الله به رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتسلية عنه، وبيان لواقع أمر أولئك من المنافقين ومن اليهود؛ لبيان ما ينبغي للرسول صلى الله عليه وسلم أن يسلكه في معاملتهم، فبعد أن ذم الله عز وجل هذا الفريق الذي يعرض عن طاعة الله وطاعة رسوله، والذي ينقض العهود ولا يفي بالعقود، بين الله سبحانه وتعالى أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينبغي له ﴿إِلَّا﴾ يحزن لما يقع منهم، فهذا واقعهم، وهذا حالهم

وبين الله ماذا على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسلكه في التعامل معهم وفي قضايا التحاكم إلى شرع الله سبحانه وتعالى، فقال:﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، والقراءة الأخرى ﴿لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ وهي قراءة نافع بإطلاق في القرآن كله إلا في موضع في سورة الأنبياء

﴿لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ أي: دخلوا الكفر وتوغلوا فيه، فهم يسارعون في الكفر ويبادرون إليه ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ من هم؟ المنافقون ﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ فهؤلاء قد ﴿دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ﴾، فدأبهم النفاق فلا تحزن ولا تأس يا رسول الله من مسارعتهم في الكفر.

﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ أيضًا هنا فيه ما يقال له وقف التعانق الذي تقدم ذكره عما قريب في قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾

فقوله: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ هل هو معطوف على ما سبق؟ أو أنها جملة استئنافية؟ تحتمل

1 -فإذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنها معطوفة على ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ من هم يا رسول

من هم؟ ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ هذا صنف، والصنف الثاني ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ

هَادُواْۛ﴾إذًا الذين يسارعون في الكفر على قسمين:﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ وهؤلاء

هم أهل النفاق وأيضًا ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ ثم بعد ذلك قال ﴿سَمَّٰعُونَ﴾ يعني: هم جميعا ﴿سَمَّٰعُونَ

لِلۡكَذِبِ﴾ فيكون قوله ﴿سَمَّٰعُونَ﴾ يعني هم سماعون، هذا احتمال.

2 -والاحتمال الثاني: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ وانتهت جملة ثم بعد ذلك جاء

الاستئناف ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يبقى: كما أن هؤلاء المنافقين ﴿يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾

فأيضًا ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ﴾

*والقول الأول يجعل الحكم أعم

قال ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ ثم قال ﴿سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ يعني شأن هؤلاء المنافقين، وشأن هؤلاء ﴿ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ ﴿سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾ ما معنى ﴿سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾؟

◂قالوا هنا: يصغون لكذب كبارهم. إذًا ﴿سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: يصغون لكذب كبارهم، سماع للكذب

وبعضهم يقول سماع هنا بمعنى مستجيب، لأن السمع يأتي بمعنى الاستجابة، كما في قولنا سمع الله لمن حمده، والمعنى: استجاب الله عز وجل من حمده، ولذلك تعدي السماع بالله

◂أو أنهم سماعون من أجل الكذب، فهم يسمعون ليحملهم هذا على الكذب الذي يقع منهم

﴿سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾ أي: مقلدين لزعمائهم الذين لم يأتوك إعراضًا منهم عنك، أيضًا هم سماعون لقوم آخرين، ما معنى سماعون؟ أي: في نقل الأخبار

إذا هم يسمعون لكبرائهم، وما يكذبون به على الرسول، وهم أيضًا يسمعون منك؛ لينقلوا الأخبار عنك إيذاءً لك، فهم جمعوا بين الاثنين، بين السماع من الزعماء بالباطل والكذب، وبين السماع منك لنقل الأخبار عنك.

﴿سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ﴾إما أن المعنى: سماعون لهم، أو سماعون من أجلهم، بأن يستمعوا إليك من أجل أن يوصلوا الأخبار لهم

قال:﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ﴾ ما معنى ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ﴾؟ قالوا: يبدلون كلام الله في التوراة بما يوافق أهواءهم، يقولون لأتباعهم إن وافق حكم محمد أهواءكم فاتبعوه، وإن خالفها فاحذروا، وهذا معنى ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟﴾

ما معنى ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ﴾؟ إن أعطيتم؟ إن أعطاكم محمد ما تريدون اقبلوا منه وقولوا هو رسول، وقد قال بذلك، ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ﴾: إن لم تعطوا هذا الحكم الذي تريدون، فقولوا نحن لن نقبله

وبيان ذلك فيما ورد من أسباب لنزول هذه الآية الكريمة إذ قد وردت عدة روايات في ذلك، منها ما هو في الصحيح كصحيح مسلم ومنها في غير ذلك من أحاديث أو من روايات ثبتت في هذا الباب، من ذلك أنهم كانوا بهذا الذي يزني وبهذه المرأة التي تزني التحميم والجلد، فيجلدونهم ويحممونهم ولا يرجمونهم، ومعروف أن الحكم في التوراة الرجم، فحكم هؤلاء الرجم، ومع ذلك كانوا يبدلون ويغيرون، فلما وقع من رجل وامرأة الزنا، ووجب في حقهم الرجم، ولكنهم لم يريدوا ذلك، قالوا تعالوا نسأل محمدًا، فإن قال محمد بالجلد والتحميم، ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ هذا حكم محمد فنقبله، مع أنهم يطعنون في رسالته، وإن قال محمد بما في التوراة وقال بالرجم، فحينئذ لا نقبل كلامه.

فربنا يقول: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ﴾ علقوها في رقبتي وقولوا محمد قال ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟﴾

﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ ولذلك ورد في الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال وماذا عندكم في التوراة؟ وهم يكتمون ويقولون عندنا التحميم عندنا الجلد

وقال اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه

فهم حينما تحاكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، أرادوا ليس التحاكم إلى الرسول، وإنما أرادوا أن يأخذوا منه شيئًا يجعلهم يسيرون على ما كانوا عليه وكذلك في بعض الروايات أنه كانت عندهم أمة عزيزة وأمة ذليلة تغلب الأخرى، العزيزة تغلب الذليلة فكان إذا قتل أحد من العزيزة قتل أحد من العزيزة أي: قتلهم أحد من الأمة الذليلة أو الضعيفة أخذوا منهم مائة وسق وإذا قتل رجل من الذليل أو الأمة الضعيفة دفعت العزيزة خمسين وسقا دفعوا الأقل والنصف

فلما جاء الإسلام أعز الله المسلمين وأذل اليهود وصاروا أذلاء فوقع من ذلك ما وقع فرفضت الذليلة أن تعطي العزيزة المئة التي طلبتها حين قتل رجل منهم وقالوا ﴿أَنَّمَا﴾ صرنا سواء كنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ نعطيكم لأن لكم الغلبة علينا فتحاكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك فأيضًا أنزل الله الآية الكريمة

﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾

ما معنى الفتنة؟ قالوا: الإضلال

وقد تقدم أن كلمة الفتنة تأتي في القرآن على عدة معانٍ لذلك يوردها علماء الوجوه والنظائر في هذا الباب

﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: 13] يعني يعذبون ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ [البروج: 10] ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193] قالوا يعني حتى لا يكون شرك، إلى غير ذلك

﴿وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217] يعني صرف الناس وصدهم عن دينهم وهكذا فالفتنة تأتي في القرآن على معاني

قالوا هنا: ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ﴾ إضلالًا ﴿فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾

بسبب توغلهم في الكفر والشرك ومصارعتهم فيه ﴿لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

وفي قولهم هنا يبدلون كلام الله وهو معنى تفسير قوله ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ﴾

فيه أن هؤلاء لم يتركوا حكم الله فحسب، وإنما بدلوه ونسبوه إلى الله سبحانه وتعالى

ولذلك فرق العلماء بين التبديل والاستبدال

فقالوا: أن الشخص الذي يترك شرع الله ويتجه إلى حكم من أحكام الناس، أو إلى الأهواء، فهذا استبدال

لكنه حين يزعم أن هذا هو حكم الله، وأن هذا هو الموجود في الكتاب المنزل، فهذا تبديل، وهو الذي يوجب الكفر الأكبر، بخلاف الاستبدال وحده، أو وقوع الذنب وحده، والتحاكم إلى غير الله، فإنه معصية من المعاصي، وكبيرة من الكبائر، لا يصل إلى حد الكفر الأكبر ما لم يستحل صاحبه، وسيأتي تقرير ذلك بأوسع في قوله ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾

نعم

من فوائد الآيات

حكمة مشروعية حد السرقة ردع السارق عن التعدي على أموال الناس

وتخويف من عداه من الوقوع في مثل ما وقع فيه

قبول توبة السارق ما لم يبلغ السلطان وعليه إعادة ما سرق

فإذا بلغ السلطان وجب الحكم ولا يسقط بالتوبة

يحسن بالداعية إلى الله إلا يحمل هما وغما بسبب ما يحصل من بعض الناس من كفر ومكر وتآمر لأن الله تعالى يبطل كيد هؤلاء حرص المنافقين على اغاظة المؤمنين بإظهار أعمال الكفر مع ادعائهم الإسلام

حكمة مشروعية حد السرقة: ردع السارق عن التعدي على أموال الناس، وتخويف من عداه من الوقوع في مثل ما وقع فيه؛ فحكمة حد السرقة ردع السارق عن التعدي وتخويف من عداه، هذا كله مستفاد من قوله ﴿نَكَـٰلًا مِّنَ ٱللَّهِ﴾؛ ولذلك كانت العقوبة بقطع اليد، فقطع اليد فيه ردع له؛ لئلا يعود مرة أخرى إلى السرقة

وفيه أيضًا زجر لغيره عن أن يفكر في هذا فضلًا عن أن يقوم به؛ ولذلك جاءت هذه العقوبة؛ ولذلك قالوا: لما كانت أمينة كانت ثمينة، فلما خانت هانت، وقالوا: عز الأمانة أغلاها، وأرخصها ذل الخيانة فاحكم حكمة الباري

نسأل الله السلام

قبول توبة السارق ما لم يبلغ السلطان، وعليه إعادة ما سرق، فإذا بلغ السلطان وجب الحكم، ولا يسقط بالتوبة؛ ولذلك تقدم تعافوا الحدود فيما بينكم لذلك لما جاءوا يستشفعون في المرأة المخزومية، وقد بلغ الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنكر الرسول ذلك، وقال يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟ وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها

يحسن بالداعية إلى الله ﴿إِلَّا﴾ يحمل همًا بسبب ما يحصل من بعض الناس من كفر ومكر وتآمر؛ لأن الله تعالى يبطل كيد هؤلاء

وهذا ما جاء في قوله: ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾

وهذا قد تكرر في القرآن الكريم ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾ [فاطر: 8]

وكقوله ﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]

قال: حرص المنافقين على إغاظة المؤمنين بإظهار أعمال الكفر مع ادعائهم الإسلام، فالمنافقون يحرصون على إغاظة المؤمنين بإظهار أعمال الكفر مع ادعائهم الإسلام؛ ولذلك جاء في الآيات ﴿لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ﴾ إلى آخر الآية الكريمة

نعوذ بالله سبحانه وتعالى من النفاق، ونسأله الإيمان والإخلاص

ونقف عند هذا الحد سبحانك اللهم وبحمدك،

نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك، ونتوب إليك.

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾

لا تزال الآيات الكريمة تحدثنا عن صفات اليهود، وأفعالهم القبيحة؛ حتى لا يغتر بهم أهل الإيمان، وحتى لا يقتفوا أثرهم، فقال الله: ﴿سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وقد تقدم قريب من ذلك فيما مضى، في قوله﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 41] الآية الكريمة.

فقوله ﴿سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي: هم اليهود سماعون للكذب، الأكالون للسحت، لكن أحيانًا يبادروا بذكر الخبر، ويقدر المبتدأ للدلالة على أهمية هذا الخبر المذكور، فقال هنا: سماعون للكذب، فهذا من أكثر أوصافهم، ومن أشهر أوصافهم

قالوا هنا في المختصر: هؤلاء اليهود كثيرو الاستماع للكذب، كثيرو الأكل للمال الحرام، فقولهم كثيرو، الاستماع للكذب، كثيرو الأكل للمال الحرام، أُخذ من صيغة المبالغة في قوله: ﴿سَمَّٰعُونَ﴾ وفي قوله: ﴿أَكَّٰلُونَ﴾، لأن كلمة سمَّاعون، سمَّاع على وزن فَّعال، وكذلك أكَّال على وزن فعَّال، وهذه صيغة مبالغة، ففرق بين أن تقول فلان سامِع وأن تقول فلان سمَّاع، وبين أن تقول فلان آكِل وأن تقول فلان أكَّال، فأكَّال وسمَّاع صيغة مبالغة تدل على المبالغة، أو الكثرة؛ لذلك قالوا كثيرو الاستماع للكذب، فهم يكثرون من الاستماع للكذب، فيسمعون لمن يقول الكذب، ويفرحون به، ويدخل عليهم السرور بسببه

وقد تقدم أن هناك معنى ثانيًا في معنى السماع، وهو: أن المراد بالسماع الاستجابة، فهذا تفسير ثان في معنى الآية؛

إذًا معنى قوله ﴿سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ﴾،

◂أي: كثيرو الاستماع للكذب والتحريف، والباطل.

◂والمعنى الثاني أنهم مستجيبون أو كثيرو الاستجابة للكذب، فهم يكثرون من الاستجابة، وذلك أن السماع يراد به سماع الاستجابة كما في قولنا سمع الله لمن حمده، أي: استجاب الله لمن حمده، فهؤلاء يكثرون من سماع الكذب ومن الاستجابة للكذب أيضًا

ثم قال:﴿أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قالوا: كثيرو الأكل للمال الحرام، كالربا فهم مشهورون في ذلك، فهم يكثرون من أكل المال الحرام، نسأل الله السلامة، فجمعوا بين سماع الخبيث وبين أكل الخبيث.

قال: ﴿سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ﴿فَإِن جَآءُوكَ﴾، أي: فإنَّ جاءُوك طالبين حكمًا، يتحاكمون إليك يا رسول الله فماذا عليك؟ أنت مخير بين أن تحكم بينهم وبين أن تعرض عنهم.

قال: ﴿فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: إن تعرض عن الحكم بينهم والفصل ﴿فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًٔا﴾ ليس هذا بضائرك ولست خاطئا، أو واقعًا في الإثم أو الحرج بسبب ذلك

﴿وَإِنْ حَكَمْتَ﴾: إن رأيت أن تحكم بينهم؛ فحينئذ لا مناص عن أن يكون حكمك حكمًا عادلًا، وهو المعروف به صلى الله عليه وسلم

﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ ذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن هذه الآية الكريمة منسوخة، أعني قوله ﴿فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾

◂قالوا هذا التخيير منسوخ؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال بعد ذلك: ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ فقالوا كان في بادئ الأمر على التخيير، إن شاء الرسول حكم وإن شاء صلى الله

عليه وسلم أعرض، ثم بعد ذلك أمره الله بالحكم والفصل بينهم

◂والأقرب والله أعلم أن الآية ليست منسوخة، وأنها على بابها فقوله: ﴿فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ هذا متعلق بسياق الآيات الكريمة

والآيات الكريمة تتحدث عن جماعة من اليهود كانت رغبتهم الوصول إلى الهوى، وليس الوصول إلى الحق، فالرسول صلى الله عليه وسلم حينئذ مخير؛ لأنه يعلم أنه إن قال الحق لن يقبل منه، ولن يرتضوه، وهم ﴿أَنَّمَا﴾ يريدون أن يسمعوا منه كلمة توافق أهواءهم؛ فحينئذ لا حرج عليه في أن يعرض عن الحكم؛ لمعرفته أنهم ما جاءوا طالبين للحق.

ولذلك جاءت الآية بعدها ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ﴾ إنهم في أصل الأمر يجحدون نبوتك ويطعنون فيك ثم يأتون إليك متحاكمين، إن كانوا طالبين للحق راغبين فيه فعندهم الكتاب الذي يرفعونه، وعندهم الكتاب الذي يقولون عنه إنه كتابهم، فلماذا لا يأخذون بما فيه؟ مع أنَّ فيه الحق وقد جاء الرسول -صلى الله عليه وسلم -بما يوافق الحق الذي معه،

وقد جاءت روايات متعددة في أسباب نزول هذه الآيات أو بعضها، تقدم طرف منها في قوله سبحانه: ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْكُفْرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِأَفْوَٰهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ۛ سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّـٰعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ ۖ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟ ۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ۚ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 41] الآية الكريمة

فمن ذلك أنهم تحاكموا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن الزنا، في شأن الزاني إذا زنا،فحينئذ حده الرجم، ولما سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك ناشدهم اللهَ سبحانه وتعالى أن يخبروه بما في كتابهم، وألا يحرفوا الكلم عن مواضعه، فلما نطق بعضهم بالحق، كما جاء في بعض الروايات أنه ابن صوريا، أو رجل آخر؛ فحينئذ قالوا: إن فيه الرجم

فقال: الحمد لله أن جعلني الله أول من أحيا أمره أو أول من أحيا أمره سبحانه وتعالى بعد إذ أماتوه، فهم أماتوا هذا الحد، ولذلك أمر الرسول صلى الله عليه وسلم برجم هذا الزاني،

وفي بعض الروايات أنهم أرسلوا إليه جماعة بالتحاكم في رجل وقع منه ذلك وكانوا من أهل فَدَكْ، فأمروا اليهود عند الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسألوه.. فالشاهد من ذلك أنه ما حملهم على ذلك إلا أنهم طلبوا الرخصة، وأرادوا أن يقول لهم الرسول قولًا آخر وأن يكون عنده شيء غير الرجم، ولذلك: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَٱحْذَرُوا۟﴾ إن قال لكم محمد قولًا ما تريدونه وتوافقون عليه فاقبلوا كلامه، وإن قال غير ذلك فردوه عليه.

ولذلك ذهب بعض المفسرين إلى أن العالم إذا علم وتيقن أن الذي يتحاكم إليه يريد أن يتبع الهوى، وأنه إن قال له الحق لن يقبله منه، قالوا لا يجب عليه أن يفتيه أو أن يحكم له في المسألة؛ لأنه يعلم أنه يريد أن يصطاد منه كلمة، أو أن يشوش عليه بشيء ولا يريد الوصول إلى الحق، ومن ثم فتكون الآية محكمة، وليست منسوخة والعلم عند الله

ومن جهة أخرى فلا يكون فيها وجه للاستدلال، على أن القرآن الكريم غير لازم لأهل الكتاب، بل إن القرآن الكريم لازم لهم، وشريعة الإسلام لازمة لهم بحيث أنهم مأمورون بالدخول في دين الله، وأن يؤمنوا بالله رب العالمين، ثم عليهم أن يلتزموا بالقرآن الكريم وما فيه من تعاليم.

ولذلك ما استدل به بعض الناس كما وقع من بعض القساوسة حينما طلع علينا وخرج أنتم تقولون أنه يلزمنا الإسلام، وأن نأخذ بالقرآن، كيف؟ والقرآن عندكم قد دعانا إلى أن نأخذ بالتوراة، فلسنا في حاجة إلى الأخذ بدينكم، ولا بإسلامكم، ولا بقرآنكم، فحين ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أين ذلك؟ قرأوا الآية الكريمة أن الله قال ﴿فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًٔا﴾ ثم قالوا: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ﴾ فكيف نتحاكم إليكم معشر المسلمين؟ وعندنا

توراة نتحاكم إليها!

فيقال هذا استدلال في غير موضعه؛ لأن الآيات قبل ذلك قالت ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ﴾ فالمحرف كيف يستفاد منه أو كيف يؤخذ منه الحكم، وإنما المعنى أنهم لو رجعوا إلى التوراة بلا تحريف ولا تبديل لوجدوا فيها الحق، من الحق الموجود فيها الدعوة إلى الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك جاء بعد ذلك ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾، وجاء أيضًا ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ الشاهد من ذلك أن الآيات الكريمة لها سياق

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ أسلوب تعجيبي يعجبهم الله، يقول واعجبًا لهم، يأتون إلى رسول الله محمد مع أنهم يطعنون في نبوتك، ﴿وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ﴾ التي يقولون أنها كلام الله والتي يصدقون بها، فلو كانوا يريدون الحق فليتركوا التحريف والتُبديل، وليقبلوا على ما في التوراة من الحق، والحق الذي فيها هو الرجم وهذا هو حد الله وهو الذي قضى به رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حين قال: “ اللهم إني أول من أحيا أمرك بعد إذ أماتوه “

فقال هنا ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ﴾ إن أردت الحكم فاحكم بما تعلم من الحق المبين، ﴿فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ أي: ولو كان المتحاكمون أعداءً للحاكم

قال ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ وكيف في الأصل يسأل بها عن الحال، والمراد بها هنا: التعجب من حالهم، ولذلك قالوا هنا في التفسير: وإنّ أمر هؤلاء لعجب، هذا مستفاد من قوله ﴿وَكَيْفَ﴾، فهم يكفرون بك، ويتحاكمون إليك، هذا عجيب، أنتم تكفرون بالرسول، فلماذا في هذا تأتون إليه؟ هم لا يأتون إليه إقرارًا بنبوته، ولا رفعة، أو رفعًا لشأنه وقدره، وإنما لعلهم يلتمسون منه كلمة يقولها توافق أهواءهم فيقولون هذا رجل يقال له نبي، ونحن أخذنا برأيه وأخذنا بقوله

قالوا: ويتحاكمون إليك طمعًا في حكمك بما يوافق أهواءهم، وهم عندهم التوراة التي يزعمون الإيمان بها، ثم إن الآيات بعد ذلك قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾، وقال ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ فلا ينبغي أن يأخذ بجزء من آية ثم يترك بقية الآيات الكريمة كما هو معلوم

قال ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ وجاء بهذا الأسلوب المؤكد ﴿وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ﴾ بهذا النفي، ثم قال ﴿بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، ما قال “ وما أولئك؟ أو ليسوا مؤمنين؟ “ ونحو ذلك من التعبيرات، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿وَمَآ أُو۟لَـٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ بنفي الإيمان عنهم

ثم قال ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾

يعني هذه التوراة التي يتحاكم إليها فيها هدى ونور، لكن من الذي يستفيد منها؟ ومن الذي يستضيء بها؟ ومن الذي يهتدي بهداها؟ إنهم النبيون وأتباعهم حقًا وصدقًا، وليس أولئك الذين حرفوا وبدلوا وغيروا وكذبوا

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ﴾ وذلك أن التوراة أنزلها الله على موسى عليه السلام، ثم بعد ذلك حكم بها جماعة من النبيين بعد موسى عليه الصلاة والسلام؛ لأن الأمر في بني إسرائيل كما جاء

﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟﴾ هذا وصف للنبيين، والأصل أن كل نبي مسلم؛ فلذلك هذا وصف كاشف وليس قَيْدًا، فلا يقال هناك نبي مسلم ونبي غير مسلم، بل كل الأنبياء أهل للإسلام أو كل الأنبياء مسلمون، لا يخفى

وذهب جماعة من المفسرين إلى أن معنى قوله: ﴿ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟﴾، أي: الذين وافقوا في الظاهر تشريع الإسلام الخاص الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى وإن كان مباحًا في شريعة التوراة

◂فمثلا قالوا: أن بعض الأحكام لم تكن محرمة في التوراة، ثم جاء في الإسلام تحريمها

◂مثلاً قالوا: مثل الخمر كما قال بعض العلماء، قالوا: لكن النبيين كانوا لا يشربون الخمر أصلًا، وليس معروف واحد منهم أو لا يعرف أن أحدًا منهم تناولها، غير ذلك من الأحكام، فكأنهم في ظاهرهم أيضًا اتبعوا هذه الشعيرة أو الشريعة

ومن المفسرين من قال: بل المراد بالنبيين هنا ﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ وقالوا يحكم بها الرسول يعني أن الرسول يقضي بالتوراة إذا كانت موافقة لما جاء في القرآن الكريم، وقالوا: عبر عنه بقوله النبيون تعظيمًا له صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا القول فيه ضعف والعلم عند الله وهو خلاف الظاهر.

قال ﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟﴾ لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ وذلك أن التوراة شريعة خاصة، وليست شريعة عامة، بخلاف القرآن الكريم فإنه الكتاب الخاتم الدائم الذي هو شريعة لكل الناس بعد مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم

قال الله سبحانه ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ﴾ هذا معطوف على قوله ﴿ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟﴾، يعني أن النبيين خلفهم أيضًا في هذا الحكم بالتوراة ﴿وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ﴾

قالوا هنا في التفسير: قال ويحكم العلماء والفقهاء الذين يربون الناس، فهذا تفسير قوله سبحانه ﴿وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ﴾ وحاول بعض العلماء التفريق بين الربانيين والأحبار:

◂ فقال بعضهم أن الربانيون في قوله سبحانه ﴿وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ﴾، المراد بهم: العلماء العباد، فهم

جمعوا بين العلم وبين العبادة

◂وأما الأحبار فلا يلزم فيها ذلك، فالحبر هو العالم الكثير في العلم

فأثنى الله على الفريقين، ذكر أن الفريقين يحكمان بالتوراة موافقين في ذلك الأنبياء، فقال ﴿وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ﴾، أي: من جمع بين العلم والعباد، ومن اشتهر بالعلم

◂وهناك من قال: الربانيون أصل المادة يدل على معنى التعهد، والتربية، والإصلاح، ومنه ربان السفينة أي: قائدها الذي يسوسها ويتعهد شأنها وأمرها، فكذلك الرباني هو الذي يتعهد أحوال الناس ويصلح أحوال الناس، ويسوس أمورهم، فلذلك قيل له رباني ومن معانيه أنه يربي بصغار العلم قبل كباره، ومعنى ذلك أنه يتدرج في التربية، وأما الأحبار فهم المشهورون بجانب العلم

◂ومنهم من عكس هذه الأقوال في معنى والربانيون والأحبار

◂ومنهم من قال مادة الحبر تدل على سعة العلم، فكان الحبر في العلم أكثر من الرباني من حيث درجة العلم

قال ﴿يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ ما المراد بكتاب الله هنا؟ المراد بكتاب الله التوراة بدليل سياق الآية ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟﴾.. طلب منهم أن يحفظوه

ولذلك هناك فرق بين القرآن وبين التوراة وغيرها من الكتب؛ لأن الله في القرآن قال ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9] فتكفل الله بحفظ القرآن، وأما الكتب السابقة أو التوراة، والإنجيل، جعل الله حفظ هذه الكتب إلى علمائها، إلى العلماء فقال ﴿بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ فلذلك وقع فيها التحريف ووقع فيها التبديل؛ لئلا يَرِد إشكال يقول قائل: أوليست التوراة كلام الله؟ أوليس الإنجيل كلام الله؟ أوليست هذه الكتب كتبًا منزلة من عند الله؟ لم طرأ عليها التحريف والتغيير والتُبديل ولم يقع ذلك في القرآن كما تزعمون؟

◂نقول لم يقع في القرآن تحريف ولا تبديل؛ لأن الله هو الذي تكفل بحفظ القرآن، وأما هذه الكتب

أوكل الله حفظها إلى هؤلاء من العلماء، فمنهم من فرط ومنهم من ضيع فوقع التحريف والتُبديل، وهذا

مناسب إلى الاختلاف بين الكتب، فالكتب السابقة كانت كتبًا لأتباعها أو لأممها، وكانت الرسالات فيها

رسالات خاصة، وأما القرآن فهو كتاب عام ولن يأتي بعده كتاب منزل، فيناسب هذا أن يكون هذا

الكتاب محفوظًا من التبديل والتغيير والله أعلم

قال ﴿وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ﴾ فهم أمناء على هذا الكتاب، وشهداء عليه بأنه حق، وإليهم يرجع الناس في أمره كل هذا في معنى وكانوا عليه شهداء

قال ﴿فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ﴾: خافوا الله وحده ﴿وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، تحذير لهم

ثم قال ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ لماذا الإعراض؟ ولماذا ترك حكم الله سبحانه وتعالى؟ بل وتبديل حكم الله ووضع أحكام أخرى على أنها أحكام لله سبحانه وتعالى!

قالوا هنا في التفسير: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ من الوحي مستحلًا ذلك، أو مفضلًا عليه غيره، أو مساويًا له معه فأولئك هم الكافرون حقًا، هم بذلك يبينون معنى الكفر في الآية الكريمة

فقوله ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ من المعروف أن هذه الآية الكريمة قد أشكلت على كثير من الناس، وأوقعت بعض الفرق كالخوارج في ضلال بسبب سوء الفهم لتلك الآية الكريمة، ولذا نبه غير واحد من أهل التفسير على أن كثيرًا من هؤلاء فهم الآية الكريمة بفهم مغلوط، فوقعوا في الضلال المبين، والحق في ذلك ما ذكروه هنا من أن معنى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾:

(1) إما أن نقول أن المراد بالكفر هنا: الكفر الأكبر، فحينئذ نقول المراد بالحكم بغير ما أنزل الله:

الاستحلال، يعني أنه أَحَلَّ أن يُحْكَم بغير ما أنزل الله؛ بمعنى اعتقد أنه حلال، قال ليس لله أن يحكم

بيننا، وليس لنا أن نلتزم حكم الله، بل نحن نحكم بما نشاء والحكم إلينا نحكم بما نريد،

◂أو قال إن حكمنا أفضل من حكم الله،

◂أو أن حكمنا مساو لحكم الله، فحينئذ هذا هو الكفر الأكبر المخرج من الملة

◂أما أن يحكم بغير ما أنزل الله اتباعا للشهوة؛ رغبة في الحفاظ على سلطة، أو خوفًا من بطش أحد،أو ما إلى ذلك، فهذه معصية وكبيرة من الكبائر، لكنها لا تخرج صاحبها عن ملة الإسلام، ولذلك الذي وقع من هؤلاء أنهم ماذا صنعوا؟ ذلك بمعنى اعتقدوا حل ما يصنعون فتركوا حكم الله سبحانه وتعالى من الرجم وجعلوه التحميم ونسبوا ذلك إلى الله سبحانه وتعالى أو إلى التوراة

لذلك بعضهم قال الذي وقع منهم هو التبديل لا الاستبدال، وفرق بين التبديل والاستبدال:

◂فالتُبديل: أن يحكم الإنسان بغير ما أنزل الله، وينسب ذلك إلى الله، وهذا هو الكفر الأكبر

◂وأما الاستبدال فهو: أن يحكم بغير ما أنزل الله تاركًا حكم الله، لكنه ما قال هذا حكم الله

يعني الآن إذا غير حكم من أحكام الشريعة تركوه وحكموا بحكم آخر، فقضوا مثلًا في أن السارق بدلًا من أن تقطع يده أن يسجن، لكنهم ما قالوا أن السجن هو حكم الله، ما قالوا ذلك، لكنهم حكموا، فحينئذ نقول هذه معصية وهذه كبيرة، وينبغي أن ﴿يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى

لكن الكفر الأكبر ﴿أَنَّمَا﴾ يقع بالتُبديل بأن ينسب هذا على أنه دين الله، فأما إذا لم يحرف القرآن أو يوضع على أنه من القرآن ومن دستور الإسلام فهذا شيء آخر، وليس بكفر أكبر مخرج من الملة، ما دام أنه ليس تبديلًا ولا استحلالًا لما أنزل الله سبحانه وتعالى،استحلالًا للحكم بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى

لذلك قالوا هنا مستحلًا ذلك، أو مفضلًا عليه غيره، أو مساويًا له معه،فهذه صور من صور الكفر الأكبر

(2) أو القول الثاني: أن معنى ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ كفر دون كفر، كما فسر ابن عباس رضي الله

عنهما وجماعة من التابعين من أن المراد بالكفر هنا كفر دون كفر، يعني أنه وقع في المعصية، فهو إذا

حكم بغير ما أنزل الله فكفره كفر دون كفر، وبناء عليه فهو عاص من العصاة مرتكب لكبيرة من

الكبائر، وليس بخارج من الملة

إذًا الآية تحمل على عدة أوجه:

منها هذا تبديل والتُبديل: أن ينسب الحكم الذي حكم به إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا نص عليه

أبو بكر بن العربي رحمة الله تعالى في أحكام القرآن الكريم، وجعل أيضًا ابن العربي أن هذه الآية في حق المشركين، وأن الثانية في حق اليهود وأن الثالثة في حق النصارى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾

أو أن يقال انظروا إلى سبب النزول وهذا مهم في فهم الآية الكريمة، ماذا صنع أولئك؟ تركوا حكم الله، ووضعوا حكمًا آخر وجعلوه في التوراة، فجعلوه في الكتاب على أنه حكم الله سبحانه وتعالى فبهذا يزول الإشكال في فهم الآية الكريمة، والعلم عند الله تبارك وتعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾كفر دون كفر

أو وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ مستحلًا ذلك فكفره كفر أكبر

وهذا ليس في الحكم بغير ما أنزل الله فقط، فلو أن شخصا استحل الربا أو استحل الزنا فهذا كفر أكبر أيضًا؛ لذلك عندنا أهل العلم يقولون وأهل السنة يقولون: إن مرتكب الكبيرة ليس بكافر ما لم يستحل تلك الكبيرة، بمعنى قال الزنا حلال، أو قال الربا حلال، كذلك من قال الحكم بغير ما أنزل الله حلال فهذا كفر بالله العظيم نعوذ بالله من الخذلان

﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾

قال الله سبحانه بعدها ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ﴾، أي: في التوراة ﴿أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ هذا فيه مشروعية القصاص

قال ﴿أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ﴾ عندنا في القرآن أيضًا ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] فعندنا نص في القرآن على أن القصاص في شرعنا، ثم أيضًا استدلوا بهذه الآية على ذلك قالوا: لأن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخه شرعنا، كما رجحه جماعة من أهل الأصول

﴿أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ﴾ وهذا كله فيما يقع على طريق العمد والعدوان، فإذا وقع هذا على طريق العمد والعدوان ففيه القصاص بهذه الطريقة بحيث لا يُتجاوز الحدُ.

بعدها ﴿وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ يعني: أيضًا ما يقع في الجروح يعاقب الجاني بمثل جنايته فيعاقب على قدر الجناية، من حيث الطول، والعرض، والعمق، والحد، والمكان، كل هذا، لا يُغير عن موضعه في الجرح، أو في الإصابة، ولذلك إذا لم يمكن ضبطه لا يكون قصاصًا وإنما يتحول إلى عقوبة أخرى كما هو معروف

قال ﴿وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥ﴾ كفارة لمن؟ اختلف أهل التفسير في ذلك

قالوا هنا: ومن تطوع بالعفو عن الجاني هذا معنى تصدق، ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥ﴾ أي: كان عفوه كفارة لذنوبه بعفوه عمن ظلمه، يعني أن المجني عليه إذا عفا عن الجاني فإنَّ الله يغفر له، لأن من عفا عفي عنه، وفيه دعوة إلى العفو والصفح، وأن ذلك سبيل لعفو الله سبحانه وتعالى

وبعض العلماء قال: وأيضًا فهو كفارة لهذا الجاني؛ لأنه إذا عفا عنه المجني عليه فالله عز وجل أعظم عفوًا وأجل وأكرم سبحانه وتعالى، فحينئذ يقوم هذا مقام العقوبة لأنه عفا عنه

قال ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ قالوا: المتجاوزون لحدود الله، وكرر هذا الجزء من الآية، لكن اختلف الختام أيضًا؛ لأن هذا الباب يقع فيه شيء من الاعتداء، فحين يكون النفس بالنفس يعني لا يعاقب بأكثر من نفس، ولا يعاقب نفسًا ليست مجرمة، فيأتي على البريء ويقتل كما يقع من بعض الناس، ﴿أَنَّمَا﴾ يقتل المعتدي لا غيره بالضوابط المعروفة، وكذلك العين بالعين إلى آخر الآية، فقال ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾

من فوائد الآيات:

تعداد بعض صفات اليهود مثل الكذب وأكل الربا ومحبة التحاكم لغير الشرع لبيان ضلالهم للتحذير منها.

بيان شرعة القصاص العادل في الأنفس والجراحات وهي أمر فرضه الله تعالى على من قبلنا.

الحث على فضيلة العفو عن القصاص وبيان أجرها العظيم المتمثل في تكفير الذنوب.

الترهيب من الحكم بغير ما أنزل الله في شأن القصاص وغيره.

قال الشيخ حفظه الله:

تعداد بعض صفات اليهود مثل الكذب وأكل الربا ومحبة التحاكم لغير الشرع لبيان ضلالهم للتحذير منها. الكذب ﴿سَمَّـٰعُونَ لِلْكَذِبِ﴾، فهم يكذبون ويسمعون الكذب ويستجيبون له، وأكل الربا وهذا أُخذ من قوله﴿أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ﴾؛ لأن من أنواع السحت أكل الربا، ومحبة التحاكم لغير الشرع؛ ولذلك قال ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾.. الآيات الكريمة

بيان شرعة القصاص العادل في الأنفس والجراحات، وهي أمر فرضه الله تعالى على من قبلنا، والفرضية جاءت من قوله وكتبنا عليهم فيها، وعندنا في شريعتنا التخيير، فهناك القصاص، وهناك الدية، وهناك العفو، كما تقدم في سورة البقرة

الحث على فضيلة العفو عن القصاص، وبيان أجرها العظيم المتمثل في تكفير الذنوب ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥ﴾

الترهيب من الحكم بغير ما أنزل الله في شأن القصاص وغيره ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ والآية التي تأتي بعده ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾

ولذلك إذًا قررنا أن الحكم بغير ما أنزل ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ لم يستحل صاحبه ذلك فليس هذا بكفر مخرج من الملة، وإنما هي كبيرة من الكبائر فليس هذا من باب تهوين التحاكم إلى غير ما أنزل الله، بل إن هذه جريمة نكراء ينبغي ﴿إِلَّا﴾ يعتدي فيها العبد، لأن المؤمن يعتقد أن الله له الحكم وأنه يحكم ما يريد، ومن شأن المؤمن أن يستجيب لأمر الله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

لكننا نقول ذلك من باب تقرير الأحكام، ووضع الأمور في نصابها حتى لا يغلو الإنسان فيُكَفِّر من لا ينبغي له تكفيره من المسلمين، لا سيما وأن الأصل أن المسلم باق على إسلامه، ولا ينبغي الحكم عليه بغير ذلك إلا ببرهان أوضح من الشمس كما هو معلوم.

قال الشيخ حفظه الله:

قال ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾

﴿وَقَفَّيْنَا﴾، أي: اتبعنا ومنه القفو: اتباع الأثر ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ﴾، على آثار أنبياء بني إسرائيل، الذين حكموا بالتوراة، كما في قوله سابقا ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟﴾

ثم قال ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِم بِعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ﴾ فهو مصدق لما في التوراة، ﴿ٱلتَّوْرَىٰةِ ۖ وَءَاتَيْنَـٰهُ ٱلْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ﴾ فعيسى مصدق وكذلك الإنجيل مصدق ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ﴾، قالوا هنا في التفسير: وموافقًا لما نزل من قبله من التوراة إلا في القليل مما نسخه من أحكامها، كما قال:﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: 50] شريعة الإنجيل موافقة لشريعة التوراة إلا في النزر اليسير مما نسخ من أحكام التوراة

قال ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾

وهذا الذي جعل بعض العلماء يقول: هذا في حق النصارى، باعتبار أن هذا في سياق الحديث عن الإنجيل، هنا قال: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ﴾ أيضًا لا يستدل بهذه الآية على أن النصارى لا يلزمهم القرآن الكريم؛ لأننا نقول وماذا أنزل الله فيه؟ مما أنزل الله فيه التبشير بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، ولزوم الإيمان به، وحينئذ فالذي يأخذ بالإنجيل يلزمه أن يأخذ بالقرآن الكريم؛ لذلك قالوا هنا في التفسير: وليؤمن النصارى بما أنزل الله في الإنجيل، وليحكموا به فيما جاء به من صدق قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم

هذا أيضًا معنى آخر وتوجيه أن قوله ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ﴾ مؤقتًا، فإذا جاءت شريعة القرآن وجب عليهم اتباعها، ولذلك عقب الله عز وجل بعد ذلك بقوله ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ فهو مؤتمن على الكتب السابقة، فما جاء في القرآن موافقا لما سبقها من الكتب أخذ به، وما جاء في القرآن مخالفًا لما سبق من الكتب فيقال أنه قد نسخها، فالتعويل على الناسخ وهو ما جاء في القرآن الكريم

﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ الكلام فيه كما تقدم أيضًا ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾

قال ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ ۖ فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ ما المراد بالكتاب؟ القرآن الكريم ﴿بِٱلْحَقِّ﴾، أي: القرآن نزل بالحق مشتمل ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، وهذا من معاني قوله ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَـٰهُ وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: 105] فالقرآن نزل بالحق، واشتمل ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾

قال ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ ما معنى ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾؟ أي: من الكتب السابقة،

وننبه على ما تقدم سابقًا حين ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن هناك ما يذكره العلماء في علم الوجوه والنظائر، وهو أن الكلمة قد ترد في القرآن على عدة أوجه، ويبين ذلك السياق، فهنا كلمة ﴿ٱلۡكِتَٰبِ﴾ وردت في الآية الكريمة أكثر من مرة، وردت الأولى منهما ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ وكان المراد بالكتاب: القرآن الكريم، ثم قال ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ والمراد بالكتاب: الكتب السابقة

إذًا الكلمة وردت في الآية وأكثر من مرة، مرة وردت بمعنى القرآن، ومرة أخرى وردت بمعنى الكتب السابقة

وقوله ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فالقرآن الكريم موافق لما في التوراة والإنجيل في كثير من الأحكام، وإن خالفها في بعض الأحكام، وبين أو ذكر أحكام أو نسخ أحكامًا فيهما، ومن ذلك ما ذكره الله هنا سابقًا، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ﴾ فهذا أيضًا مما شرع فيه القرآن الكريم، وهو مشروعية القصاص، قال هنا ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾

أيضًا من معاني قوله ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾: مجيءُ القرآن تصديقٌ للكتب السابقة؛ لأن الكتب السابقة أخبرت به، وأخبرت أن نبيًا سيأتي يقال له محمد، وأن صفته كيت وكيت، فمجيئه تصديق لها، ومجيء القرآن أو نزول القرآن تصديق للكتب السابقة

﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالوا: ومؤتمنا عليها، فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل، وهذا من معاني ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ وبعضهم قال ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، يعني: مشتملا عليها، ولذلك مما ذكره العلماء في سبب تسمية القرآن بالكتاب قالوا الكتاب، أي: الجامع، ومنه أصل المادة، مادة الكتب تدل على معنى الجمع، منه اجتماع

الحروف في الكتابة، فقالوا: قيل للقرآن كتاب؛ لأنه جامع لثمرات الكتب السابقة.

قال ﴿فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ أيضًا أمر باتباع حكم الله، والحكم بينهم بما أنزل الله، والنهي عن اتباع الهوى.

﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قالوا هنا: لكل أمة شريعة من الأحكام العملية وطريقة واضحة يهتدون بها لكل، أي: لكل أمة أو لكل رسول؛ إذا (لكلٍ) هذا التنوين يقال له تنوين عوض، تنوين عوض عن مفرد، أي: لكل أمة أو لكل رسول ﴿جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً﴾، أي: شريعة ﴿وَمِنْهَاجًا﴾ قالوا: طريقة واضحة يهتدون بها

◂وبعضهم قالوا: الشرعة التشريع، الشريعة المراد بها: الأحكام والمنهاج الطريق الموصل إليها، ومنهم من

قال سبيلًا وسنة

على كل حال فجماهير أهل العلم يستدلون بهذه الآية على أن هذه الآية تدل على أن الشرائع، أعني شرائع الأنبياء والمرسلين، يقع فيها الاختلاف، والمراد بالشرائع هنا الفروع، أو الأحكام العملية، وأما أصول الشريعة، أو العقائد فإنه لا خلاف فيها بين الأنبياء والرسل، ولذلك هي مما لا نسخ فيه، فمثلا ما من نبي ولا رسول إلا دعا إلى توحيد الله، كما قال الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىٓ إِلَيْهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]

فالعقيدة وكذلك أصول الشرائع من أن الأنبياء والرسل كلهم أمروا بالصلاة والزكاة، وما إلى ذلك، فهذا متفق عليه بين الشرائع، لكن كيفية الصلاة، كيفية الزكاة، تفريعات الأحكام والتشريعات، هذا قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾

لذلك لا تعارض بين هذا وبين ما جاء في قوله ﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ ۖ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ ٱللَّهُ يَجْتَبِىٓ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾؛ لأنّّ الله قال بعده ﴿أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ﴾، فهذا لا خلاف فيه بينهم، ولذلك جاء

قال ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ﴾ لماذا جعل الله الأمم لها شرائع مختلفة؟ قال:﴿لِّيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَىٰكُمْ﴾؛ ليختبر كل أمة بما آتاها ﴿فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ دعوة إلى فعل الخيرات وترك المنكرات، ليس اقتصارًا على الفريضة، وإنما يفعلون الفرائض، وكذلك يستبقون في فعل النوافل ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾

﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ﴾

مرة أخرى ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ وقبلها ﴿فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ قال بعضهم: لأنه في الأول ﴿فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ في سائر الأمور، وهنا ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ عند التحاكم إليك أيضًا ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾: نهي عن اتباع الأهواء، وهذا كثير في باب الأحكام أن ينهى المسلم أو العبد عن اتباع الهوى ﴿يَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ﴾ [ص: 26] ولذلك ينبغي لمن يحكم بين الناس، ولمن يقضي ويفصل بين الناس أن يحذر من الهوى، وأن يتجنب الهوى فإنه يفسد عليه الحكم ويدعوه إلى الضلال

قال ﴿وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ فهم يرومون فتنته وإضلاله ﴿عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ إليه، لكن الله حافظ رسوله، والآية فيها تحذير للمؤمنين، والرسول أسوتنا وقدوتنا

قال ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ﴾ أيضًا في هذا فائدة جليلة وهي: أن الإنسان يعرض عن الحق، ويقع في كثير من المعاصي بسبب معصية وقع فيها ابتداءً، فالمعصية تجر إلى أخرى، والسيئة تتبعها أخرى؛ لذلك قال ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ يعني: ارتكبوا ذنوبا، فهذه الذنوب دفعتهم إلى التولي، كما قال الله عز وجل ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟﴾ [آل عمران: 155]، فبسبب ما كسبوا وقعوا في التولي أيضًا، قال هنا ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَـٰسِقُونَ﴾

ثم قال ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾

وقوله ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ﴾ هذا الاستفهام فيه توبيخ وفيه تعجيب من حالهم، وقال بعضهم أيضًا فيه إنكار عليهم ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ فمن ترك حكم الله فإنه يتحاكم إلى حكم الجاهلية، وتقدم أن الجاهلية في مواضيعها التي وردت فيه في القرآن الكريم وردت في موضع الذم

قال ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ولأن هنا وهي قوله ﴿أَفَحُكْمَ﴾ فهذه الفاء عاطفة، فهم جعلوها هنا أنها عاطفة على تقدير، فلذلك قالوا “ أيعرضون عن حكمك طالبين حكم أهل الجاهلية “ إذًا أيعرضون؟ فحكم الجاهلية يبغوه، لكن هنا تقدم قوله سبحانه ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ﴾، لم يقل: “ أيبغون حكم الجاهلية “، تقدم المفعول وهذا فيه إفادة الحصر يعني كأنهم ما يريدون إلا حكم الجاهلية

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ فهذا فيه إنكار عليهم كيف يتحاكمون إلى غير شرع الله وإلى غير ما أنزل الله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾أي: لا أحد أحسن حكمًا من الله سبحانه وتعالى، وقوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ﴾، قوله أحسن هنا، قالوا: ليست على بابها يعني لا يقال: أن حكم غير ما أنزل الله حكم حسن، وهذا أحسن منه، بل إن ما سوى حكم الله فإنه لا يضاهي حكم الله، وليس فيه حُسْنٌ البتة إذا خالف حكم الله سبحانه وتعالى

من فوائد الآيات:

الأنبياء متفقون في أصول الدين مع وجود بعض الفوارق بين شرائعهم في الفروع

وجوب تحكيم شرع الله والإعراض عما عداه من الأهواء

ذم التحاكم إلى أهل الجاهلية وأعرافهم

قال الشيخ حفظه الله:

الأنبياء متفقون في أصول الدين مع وجود بعض الفروق بين شرائعهم في الفروع وهذا ما دل عليه قوله ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ مع قوله ﴿۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ﴾

وجوب تحكيم شرع الله والإعراض عما هداه أعداه من الأهواء، قال ﴿وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾ قبلها ﴿فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾

ذم التحاكم إلى أحكام أهل الجاهلية وأعرافهم ﴿أَفَحُكْمَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

بعد أن بين الله سبحانه وتعالى لنا طرفًا من حال اليهود والنصارى، وكيف أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، ومن بعد مواضعه، وكيف أنهم جمعوا بين الخصال القبيحة من الكذب، وسماع الكذب،والاستجابة إليه، ومن أكل الحرام، ومن تحريف كتب الله سبحانه وتعالى، إلى غير ذلك مما عدد الله عز وجل عليه من أفعال قبيحة، بين الله أنه لا يجوز لنا أن نتولى هؤلاء.

كيف نتولاهم وهم يُعادون الله؟ كيف نتولاهم وهم يعادون رسل الله؟ كيف نتولاهم وهم يحرفون كتب الله؟ فجاء التحذير من موالاتهم، فقال ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ أي: لا تجعل من اليهود والنصارى حلفاء وأصفياء توالونهم، وتحبونهم، وتنصرونهم، لا ينبغي هذا

دروس مشابهة