مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة المائدة — الجزء 5

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 285 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ فهم مع تفرقهم إلا أنهم يجتمعون في عداوتكم، فاليهود ﴿أَنَّمَا﴾ يوالون أهل ملتهم، والنصارى ﴿أَنَّمَا﴾ يوالون أهل ملتهم، وكلا الفريقين تجمعهم معاداتكم

﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ﴾ فبعد أنه توعدهم فقال ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ﴾، فهو لهم؛ بسبب هذا التولي، ومن والاهم موالاة تامة كان منهم كينونة تامة، ومن تولاهم في شيء فهو بحسب تلك الموالاة؛ ولذلك أيضًا بعض الناس قد يفهم الآية خطأ، يظن أن كل من وقعت منه موالاة لليهود أو النصارى في شيء أو من وقعت منه محالفة لهم في شيء فإنه يصير بذلك كافرًا خارجًا من الملة، وليس الأمر كذلك؛ لأن الموالاة على درجات:

◂هناك من يواليهم رغبة في الوصول إلى منصب، أو رغبة في الحصول على مال، أو خوفا منهم، أو ما أشبه

ذلك مع اعتقاده أنهم على الباطل فهذا ليس مخرجًا من الملة، فالشخص الذي يعتقد أن عقيدتهم

ليست حقًا، وأن الحق في الإسلام، إذا والاهم من أجل شهوة فإنَّ هذا ليس مخرجا من الملة، وإن كان

على معصية وعلى ذنب،

◂بخلاف الذي والاه موالاة تامة فناصرهم على أهل الإيمان وأحبهم ورغب فيهم وفي دينهم وفي أحكامهم،

فهذا يقال فإنه منهم على الحقيقة ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ﴾

ويتأتى في مثل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم “ من تشبه بقوم فهو منهم “ فهذا أيضًا بحَسَبِه، ليس كل من وقع منه تشبه بقوم من اليهود، أو النصارى، أو المشركين صار له حكمهم على التمام والكمال، وإنما بحسب درجة موافقته

قال الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ فلذلك الآية الكريمة أيضًا مما يحتاج إلى فهم كثير من الناس؛ إذ يقع فيها غلط بسبب جهل بعض الناس واعتدائهم في فهم الآيات القرآنية

قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ ومع ذلك فإنه ينبغي للمؤمن أن يتقي موالاتهم، صغيرة كانت أو كبيرة، وينبغي له أن يتقيها، وأن يوالي الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين، كما جاء بعد ذلك في قوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾

قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾، وأفاد قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ أن من تولاهم وقع في الظلم

ثم قال ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَـٰدِمِينَ﴾

﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾، أي: من أهل النفاق ممن لديهم شك وريبة في الإيمان والتوحيد، هؤلاء عندهم ضعف في إيمانهم، ماذا يصنعون؟ يبادرون إلى موالاة هؤلاء، إذًا الإنسان عليه أن يتقي النفاق وألا يكون مثل المنافقين في ذلك

﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ﴾، أي: في موالاتهم ﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ بهذا يتعللون وبهذا يعتذرون، يقولون: ما ندري لعله تأتي مصيبة، وتكون الدولة وتكون الغلبة لليهود أو للنصارى، فنريد أن تكون لنا يد عندهم، فنقول: “ كنا معكم وكنا نداهمكم، وكنا نرغب فيكم، وكنا نقدم لكم “ حتى يقفوا معهم عند الضراء

﴿يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ فيريدون أن يلعبوا، أو أن يقوموا على الجانبين، وأن يرضوا هذا وأن يرضوا هذا، كما مر معنا في سورة النساء ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: 141] الآية الكريمة

قال ﴿فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِۦ﴾ أي: لعل الله يجعل الظفر لرسوله ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ٱلْأَعَزُّ مِنْهَا ٱلْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَـٰكِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، أو يأتي بأمر من عنده تندفع به صولة اليهود ومن يوالوه يواليهم فيصبح المسارعون إلى موالاتهم نادمين، لكن يندمون بعد أن انكشف أمرهم؛ لذلك قال الله بعدها ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ أي: انكشف أمرهم ﴿حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾، فدل هذا على: أن هذه الموالاة وأن هذا النفاق سبب في حبوط الأعمال، نسأل الله السلامة، وأن من وقع منه شيء من ذلك عليه أن يبادر بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى

﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَهَـٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقْسَمُوا۟ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ فَأَصْبَحُوا۟ خَـٰسِرِينَ﴾

قالوا هنا: متعجبين فجعلوا الاستفهام على سبيل التعجب، وقوله ﴿أَهَٰٓؤُلَآءِ﴾ قالوا: أن التعبير بهؤلاء تحقيرًا لهم، وإذا كان هذا الخطاب لليهودي فهو على سبيل التحسير وإذا كان للمؤمنين فهو على سبيل التحذير يعني، يقال للمؤمنين: احذروا من أن تلحقوا بمثل هؤلاء، أو إذا كان لجماعة المنافقين مما وقع منهم فيكون هذا على سبيل التحسير لهم: “ ها أنتم كنتم تميلون إليهم، انظروا ماذا وقع لهم وماذا وقع لكم، “

ثم قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ فالله غني عن العالمين، والله قال ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا۟ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓا۟ أَمْثَـٰلَكُم﴾

﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ وبدأ بقوله ﴿يُحِبُّهُمْ﴾؛ لأن هذا أعظم وأجل؛ ولذلك ليس الشأن أن تحبه، وإنما الشأن كل الشأن أن يحبك الله سبحانه وتعالى

وقوله ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ فيه بيان معنى اسم الله الودود، فالله جل وعلا من أسمائه الودود ﴿وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلْوَدُودُ﴾ [البروج: 14]، ومن معاني الودود: أنه الواد المودود، فهو الذي يحب أولياءه ويحبه أولياؤه سبحانه وتعالى، فقال ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا هنا: رحماء بالمؤمنين، وتأمل التعبير قال ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يقل “ أذلة للمؤمنين “، فهي ليست ذلة ضعف، وإنما هي ذلة عطف وحنان، فهو ذليل على أخيه مع علوه ومع عزته، فهو ذليل له متواضع له

﴿أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ كما قال سبحانه وتعالى ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] قال ﴿يُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآئِمٍ﴾ لا يلتفتون إلى لومة لائم، إذا كان هذا اللوم اعتراضًا على نصرتهم لدين الله سبحانه، واستجابتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم لا يلتفتون إلى هذا اللوم؛ لأنهم يخافون أن يكون العقاب من الله سبحانه وتعالى لهم

قال ﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ﴾

﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ بأسلوب القصر، وطريقه التعبير بقوله ﴿إِنَّمَا﴾ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾، أي: لا توالوا هؤلاء، ولكن هذا هو الطريق، ولذلك قالوا هنا: ولما نهى الله عن موالاة اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار أخبر بمن يتعين على المؤمنين موالاتهم، فبعد أن بين الممنوع ذكر المشروع فقال ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمْ رَٰكِعُونَ﴾ فمن صفات أهل الإيمان أنهم يقيمون الصلاة وأنهم يؤتون الزكاة وهم راكعون

ما معنى ﴿وَهُمْ رَٰكِعُونَ﴾؟ يعني: والحال أنهم خاضعون مستسلمون لله سبحانه، فهم يدفعون الزكاة أو يعطون الزكاة وهم راضون مستسلمون لأمر الله سبحانه وتعالى،

وليس المعنى أنهم يؤتون الزكاة في حال ركوعهم؛ إذ كيف يعطون الزكاة في أثناء صلاتهم؟

ولذلك ما ورد من قصة باطلة في هذا الباب، تتعلق بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من أنه أتاه فقير وهو في الصلاة فما كان منه إلا أن نزع خاتمه ثم أعطاه إياه، وقالوا هذه الآية ليست في أحد إلا في علي رضي الله عنه، فهذا كذب وزور

ولا يمتدح الإنسان بأن ينفق شيئًا وهو في داخل صلاته، وإنما يكون هذا بعد الصلاة، ثم أكان الخاتم حق الزكاة؟ وكان الخاتم هو الواجب في الزكاة؟ وهل كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع بذله وتضحيته ممن تجب عليه الزكاة لأنه غني من الأغنياء؟ فهذا فيه تناقض عجيب مما أورده أمثال هؤلاء،

وإنما قصدوا بذلك وهذا من مما صنعه الشيعة، أن يستدلوا بأن قوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ﴾ المراد به الولاية، وأنه الأحق بالولاية، مع أنَّ المقام هنا ليس حديثًا عن الولاية التي هي تولي الأمور بمعنى الخلافة، ليس هذا هو المراد، ﴿أَنَّمَا﴾ المراد: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ﴾، يعني توليكم، موالاتكم، ونصرتكم، وحبكم يكون لله ولرسوله وللذين ءامنوا، ومما يدل على أن هذا هو المراد بقوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ﴾.. سياق الآيات، والآيات في البداية ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾

ليس المراد لا تتخذوهم خلفاء وزعماء، فهذا ليس هو هنا، ﴿أَنَّمَا﴾ المراد: لا تتخذوهم حلفاء تنصرونهم وتحبونهم، وتتوددون إليهم

بل قال بعض العلماء في رده على الشيعة واستدلالهم الباطل ولا أطنب في ذلك لكن لما فيه أهميته هنا أن الآيات الكريمة إن كانت متحدثة عن شيء من ذلك فهي عن أبي بكر الصديق أولى، لأن قوله ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾ أحق من وقع في شأنه ذلك بعد رسول الله هو الصديق، فحروب الردة وقعت في عهد الصديق، وهم القوم الذين أحبهم الله ويحبونه، فلو كانت في الخلافة لكانت دليلًا على أحقية أبي بكر بها

وإن كنا نقول ليست الآية بصريحة في هذا المقام، وإلا فالأدلة على أحقيته بالخلافة معروفة من كتاب الله أو من سنة رسول الله من سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإجماع المسلمين من أصحاب الرسول رضي الله عنهم أجمعين على ذلك

قال الله بعدها ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾

◂تقدم أن التولي قد يتعدى بنفسه، ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ يتعدى إلى مفعول ومن يتولَّ الله، فيكون المراد بقوله ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ﴾ يعني: ومن ينصر، ومن يحب، ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾

◂وقد لا يتعدى ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة: 6] لا يذكر معه المفعول، فيكون المراد بالتولي: الإعراض؛ ولذلك يقال تولى فلانًا وتولى عن فلان، فإذا تعدّى إلى المفعول بنفسه تولاه يعني: ناصره وأحبه وأقبل عليه، أما تولى فهي بمعنى أعرض، والمراد هنا: تولاه يعني أنه أحبه وأقبل عليه قال ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ بالنصرة ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾

تأملوا الآية ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ لم يقل فهم الغالبون، أو فإنهم الغالبون ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ﴾ فما وجه ذكر فإنَّ حزب الله هنا؟

◂قوله ﴿فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ﴾ يدل على جواب الشرط المقدم ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟﴾ الجواب،

فهو من حزب الله ﴿فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ فقوله ﴿فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ أفادنا أن

قوله من يتولى الله ورسوله والذين ءامنوا فهؤلاء هم حزب الله، ثم قال ﴿فَإِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾

ولذلك قالوا هنا في التفسير: ومن يتولى الله ورسوله والمؤمنين بالنصرة فهو من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون، والمراد بـ ﴿حِزْبَ ٱللَّهِ﴾ أي: جند الله كما قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَـٰلِبُونَ﴾ [الصافات: 171 -173]

ومعروف أن العبرة بالحقائق وليست بالصور، فمثلًا “ حزب الله “ المعروف الشيعي الذي هو على الباطل،

ليس له من هذا إلا مجرد الاسم، وإلا فهم ليسوا من حزب الله، بل إنهم أعداء لحزب الله سبحانه

وتعالى

قال الله بعدها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

نداء أيضًا لأهل الإيمان؛ لِبَثِّ هذا الأمر بينهم وهو تحبيبهم وترغيبهم في موالاة الله ورسوله، ومعاداة من عادى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

﴿لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ من لديه أدنى عقل، من لديه مُسْكَة من عقل أو فطنة، هل يتخذ الذي يتخذ دينه هزوًا ولعبًا؟ من اتخذ دينك هزوًا ولعبًا لا بد أن تعاديه، وإلا كان الدين أرخص شيء عليك؛ فلذلك هذا فيه تهييج لهم، كيف تتخذون ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ أولياء؟

قال ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ﴾ قوله ﴿وَٱلْكُفَّارَ﴾ هكذا بالنص يكون معطوفا على قوله ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ﴾ يعني ﴿لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟﴾ دِينَكُمْ،ولا تتخذوا الكفار أولياء،

◂وهناك القراءة بالجر فتكون معطوفة على قوله ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَٱلْكُفَّارَ أَوْلِيَآءَ﴾

فيكون هؤلاء أيضًا ممن الذين اتخذوا دينهم هزوا ولعبا، وهناك أوجه أخرى معروفة في إعرابها

﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾

من فوائد الآيات:

التنبيه على عقيدة الولاء والبراء التي تتلخص في الموالاة والمحبة لله ورسوله والمؤمنين، وبغض أهل الكفر وتجنب محبتهم

من صفات أهل النفاق موالاة أعداء الله تعالى

التخاذل والتقصير في نصرة الدين قد ينتج عنه استبدال المقصر، والإتيان بغيره، ونزع شرف نصرة الدين عنه

التحذير من الساخرين بدين الله تعالى من الكفار وأهل النفاق ومن موالاتهم

قال الشيخ حفظه الله:

التنبيه على عقيدة الولاء والبراء التي تتلخص في الموالاة والمحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وبغض أهل الكفر وتجنب محبتهم: هذا معنى الولاء والبراء “ أن نوالي الله ورسوله أن نحبه، وأن نمتثل أمره، وأن ننصره وننصر دينه “

وكذلك نتبرأ من الكفر والكفار ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ﴾ ولذلك قالوا أن القاعدة في هذا “ حبيب حبيبي وعدو حبيبي عدوي “، فمن أحب الله ورسوله فهو حبيبنا، ومن عادى الله فهو عدونا، وينبغي أن تكون هذه العقيدة عقيدة واضحة جلية للمؤمنين

من صفات أهل النفاق موالاة أعداء الله تعالى ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَـٰرِعُونَ فِيهِمْ﴾

التخاذل والتقصير في نصرة الدين قد ينتج عنه استبدال المقصر والإتيان بغيره، ونزع شرف نصرة الدين عنه هذا في قوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُۥٓ﴾

التحذير من الساخرين بدين الله تعالى من الكفار، وأهل النفاق ومن موالاتهم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ الآية الكريمة

قال الشيخ حفظه الله:

قال ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾

لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن أوصاف هؤلاء الذين اتخذوا دينهم هزوًا ولعبًا؛ تحذيرًا لنا من أن نقتفي أثرهم، أو أن نواليهم، كيف توالونهم وهؤلاء ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ فكما يتخذون دينكم هزوًا ولعبًا، فكذلك إذا ناديتم إلى الصلاة وأذنتم بالصلاة اتخذوها هزوًا ولعبًا.

استدل بعض العلماء بهذه الآية على وجود حديث عن الأذان في القرآن الكريم، ولذلك تقدم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في بداية السورة أنه في سورة المائدة عدة أحكام تشريعية لا توجد إلا في هذه السورة الكريمة، منها الحديث عن الأذان، فهذا في هذه السورة ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ﴾ والنداء للصلاة هو الأذان، ثم جاء بيانه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم

﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ فالباء هنا باء سببية؛ لذلك قالوا: ذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون عن الله معاني عبادته وشرائعه التي شرعها للناس

قال ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾

﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ توجيه بالنداء لأهل الكتاب ﴿هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ﴾ وهذا الاستفهام استفهام فيه إنكار عليهم، إنكار وتعجيب وتسفيه ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ﴾ هل تعيبون علينا؟ ﴿إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ فهل هذا يجلب عيبا؟ هل هذا يجلب ذما؟ ﴿هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ هذا الذي تنقمونه علينا، ما جرمنا؟ وما ذنبنا؟ ولماذا تعيبوننا؟ لأننا آمنا بالله

﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلُ﴾ فنحن نؤمن بالكتب المنزلة، فلماذا تنقمون منا وتعيبون علينا؟ ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾

قوله ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ يحتمل:

◂أنه داخل في المراد بهذا الاستفهام بمعنى فيما وقع عليه الاستفهام في قوله ﴿هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ﴾ يعني هل

تعيبون منا إلا الإيمان بالله واعتقاد ﴿أَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾، أي: لأننا نعتقد أن أكثركم فاسقون،

ولأننا نؤمن فلذلك تعيبون علينا،

◂أو أن قوله ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾ جملة استئنافية ا، أي: وأيضا أن اكثركم فاسقون، فأنتم جمعتم بين المتناقضات، تعيبون على الصالحين وأنتم تفسقون، فهلا اكتفيتم بنفسكم؟ أو هلا اكتفيتم بأمركم، فهذا الفاسق حسبه أن ينظر إلى نفسه، وألا يعيب غيره، لكنكم جمعتم بين الشيئين؛ بين أنكم لا تؤمنون بالله، بين أنكم تعيبون علينا الإيمان بالله، وأنكم أيضًا على الفسق، فجمعوا بين الخِسَّتَيْن قال ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَـٰسِقُونَ﴾

ثم قال الله ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾ وما سبق في قوله ﴿هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ هذا لا يجذب النقمة، وإنما يجلب المدح، ولكن هذا له نظائر في القرآن

﴿وَمَا نَقَمُوا۟ مِنْهُمْ إِلَّآ أَن يُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]

وأيضًا ﴿وَمَا نَقَمُوٓا۟ إِلَّآ أَنْ أَغْنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضْلِهِۦ﴾ [التوبة: 74]، فهذا ما يقع من هؤلاء

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾

﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ﴾ ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل أنبئكم أيضًا هذا على التقريع والتوبيخ،﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ﴾ يعني: من هم أولى بالعيب وأشد عقابًا من هؤلاء؟ هذا وجه في تفسير الآية: يعني هل تريدون؟ هل أنبئكم؟ هل أخبركم من هو أولى بالعيب من هؤلاء الذين قالوا ما قالوه في أهل الإيمان؟ فيكون هذا لبيان الحكم

◂أو أن يكون هذا من تتمة التقريع والتوبيخ لهم؛ إذا كنتم ترون أن المؤمنين مستحقون للعيب، وأنه

شر، فاسمعوا من هو شر من هؤلاء، فيكون هذا على سبيل التنازل، وإلا فليس هناك شرط فيما

يصنعه أهل الإيمان، بل هم مستجلبون للخير وللبركات ولعفو الله ورحمته

قال ﴿مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّـٰغُوتَ﴾ وعبد الطاغوت أي: أنهم عباد للطاغوت وكل من يعبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾، قالوا هنا: راضيًا، وهذا قيد مهم، لأنه من عُبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ وهو غير راض بذلك فليس طاغوتًا

فعيسى عليه السلام عبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ ومع ذلك هو غير راض بذلك فليس طاغوتا،وكذلك الملائكة وكل من عُبد ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ وهو غير راض فليس داخلًا في الطاغوت

قال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾ قالوا: إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن هذا من تتمة التقريع لهم والرد على زعمهم على أهل الإيمان، فيكون قوله ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ ليس على بابه من حيث أفعل التفضيل؛ لأن قوله شر أشر وأضل، وأهل الإيمان لا شر فيهم ولا ضلال

قال الله بعدها ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ﴾

تحدثنا الآيات عن جماعة من أهل النفاق ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ﴾ فالكفر معهم دخلوا به وخرجوا به، لم يتراجعوا عنه ولذلك قالوا: والواقع أنهم عند دخولهم وخروجهم متلبسون بالكفر، وهذا معنى ﴿وَقَد دَّخَلُوا۟ بِٱلْكُفْرِ﴾ يعني هو الحال، فالجملة حالية

وقولهم: متلبسون بالكفر يعني أن الباء للملابسة، ﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا۟ بِهِۦ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا۟ يَكْتُمُونَ﴾

﴿وَتَرَىٰ كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

لم يقل وترى كثيرًا منهم يقعون في الإثم والعدوان، وإنما ﴿يُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ﴾ لذلك أمرنا الله فقال ﴿فَٱسْتَبِقُوا۟ ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ هؤلاء ﴿يُسَٰرِعُونَ﴾ ولكن ﴿فِى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ﴾ من الباطل والحرام ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾

﴿لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾

ما معنى ﴿لَوْلَا﴾؟ هلا نهاهم ﴿ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ﴾، قالوا هنا: أئمتهم وعلماؤهم

فقوله ﴿ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ﴾ فسروها بالأئمة، وهذا يشهد له معنى أنه من ربان السفينة وهو القائد المصلح، فهؤلاء أئمة، عليهم أن يقتفوا أثرهم أي: على التابعين أن يقتفوا آثار هؤلاء، قال ﴿وَٱلْأَحْبَارُ﴾ أي: العلماء

﴿عَن قَوْلِهِمُ ٱلْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ ٱلسُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ قالوا: لقد ساء صنيع أئمتهم وعلمائهم الذين لا ينهونهم عن المنكر، وناسب هذا أن يقول ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾؛ لأن هؤلاء ليسوا يعملون فحسب، وإنما يصنعون، وهذا لأنهم على علم ومع ذلك حادوا عن الحق فيكون ما يفعلونه صناعة يستمرون عليها، ويدعون إليها غيرهم

ثم قال الله ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾

هكذا يعتقدون في الله سبحانه، هذا فيه: أن هؤلاء لا يعرفون الله ولا يقدرون الله حق قدره ولذلك جاء في حديث ابن عباس حينما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، قال: “ إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوه عبادة الله فإذا هم عرفوا الله “، وهذا معناه أنهم لا يعرفون الله حقًا

قال ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ فهم ينتقصون الله ويقولون فيه ما لا يليق ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟﴾ وفيه أيضًا أن هؤلاء يتبعون المتشابه، فحينما يدعو الله عز وجل الناس إلى القرض الحسن، وإلى الإنفاق يقولون كما قال الله ﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: 181] وما إلى ذلك، عندهم اتباع للمتشابه

﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ قالوا: مبسوطتان بالخير والعطاء، ينفق كيف يشاء سبحانه وتعالى ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا﴾ المتوقع أن المؤمن إذا نزلت آية ازداد بها إيمانًا، وأما هؤلاء كلما أنزلت آية ازدادوا طغيانًا وكفرًا، كما قال الله عز وجل ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا۟ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ﴾ [التوبة: 125] وكما قال الله ﴿وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]

قال الله سبحانه ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۚ كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ﴾ لذلك لا تجد بينهم اتفاقًا في الحقيقة، تجد العداوة والبغضاء ظاهرة بينهم

قال ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُوا۟ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ﴾ يطفئ نار تلك الحرب، قالوا: شتت الله جمعهم، هذا المراد بأطفأها، كيف يطفئها؟ بأن يشتت الله جمعهم، وأن يذهب قوتهم

قال ﴿وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا﴾ وجاء التعبير بالفعل المضارع؛ للدلالة على تجدد هذا، فهو متجدد عندهم ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُفْسِدِينَ﴾

من فوائد الآيات:

ذم العالم على سكوته عن معاصي قومه وعدم بيانه لمنكراتهم وتحذيرهم منها

سوء أدب اليهود مع الله تعالى وذلك لأنهم وصفوه سبحانه بأنه مغلول اليد حابس للخير

إثبات صفة اليدين لله تعالى على وجه يليق بذاته وجلاله وعظيم سلطانه

الإشارة لما وقع فيه بعض طوائف اليهود من الشقاق والاختلاف والعداوة بينهم نتيجة لكفرهم وميلهم عن الحق

قال الشيخ حفظه الله:

ذم العالم على سكوته عن معاصي قومه، وعدم بيانه لمنكراتهم وتحذيرهم منها، وهذا في قوله ﴿لَوْلَا يَنْهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ﴾؛ ولذلك تأمل آخر الآية قال ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ حتى ولو لم يفعلوا المنكر، فأيضًا قال ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ فقوله ﴿بِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ الصناعة هنا إلى ما تعود؟ إلى ترك النهي عن المنكر، فترك النهي عن المنكر يدخل في الصناعة، وكأنه فعله، وكأنه أصل لها، فكيف لو فعل المنكر أيضًا؟ فقال هنا: ذم العالم على سكوته عن معاصي قومه، وهنا قال ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ﴾ ولذلك سيأتي بعد ذلك ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ﴾، فهذا فيه أيضًا أن ترك الترك قد يقال له فعل، وقد يقال له صناعة

سوء أدب اليهود مع الله تعالى؛ وذلك لأنهم وصفوه سبحانه بأنه مغلول اليد حابس للخير ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾

إثبات صفة اليدين على وجه يليق بذاته وجلاله وعظيم سلطانه وهذا في قوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ وقد قالوا أن التثنية تمنع المجاز؛ فلذلك يقال أنهما يدان تليقان بالله سبحانه وتعالى، وقد ذكر أبو الحسن الأشعري رحمة الله أن صفة اليد أخص من القدرة؛ فلذلك تفسيرها بالقدرة ليس تفسيرًا على وجه الحقيقة، بل هي أخص من القدرة، وتقدم طرف من ذلك وتقدم معنا في سورة (ص) ﴿قَالَ يَـٰٓإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: 75]؛ فجاءت أيضًا بالتثنية، لكنها على الوجه الذي يليق به سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

الإشارة لما وقع فيه بعض طوائف اليهود من الشقاق، والاختلاف، والعداوة بينهم نتيجة لكفرهم وميلهم عن الحق، قال ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾

على طريقة القرآن المعهودة مع أنه بين سوء أفعالهم وأخلاقهم وعقيدتهم، إلا أنه فتح لهم باب التوبة إليه سبحانه وتعالى، وبين أن ما وقعوا فيه يمكنهم الرجوع عنه بالتوبة الصادقة، والعمل الصالح

فقال ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟﴾ و ﴿أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ اليهود والنصارى

﴿ءَامَنُواْ﴾ بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بالكتب المنزلة ﴿وَٱتَّقَوۡاْ﴾، أي: ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾ فجمعنا لهم بين التخلية والتحلية؛ بين التخلية من الذنوب والآثام، والتحلية بتحصيل الأجر والثواب

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ﴾: عملوا بما فيها، وعملوا بما أنزل الله، ومما أنزل الله: الإيمان، والدعوة إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وكتابه القرآن الكريم

﴿لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾ قالوا: ﴿لَأَكَلُوا۟ مِن فَوْقِهِمْ﴾، أي: بنزول الأمطار والخيرات من السماء، ﴿وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم﴾: بإنبات الأرض، فيستفيدون من خيرات السماء والأرض، وهذا كله لبركة العمل بشرع الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك ورد في الحديث: “ لحَدٌ يُقامُ في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يُمْطَروا أربعين صباحًا “

﴿مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: من هؤلاء أمة مقتصدة، معتدلة، ثابتة ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾، ولكن كثير ﴿مِّنْهُمْ سَآءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾، وهذا من إنصاف القرآن الكريم، ولم يذكر للأمة السابقة لأنَّها قليلة جدًا فيهم، لكن هناك المُقْتَصِد وهناك من ساء عمله وهم الأكثر

ثم خاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم وناداه،

فقال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾

وقوله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ﴾ مناسب لما جاء بعدُ، فالمقام مقام تبليغ، قال ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ فالرسول مأمور بتبليغ ما أنزل الله إليه

قال بعض العلماء: المراد بهذا الأمر هنا أمر خاص، وهو ﴿بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ في التحذير من صنيع اليهود، ومن النهي عن موالاتهم، لا ﴿تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾، فهذا فيه بلاغ خاص، وأيضًا بلاغ عام ﴿۞ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾أي: بتمامه وكماله

﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ﴾ إن تركت شيئًا مما أمرك الله بتبليغك فلم تبلغه فما بلغت رسالته، فتبليغ الرسالة يكون بتبليغ كل شيء مما جاءك الله به، وهذا الذي فعله الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك جاء عن أمنا عائشة رضي الله عنه عنها: لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم كاتمًا شيء لكتم ﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ﴾ وفي القرآن ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ﴾ [عبس: 1 -2] ما كتم الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا، ولا كتم هذه الآية

قال ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ﴾ وتأمل لم يقل “ وإن لم تبلغ “، أو “ وإن تركت شيئًا “، وإن لم تفعل، كان المطلوب منه أن يقول ما أمر بتبليغه وأن يفعله، فهو صلى الله عليه وسلم ينفذ صلى الله عليه وسلم ما دعي إليه

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ هذا فيه بيان أن الله سبحانه وتعالى حافظ رسوله، وأنه حاميه، لا تقلق ولا تخف، بلِّغ وقُلِ الحق، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الحق ولو كان مرًا، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ الحق وبينه واصدع به

قال ﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾؛ ولذلك لما نزلت الآية الكريمة اكتفى الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا، واستغنى عن الحراس، فقد كان ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ يقول: ﴿إِلَّا﴾ ليت رجلًا صالحًا يحرسني الليلة، فكان يحرسه بعض أصحابه، فلما نزلت الآية استغنى عن اتخاذ حارس أو حامٍ له، وأن الله سبحانه قد تكفل بحفظه

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ ولذلك قضى الله سبحانه أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستطع أحد من الكفار أن يقتله صلوات الله وتسليماته عليه، قد وقع القتل لبعض النبيين وكل ذلك بقدر الله، وهذا كله بمشيئة الله سبحانه، وقد قضى الله وقدر ﴿إِلَّا﴾ يقتل الرسول صلى الله عليه وسلم أحد من هؤلاء، وأن يحفظ الله نبيه صلى الله عليه وسلم

◂وإن قال عدد من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب الله عز وجل له أجر الشهادة بما وقع

من أكله للشاة أو بشيء من الشاة المسمومة، لكن مع ذلك بقي الرسول بعدها سنوات، فهذا إذا كان

في خيبر، والرسول صلى الله عليه وسلم توفي في السنة الحادية عشرة من هجرته صلى الله عليه وسلم

كما هو معلوم

قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ قالوا أي: لا يوفق للرشد الكافرين الذين لا يريدون الهداية، وقد تقدم معنا نظائر لهذه الآية الكريمة؛ لأنه قد يقول قائل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ وهناك قوم كافرون هداهم الله!

◂فيقال المراد بهم المراد بقوله الكافرين: عام مخصوص،

◂أو المراد به: جماعة معينون أي: القوم الذين يتمادون، أو هؤلاء الذين تمادوا في الكفر والطغيان وأصروا على الكفر، أو ما داموا مصرين على الكفر، وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَٰفِرِينَ ما داموا مصرين على الكفر

ثم قال الله ﴿قُلْ يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾

ما معنى ﴿لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ﴾؟ أي: لستم على شيء نافع، لستم على شيء معتبر، لستم على شيء معتد به؛ ولذلك قالوا هنا في التفسير: لستم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ اليهود والنصارى على شيء من الدين، مُعْتَدٍّ به من الدين المُعْتَدِّ به لأنه قد يقول قائل: أليسوا على شيء؟ هم على شيء حتى وإن كان على الباطل، فالباطل شيء

◂ يقال: هنا المراد لستم على شيء نافع، لستم على شيء مقبول، لستم على شيء معتد به

﴿حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي: تعملوا بما أنزل عليكم من القرآن الذي لا يصح إيمانكم إلا بالإيمان به، وهذا فيه رد على من زعم الاكتفاء بالتوراة وبالإنجيل، الله قال ﴿وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـٰنًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ لا تأسف عليهم يا رسول الله

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلصَّـٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

هذا هو الحكم العادل الذي لا ظلم فيه ولا شطط، فالمقبول هو: ﴿مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا﴾، ويدخل في ذلك الإيمان برسول الله؛ لأن العمل الصالح لا يتم إلا بموافقة الشرع، وذلك باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، والإيمان به، كما تقدم تقريره قبل ذلك

وقوله ﴿وَٱلصَّٰبِ‍ُٔونَ﴾ هكذا بالرفع، أي: والصابئون كذلك، فيكون قوله ﴿وَٱلصَّٰبِ‍ُٔونَ﴾ الواو فيه استئنافية، أي: والصابئون كذلك، ثم جاء بعد ذلك ﴿مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فيكون قوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ هذا هو الخبر بعد ذلك من قوله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ وتغيير الإعراب؛ لبيان أهمية الكلمة

◂ وقال بعضهم لأن الصابئين يختلفون عن أمر هؤلاء

فسروهم هنا وقالوا: هم طائفة من أتباع بعض الأنبياء

◂ أو من ليس لهم كتاب إلى غير ذلك مما قيل

قال ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: فيما يستقبل، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي: على ما فات.

ثم قال ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾

﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ هذا يذكرنا بما سبق من أن سورة المائدة تتحدث عن المواثيق، والعقود، والعهود، فبعد أن قال ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [المائدة: 12] عادت الآيات مرة أخرى ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ رُسُلًا ۖ كُلَّمَا جَآءَهُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾

من فوائد الآيات:

العمل بما أنزل الله تعالى سبب لتكفير السيئات، ودخول الجنة، وسعة الأرزاق.

توجيه الدعاة إلى أن التبليغ المعتد به، والمبرئ للذمة هو ما كان كاملًا غير منقوص، وفي ضوء ما ورد به الوحي.

لا يعتد بأي معتقد مالم يقم صاحبه دليلًا على أنه من عند الله تعالى.

قال الشيخ حفظه الله:

العمل بما أنزل الله تعالى سبب لتكفير السيئات، ودخول الجنة، وسعة الأرزاق ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـَٔاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَـٰهُمْ جَنَّـٰتِ ٱلنَّعِيمِ﴾

توجيه الدعاة إلى أن التبليغ المعتد به، والمبرئ للذمة هو ما كان كاملًا غير منقوص، وفي ضوء ما ورد به الوحي ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ﴾ والقراءة الأخرى ﴿فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُۥ﴾

لا يُعْتَدُّ بأي معتقد ما لم يقم صاحبه دليلًا على أنه من عند الله، قال ﴿لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا۟ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ لا بد من الدليل، ولابد من البرهان، ومن اللطيف في قوله ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا۟ وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ أن الله عبر في التكذيب بالماضي، ولما ذكر القتل قال ﴿وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ يعني

◂ قالوا: التعبير بالمضارع لتصوير الحالة؛ لتصوير حالة القتل وهي حالة شنيعة، فجاء بالمضارع.

◂ وقال بعضهم: للإشارة إلى أن لهم مدخلًا في الهمِّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما وقع من هذه المرأة اليهودية في وضعها السم لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

نعم، طيب ونقف عند هذا الحد،

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح،

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال الشيخ حفظه الله:

قال الله سبحانه ﴿وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾

لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن بني إسرائيل ونقضهم المواثيق، ومخالفتهم لأوامر الله ورسله

قال الله في هذه الآية ﴿وَحَسِبُوٓا۟﴾ أي: ظنوا ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: ظنوا أن نقضهم للعهود والمواثيق وأن جرمهم الذي ارتكبوه لا يترتب عليه عذاب أو عقاب، هذا معنى قوله ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: ظنوا أن لا يقع بهم عقاب وعذاب بسبب جرمهم

وتقدم معنا أن كلمة الفتنة ترد في القرآن الكريم على معان متعددة؛ ولذلك يوردها من يتحدث عن الوجوه والنظائر، حتى أن البعض ذكر أن الفتنة وردت في القرآن الكريم على خمسة عشر وجهًا

منها أنها تأتي بمعنى العذاب والعقاب، قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِىَ فِى ٱللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِ﴾ [العنكبوت: 10]، فقوله ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: جعل تعذيب الناس، وقال ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى ٱلنَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: 13] أي: يعذبون أو يحرقون، وقال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا۟ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ [البروج: 10] أي: عذبوهم

فهنا قال ﴿وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ أي: ﴿إِلَّا﴾ يكون عذاب بسبب جرمهم، وبسبب ما قدموا، وفعلوا، ونقضوا من عهود ومواثيق

والمتأمل في سورة المائدة يجد أن كلمة الفتنة قد وردت فيها بمعان مختلفة، أو على أوجه متعددة، فقد تقدم معنا قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا﴾ [المائدة: 41] وقوله ﴿وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتْنَتَهُۥ﴾ أي: ومن يرد الله إضلاله، وقال الله أيضًا ﴿وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49] أي: أن يصدوك ويصرفوك، فهذا تقدم ذكره في السورة الكريمة.

﴿وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ هناك قراءة ثانية في قوله ﴿إِلَّا﴾ تكون ﴿وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ برفع كلمة “ تكون “ وتكون فعل مضارع والأصل فيه أن يكون مرفوعًا لكنه نصب على قراءة ﴿إِلَّا﴾ تكون بأن الناصبة

فماذا عن قراءتي ﴿وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: 71) قالوا أن “ أن “ هنا ليست الناصبة،وإنما هي “ أن المخففة من الثقيلة “، والمعنى: “ وحسبوا أنه لا تكون فتنة “

كما نقول أشهد أن لا إله إلا الله، أي: أشهد أنه لا إله إلا الله، ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ﴾، أي: علم أنه ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَىِ ٱلَّيْلِ وَنِصْفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْءَانِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى ٱلْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ ۙ وَءَاخَرُونَ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ فَٱقْرَءُوا۟ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقْرِضُوا۟ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌۢ﴾، ومعلوم أننا إذا تأولناها على ذلك وقلنا أنها أن المخففة من الثقيلة، فإنه لن يكون معناها الظن؛ لأنَّها ﴿أَنَّمَا﴾ تدخل على ما كان بمعنى العلم

فيكون المعنى على هذه القراءة ﴿وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، أي: وأيقنوا أنه لن أو أنه لا يقع بهم عذاب، أيقنوا أنه لا يقع بهم عذاب، فسبب ذكر هذه القراءة أن الوجه التفسيري سيترتب عليها في تفسير قوله وحسبوا، إذًا عرفنا أنه “ حسبوا “ تحتمل معنيين

◂إما أن معنى قوله وحسبوا أي: ظنوا فهذا من قبيل الظن وهذا على القراءة التي معنا وحسبوا إلا

تكون فتنة

◂ وأما على قراءة ﴿وَحَسِبُوٓا۟ أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ فيكون المعنى وأيقنوا ﴿إِلَّا﴾ تكون فتنة يعني: أنه لا يقع بهم

عذاب، وأنهم سينالون رحمة الله، وهذا مناسب لما سبق في قوله ﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَـٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُۥ﴾

بناء على هذه الدعوة العريضة التي ادعوها جاء هنا التصريح بأنهم يتيقنون أنه لا يقع بهم عذاب، أي: عذاب مستمر؛ لأن ما أقروا به هو ما قاله الله في شأنهم ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80]

قال ﴿فَعَمُوا۟ وَصَمُّوا۟﴾ عموا عن الحق وصموا عن الحق، وهنا أحسنوا في التفسير إذ قالوا: فعموا عن الحق فلا يهتدون إليه، وصموا عن سماعه سماع قبول.

وهذا تقدم معنا في قوله ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18]، والآية الأخرى ﴿صُمٌّۢ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171] فقد يقول قائل كيف وصفهم الله بالعمى والصمم مع أنهم يبصرون ومع أنهم يسمعون؟ فيقال لكنهم لا ينتفعون بهذه الأسماع، ولا بهذه الأبصار؛ فلذلك نفاها الله عز وجل عنهم فالنفي نفي القبول والانتفاع

﴿ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ قالوا: ﴿ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تفضلًا منه، فقال بعضهم: بعد أن أعرضوا، ردهم الله عز وجل إليه فتابوا، فتاب الله عز وجل عليهم، لكنهم لم يستمروا على ما تقتضيه التوبة، وإنما عادوا مرة أخرى إلى العمى والصمم، فلم يثبتوا ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلْحَقِّ ٱلْمُبِينِ﴾.

فقال ﴿ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: قليل منهم هو الذي ثبت على التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى

ومن المفسرين من قال: ﴿ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليهديهم سواء السبيل

أو أن يكون هذا كقوله تعالى ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: 6]

قال ﴿ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ لم يقل ثم عمى وصم كثير، ﴿أَنَّمَا﴾ قال ﴿ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟﴾ ثم جاء التفسير بعد ذلك فقال ﴿كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾، فقوله ﴿كَثِيرٞ﴾ بدل من هذه الواو، يعني: لم يعمَ الجميع، ولم يقع الصمم من الجميع، وإنما من الكثير منهم، وهذا أسلوب معروف في القرآن الكريم: أن يؤتى باللفظة ثم بعد ذلك يأتي البدل منها على أنه بدل بعض من كل، ومن الأمثلة المشهورة فيه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فعمم أولًا ثم خصص، فقال ﴿مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾،

قال ﴿ثُمَّ عَمُوا۟ وَصَمُّوا۟ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ۚ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾

ثم حكم الله سبحانه وتعالى على عقيدتهم الفاسدة، فقال

﴿لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾

بهذا الأسلوب المؤكد وبالقسم المقدر، أي: والله ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾، وهذا كفر بالله العظيم؛ لأن الذي يعتقد هذه العقيدة لم يعرف الله، ولم يوحد الله سبحانه وتعالى، فإنَّ من عرف الله وحده وآمن به، واعتقد أنه إله واحد لا شريك له سبحانه وتعالى

ثم بين الله أن عيسى عليه السلام بريء كل البراءة من هذه الدعوة التي نسبه إليها من نسبه إليها من النصارى، وأعني النصارى الذين حرفوا وبدلوا وغيروا.

فقال ﴿وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ﴾

﴿ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ﴾ هذه رسالة عيسى عليه السلام، بل إن أول ما نطق به عيسى في المهد ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَـٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]

﴿إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ إن هذه هي العقيدة، الجنة محرمة على الكافرين، “ إني حرمت الجنة على الكافرين “ كما جاء في الحديث وهو واضح وجلي، وتدل عليه هذه الآية الكريمة صراحة

﴿إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ قد يقول قائل وما للظالمين من أنصار أوليست هناك شفاعة في الظالمين يوم القيامة؟ وهنا يقول الله ﴿وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾؟ فيجاب عن ذلك بأن: المراد بالظالمين هنا المشركون، وما للظالمين، أي: وما للمشركين من أنصار

تقدم أن الظلم قد يرد في القرآن الكريم ويراد به الشرك، ومنه هذه الآية الكريمة

﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّآ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

ثم قال ﴿لَقَدْ كَفَرَ﴾ أيضًا بهذا الأسلوب المؤكد ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍ﴾ قالوا أي: لقد كفر النصارى القائلون أن الله مؤلف من ثلاثة، وهذا معنى قولهم لقد كفر معنى قوله سبحانه ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَـٰثَةٍ﴾ فزعمهم أن الله مؤلف من ثلاثة؛ ولذلك هم يقولون نحن نقول ثلاثة في واحد، وأقاليم ثلاثة في واحد: “ أب وابن وروح قدس “ فيقال هذا هو التثليث، وهو لا شك مناقض كل المناقضة لتوحيد الله سبحانه وتعالى

لذلك بعض المفسرين قد قالوا “ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ أحد ثالث ثلاثة سبحانه “، يعني هكذا زعموا عياذًا به سبحانه وتعالى

أو ﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ﴾ ثلاث آلهة، لم؟ لأنه قد يقول قائل أوليس الله قد قال ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَآ أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا۟﴾ [المجادلة: 7]، وأيضًا فإنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال لأبي بكر رضي الله عنه “ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا ما ظنك باثنين الله ثالثهما “؟

◂فنقول هذا معنى مختلف عن هذا المعنى المراد هنا، فهذا المعنى الذي قرره النصارى معنى فهم

يقولون أن الله ثالث ثلاثة أي: مجموع ثلاثة، فهو واحد في ثلاثة.. الأب والابن والروح القدس، فهذا هو

المرفوض، وهو الذي بينت الآية الكريمة كفر قائله

﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّآ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ﴾ هذا الأسلوب الذي فيه نفي وإثبات مع دخوله منه ﴿وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ﴾ أي: لا يوجد إله حق معبود حق إلا الله سبحانه وتعالى

﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قالوا هنا في التفسير: وإن لم يكفوا عن هذه المقالة الشنيعة لينالنهم عذاب موجع، وعرف من ذلك أن “ منهم “ في قوله ﴿لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ﴾ للبيان وليست التبعيض؛ لأن هؤلاء -أي: الذين اعتقدوا هذه العقيدة -كفار وهم مستحقون للعذاب الأليم

فقوله ﴿لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ﴾ لا يقول قائل “ إذًا وهناك ليسوا كفارًا منهم، إذًا هناك فريقان فريق كافر وفريق غير كافر “ نقول هذا خطأ، ويدل على خطئه أول الآية، كيف وفي أول الآية “ لقد كفر “!؛ إذًا ﴿مِنْهُمْ﴾ هنا للبيان، كما تقدم معنا في آخر سورة الفتح ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًۢا﴾ [الفتح: 29] وقلنا أنها أيضًا لبيان الجنس، وفي رد على عقيدة الشيعة هناك حينما طعنوا في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم بزعم أن منهم للتبعيض وقلنا أنها لبيان الجنس كذلك هنا

ثم قال ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

بعد أن ذكر الله كفرهم، وأنهم يزعمون هذا زعم الباطل، فتح لهم باب التوبة وهذا على طريقة القرآن المعروفة، وهذا يدل على لطف الله ورحمة الله الواسعة بعبادة سبحانه عز وجل، يفتح له مجال التوبة فيقول ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

وفيه دعوة لهم إلى التوبة وتوبيخ لهم على تركها؛ ولذلك بعض العلماء فسر الاستفهام بالأمر فقالوا ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ﴾، أي: توبوا إلى الله واستغفروه، كقوله ﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ أي: انتهوا، فكذلك هنا ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فيتوبون إلى الله بالإيمان به والتوحيد، ويستغفرونه بترك الشرك والتنديد.

ثم قال ﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ۗ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْءَايَـٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾

قوله ﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾ فيه رد على اليهود والنصارى على حد سواء،

◂ففيه رد على اليهود الذين طعنوا في عيسى عليه السلام ورموه بالزنا، أو رموا أمه بالزنا والفاحشة،

وزعموا أنه كاذب ولم يصدقوا به

◂ورد على النصارى الذين ألهوا عيسى عليه السلام، أو رفعوه إلى رتبة إلهية أو زعموا أنه ابن لله عز

وجل، فالله يرد على هؤلاء جميعًا

فيقول ﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ﴾، أي: هو مسبوق برسل آخرين، فهو ليس بدعًا من الرسل

ثم قال ﴿وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ﴾ وأمه هي مريم عليها السلام، فهي صديقة، قالوا: وقوله صديق: الصديق هو الذي لديه علم يورثه اليقين، وهذا العلم الذي يورث صاحبه اليقين، يورثه العمل الصالح، فيقال له حينئذ صديق، فيقال له صديق وهي صيغة من صيغ المبالغة، على وزن فعيل

إن الصيغ المبالغة ليست مقصورة على الصيغ الخمس المشهورة، بل هي أكثر من ذلك منها هذه الصيغة

قال ﴿وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ﴾، وفي الثناء عليها بذلك دون أن يقول وأمه نبية دليل على أنها لم تبلغ رتبة النبوة، وإنما هي صديقة عليها السلام

وهذا ما عليه جمهور أهل العلم إذ يذهبون إلى أن النبوة فضلًا عن الرسالة مقصورة على الرجال ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىٓ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ ٱلْقُرَىٰٓ ۗ أَفَلَمْ يَسِيرُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ فَيَنظُرُوا۟ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۗ وَلَدَارُ ٱلْءَاخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [النحل: 43] وأما مريم عليها السلام فهي صديقة مباركة عليها السلام، قال ﴿وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة