مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النساء — الجزء 6

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 276 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

قال ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ قالوا هنا وإلى أهل الرأي والعلم والنصح فهم اولو الأمر منهم ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ والاستنباط أصل المادة النبط الماء الذي يخرج اه من أول ما يخرج منه عند الحفر فهذا معناه أن الاستنباط يكون في الأصل لشيء خفي فهو يستنبط شيئًا خفيا اه حينما يحفر فيبدأ يخرج الماء، وكذلك المستنبط يستخرج الغوامض ﴿ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ إذا قد يكون هناك كلام ظاهر لكن وراء الظاهر اسرار ووراء الظاهر أشياء خفية تحتاج إلى عقل وإلى أعمالنا ذهن وإلى قدح زناد وإلى فكر فحينئذ منّ الله عز وجل عليه بالقدرة على الاستنباط يوفق لذلك، وأما من كان غير ذلك فينبغي له أن يتبع هؤلاء ممن منّ الله عز وجل عليهم فكانوا أهلًا للاستنباط،

﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فالله سبحانه تفضل علينا ورحمنا

قال ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ﴾ فاتباع الشيطان هذا يقع إذا اعرض الله عن العبد ولذلك قال بعضهم لا تقل أن العدو تسلط ولكن الحافظ اعرض فوالله ما تسلط عليك العدو إلا لما تركك الولي وهو والله سبحانه وتعالى.

الشاهد من ذلك ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ﴾ ثم قال ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ هذا الاستثناء استثناء من ماذا؟ قالوا هنا في التفسير إلا قليلا منكم فيكون الكلام للمنافقين

يقول وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ بكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون فعافاكم مما ابتلي به هؤلاء ممن ما ابتلى به هؤلاء المنافقين لاتبعتم وساوس الشيطان إلا قليلا منكم أي ممن؟ أي من الصحابة رضي الله عنهم ممن لم يسر على منوال المنافقين

ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل إن قوله ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ متعلق بقوله اذاعوا به أي اذاعوا به إلا لأن الإشكال هنا أن الله قال ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ﴾ ونعرف أن لولا حرف امتناع لوجود فيقولون لولا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ جميعا لأن الإنسان لا يتبع الشيطان هذا بفضل الله ورحمته فكيف يكون هنا الاستثناء؟

فجعلوا الاستثناء من كلام سابق فقالوا اذاعوا به إلا قليلا

وقال بعضهم بل يتعلق بقوله الذين يستنبطونه منهم أي ﴿لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ إلا قليلا يعني هناك ما لا يتمكن منه ذلك لأنه يحتاج إلى نص فيكون خاصا بالرسول الموحى إليه صلوات الله وتسليماته عليه

وبعضهم يقول قليل إلا قليلا والمراد نفي ذلك بإطلاق لأنه إذا لم يكن هناك فضل من الله ورحمة فأنه لن يكون إلا اتباع الشيطان الرجيم

﴿فَقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ ٨٤ ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵘﵜ

قال الله عز وجل بعدها ﴿فَقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ يأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقاتل في سبيل الله وعلى ذلك فهذا عَود على ما سبق ﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ﴾

وكأن الله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم لا تلتفت إلى هؤلاء يا رسول الله هؤلاء المثبطون وهؤلاء المنافقون وهؤلاء الذين يذيعون الأخبار والشائعات لا تلتفت إليهم وقم أنت بما امرك الله عز وجل به فدعوة إلى الجهاد في سبيل الله،

﴿سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ يعني لا يضرك تخاذل هؤلاء فأن الله سائلهم ومحاسبهم وأنت أدِّ ما عليك ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ يعني لا تسأل عن غيرك ولا تلزم به

﴿وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ شجعهم وحضّهم حرض المؤمنين أيضاً

﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ يعني ما عليك إلا أن تنصح وأن ترغب وأن تدعو المؤمنين الذين يستجيبون لأوامر الله وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ أي بقتالكم أن يكف الله بقتالكم قوة الكافرين فمعنى بأس الذين كفروا يعني قوتهم والله أشد بأسا والله أشد قوة واشد تنكيلا يعني عقوبة سبحانه وتعالى

﴿وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ ومن معاني التنكيل أن التنكيل يرتدع به رائيه فالتنكيل يرتدع به من يراه عن من ينزل به العذاب ولذلك ينكل بفلان معناه أن من رآه كان عبرة له فضلا عن من وقع به هذا الشيء أو هذا العذاب

ثم قال ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا﴾ ٨٥ﵢ

يمكن أن يقال هناك مناسبة بين هذه الآية والآية السابقة كأن الله يقول له يا رسول الله ﴿فَقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ وأعلم أنك حينما تحرض المؤمنين فأنت تشفع حسنة فلك نصيب من الخير ومن بركة دعائك ودعوتك إلى الله سبحانه وتعالى ثم أنت ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ ولكنك تدعو آخر فيصير شفيعا لك وثالث ورابع وخامس فكل هذا في ميزان حسناتك فكأن الآية الأولى جاءت لدعوته إلى أن يقوم بنفسه بالقتال في سبيله يرحمك الله

ثم جاء بعد ذلك قوله سبحانه وتعالى ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ وتكون من الشفاعات الحسنة المراد هنا في الآية الكريمة الدعوة إلى الجهاد وإلى العمل

﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ وعلى الجانب الآخر ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ من أهل النفاق الذين يخذلون ويثبطون فهذه شفاعة سيئة إذا يدخل في الشفاعة الحسنة الدعوة إلى العمل الصالح إلى الجهاد ويدخل في الشفاعة السيئة التثبيط عن الجهاد وقذف الرعب وإلقاء الرعب في قلوب المؤمنين كما يقع من أهل النفاق

ثم أن الآية تستعمل استعمالا عاما فيدخل في ذلك كل الشفاعات الحسنة التي فيها التوسط للغير بمنفعة أو لدفع مضرة مما ليست فيه مخالفة شرعية فأنت إذا سعيت لقضاء حاجة مسلم من المسلمين دون أن تخالف شرعا أو أن تأخذ حق أحد فأن شفاعتك تنال بها أجرا وثوابا وهذا معنى ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾

ولذلك جاء عن رسولنا صلى الله عليه وسلم كما في البخاري اشفعوا تؤجروا وليقضي الله على لسان نبيه ما يشاء يطلب منهم ويأمرهم بأن يشفعوا فإذا شفعت اجرت اثبت والله سبحانه وتعالى يقضي على لسان النبي صلى الله عليه وسلم ما يشاء ولذلك كان يحب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يسمع من الأصحاب شفاعة بعضهم في بعض مع أنه ارحم الناس واكرم الناس وارأف الناس صلى الله عليه وسلم

﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيِّئَةً﴾ شفاعة محرمة شفاعة في باطل في غير حق وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً ﴿سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ﴾ مقيتًا وهنا قال في الحسنة نصيب وقال في السيئة كفل واصل النصيب الحظ الوافر يعني يكن له نصيب حظ وافر من هذه السيئة التي قدمها وقال كفل وقالوا الكفل أيضًا النصيب لكن بعض العلماء ذكروا اوجها في التفريق بين النصيب والكفل ولهم في ذلك عدة أوجه :

مما قالوه في ذلك أن الكفل لا يطلق إلا على المثيل المساوي أما النصيب أوسع دائرة فلما ذكر الحسنة قال ﴿يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ لأن الحسنة في الحقيقة يثاب عليها الإنسان أكثر

وأيضاً قد تشفع في شيء فتأتي عواقب من هذه الشفاعة أكثر مما تتوقع فأنت تشفع في شخص فتكون الشفاعة لحقت الشخص وشخصا آخر ولحقته من أبواب أخرى يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا والحسنة بعشر امثالها لكن في السيئة ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ يعني مساوي له لأن الله سبحانه وتعالى قال فلا يجزى إلا مثلها وقال وجزاء سيئة مثلها فالله سبحانه وتعالى من رحمته وكرمه وعدله وإحسانه لعباده أنه يعاقب على السيئة بسيئة وأما الحسنة فإنه يجازي عليها خيرا كثيرًا ويضاعف لعباده والله تعالى أعلم

على أن الكفل أيضًا بعضهم ذكر من أهل اللغة في إطلاقه أنه كالكساء الذي يوضع على شيء من مثل سنام البعير أو جزء من ظهره ولا يغطي الظهر كله فيقال له كفل ولذلك في الآية الأخرى ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِۦ﴾ كان المعنى عدل من الجهاتين فيستر هذا ويستر هذا أما النصيب فهو واسع المدى والعلم عند الله تبارك وتعالى

قال الله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا﴾ قالوا هنا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ على ما يعمله الإنسان شهيدا وسيجازيه عليه إذًا هم فسروا المقيت بماذا؟ بالشهيد ولذلك بعضهم قال المقيت الشهيد أو المراقب أو المحافظ للأعمال

ومنهم من قال ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ مُّقِيتًا﴾ أي مقتدرا وبعضهم قال عليما فبعضهم فسر المقيت بالعليم وبعضهم فسره أو بالحافظ والمراقب ومن معاني المقيت الذي يرزق العباد ويعطيهم الأقوات ومنه جاء القوت فهو مقيت يُعطى كل واحد قوته وكذلك من هذا المعنى أن الله عز وجل إذا أعطى كل عبد ما يحتاج إليه من قوت فإنه يحفظه بذلك من الخصاصة وهي الجوع ومن الهلاك فيكون بمعنى الحفظ الذي فسره بعضهم

وقالوا وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حفيظ كما مضى معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ في تفسير أسماء الله الحسني

ثم ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ ٨٦ﵢ وهذه الآية قد يقال ما وجه ذكرها هنا؟ أن باب الجهاد مطلوب وله ضوابطه قواعده ومع ذلك فأن باب السلام مفتوح فلما ذكر الله ما يتعلق بهذا الجهاد أيضًا لم يدع الحديث عن باب السلام

فقال ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ﴾ فيكون في هذا فتح لباب السلام وإذا حييتم والتحية الجليلة هي تحية الإسلام وهي تدعو إلى السلام ولذلك سيأتينا بعد ذلك النهي ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵙﵜ فهذا فيه دلالة على أن مجال السلام مفتوح

ومن جهة أخرى يقال أن الله لما قال ﴿يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ ومعروف أن الشفاعات توسط إلى الغير والتوسط إلى الغير بدايته يكون بماذا؟ يكون بإلقاء السلام يكون بإلقاء السلام فلذلك ذكر السلام وكأنه تقدمة الشفاعة

نعم ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾ ٨٦ﵢ علمنا الله أننا إذا حيينا بتحية فإننا نرد بأحسن منها بأفضل منها قالوا فإذا قيل السلام عليكم نرد مثلًا عليكم السلام ورحمة الله فنزيد وكذلك إذا قال السلام عليكم ورحمة الله فنزيد وبركاته هكذا فحيوا بأحسن منها هذا هو الأفضل أو ردوها ردوا كما قيل لكم

من فوائد الآيات

تدبر القرآن الكريم يورث اليقين بأنه تنزيل من الله لسلامته من الاضطراب ويظهر عظيم ما تضمنه من الأحكام

لا يجوز نشر الأخبار التي تنشأ عنها زعزعة امن المؤمنين أو دب الرعب بين صفوفهم

التحدث بقضايا المسلمين والشؤون العامة المتصلة به يجب أن يصدر من أهل العلم واولي الأمر منهم

مشروعية الشفاعة الحسنة التي لا اثم فيها ولا اعتداء على حقوق الناس وتحريم كل شفاعة فيها اثم أو اعتداء

قال الشيخ حفظه الله :

تدبر القرآن الكريم يورث اليقين بأنه تنزيل من الله لسلامته من الاضطراب ويظهر عظيم ما تضمنه من الأحكام وهذا صحيح فمن تدبر القرآن اورثه اليقين وعلم أن هذا كتاب الله ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ﵝفُصِّلَت الآية ﵒﵔﵜ ويتعجب غاية العجب لما يرى من هذا التناسق ومن هذا النظم العجيب بفضل الله سبحانه ولذلك صدقت الجن حين قالوا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ﴾ ﵝالجِن من الآية ﵑ إلى الآية ﵒﵜ

لا يجوز نشر الأخبار التي ينشأ عنها زعزعة امن المؤمنين أو دب الرعب بين صفوفهم ولذلك نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ترويع المسلم، يروع المسلم المسلمة هذا لا يجوز، ولذلك هنا قالوا ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ﴾ الآية الكريمة التحدث بقضايا المسلمين والشؤون العامة المتصلة بهم يجب أن يصدر من أهل العلم واولي الأمر منهم كما قال الله سبحانه ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ ولذلك لا ينبغي لكل إنسان أن يتكلم في أمر العامة وإنما يتكلم في أمر العامة أهل الاختصاص ولذلك تعرفون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن أولئك أو في شأن السنوات الخداعات التي ينطق فيها الرويبضة ولما فسر الرسول الرويبضة قال الرجل التافه يتكلم في أمر العامة

قالوا مشروعية الشفاعة الحسنة التي لا اثم فيها ولا اعتداء على حقوق الناس وتحريم كل شفاعة فيها اثم أو اعتداء ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌ مِّنْهَا﴾ ثم قال ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفَـٰعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ والمراد الجزاء والعقوبة وهذا يدل على حرمتها لذلك قالوا وتحريم كل شفاعة فيها اثم أو اعتداء نعم

قال الشيخ حفظه الله :

﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ ٨٧ ﵝالنِّسَاء الآية ﵗﵘﵜ

قال الله سبحانه ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ ٨٧ بعد أن قال ﴿ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا﴾

قال ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ فالله سبحانه هو الحسيب وهو المقيت فكيف يعبد غيره؟ وكيف تصرف العبادة لغيره؟ سبحانه

﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ وهذا فيه قصر صفة على موصوف أي قصر صفة الإلهية على الله فالله هو الإله الواحد

ثم قال ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ ليجمعنكم أي ليجمعن أولكم وأخركم يوم القيامة في يوم القيامة الذي لا ريب فيه

قال ﴿إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ولذلك يقال ليوم القيامة يوم الجمع

قال ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ قوله ومن اصدق هنا يقولون هذا الاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد ﴿أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ وهذا الاستفهام له نظائر في الكتاب العزيز ولا يذكر الجواب لأنه جواب معروف كقوله ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ﵝالمَائـِدَة الآية ﵐﵕﵜ وقوله تعالى ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵒﵒﵑﵜ فالجواب لا أحد لا أحد فهنا المراد بقوله ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ أي لا أحد ﴿أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ وقوله لا أحد اصدق أو هنا " ومن أصدق" افعل هنا ليس المراد نفي الافضلية فقط وإنما نفي المساواة أيضًا فليس هناك صادق كصدق الله وليس هناك من هو أصدق من الله فالله سبحانه وتعالى أصدق قيلا واصدق حديثا سبحانه عز وجل

ومعروف أن الإنسان ﴿أَنَّمَا﴾ يكذب لأغراض كالخوف أو إرادة جلب منفعة فالإنسان الذي يكذب لعلة من العلل يخاف فحينئذ يكذب أو يطمع في كذب والله سبحانه غني عن العالمين فلذلك الكذب محال عليه سبحانه وبحمده

﴿فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵘﵘﵜ

ثم قال ﴿فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فما لكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنين فما لكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الأصحاب في المنافقين فئتين؟ يعني في شأن المنافقين انقسمتم إلى فئتين فهذا الاستفهام يراد به الإنكار والتعجيب وهو تعجيب من حال أولئك الذين لم يروا أن هؤلاء يُقاتلون مع أنهم حقيقون بذلك بسبب ارتدادهم عن دينهم وبسبب افعالهم الخبيثة الشنيعة

﴿فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فالله سبحانه وتعالى ينكر عليهم لماذا تنقسمون في أولئك المنافقين فبعضكم يرى أن هؤلاء يستحقون القتال لارتدادهم وبعضهم يقول هم ليسوا مرتدين وإنما هم على الإيمان وقوله ﴿فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا﴾؟ المراد بقوله المنافقين هنا كما يبدو والله أعلم منافقون معاهدون لهم واقعة معينة وقصة معينة وهي التي وقع انقسام الناس فيهم وقع انقسام الصحب الكرام في حالهم وفي شأنهم ولذلك وردت روايات عديدة في سبب نزول هذه الآية الكريمة

ما ورد أن ذلك نزل في غزوة أحد بعد رجوع جماعة من المنافقين وعدم قتالهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكولهم عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في الصحيح فلما رجعوا اختلف الأصحاب في شأن هؤلاء هل هؤلاء يقاتلون أو هؤلاء لا يقاتلون مع أنهم نكصوا على اعقابهم وتولوا عن الزحف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووردت روايات أخرى هي دون هذه الرواية في الصحة لكنها ربما تكون مناسبة لسياق الآيات في أن جماعة جاءوا واسلموا ثم بعد ذلك اجتووا جو المدينة أو أرادوا الخروج منها فقيل أنهم قد ارتدوا على اعقابهم ﴿وَقِيلَ﴾ بل خرجوا من أجل تجارة أو نحوها فوقع اختلاف في شأن أولئك

ويشهد لهذا ما جاء بعد ذلك في قول الله سبحانه وتعالى ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وبعضهم يقول بل هذا في شأن أولئك الذين اقاموا بمكة وظاهر أولئك المشركين مع أنهم كانوا يدّعون أنهم على الإسلام على كل حال فهي أقوال كثيرة ملخصها أن أولئك المنافقين وقع منهم ما يستوجب قتالهم وإلا فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم في أصل الأمر كان على الظواهر ويترك السرائر لكن إذا وقع منهم وبدر منهم شيء يستحقون عليه العقوبة فإنَّ العقوبة تنزل بهم إذا فعلوا شيئًا يستحقون عليه العقوبة فإنَّ العقوبة تنزل بهم فربنا يقول ﴿فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟﴾ قالوا هنا والله اركسهم أي ردهم إلى الكفر والضلال بسبب أعمالهم فمعنى أركسهم يعني ردهم إلى الكفر بسبب أعمالهم وهذا معناه أنهم عملوا السيئات فلم يوفقوا إلى الطاعة بل كانت طريقا إلى الردة نسأل الله السلامة

ولذلك ينبغي للعبد أن يحذر لأن المعصية الصغيرة قد تفضي به إلى الكبيرة والكبيرة تفضي به إلى الابتداع في الدين والابتداع في الدين يفضي به إلى الكفر بالله رباً ولذلك ربنا قال ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ ﵝالمَائـِدَة الآية ﵙﵔﵜ فنسأل الله السلامة والعافية

﴿ٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ والمعنى فهم ضالون لأن قول ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ افادنا هذا المعنى يعني والله اركسهم بما كسبوا فهم ضالون فكيف تختلفون في شأنهم؟

﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ يعني هؤلاء تحكمون عليهم بأنهم أهل هدى وقد اضلهم الله سبحانه وتعالى

ثم قال ﴿وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا﴾ وتلحظ اخي الكريم أن الله سبحانه قد صرح باسمه الاحسن الله في أكثر من موضع فقال هنا والله اركسهم وقوله والله اركسهم فاعل ومن اركسهم هو الله والله مبتدأ يعني ما قالوا اركسهم الله ﴿أَنَّمَا﴾ قال والله اركسهم فصارت الجملة اسمية وصار الفعل يحتاج إلى فعل يعود على الله مرة ثانية ثم قال ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ﴾ كان يعلم أنه الله لكن قال من اضل الله يعني اضله ثم قال ومن يضلل أي قال ومن يضلل الله فصرح أيضًا ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًا﴾ كل هذا فيه دلالة على تأكيد هذا المعنى وأن الأمر كله لله سبحانه وتعالى

﴿وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ٨٩ ﵝالنِّسَاء الآية ﵙﵘﵜ

قال ﴿وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءً﴾ أي ود هؤلاء من أهل النفاق لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءً فأهل النفاق يرغبون في أن تكونوا مثلهم موافقين لهم في الكفر

﴿فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ قطع الله الصلة بينهم وبين هؤلاء المنافقين لا توالوهم إلا إذا تابوا ومن علامات الصدق وتوبتهم أن يهاجروا في سبيل الله

﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ فأن تولوا واعرضوا عن هذا ولم يستجيبوا لكم واستمروا على ما هم فيه في الكفر فحينئذ ﴿فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ قالوا هنا في التفسير فلا تتخذوا منهم أولياء لعداوتهم حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ من دار الشرك إلى بلاد الإسلام دلالة على ايمانهم بأن يهاجروا من هذه البلد إلى هذا البلد إلى البلد بلد الإسلام حيث كان يقيم الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة النبوية

﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵐﵙﵜ

قالوا فأن اعرضوا واستمروا على حالهم فخذوهم واقتلوهم أينما ﴿وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّا﴾ يوليكم على أموركم ولا نصيرا يعينكم على اعدائكم ﴿ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ﴾ هذا استثناء استثنى الله سبحانه وتعالى هذه المسألة

فقال فخذوهم واقتلوهم يعني اقتلوا هؤلاء إلا في حالة إذا هناك عقد وإذا كان هناك ميثاق فإننا نفي بهذا العهد وبذلك الميثاق وتأمل قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ﴾ ليس فقط أنهم عقدوا عقدا معكم أنتم ولكن عقدوا عقدا مع من بينكم وبينهم ميثاق فحينئذ لا تنقضوا تلك العهود لأن هناك بعض القبائل بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ودخلت فيها وبعضهم دخل في الميثاق مع الرسول فمن كان مناصرا لهم فأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو من كان ذا عهد معهم فأن الرسول صلى الله عليه وسلم بمقتضى عهده مع القبيلة الأولى لا يقاتل القبيلة الأخرى التي عقدت مع هذه القبيلة فالله سبحانه وتعالى استثنى هذا حينئذ لا يقاتلون لأن بينهم وبين قوم بينكم وبينه ميثاق لأن بينهم وبين هؤلاء عهد وحينئذ اوفوا لهم بهذه العهود وهذا يدل على عظمة هذا الدين ووفائه بالعقود والعهود حتى وإن كانت للغير مع غيره

وبناء على ذلك فهذا الاستثناء في قوله إلا الذين يصلون ليس عائدا على قوله ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ لأنه ليس المعنى إذا كان هناك ميثاق بينهم وبين قوم آخرين بينكم وبينهم ميثاق أي أن هؤلاء من أهل النفاق أو من هؤلاء الذين وقع منهم ما وقع إذا كانوا قد عاهدوا قوما عندهم ميثاق لكم فلا يجوز لكم أن تقاتلوهم لكن ليس لنا أن نتخذهم أولياء ولا نناصرهم فهذا يعني أن الاستثناء ليس عائدا إلى الجملة الأخيرة

ولذلك هنا مسألة أصولية شهيرة إذا جاءت ثم جاء الاستثناء بإلّا فهل الاستثناء بإلّا يعود على جميع الجمل؟ أو يعود على الجملة الأخيرة؟ أم ماذا يكون الأمر؟

فهناك من العلماء يقول يعود على جميع الجمل ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل يعود على الجملة الأخيرة وهذه الآيات تشهد إلى أنه لا يعود إلى جميع الجمل وإنما يعود على ما يدل السياق عليه فبحسب قرينة السياق

وبعضهم يقول الأكثر أن يعود على الجميع إلا إذا دل الدليل على عدم عوده على بعض الجمل

ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما جاء في سورة النور ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَٰجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمْ فَشَهَـٰدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَـٰدَٰتٍۭ بِٱللَّهِ ۙ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ ﵝالنّور الآية ﵖﵜ قبلها قال الله سبحانه وتعالى ﴿وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَـٰنِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَـٰدَةً أَبَدًا ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ﵝالنّور من الآية ﵔ إلى الآية ﵕﵜ قول إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا۟ ماذا نصنع؟ هذا استثناء من ماذا؟ هل استثناء من الجلد؟ الجلد حتما سيقع هناك جلد فإذا ليس يعود على الجلد، طيب يعود على عدم قبول الشهادة؟ أم يعود على الفسق؟ بمعنى أنهم إذا اقيمت عليهم الحدود وتابوا إلى الله سبحانه وتعالى يزول عنهم الفسق هذا معنى صحيح يعود يزول عنهم الفسق باتفاق الفقهاء لكن مختلف في قبول الشهادة

فالأحناف يقولون لا تقبل لهم الشهادة أيضًا لأن الضمير أو لأن الاستثناء يعود على آخر مذكور في الآية وهو أولئك هم الفاسقون

أما كثير من العلماء كالشافعية يقولون بل يعودوا على جميع الجمل وبناء عليه فإذا المحدود يعني شخص قذف غيره بالزنا فأقيم عليه الحد ثم تاب إلى الله زال عنه الفسق لكن هل تقبل شهادته أو لا تقبل؟ الجمهور يقولون تقبل شهادته لأن الاستثناء يعود على الجميع وأما الاحناف يقول لا يعود إلا على آخر جملة والأقرب أن شهادته تقبل بأدلة أخرى أيضاً

وأيضاً يقال أن عدم قبول شهادته بسبب فسقه وقد زال عنه الفسق فحينئذ تقبل الشهادة من ذلك أن الاستثناء قد يعود على جملة أو يعود على أكثر من جملة فهنا قوله ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ﴾ التقدير فلا تقاتلوهم وأما ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵙﵘﵜ فهذا باق على أصله والله أعلم

قال ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ﴾ يعني أو من جاؤوكم فيكون أو هنا للتنويع يعني فئة أخرى جاءوكم قد حصرت صدورهم على تقدير قدر يعني قد حصرت صدورهم يعني حالهم أنه قد حصرت صدورهم ولذلك القراءة الأخرى حصرة صدورهم

قال ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ أي ضاقت صدورهم يعني جاءت قالوا نحن لا نريد قتالكم لا نريد قتالكم واعلنوها صراحة فحينئذ لا تقاتلوهم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ هم يقولون نحن لا نريد أن نقاتل ﴿يَـٰقَوْمَنَآ﴾ ولن نقاتلك يا رسول الله وهم صادقون في ذلك فحينئذ فلا تقاتلوهم

﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ﴾ قالوا ولو شاء الله لمكنهم منكم فقاتلوكم لكن الله كف ايديهم عنكم قال فإنَّ اعتزلوكم كانوا صادقين في كلامهم ولا يريدون قتالكم فحينئذ أمنوهم ولا تقاتلوهم

قال ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ إذا هذه أقسام الناس ثم ذكر الله طائفة أخرى ستجدون آخرين أي فريقا آخر من المنافقين إذا هذه الآيات تتحدث عن طوائف منافقين الذي ينقض العهد والذي يريد قتالكم أو الذي له عهد مع قوم بينكم وبينه ميثاق

الفريق الآخر ﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ﴾ يعني هؤلاء كما قالوا فريق آخر يظهرون لكم الإيمان ليأمنوا على أنفسهم فهم يريدون أن يأمنوكم يحذرون من قتالكم لهم فيقولون نحن معكم ويظهرون لقومهم من الكفار الكفر ويأمنوا قومهم فهم كما يقال يجرون هنا وهناك أو يريدون ارضائكم وارضاء الكفار

قال سبحانه ﴿يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا﴾ ما المراد بالفتنة؟ الكفر بالله والشرك إذا دعوا إلى الكفر كفروا، إذا دعوا إلى الشرك اشركوا، ليس عندهم رادع ولا زاجر وإنما هم يستجيبون لكل الأهواء

قال ﴿أُرْكِسُوا۟ فِيهَا﴾ يعني وقعوا فيها وارتدوا قال ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ﴾ يعني هؤلاء إذا لم يتركوا قتالكم وينقادوا مصالحين بصراحة ووضوح فحينئذ فاقتلوهم

قال الله سبحانه ﴿فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يعني ظفرتم بهم ووجدتموهم

﴿وَأُو۟لَـٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنًا مُّبِينًا﴾ هؤلاء جعلنا لكم عليهم حجة واضحة لغدرهم ومكرهم

من فوائد الآيات :

خفاء حال بعض المنافقين اوقع الخلاف بين المؤمنين في حكم التعامل معهم

بيان كيفية التعامل مع المنافقين بحسب أحوالهم ومقتضى المصلحة معهم

عدل الإسلام في الكف عمن لم تقع منه أذية متعدية من المنافقين

يكشف الجهاد في سبيل الله أهل النفاق بسبب تخلفهم عنه وتكلف اعذارهم

تعليق الشيخ حفظه الله :

قالوا خفاء بعض المنافقين اوقع الخلاف بين المؤمنين في حكم التعامل معهم قال الله ﴿فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ يعني وقع بينكم اختلاف في شأنهم

بيان كيفية التعامل مع المنافقين بحسب أحوالهم ومقتضى المصلحة معهم وهذا جاء في الآيات التي بعدها يبين الله أحوال وكيفية التعامل معهم من الذي يقاتل ومن الذي لا يقاتل؟

عدل الإسلام في الكف عمن لم تقع منه أذية متعدية من المنافقين كما جاء في قوله ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَـٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَـٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾

يكشف الجهاد في سبيل الله أهل النفاق بسبب تخلفهم عنه وتكلف اعذارهم وهذا يظهره ولذلك في الجهاد يظهر المؤمن من المبطل أو من المنافق

قال الشيخ حفظه الله :

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٩٢ ﵝالنّساء الآية ﵒﵙﵜ

قال الله سبحانه ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا﴾ الآية الكريمة بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى ما ينبغي للمؤمنين أن يسلكوه مع أولئك ممن كفر وارتد على اعقابه إذ قال ﴿فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ بين الله سبحانه وتعالى أن هذا القتل الذي اباحه ﴿أَنَّمَا﴾ ابيح لهذا الغرض وإلا فإنَّ هناك قتلا آخر لا يجوز على الإطلاق إلا بدليل شرعي أو بحق من الحقوق التي بينها الرسول عليه الصلاة والسلام

فقال هنا ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا﴾ فهذا يبين القتل المحرم فبعد أن بين الله سبحانه وتعالى القتل المشروع بين القتل الممنوع وهو قتل المؤمن فقال ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا﴾ وقوله وما كان لمؤمن يعني ما ينبغي لمؤمن وهذا يستعمل في الامتناع الشديد فحين يكون الحكم المنع والحرمة ربما استعمل معه ما كان للدلالة على امتناعه وأن الله لا يرضاه وذلك لأن القتل من الكبائر العظيمة التي حرمها ديننا في نصوص كثيرة من كتاب الله ومن سنة الصادق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل إن القتل اقترن في بعض المواضع بالشرك بالله سبحانه وتعالى وذلك لأنه جريمة نكراء

فقال وما كان لمؤمن يعني ما ينبغي ﴿لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا﴾ قالوا هنا في المختصر إلا أن يقع ذلك منه على وجه الخطأ إذا معنى قوله إلا خطأ يعني إلا أن يقع ذلك منه على وجه الخطأ ولذلك بعضهم يرى أن الاستثناء هنا منقطع فيقولون ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ ولكن إن وقع قتل فإنه يكون خطأ ولا يكون تعمدا ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ لا حاجة إلى القول بانقطاع هو متصل لكنه مفهوم وهو أن القتل الذي يعاقب صاحبه هو القتل المتعمد وأما القتل الخطأ فأن صاحبه يكفر ويفعل ما بين الله سبحانه وتعالى لكنه غير آثم لأن الله سبحانه وتعالى رفع عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما استكره عليه

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا﴾ أي على وجه الخطأ

ثم قال ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ يعني مع أنَّ هذا القتل الخطأ صدر عن صاحبه بلا تعمد إلا أن الله سبحانه وتعالى قد جعل فيه الكفارة والدية وهذا من باب التعظيم لهذه الحرمة لحرمة هذه الدماء فمن أجل ذلك شرع التكفير وشرعت الدية مع أنه خطأ فكيف بالعمد؟

قال ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ﴾ وعلم من ذلك أنه في بعض الأحكام يكون الخطأ رافعا للحكم بمعنى الأثر المترتب وفي بعضها يكون رافعا للإثم فقط وأما الأثر فإنه يترتب عليه أثر كما لو أن شخصا أخطأ فأصاب مال شخص أو أتلف شيئًا فإننا نضمنه في ذلك مع أننا نقول أنه غير آثم بسبب خطأه فرفع الإثم شيء وعدم ترتب الأثر شيء آخر

ولذلك هنا أيضًا القاتل خطأ هو غير آثم لكن ليس معنى ذلك أنه لا يترتب على فعله أثر بل يترتب عليه أثر لأن قتله الخطأ قد ترتب عليه أثر واضح وهو قتل نفس معصومة فهذه النفس المعصومة ما ذنبها؟ وما ذنب اقاربه؟ وما ذنب عصبته وورثته؟

فقال الله ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟﴾ إذا يجب في هذه الحال يجب امران :

الأمر الأول تحرير رقبة مؤمنة يعتق رقبة مؤمنة وهنا جاء تقييدها بمؤمنة فتحرير رقبة مؤمنة

والأمر الثاني دية مسلمة ﴿إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟﴾ أن يُعطى اهله دية

إذا ما كفارة القتل الخطأ؟ نقول كفارته امران الأمر الأول تحرير رقبة مؤمنة والأمر الثاني دية مسلمة إلى اهله تسلم إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ أي إلا أن يعفوا عن الدية فحينئذ تسقط تلك الدية وهذا معناه أن الدية حق لأولياء المقتول لهم أن يطالبوا بهذا الحق ولهم أن يخففوا فيه ولهم أن يسقطوه فإذا اسقطوه كان لهم ذلك وربنا قال ﴿عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ ﵝالبَقَرَة الآية ﵘﵗﵑﵜ وهنا قوله ودية مسلمة إلى أهله لم يبين لنا من الذي تجب عليه الدية؟ وأهل العلم يقولون أن تحرير الرقبة المؤمنة يكون على القاتل فهو الذي يحرر ولذلك إذا عجز عن تحرير الرقبة فإنه يلجأ إلى الصيام والذي يصوم هو القاتل خطأ وأما الدية التي يسلمها إلى أهله فهي تلزم العاقلة من عصبته فهم المسؤولون عن ذلك

ولذلك قالوا هنا في التفسير واحسنوا قالوا ومن قتل مؤمنا على وجه الخطأ فعليه عتق نفس مملوكة مؤمنة وهي المراد بقوله تحرير رقبة مؤمنة قالوا كفارة عن فعله وعلى قرابة القاتل الذين يرثون دية مسلمة إلى ورثة القتيل إذا على من تجب؟ على عاقلة القاتل تجب على عاقلة القاتل إذا كان قتله خطأ وهذا عليه الاتفاق وقد نقل غير واحد من أهل العلم الاتفاق على ذلك وقد وردت السنة النبوية بهذا وهذا يكون على سبيل المواساة يعني هذا مواساة لأهل المقتول من جهة ومواساة أيضًا لهم للقاتل فهم يقفون بجواره فيما وجب عليه

﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ﴾ فأن قال قائل وما ذنب العصبة في أن يتحملوا عن القاتل قتلا خطأ؟ فيقال الغنم بالغرم فكما أنهم يغنمون عنه ويرثونه فكذلك يتحملون عنه ولذلك يقال أن كفارة الخطأ في باب الأحكام الوضعية والمقصود بالوضعية هنا ليس معناها أنها أحكام ليست في شريعة الله ﴿أَنَّمَا﴾ المراد بها ما قسمه علماء أصول الفقه من أن الحكم الشرعي قد يكون حكما تكليفيا وقد يكون حكما وضعيا بأن الشارع وربط فيه بين الشيء وغيره كان ربط بين السبب والمسبب أو وجد شروطا وموانع وأسبابًا وما إلى ذلك فالشرع ربط بين وجود قتل خطأ وبين قاتل لهذا الخطأ أو قاتل لهذا القتل الخطأ فيترتب على هذا أثر وهو أن قرابته أو عصبته يتحملون عنه تلك الدية بل أن العلماء اختلفوا هل عليه شيء من الدية أم لا؟ فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ ليس عليه منها شيء ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ بل عليه منها مثل فيدفع نصيبا كما يدفعون أيضًا أنصبة في ذلك ولهم في تقديرها مذاهب واراء مبسوطة في كلام الفقهاء

قال ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟﴾ ومعروف أن هذه الدية يقولون عنها مائة من الإبل كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهي تقسط على ثلاثة أقسام على ثلاث سنوات كما جاء في السنة وبناء عليه فالعاقلة العصبة يدفعون كل عام ثلث الدية وفي العام الثاني الثلث الثاني وفي العام الثالث يكملون للمقتول

هذا معنى قوله ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟﴾ ورد في السنة أنها مائة من الابل وورد أيضًا أنه أنها تقدر بمقادير أخرى فهي تعادل ألف دينار ذهبي ألف دينار من الذهب وكذلك تعادل اثني عشر ألف درهم من الفضة إلى غير ذلك من التقادير واختلفوا هل هي بحسب حال كل طائفة أو أن هناك أصلا وهناك ما يكون فرعا عنه ويقاس عليه؟ إلى غير ذلك مما هو معروف في الفقه

قال ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ هذه حالة أخرى ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ﴾ قالوا وإن كان القتيل من قوم محاربين لكم وهو مؤمن هذه هي الحالة الثانية فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ يعني هو من قوم أعداء محاربين هؤلاء القوم محاربون ولكن هذا المقتول مؤمن إذا نحن بين أمرين وهو أن المقتول مؤمن فله حق وأن أهله ليسوا مؤمنين بل هم محاربون فماذا يكون حينئذ؟ فتحرير رقبة مؤمنة هذه هي الكفارة لكن ليس هنا دية لأننا لو اعطيناهم الدية فإنهم يتقوون بهذه الدية على محاربة الإسلام إذا تدفع الدية في حالة أن يكون أقاربه ممن بيننا وبينهم ميثاق أما إذا كان أقاربه إذا كان أقارب مقتول من المحاربين فإنه لا دية لهم ولكن الكفارة حينئذ هي تحرير رقبة مؤمنة فحسب

قال ﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ هذه هي الحالة الثانية وإن كان هناك قول آخر في تفسير هذه الجملة فبعضهم يرى أن " من" في قوله " من قوم عدو لكم" يعني في قوم عدو لكم بأن كان هذا المقتول في وسط قوم أعداء وقتله القاتل دون أن يعرف أنه مؤمن فلا يكون له دية وإنما يكون له تحرير رقبة المؤمنة حتى وإن كان أقاربه من المؤمنين لكن الأقرب هو ابقاء منه على ما هي عليه وهو قول الجمهور وهو ما ذكروه هنا في المختصر

ثم قال ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ﴾ ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ ماذا قالوا هنا وأن كان القتيل غير مؤمن لكنه مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم عهد مراد بالميثاق العهد مثل أهل الذمة إذا هو القتيل غير مؤمن لكن أولياءه بيننا وبينهم عهد وميثاق فحينئذ لهم حق وهو الدية قال فحينئذ ﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ ولعل ذلك ولعله من أجل ذلك والعلم عند الله قدّم الله الدية هنا على تحرير الرقبة لأن حق أولياء المقتول أغلب وأعلى لأن بيننا وبينهم ميثاق بخلاف الأول فأن الحديث عن مقتول مؤمن فحقه مقدم والعلم عند الله لكن أيضًا هنا فيه الشيئان وهو الدية وتحرير رقبة مؤمنة وهذه الحالة الثالثة

﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فمن لم يجد ماذا؟ قالوا هنا فأن لم يجد من يعتقه أو لا يستطيع أن يدفع ثمنه يعني عدم الوجد أن يشمل أمرين فمن لم يجد يعني لم يجد العبد المملوك الذي يعتقه فيتجه إلى الصيام كما هو الحال في أيامنا هذه قد يكون الإنسان غنيا معه أموال لكن ليس هناك مملوك يستطيع أن يعتقه فحينئذ سيتوجه إلى الصيام أو أن يكون واجدا للمملوكين لكن ليست لديه القدرة المادية على اعتاقهم فيتجه إلى الصيام إذا " فمن لم يجد" هذا يتعلق بتحرير الرقبة وليس بالدية وليس بالدية

ولذلك قالوا ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ هذا متعلق بالكفارة التي هي في عتق الرقبة وهذا من حق الله سبحانه وتعالى ولذلك قالوا أن للمقتول حقوقا يتعلق بذلك حق رب العزة سبحانه وتعالى وحق أولياء المقتول مع أنَّ هذا خطأ فكيف لو كان عمداً؟ فالعمد أمره اغلظ وأشد كما سيأتي في الآية التي بعدها بإذن الله تبارك وتعالى

﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ علم من ذلك أن الصيام المتقطع غير مجزئ فلو أنه في كفارة القتل صام شهرا مثلًا أو صام أربعين يوما ثم قطع ذلك بفاصل فأفطر يوما أو أكثر فإنه يستأنف من جديد ويعيد من البداية ولابد من التتابع ثم هنا مسائل منها مسألة حيض المرأة فإذا حاضت المرأة فهل تستأنف من جديد؟ فالذي عليه الجماهير ونقله بعضهم إجماعا واتفاقاًًً أنها لا تستأنف لأن هذا أمر خارج عن قدرتها وخارج عن أرادتها ثم إذا قيل لها استأنفي من جديد فحينئذ ستحيض مرة أخرى فمعنى ذلك أنها لا تصوم إلا إذا يئست وربما كانت عاجزة عن الصوم لكن الذي وقع فيه الخلاف بين الفقهاء هو إذا ما قطع بسبب مرض بسبب مرض فمنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ لا يستأنف لأن المرض عذر بل يتمم على صومه الأول إذا كان المرض بالفعل مانعاً من قدرته على الصوم وبعضهم يقول بل عليه أن يستأنف لأنه قطع وربنا قال ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾

﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ قالوا هنا توبة من الله ليتوب الله عليه مما فعل توبة من الله ليتوب الله عليه مما فعل يعني هذه توبة من الله سبحانه وتعالى على العباد وبها يتوب الله على العبد فحينئذ تكون توبة قبول من الله عز وجل على العبد لأن العبد يقال في حقه تاب إلى الله ويقال في حق الله تاب الله عليه وقوله هنا توبة من الله يعني من الله على العبد بأن هذا جعله الله توبة منه سبحانه وتعالى على العبد وقوله توبة تؤذن بأن ما وقع فيه القاتل خطأ يحتاج إلى توبة مع أنه أخطأ فيه وهذا يدل على أن هذا الباب باب عظيم وينبغي الاحتراز فيه وينبغي الاحتراز فيه وألا يتهاون الإنسان في شأنه ولذلك شدد في أمر الدماء

قال الله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ فهذا تشريع يدل على علم الله الواسع وعلى حكمته العظيمة لأنه بالفعل وإن كان القاتل خطأ فما ذنبك ما قلت ما ذنب أولياء المقتول أو ما ذنب أقاربه؟ وما ذنب أولاده؟ لهم حق وهذا الحق أيضًا من باب التيسير والتخفيف لا يلزم به القاتل أو لا يلزم به وحده على قول وإنما تلزم به العاقلة أو العصبة فيكون هذا أيضًا فيه شيء من التخفيف وفيه شيء من المواساة وفيه شيء من التيسير والله تعالى أعلم

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٩٣ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵙﵜ

ثم قال الله ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ هذا هو النوع الثاني من القتل وهو قتل محرم وهو القتل المتعمد الذي يتعمد صاحبه القتل يتعمد بأن يعمد إلى شيء قاتل فيقتل به ويقصد هذا القتل فيقال له قاتل تعمدا جاءت بثلاثة أنواع من أنواع القتل :

فهناك القتل المتعمد

وهناك قتل شبه العمد

وهناك قتل خطأ

وهنا ذكر الله القتل المتعمد فقال ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ ٩٣ لم يعرض رب العزة سبحانه وتعالى في ذلك للعقوبة الدنيوية، وإنما ذكر العقوبة الأخروية وإلا فقد سبق معنا في قول الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ﵝالبَقَرَة الآية ﵙﵗﵑﵜ وقبلها ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِىَ لَهُۥ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌۢ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ ﵝالبَقَرَة الآية ﵘﵗﵑﵜ لذلك قالوا إذا كان القتل قتل عمد عدوان فيكون قتل بغير حق وفيه ظلم وهو عمد وعدوان ففيه القصاص فإن لم يكن ففيه الدية المغلظة وهذه الدية تكون على القاتل لأنه المتسبب فلا ذنب لعاقلته وتكون على الفور وليست على التأجيل وليست مقسّطة إلى غير ذلك من قواعد وأمور بينتها سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عليه

أما بالنسبة لعقوبته في الآخرة ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ﴾ وهذا وعيد شديد ثم قال ﴿خَـٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ فعقوبات كثيرة وعديدة لهذا القاتل لكن العلماء اختلفوا في معنى قوله خالدا فيها وذلك أن القتل ليس مخرجا من الملة فالذي يقتل متعمدا على القول المحرر والمعتمد عند أهل السنة أنه مسلم عاص مرتكب لكبيرة من أكبر الكبائر مستحق للعقوبة لكن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه لكن الله قال هنا ﴿خَـٰلِدًا فِيهَا﴾ فهل معنى ذلك أن القاتل المتعمد ليست له توبة؟ قال بهذا فريق لكن الأكثرين من أهل العلم على أن للقاتل ولو كان عمدا توبة وأما قوله خالدا فيها كيف فهموه؟ قالوا هنا في التفسير فجزاؤه دخول جهنم خالدا فيها إن استحل ذلك أو لم يتب وغضب الله عليه إن استحل ذلك إذا جعلوا هذه العقوبة في المستحل الذي يقول أنا حر في أن اقتل من شئت وليس لأحد أن يمنعني وهذا ليس بمحرم وهذا معنى الاستحلال لأن الاستحلال معناه اعتقاد الحكم وليس مجرد الفعل كما مر التنبيه على ذلك سابقا ونحن نتحدث عن أحكام الربا يعني لو أن شخصا قتل لا يقال أنه استحل لأن الفعل وحده ليس استحلالا وإنما الاستحلال معناه اعتقاد أن المحرم المجمع عليه حلال فهذا معنى

لكن قد يرد على ذلك إيراد وهو أن المستحل كافر حتى وأن لم يقتل يعني لو أن شخصا قال من قال أن قتل النفوس المؤمنة حرام هو حلال من قال أن الزنا حرام؟ الزنا حلال مثلًا فهذا كفر بالله حتى ولو لم يعصي الله سبحانه وتعالى بهذه المعاصي يعني حتى وإن لم يرتكب تلك الكبائر فالاستحلال وحده كفر بالله عز وجل

لذلك رد بعض العلماء على هذا القول قالوا أيضًا أو لم يتب يعني إذا مات بدون توبة وهذا فيه على أنه تلك العقوبة ما لم يتب فإنَّ تاب الله عز وجل عليه وهذا أيضًا يرد عليه قوله ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ لأنّّ الله قال ﵣإنّ ٱللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لمن يشآءﵢ ﵝالنّساء الآية ﵘﵔﵜ والقتل دون الشرك فهو داخل في قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لِمَن يَشَآءُ وقد سبق أن هذه الآية ﴿أَنَّمَا﴾ هي في حق غير التائبين في حق غير التائبين لأنَّها لو كانت في حق التائبين فأن الله يغفر للمشرك إذا تاب فما وجه التفريق إذا؟

قال ﵣإنّ ٱللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لمن يشآء لو كانت هذه في حق التائبين فقط فنقول وماذا عن المشرك الذي تاب؟ ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ مع أنه قال في الآية إِنَّ ﴿ٱللَّهَ لَا﴾ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ إذا المراد لمن لم يتب وكذلك من لم يتب ووقع في كبيرة دون الشرك فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه

لذلك بعض العلماء يقولون ﴿فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَـٰلِدًا فِيهَا﴾ أي هذه عقوبته التي يستحقها فعقوبة القتل دخول النار أو جهنم خالدا في هذه العقوبة إلا إذا وجد مانع والمانع هو التوحيد إذا هذه للدلالة على أن عقوبة القتل المتعمد عقوبة غليظة وشديدة وهي الخلود إلا إذا وجد مانع له والمانع هو التوحيد فكان لولا التوحيد لكان مخلدا في جهنم

أن ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ على تقدير إنجاز يعني هذا يقع أنجاز لكن الله في مواضع أخرى بين أن أمره مفوض إليه سبحانه وتعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ومنهم من قال وهو قول وجيه أن الخلود هنا بمعنى المكث الطويل فمعنى خالدا فيها أن يمكث في جهنم مكثا طويلا لكنه ليس على سبيل التأبيد ولذلك في بعض المواضع جاء مع ذكر الخلود التأبيد ﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵙﵖﵑﵜ فقالوا أما هنا فالمراد به المكث الطويل وليس المراد به التأبيد والله أعلم إذًا هذه عقوبة

ثم قال ﴿وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ﴾ وهذه عقوبة شديدة أن يغضب الله على العبد نسأل الله أن يرضى عنا قال ﴿ولعنه﴾ يعني وطرده من رحمته سبحانه وتعالى وهذا فيه أن الغضب غير لذلك قالوا غضب الله عز وجل عليه فسبحانه وتعالى يرحم ويغضب سبحانه وتعالى على الوجه الذي يليق بكماله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَىْءٌ ۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ ﵝالشّورى الآية ﵑﵑﵜ ﴿ولعنه﴾ هذه عقوبة وطرده من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا﴾

ﵣيـٓأيّها ٱلّذين ءامنوٓا إذا ضربتم في سبيل ٱللّه فتبيّنوا وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلحيوة ٱلدّنيا فعند ٱللّه مغانم كثيرة ٞ كَذَٰلِكَ كُنتُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ٩٤ ﵝالنّساء الآية ﵔﵙﵜ

ثم قال الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ أيضًا بين الله سبحانه وتعالى بعض الأحكام المتعلقة بالقتل وهو أن القتل في سبيل الله مشروع الجهاد لكن له ضوابط وقواعد فلا ينبغي للمسلمين أن يتسرعوا في ازهاق روح بل لا بد من التثبت ولابد من التبين ونحن نقبل المعاذير ونحن أقرب إلى العفو منا إلى القتل فلذلك قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ يعني خرجتم في سبيل الله للجهاد في سبيله فتبينوا والقراءة الأخرى فتثبتوا وهنا قالوا فتثبتوا والقراءة كما قلت معنا فتبينوا والأخرى تثبتوا فالتبين أن ينكشف له الأمر إذا تتبين وتتحقق من الأشياء والتثبت أيضًا معناه عدم التعجل وإنما يكون هناك شيء من التروي والتأكد في جمع بين استكشاف الأمر وبين التثبت في تنفيذه

ثم قال ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ والقراءة الأخرى لمن القى اليكم السلمة يعني استسلم وقال أنا مستسلم لكم أو ألقى اليكم السلام وقال لكم السلام عليكم أو قال لكم أنا مؤمن أو قال لكم امنت بالله سبحانه وتعالى كما جاء في بعض الأحاديث وكما ورد في سبب نزول الآية

وقد ورد على نسق سبب النزول عدة روايات أيضًا أخرى غير ما ورد في سبب النزول ولذلك عندنا حديث المقداد وحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما عدة احاديث H0

فقال الله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وهذا فيه أننا نتعامل مع الناس فلا شك أن هذا الذي كان محاربا للمسلمين ولكنه لما وقع تحت طائلة المسلمين وفي قبضتهم وتمكنوا منه أعلن أنه مسلم لله فإنَّ غالب الظن في مثل هذا الشخص أنه ما أسلم إلا خوفا على نفسه ومع ذلك فإنَّ الإسلام اعتد بالظاهر ووكل السرائر إلى الله سبحانه وتعالى فنقبل منه ظاهره لتشوقنا إلى إسلامه ولأننا نريد الإسلام وأن الجهاد ﴿أَنَّمَا﴾ شرع لنشر الإسلام ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﵝالأنفال الآية ﵙﵓﵜ

قال ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَـٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ يعني لا تنفون عنه الإيمان وقد أعلن أنه مؤمن فنحن لنا الظاهر فلا ينبغي لنا أن ننفي عن أحد الإيمان بعد أن أثبته لنفسه والقراءة الأخرى أيضًا وهي متواترة

" لست مؤمنا" يعني لا نؤمنك لأن الإسلام له حق علينا فهو مؤمن فحينئذ يسلم ويسلم دمه وماله إلا بحق الإسلام وحسابه على الله كما جاء بذلك الحديث عنه صلى الله عليه وسلم حديث أبي هريرة وابن عمر وغيرهما قال الله ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ ما الذي يدفعكم إلى ذلك؟ امن أجل غنيمات كما ورد في الرواية من أجل إبل أو غنيمة لا ينبغي أن يكون كذلك ﴿فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ عندكم العوض من الله سبحانه لأن مال المسلم محترم فنحترم ماله ولا نأخذه غنيمة حينئذ

﴿كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟﴾ قالوا كَذَٰلِكَ كُنتُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَبْلُ مثل هذا الذي يخفي إيمانه من قومه أنتم أيضًا كنتم تستترون بإيمانكم هذا قول أو كنتم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ غير مسلمين ثم منّ الله عز وجل عليكم بالإسلام أو كنتم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ تريدون أن يؤمنكم غيركم إذا كنتم في موضع خوف فلا تخيفوا الناس إلى غير ذلك من أقوال

والآية عامة لهذا كله ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟﴾ والقراءة أيضًا أخرى فتثبتوا فمعنى ذلك أنكم تتثبتون ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تصدروا الأحكام

ثم قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

من فوائد الآيات

جاء القرآن معظما حرمة نفس المؤمن وناهيا عن انتهاكها ومرتبا على ذلك أشد العقوبات

من عقيدة أهل السنة والجماعة أن المؤمن القاتل لا يخلد أبدًا في النار وإنما يعذب فيها مدة طويلة ثم يخرج منها برحمة الله تعالى

وجوب التثبت والتبين في الجهاد وعدم الاستعجال في الحكم على الناس حتى لا يعتدى على البريء

قال الشيخ حفظه الله :

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة