مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النساء — الجزء 5

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 275 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

لكن أعرض عنهم ولا تلتفت إلى كلامهم فإنَّ كلامهم غير مفيد وغير مجد ولا نافع لكن مع ذلك عظهم في أنفسهم ﴿وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا﴾ فإذا لا تعارض بين ذكر الاعراض وبين ذكر الوعظ وهنا قال ﴿وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا﴾ قالوا هنا في التفسير أي قولا بالغا بلوغا شديدا متغلغلا في نفوسهم إذا معنى ﴿وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا﴾ يعني هذا القول يبلغ إلى نفوسهم يتغلغل في النفوس فحينئذ يعرفون أنهم على الباطل ولعل بعضهم يتوب ويؤوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى من ضلالة وبعضهم يقول ﴿وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا﴾ أي سرا لا علنا فيكون فيه افادة أن هؤلاء أيضًا يوعظون ويجاء بهم ويقال لهم في السر فعلتم كذا وكذا فنحن لن نكشف أستاركم ولكن أعلموا أن ربكم مطلع عليكم ورقيب عليكم وأن هناك أمارات تدل على نفاقكم فتوبوا إلى ربكم وعودوا إلى رشدكم إذًا قوله: ﴿وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا﴾ أما معناه أن القول البليغ يتغلغل في النفوس أو أنه يكون سراً دون أن يكون جهرا

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ ٦٤ ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵖﵜ

ثم قال الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ ما ارسلنا من رسول من رسل الله إلا من أجل أن يطاع فقوله إلا ليطاع يعني من أجل أن يطاع بإذن الله قالوا هنا في التفسير بمشيئة الله وتقديره لأنه قد يقول قائل وهناك رسل كثيرون يأتون بالرسالات ولا يطيعهم قومهم فيقال قوله سبحانه إلا ليطاع بإذن الله يعني بتقدير الله ومشيئته فالطاعة تكون بتقدير الله ومشيئته فيقدر الله عز وجل أن يطاع هذا النبي أو أن يعصى وأيضاً فقوله ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ يعني ليطيعه من شاء الله أن يطيعه ولا يلزم من ذلك أن الجميع يطيع فمنهم من يطيع ومنهم من يعصي ولذلك " يأتي النبي يوم القيامة ومعه الرهط ومعه الرجلان ومعه الرجل" كما هو معروف ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ وبعضهم قال بإذن الله بشرع الله وأمر الله يعني طاعته طاعة لله لأن هذا من شرع الله فطاعة الرسل طاعة لله سبحانه وتعالى ثم قال وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ ﴿جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1)

ولو أنهم هؤلاء ولو أن هؤلاء من أهل النفاق إذ ظلموا أنفسهم وقع منهم الظلم لأنفسهم بسبب ما ارتكبوا من المعاصي حين تحاكموا إلى الطاغوت وتركوا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أنهم حين فعلوا ذلك

﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (النساء: 2) استغفروا الله من ذنوبهم ومن خطأهم ومن الخلل الذي وقع منهم واستغفر لهم الرسول وهنا التفات فلم يقل فاستغفروا الله واستغفرت لهم فالكلام H0

فكان النسق يقال جاؤوك فاستغفروا الله واستغفرت لهم لكن هنا قال واستغفر لهم الرسول وهذا أسلوب التفات يعني بعد أن كان هناك الخطاب تحول إلى الغيبة لأن الاسم الظاهر في حكمه

لكن هنا له فائدة ونكتة ولطيفة وحكمة : منها بيان قدر الرسول وجلال الرسالة التي من الله عز وجل بها عليه فهو رسول الله فهو حقيق بأن يطلبوا منه العفو والصفح والاستغفار يعود إليه لأنهم قصروا في حقه إذ عدلوا عنه وهو الذي لا ينطق عن الهوى عدلوا عنه إلى غيره ممن هو معروف بالإثم والعدوان والتحاكم إلى غير شرع الله سبحانه وتعالى.

قال ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ (النساء: 4) صلى الله عليه وسلم وهذا مناسب أيضًا لصدر الآية لأن أول الآية ﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 5) فهو أحد هؤلاء الرسل وخاتم هؤلاء الرسل الذين يطاعون أيضًا بإذن الله فكان حقه أن يطاع لا أن يعصى وأن يستجاب لقوله لا أن يرفض قوله قال واستغفر لهم الرسول الجواب ﴿وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا﴾ (النساء: 6)

﴿لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ يتوب عليهم ويرحمهم وهنا في التفسير قالوا ولو أنهم حين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي جاؤوك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول في حياتك فقيدوا المسألة بقوله في حياتك لأن بعض أهل التفسير أن هذه الآية تدل على أنه يجوز للمرء أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستغفار ولو كان بعد الوفاة اخذاً منهم بأن الآية مطلقة أو عامة لكنهم هنا في المختصر بينوا أن المراد بالآية ما يكون في حياته صلى الله عليه وسلم ويشهد لهذا الذي قالوه أن الله جل وعلا عبر في الآية بقوله " إذ" ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟﴾ وإذ كما هو معروف تستعمل للدلالة على الزمن الماضي وليس لزمن مستقبلي في الأصل فالأصل أن على هذه الحقيقة ولو كان المراد بذلك ما يستقبل لقال الله ولو أنهم " إذا" ظلموا أنفسهم فلما قال وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ دل على أن هذا كان في الماضي يعني حينما وقع منهم ذلك

وقالوا أيضًا فالآية لها ارتباط بسياقها وبما ورد في نزولها وبناء عليه فهذا في شأن المنافقين الذين أساءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الله استغفار الرسول لهم لأنهم قصروا في جانبه وفي حقه فكان عليهم أن يعودوا إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يُعلم أن الصحب الكرام والتابعين لهم بإحسان كانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فيسألونه الاستغفار لهم

وحاصل ما ورد في ذلك قصة وردت عن العتبي في ذلك اوردها بعض المفسرين وسندها ضعيف ليس بثابت ولا صحيح فضلا عن أنها ليست من أصحاب رسول الله أو في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين

على كل فهي مسألة مطروحة ومعروفة في قضايا التوسل لكن الآية الكريمة كما ترون جاء التعبير فيها بقوله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ﴾ ولا نشك قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجناب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن يذكر من ذلك ما يدل عليه الدليل والمسألة فيها تفصيل طويل كما هو معروف في الاستدلالات من كتاب الله ومن سنة الصادق رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس المقام مقام ذكرها

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ ٦٥ ﵝالنِّسَاء الآية ﵕﵖﵜ

قال الله بعدها ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ فلا هنا ادخل قوله " فلا" على القسم فلذلك قالوا هنا في التفسير قالوا فليس الأمر كما زعم هؤلاء المنافقون فجعلوا لا هنا نافية لكلام مقدر فلا يعني ليس الأمر كما يزعمون ليس الأمر كما يزعم هؤلاء المنافقون من أنهم يلجأون إلى التحاكم إلى الطاغوت ويتركون حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم " فلا" إذا هذا لنفي كلام سابق

وبعضهم يقول بل " فلا" تأكيد للقسم وبعضهم يقول عنها صلة والكلام فيها قريب من الكلام في مثل قوله " لا اقسم" ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ ﵝالحَاقَّة الآية ﵘﵓﵜ ﴿فَلَآ أُقْسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ﴾ ﵝالوَاقِعَة الآية ﵕﵗﵜ ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ ﵝالقِيَامَة الآية ﵑﵜ وقد تقدم طرف من الحديث عن مثل ذلك في مثل هذه الآيات قبل ذلك

قال ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ ثم أقسم بذاته سبحانه وتعالى أقسم بربوبيته وباسمه الرب، الرب من أسماء الله سبحانه وتعالى كما قال ﵣ سَلَٰمٞ قَوۡلٗا ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ رَّبّٖ رَّحِيمٖ ٥٨ ﵝيس الآية ﵘﵕﵜ

فقال ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ لا يكونون مصدقين حقًا الذي يريد أن يكون مؤمنا إيمانا حقًا لا بد له من أن يراعي ذلك وهو حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، يحكموك فيما شجر بينهم وقع فيما بينهم من تشاجر واختلاف ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾

وهنا جاء التعبير القرآني أيضًا ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ لأن بعض الناس قد يتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ثم بعد أن يتحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقع منه ندم ما الذي جعلني أقبل هذا الحكم وهذا الحكم وجاء علي وهذا الحكم ضرني، فلا يكون راضيًا مسلّمًا بالحكم حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم

قال ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ أي ولو بعد حين فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ لا يجدون شيئًا من شك أو من ضيق ولذلك قالوا هنا ولا يكون في صدورهم ضيق منه ولا شك وهذا في تفسير الحرج

﴿مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا﴾ أيضًا يكون لديهم استسلام بالظواهر والبواطن لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا فيه وجوب طاعته ووجوب امتثال أمره صلى الله عليه وسلم

من فوائد الآيات

الاحتكام إلى غير شرع الله والرضا به مناقض للإيمان بالله تعالى ولا يكون الإيمان التام إلا بالاحتكام إلى الشرع مع رضا القلب والتسليم الظاهر والباطن بما يحكم به الشرع.

من أبرز صفات المنافقين عدم الرضا بشرع الله وتقديم حكم الطواغيت على حكم الله تعالى.

الندب إلى الاعراض عن أهل الجهل والضلالات مع المبالغة في نصحهم وتخويفهم من الله تعالى.

قال الشيخ حفظه الله :

الاحتكام إلى غير شرع الله والرضا به مناقض للإيمان بالله تعالى وهذا الاحتكام على أنواع ومراتب فالأصل أنه يقتضي الإيمان بالله أن تتحاكم إلى شرع الله فالله قال ﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ﵝالأنعام الآية ﵗﵕﵜ لكنّ من تحاكم إلى غير الله هذا على أنواع وهذا أيضًا في قوله ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ ﵝالمائـدة الآية ﵔﵔﵜ وسيأتينا تفصيل أكثر هناك لأن من حكم بغير ما أنزل الله أو تحاكم إلى غير ما أنزل الله هذا لا شك أنه على خطر وعلى ذنب كبير لكن فسره ابن عباس رضي الله عنهما بأنه كفر دون كفر فهو ليس كفرا مخرجا من الملة وبناء عليه فنفي الإيمان ليس المراد به نفي أصل الإيمان وإنما المراد به نفي كمال الإيمان وإن كان هذا الكمال واجبا لأنهم يقولون كمال الإيمان الواجب فهناك فرق بين من استحل الحكم بغير ما أنزل الله أو من كذّب حكم الله سبحانه وتعالى أو رأى أن حكم غير الله سبحانه أفضل من حكم الله فهذا له شأن وبين من تحاكم مع علمه أن حكم الله هو الحق لكنه تحاكم من أجل شهوة أو من أجل وصول إلى غرض دنيوي فهذا الثاني وقع في معصية وكبيرة لكنه لم يخرج من الملة لكن في كل الأحوال ينبغي للمؤمن إلا يعدل عن حكم الله وعن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال ولا يكون الإيمان التام ولذلك أكملوا العبارة فقالوا ماذا؟ ولا يكون الإيمان التام إلا بالاحتكام إلى الشرع مع رضا القلب والتسليم الظاهر والباطن بما يحكم به الشرع ولذلك ربنا قال ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى آخر الآية الكريمة وقد ورد في سبب نزولها أنها نزلت في شأن الزبير بن العوام رضي الله عنه حينما اختصم مع رجل والرجل قال أن كان ابن عمتك وطعن فيهما فعل أو فيما قال له الرسول صلى الله عليه وسلم حينما له قال له اسق يا زبير أرسل إلى جارك إلى غير ذلك لكن العلماء يقولون أيضًا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وإلا فبعضهم جعلها أيضًا مما يناسب السياق في ذكر أهل النفاق وأن المؤمنين ليس من دأبهم ولا من شأنهم أن يعرضوا عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم

من أبرز صفات المنافقين عدم الرضا بشرع الله وتقديم حكم الطواغيت على حكم الله فهذا من ابرز صفات اه المنافقين ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾

الندب إلى الاعراض عن أهل الجهل والضلالات مع المبالغة في نصحهم وتخويفهم من الله تعالى ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا﴾

قال الشيخ حفظه الله :

قال سبحانه ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ٦٦ ﵝالنّساء الآية ﵖﵖﵜ

يبين الله سبحانه وتعالى أن احكامه ميسورة وأنها في مقدور البشر وأنه سبحانه وتعالى حين يكلف العباد فإنه يكلفهم بما يقدرون عليه وبما يطيقونه فلماذا الاعراض عن حكمه؟

ولو أن الله كلفهم تكليفات شاقة تشق عليهم ما قاموا بها لكنه خفف فهلاّ استجابوا لما أمرهم الله عز وجل به وهم يقدرون عليه فقال ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي فرضنا عليهم ﴿أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ أي ليقتل بعضكم بعضاً ﴿أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم﴾ اتركوا داركم أو دوركم مع أنَّ المهاجرين تركوا ديارهم واموالهم ابتغاء مرضات الله لكن الله عز وجل لم يأمر الجميع بالخروج من الديار والأصل أن يقيم الإنسان في داره إلا إذا لم يستطع الحفاظ على دينه كما هو معلوم فمن رحمة الله سبحانه وتيسيره لعباده أنه ما كلفنا ذلك

قال ﴿لَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَـٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ كان يكفيهم أن يستجيبوا لتعاليم الله - لأوامر الله - فهم يقدرون عليها بفضل الله سبحانه وتعالى

قال ﴿مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ فقوله " قليل" هذا بدل من الواو في قوله " ما فعلوه" لذلك جاءت مرفوعة باعتبار أن هذا الاستثناء التام المتصل جاء منفيا والقراءة الأخرى جاءت " إلا قليلا" وهو الوجه الثاني وهو نصبها على الاستثناء فهما وجهان والقراءتان تشهدان لهذين الوجهين النحويين المعروفين

قال ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ﴾ جاء هنا تفسير يوعظون بماذا؟ يؤمرون فالأمر والنهي وعظ من الله سبحانه لأن به حياة القلوب

﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن من عمل بما علم اورثه الله علم ما لم يعلم أنت إذا عملت بالعلم فإنَّ الله يرزقك علما آخر فوق الذي تعلمته لأنه يبارك لك في هذا العلم الذي عملت به وأيضاً إذا عملت بالعلم ثبته الله في قلبك وثبتك على الصراط المستقيم

فقال ﵣلكان خيرٗا لّهم وأشدّ تثبيتٗا ٦٦ وَإِذًا لَّـَٔاتَيْنَـٰهُم ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ ﴿لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ ثم قال ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ ٦٩ وقد ورد في سبب نزول الآية الكريمة أن رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأل النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول يا رسول الله أني في بيتي أو في البيت فاذكرك فلا أقدر حتى آتي إليك وأنظر إليك أريد أن أنظر إليك فيأتي إلى المسجد ويرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أنني ذكرت ماذا يكون امري؟ إلى ما يصير امري وامرك فعرفت أنك إذا مت رفعت مع النبيين وأما أنا فلا ادري أين اصير وأين اكون فأنزل الله الآية

قال ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ ٦٩ فمن أراد مرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعليه بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال ربيعة بن كعب الاسلمي حينما سأله الرسول وسلم عن حاجته قال أسألك مرافقتك في الجنة قال أو غير ذلك؟ قال هو ذاك لا أريد إلا ذلك فقال أعني على نفسك بكثرة السجود

قال ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ ٦٩ﵢ رفقاء في الجنة فالرفيق معنى الرفقاء هنا وقول ﴿فَأُو۟لَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ﴾ كذا وكذا فسرت هذه الآية قوله في سورة الفاتحة صراط ﴿ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فكثير من المفسرين يقولون المنعم عليهم هم من ذكرهم الله في سورة النساء فتكون هذه الآية التي معنا مفسرة لآية سورة الفاتحة.

﴿ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵐﵗﵜ

قال ﴿ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ﴾ أي هؤلاء أنعم الله عليهم وتفضل عليهم فالشهيد ما نال شرف الشهادة ولا الصدّيق نال شرف الصدّيقية ولا الصالح كان صالحا ولا النبي صار نبيا إلا بتفضل من الله وانعامه فهذا فضل الله وكفى بالله عليما سبحانه وتعالى

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًا﴾ ٧١ ﵝالنّساء الآية ﵑﵗﵜ

بعد أن ذكر الله المنافقين وما يكون من أحوالهم ومن تحاكمهم إلى الطاغوت ناسب هذا أن يحذرنا الله سبحانه وتعالى من دأبهم ومن أحوالهم فقال خذوا حذركم هذا أمر بأخذ الحذر والحيطة في الأمور كلها قال ﴿خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًا﴾ ما معنى فأنفروا ثباتا؟ أنفروا يعني اخرجوا النفور يكون نتيجة وجود شيء يخيف ويقلق فحينئذ يقوم الإنسان وينفر

﴿فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًا﴾ قالوا أي فاخرجوا اليهم جماعة بعد جماعة إذا الثبات معناه جماعة سرية بعد سرية يعني إذا كان الأمر يستدعي السرعة لأن قوله فأنفروا يستدعي سرعة فقد يتجهز الجيش ويخرج جميعه وقد لا يتمكنون من ذلك فحينئذ يخرجون فوجا وراء فوج وجماعة وراء جماعة هذا معنى ثبات أو أنفروا جميعا وأنتم مجتمعون

﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ ٧٢ ﵝالنّساء الآية ﵒﵗﵜ

﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ ذكر الله عز وجل أيضًا هذا الفريق المخذل الذي يكون منه البطء والتباطؤ والتبطيء فقال ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ ما معنى ليبطئن؟ ليبطئن فيها معنيان :

المعنى الأول ليبطئن يعني يكون بطيئا في نفسه يكون بطيئا كما قالوا هنا يتباطؤون عن الخروج إذا عنده كسل وعنده تباطؤ

والمعنى الثاني يبطئ غيره يدعو غيره إلى البطء لا تستعجل ماذا سيكون؟ مهلا عندنا زرع نريد أن نحصده عندنا كذا نريد أن نفعله

فقال ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ لذلك أحسنوا هنا في المختصر حين ذكروا المعنيين فقالوا وأن منكم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المسلمون أي أقوامًا يتباطؤون عن الخروج لقتال اعدائهم لجبنهم ويبطئون غيرهم اذاً جمعوا الوصفين قالوا وهم المنافقون نسأل الله السلامة وضعيفي الإيمان قال الله ﴿فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أنا لم اكن معهم فما لي علاقة بهذه المصيبة التي وقعت؟

﴿وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٧٣ ﵝالنّساء الآية ﵓﵗﵜ

ﵣلئن ﴿أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌ﴾ ٞﵢ لأنه في الحقيقة يشعر بأنه غريب لأن القلب مختلف عن أهل الإيمان يقول حينئذ ﴿يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أنه ليس من المؤمنين بسبب تخاذله وتقاعسه ثم قال الله آمراً عباده المؤمنين بالقتال في سبيله ونصرة دينه وهذا من مقاصد سورة النساء حديث عن الجهاد في سبيل الله وجهاد أهل النفاق وجهاد أهل الباطل لأنه بهذا يتم الاجتماع اجتماع الأمة على دين الله وتقوى أواصر المحبة والإخوة ويتحقق الإنصاف والعدل وكل هذا دعت إليه سورة النساء

ﵣ فَلْيُقَـٰتِلْ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَـٰتِلْ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵔﵗﵜ

فقال ﴿فليقتل في سبيل ٱللّه ٱلّذين يشرون ٱلحيوة ٱلدّنيا بٱلأٓخرة﴾ فهم يرغبون في الآخرة وباعوا الدنيا الرخيصة لذلك قالوا هنا يبيعون ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْا۟ يَوْمًا لَّا يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيْـًٔا ۚ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ﴾ رغبة عنها وبالآخرة رغبة فيها

﴿وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ اعاد الكلام مرة أخرى ما قال ومن يفعل وَمَن يُقَٰتِلْ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾؟ لشرف هذه الشعيرة ولشرف هذه العبادة والقربى إلى الله وهذه القربة التي يتقربون بها إلى الله ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ يعني سواء قتل فكان شهيداً أم غلب وكان منتصرًا فرزق إحدى الحسنيين

قال ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثوابا عظيما وهو الجنة ورضوان الله نسأل الله الكريم من فضله

من فوائد الآيات

فعل الطاعات من أهم أسباب الثبات على الدين

أخذ الحيطة والحذر باتخاذ جميع الأسباب المعينة على قتال العدو لا بالقعود والتخاذل

الحذر من التباطؤ في الجهاد وتثبيط الناس عنه لأن الجهاد أعظم أسباب عزة المسلمين ومنع تسلط العدو عليهم

تعليق الشيخ حفظه الله :

نعم فعل الطاعات من أهم أسباب الثبات على الدين قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾

أخذ الحيطة والحذر باتخاذ جميع الأسباب المعينة وهذا في قوله سبحانه وتعالى ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ﴾ وقال أيضًا ﴿وَخُذُوا۟ حِذْرَكُمْ﴾ ﵝالنّساء الآية ﵒﵐﵑﵜ فهذا مأمور به في كتاب الله سبحانه وتعالى

الحذر من التباطؤ عن الجهاد وتثبيط الناس عنه لأن الجهاد أعظم أسباب عزة المسلمين ومنع تسلط العدو عليهم ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ ﵝالنّساء الآية ﵒﵗﵜ الآية الكريمة

نعم

قال الشيخ حفظه الله :

قال سبحانه ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵕﵗﵜ

بعد أن دعا الله المؤمنين إلى القتال وحثهم على القتال في سبيله وحذرهم من التخلف عنه وذلك ببيان أن القتال ﴿أَنَّمَا﴾ هو قتال لإعلاء كلمة الله فكيف يتخلف المؤمن عن ذلك؟ وأيضاً ففي القتال في سبيل الله مصلحة أخرى وهي استنقاذ ﴿ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ﴾ وتقدم معنا أنه من مقاصد السورة العدل والإنصاف ورحمة الضعفاء لذلك فسورة النساء تحدثت عن النساء واليتامى وفي الحديث إني أُحرِّج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة فالجهاد من أسباب مشروعيته الحفاظ على حقوق النساء وحقوق الضعفاء من اليتامى وغيرهم فقال ﴿وما لكم﴾ هذا للنفي والإنكار أو للإنكار

قال ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ﴾ يعني ما عذركم في التخلف عن الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله؟ ومن أجل استنقاذ ﴿ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ﴾ فيدخل في ذلك اليتامى ويدخل في ذلك غير اليتامى من الضعفاء أيضًا لأنه كما أن اليتيم ضعيف قد يكون هناك رجل كبير لكنه أيضًا ضعيف يحتاج إلى مَن ينصره وكذا النساء قال ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ يسألون ربهم ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ هذا تذكير بالأذى والضرر الكبير، تذكير بالضرر الكبير الذي كان يقع بالضعفاء من أهل الإسلام، المستضعفين من أهل الإسلام في مكة فقد كانوا في مكة مستضعفين مضطهدين يؤذون ويضربون ويهانون فلذلك قالوا ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ ولذلك إذن لهم في الهجرة لوجود الانفراج لهم من هذا الضرر البالغ الذي وقع عليهم وقوله هنا " الظالم أهلها" دون أن يقول اخرجنا من هذه القرية الظالمة لأن القرية فسرت بمكة ومكة بلد الله الحرام ولها قدرها عند الله فلم يصفها الله بأنها الظالمة وإنما وصف أهلها بذلك وقتئذ فقد كان الظلم واقعا منه فقالوا هنا الظالم اهلها فعاد الظلم إلى اهلها

﴿وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ قالوا هنا يتولى أمرنا بالرعاية والحفظ ﴿وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ يدفع عنا الضر ولذلك بعضهم يقول الولي أعم أن الولي يكون في الحرب والسلم والنصير يدفع الضر وهذا ﴿أَنَّمَا﴾ يظهر في وجود الضرر والحرب

﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ ٧٦ ﵝالنّساء الآية ﵖﵗﵜ

ثم قال الله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ هذا فيه تشجيع للمؤمنين أنتم يا معشر المؤمنين ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ لكم نية قوية ولذلك لكم عزيمة صادقة وقدرة فيقويكم الله ويعينكم لأنكم ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ فسروا هنا الطاغوت بالآلهة أي الآلهة الباطلة في سبيل الطاغوت قال ﴿فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ وهذا من الطاغوت فهم يصرفون العبادة لغير الله سبحانه وتعالى ﴿فَقَـٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ هؤلاء أولياء الشيطان وأنتم أولياء الرحمن فانتصروا لدينكم.

ثم قال ﴿إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ لم يقل أن كيده لكن جاء التصريح بهذا الشيطان، أن كيد الشيطان لأن هذا فيه تنفيرا لأن في هذا تنفيرا منه ومن كيده وأنه ينبغي التصدي له، ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾

إن كيد الشيطان أي تدبيره كان ضعيفا لأن هذا الكيد وهذا التدبير ليس قائما على الإخلاص فغرضه دنيوي بحت ولذلك أهل الباطل عندهم جبن وهلع لأنه ليس لهم مقصد اخروي ولذلك ربنا ذكرنا فقال كما سيأتينا في آيات سورة النساء ﴿وَلَا تَهِنُوا۟ فِى ٱبْتِغَآءِ ٱلْقَوْمِ ۖ إِن تَكُونُوا۟ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ ۖ وَتَرْجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ فأنتم عندكم رجاء في الله وحسن ظن ونظر إلى الآخرة فعندكم همة قوية

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧﴾ ﵝالنّساء الآية ﵗﵗﵜ

ثم قال ﴿ألم تر إلى ٱلّذين قيل لهم كفّوٓا أيديكم وأقيموا ٱلصّلوة وءاتوا ٱلزّكوة﴾ يبين الله سبحانه وتعالى أن الجهاد ما شرع إلا في مرحلة متأخرة بعدما قوي واستتب لهم الأمر واستقرت أمورهم في المدينة النبوية، فيذكرهم الله ها أنتم أمرتم بالجهاد بعد أن تيسرت لكم الأمور وكنتم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ تتمنون الجهاد وكان وقتها يقال لكم لا تقاتلوا أحين تؤمرون بالجهاد تريدون تأخير هذا الأمر مع أنكم كنتم تطلبونه من البداية؟ لذلك قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ هذا تعجيب من حالهم من حالهم ممن وقع منه ذلك لذلك قالوا هنا الم تعلم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول شأن بعض أصحابك بعضهم منها ومنه ذلك شأن بعض أصحابك الذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد في بداية الأمر قالوا نحن مستضعفون ونحن يفعل بنا كيت وكيت نريد أن نجاهد وكانوا يقال لهم في مكة ليس هذا وقت القتال ﴿فَٱعْفُوا۟ وَٱصْفَحُوا۟ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ﴾ ﵝالبقرة الآية ﵙﵐﵑﵜ ثم بعد ذلك في المدينة ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ﵝالحج الآية ﵙﵓﵜ

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ٧٧﴾ ﵝالنّساء الآية ﵗﵗﵜ

فقال ﴿ألم تر إلى ٱلّذين قيل لهم كفّوٓا أيديكم وأقيموا ٱلصّلوة وءاتوا ٱلزّكوة﴾ أنتم في هذه الفترة في هذه المرحلة مأمورون بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ﴾ وكانوا يطلبونه ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ ليس الجميع ﴿أَنَّمَا﴾ فريق منهم ﴿يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ﴾ صار في قلوبهم شيء من الخوف والهلع فربنا يحذرهم يقول لم الخوف؟ ولم الهلع؟ كنتم ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ تطلبون هذا.

﴿يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي كخشيتهم الله أو أشد خشية فقولك خشية الله مصدر مضاف إلى المفعول فهو في موضع المفعول يعني كخشيتهم الله يخشون الناس كما يخشون الله أو أشد خشية فمنهم من يكون مثل ما يخشى الله ومنهم من يكون أشد خشية أو إن " أو" بمعنى بل

﴿وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ﴾ كأنهم يستعطفون ويسترحمون يا رب لم كتبت علينا القتال من الهلع والخوف يقع من بعضهم والمراد بكتب القتال هنا يعني دماء وقع الأمر بالجهاد عاجلا هلا اخرته مع أنهم كانوا يطلبونه سابقا لذلك قالوا هنا وكان ذلك يعني بداية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ﴾ كان هذا قبل فرض الجهاد فلما هاجروا إلى المدينة وصار للإسلام منعة وفرض القتال شق ذلك على بعضهم فصاروا يخافون الناس كخوفهم من الله أو أشد وقالوا يا ربنا لما فرضت علينا القتال؟ هلا اخرته مدة حتى نتمتع بالدنيا حينما فتحت لهم أبواب الدنيا ﴿لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ما معنى لولا هنا؟ معناها هلا ﴿أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾؟

فحذرةم الله من الركون إلى الدنيا فقال ﴿قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالوا هنا ولا تنقصون من اعمالكم الصالحة أي شيء ولو كان قدر الخيط الذي في نواة التمر تقدم معنا الفرق بين النقير والفتيل وتقدم في سورة النساء هنا

فهنا قال الفتيل قدر الخيط الذي في نواة التمرﵣولا تظلمون فتيلًاﵢ فمعنى ولا تظلمون يعني لا تنقصون كما في قوله ولم تظلم منه شيئًا ما معنى ولم تظلم؟ يعني ولم تنقص فالظلم يأتي بمعنى النقص ولا تظلمون فتيلا هذا يحتمل أنه من تتمة ما أمر الرسول أن يقوله أي ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ يا رسول الله لهم متاع الدنيا قليل وقل لهم لا تظلمون فتيلا وقل لهم ولا تظلمون فتيلا لأن بعض العلماء كأبي حيان جعله من الالتفات فقال ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ متاع قَلِيلٌ وَٱلْـَٔاخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا لأنه بعد قوله فلما كتب عليهم القتال فكان حديثا عنهم بالغائب ثم جاء توجيه الخطاب لهم ولا تظلمون

أو أن نقول أنه من تتمة ما أمر الرسول أن يقوله والقراءة الأخرى " ولا يظلمون فتيلا"

﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵘﵗﵜ

ثم قال ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ هذا أيضًا تذكير بالآخرة وبيان أن الدنيا سيفارقها الإنسان حتما ﴿إِلَّا﴾ فلتفارق الدنيا وأنت على الطاعة وأنت عزيز ولا تفارقها وأنت جبان وأنت مبتعد عن طاعة الله وأنت متقاعس عن نصرة دين الله سبحانه وتعالى

﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ وقوله يدرككم الموت وكأن الموت عدو يطارد الإنسان لذلك بعضهم يقول استعارة مكنية يعني المشبه العدو ثم حذف وذكر الآية الموت وجاء ملازم اللوازم وقوله يدرككم عندما نقول هذا قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ ولو كنتم في بروج قالوا هنا وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ منيعة بعيدة عن ساحات القتال كنتم في فالبروج هنا بمعنى القصور منيعة بعيدة عن ساحات المعارك لكن أيضًا ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ الله لكم الموت فإنَّ الموت سيأتيكم كما قال الله ﴿قُلْ إِنَّ ٱلْمَوْتَ ٱلَّذِى تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُۥ مُلَـٰقِيكُمْ﴾

ثم قال ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾

ذهب بعض المحققين من المفسرين إلى أن تتمة هذه الآية ليست خطابا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

فبعد أن قضى الله الحديث عنه وذكرهم قال لماذا تتباطؤون أو لماذا تقولون لما جاء الجهاد الأن؟ هلا تأخر؟

عاد الحديث إلى المنافقين لأن المنافقين هم الموصوفون بقوله ﴿فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وليس أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم

ولذلك ما طلبه أصحاب الرسول كان على سبيل الاستعطاف والاسترحام فكان قوله ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ﴾ قال بعضهم بمثابة الاعتراض بين الكلاميين

ثم قال ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي وأن تصب هؤلاء المنافقين ما لكم ولهم ما لكم ولشأن أولئك؟ أنتم غيرهم أنتم من أصحاب رسول الله فلا تكونوا مثل هؤلاء.

﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا۟ هَـٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ ما المراد بالحسنة هنا؟ المراد بالحسنة هنا ليست طاعة ﴿أَنَّمَا﴾ المراد بالحسنة هنا الرزق ورغد العيش والانعام بمال وولد ونعمة وما إلى ذلك

لذلك قالوا هنا في التفسير وان ينل هؤلاء المنافقين فجعلوا الضمير يعود على المنافقين " ما يسرهم" إذا ما معنى الحسنة؟ ما يسرك من ولد ورزق كثير قالوا هذه ﴿مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ شدة مصيبة في ولد أو رزق تشاءموا من النبي صلى الله عليه وسلم يقول هذه من عندك بسببك يتشاءمون برسول الله صلى الله عليه وسلم فرد الله ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ كل بقدر الله أنا لست مصدر تشاؤم ﴿أَنَّمَا﴾ كل مقدر

﴿فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ إذا الآية ترد عليهم ولذلك جاء التعبير بقوله وأن تصبهم حسنة لأن هذا بتقدير الله رزق، رغد، وجود المطر، وجود تيسير الأولاد، بخلاف ما يجيء من ذكر الحسنة بمعنى الطاعة تجد التعبير من جاء بالحسنة وأيضاً من جاء بالسيئة جاء إذا هو الذي جاء هو الذي فعل الطاعة هو الذي فعل المعصية

﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَـٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وتأمل قوله لا يكادون يفقهون لم يقل لا يفقهون ﴿أَنَّمَا﴾ قال لا يكادون فنفى مقاربة الفقه منهم يعني هم ليسوا يفقهون فقط بل ولا حتى يقاربون من الفقه

﴿يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ فيقال لهم ولا ينتبهون

﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ ٧٩ ﵝالنّساء الآية ﵙﵗﵜ

ثم قال ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾ هذا هو الحكم العام ما أصابك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الإنسان من حسنة؟ ( من رغد من رزق ) ﴿فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ فمن نفسك يعني بسببك لا بسبب الرسول لا بسبب الدين ﴿أَنَّمَا﴾ بسببك أنت كما قال الله ﵣأو لمّآ أصبتكم مّصيبة ٞ قد أصبتم مّثليها قلتم أنّى هذا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﵝآل عمران الآية ﵕﵖﵑﵜ وقال ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾ ﵝالشّورى الآية ﵐﵓﵜ والله كتبها عليكم

لذلك لا تعارض بين الآيتين لأنه قد يقرأ القارئ الآية الأولى فيقول ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ وهنا ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ كيف هذا؟ فنقول وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وهي من عند ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ هي من عند الله لكن أنت السبب إذا الإنسان إذا وقع له مصيبة فهو سبب فيها لكنها مقدرة فلا تعارض بين الآيتين

ثم قال ﴿وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ هذه مهمتك أنت لست مصدر تشاؤم وإنما أنت مصدر رسالة واعلام وبيان وهداية وكفى بالله شهيدا فنكتفي بشهادة الله سبحانه وتعالى

من فوائد الآيات

وجوب القتال لإعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين وذم الخوف والجبن والاعتراض على أحكام الله

الدار الآخرة خير من الدنيا وما فيها من متاع وشهوات لمن اتقى الله تعالى وعمل بطاعته

الخير والشر كله بقدر الله وقد يبتلي الله عباده ببعض السوء في الدنيا لأسباب منها ذنوبهم ومعاصيهم

قال الشيخ حفظه الله :

ويؤكد المعنى الذي ذكرته من أن هذا حديث عن المنافقين بعد الحديث عن بعض الصحابة أن مكة لم يكن فيها النفاق لأن النفاق ﴿أَنَّمَا﴾ ظهر في المدينة بعدما قويت شوكة المسلمين فالمنافقون هم الذين يقولون ويتشائمون برسول الله أما أصحاب رسول الله فقد بذلوا النفس والنفيس ابتغاء مرضات الله وكانوا ينصرون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من فوائد الآيات :

وجوب القتال واعلاء كلمة الله ونصرة المستضعفين وذم الخوف والجبن والاعتراض على أحكام الله قال الله ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ الآية الكريمة

الدار الآخرة خير من الدنيا وما فيها من متاع وشهوات لمن اتقى الله تعالى وعمل بطاعتهﵣقل متع ٱلدّنيا قليلٞ وٱلأٓخرة خيرٞ لّمن ٱتّقى ولا تظلمون فتيلًاﵢ

الخير والشر كله بقدر الله وقد يبتلي الله عباده ببعض السوء في الدنيا لأسباب منها ذنوبهم ومعاصيهم وهذا جمع بين الآيتين ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ كل من قدر الله ومن أسباب هذه المصائب ومن أسباب هذا التقدير ذنوب العباد قال الله سبحانه ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَـٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵙﵗﵜ

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد، فنواصل القراءة في كتاب المختصر في تفسير القرآن الكريم مع التعليق عليه

قال الشيخ حفظه الله :

﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ٨٠ ﵝالنّساء الآية ﵐﵘﵜ

قال الله سبحانه ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ٨٠ﵢ يبين الله سبحانه وتعالى قدر طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأهميتها ووجوبها وأنها لازمة للمؤمنين لا ينبغي لهم أن يعدلوا عنها فبين الله أن طاعة الرسول طاعة له سبحانه

ليس كما زعم هؤلاء المنافقين حين تشاءموا برسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنه ينبغي لهم أن يجدوا السعادة والخير والبركة في اتباعه صلى الله عليه وسلم

﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ﴾ أي ومن اعرض عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اعرض عن طاعة الله وطاعة رسوله فما ارسلناك عليهم حفيظا أي أنت يا رسول الله لست رقيبا عليهم ولست مسؤولاً عن حسابهم فإنَّ حسابهم على الله سبحانه وتعالى

﴿وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ إذا ما معنى حفيظا؟ قالوا هنا فما ارسلناك مراقبا عليه تحفظ أعماله وإنما نحن من يحصي عمله ويحاسبه فمهمة الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ " ما على الرسول إلا البلاغ" هذه مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﵝالغاشية من الآية ﵑﵒ إلى الآية ﵒﵒﵜ

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ ٨١ ﵝالنّساء الآية ﵑﵘﵜ

قال الله بعدها ﴿ويقولون﴾ أن يقول هؤلاء المنافقون بألسنتهم نطيعك نطيع أمرك ونمتثله كان المعنى ويقولون أمرنا طاعة حالنا وأمرنا طاعة نحن نطيع أمرك هكذا يردد المنافقون بألسنتهم وعلى ذلك فعرف من السياق أن الضمير في قوله ويقولون عائد على جماعة المنافقين الذين يقولون ولا يفعلون

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ خرجوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ قالوا هنا في التفسير دبر جماعة منهم على وجه الخفاء إذا ما معنى بيّت؟ أي دبر جماعة منهم على وجه الخفاء بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ غير الذي تقول أين فاعل تقول؟ يحتمل أن المراد ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ " الطائفة التي كانت معك وقالت طاعة " يعني أنهم قالوا أمامك نطيعك ونمتثل أمرك ونحن نكون رهن اشارتك مرنا ونحن أسرع الناس امتثالا ثم بعد ذلك دبروا في الخفاء أننا لن نستجيب له ولن نسمع لكلامه إذا غير الذي تلك الطائفة ولذلك قالوا هنا دبر جماعة منهم على وجه الخفاء خلاف ما اظهروا لك وتكون هي الطائفة ولكن رب العزة عبر عنهم بقوله: بيَّت طائفة منهم

وكان هذا فيه والعلم عند الله إلى أن بعضهم ربما تاب إلى الله فمع ذلك ما حكم على الجميع لعل بعضهم أن يرعوي ويعود إلى رشده بعد أن يسمع هذه التحذيرات وهذه التنبيهات

والمعنى الثاني غير الذي تقول أنت فيكون فاعل تقول هو الرسول صلى الله عليه وسلم يعني بيتوا غير الذي تقول أنت، أنت تقول في جانب وهم يبيتون جانبا آخر أنت تدعو إلى الخير وهم يخططون ويدبرون إلى الشر. ﴿وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ قالوا هنا يعلم ما يدبرون وسيجازيهم على كيدهم هذا ولكن الآية قالت يكتب ففيه معنى زائد فهو علم وكتابة أيضًا ففيه إثبات أن أعمالهم هذه مسجلة ومكتوبة

﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ﴾ لا تلتفت اليهم وتوكل على الله فأنهم لن يضروك شيئًا

وكفى بالله وكيلا أي اكتف بالله واعتمد على الله كما تقدم معنا أن دخول الباء افاد هذا المعنى فيكون في قوله ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ وفيه أيضًا إنشاء، أي أمر بأن تكتفي بالله سبحانه وتعالى وكيلا

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵒﵘﵜ

ثم قال ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ هذا الخطاب أو هذا الحديث أفلا يتدبرون على ما يعود الضمير؟ أيضًا في قوله يتدبرون؟ على المنافقين كما يشهد له السياق فالقرآن يذم أولئك المنافقين الذين يسمعون القرآن أو يقرؤونه دون تدبر وهذا فيه أن كل من قرأ القرآن الكريم يمكنه أن ينال حظا من التدبر وإن كان بعض الناس أعلى درجة من بعض في التدبر لكن ليس كما يزعم بعض الناس فيقول أن التدبر لا يكون إلا لمجموعة مخصوصة لأن الله ذم المنافقين على عدم تدبرهم وهذا معناه أن القرآن من حيث هو ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ لأن يتدبر ثم يتفاوت في درجات هذا التدبر

واصل التدبر من مادة الدبر أو دبر وهي خلف الشيء وآخر الشيء فمعنى التدبر أنك تنظر إلى آخر الكلام وإلى عواقب الكلام ومآلاته فالذي يتدبر القرآن ينظر إلى مقاصد القرآن وإلى اهدافه وإلى مراميه ولذلك فالتدبر يسوق إلى معرفة مقاصد الكلام متدبر وكذلك المقاصد تدعو إلى التدبر فبينهما شيء من الترابط ولذلك قال الشاطبي إ" نما يكون التدبر لمن التفت إلى المقاصد"

قال الله سبحانه وتعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ هذا الاستفهام؟ به الإنكار عليهم والتوبيخ والتعجيب من حالهم وأيضاً حثهم على التدبر ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ هذا ذم لهم وتوبيخ كيف أنهم يقرأون القرآن ولا يتدبرونه وفيه دعوة إلى تدبر

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ على مذهب من يقدر فعلاً قبل الفاء أو كلاما قبل الفاء فيكون المعنى ايعرضون فلا يتدبرون القرآن

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ وقد جاء في القرآن أيضًا ﵣ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ ﴿ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ ﵝمحمّد الآية ﵔﵒﵜ وقال ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا۟ ٱلْقَوْلَ أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ﵝالمؤمنون الآية ﵘﵖﵜ وقال ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ ﵝص الآية ﵙﵒﵜ مطلوب من عموم الناس، ويتأكد على أهل الإيمان لأن العبد كلما تدبر القرآن الكريم :

استبانت له الحقائق

واورثه هذا التدبر اليقين في أن الله واحد لا شريك له وفي أن القرآن حق

أدرك الاهداف والمقاصد المطلوبة منه

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ أي ما الذي حملهم على هذا النفاق؟ ﴿أَنَّمَا﴾ حملهم عليه عدم تدبر القرآن وهذا فيه أيضًا أن من تدبر القرآن حقًّا حسنت أخلاقه بل حسن معتقده لأن المعتقد إذا حسن فإنه يتبعه كل حسن كما هو معروف

قال ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ ولو كان من عند غير الله هنا قال ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ ٱخْتِلَٰفًا كَثِيرًا أي لماذا لا يتدبرون القرآن مع أنَّ القرآن فيه هذه المزية؟ وفيه هذه الخصيصة التي ينبغي لهم أن يشكروا الله عليها فهذا القرآن لو ﴿كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ أن القرآن ليس فيه اختلاف لا قليل ولا كثير

والمراد بالاختلاف هنا قالوا في التفسير لوجدوا فيه اضطرابا في احكامه واختلافا كثيرًا في معانيه إذا معنى الاختلاف الاضطراب والتباين يعني أن هذا القرآن لو كان من عند غير الله لو كان تأليف مخلوق لو كان اختلاق عبد فأن التناقض سيعلوه ولا يسلم منه كما أن كلام البشر لا يسلم من المتناقض لا سيما وأن القرآن نزل مفرقا في مدة بلغت ثلاثا وعشرين سنة

وهذا يعني أن هذا القرآن لو كان من عند غير الله لوجد فيه شيء من هذا الاضطراب ومن هذا التناقض أما القرآن فلأنه كلام الله هو سالم من ذلك

ولذلك في القرآن الكريم من طرق اعجازه ومجالات اعجازه عدم تناقضه أنه لا يوجد فيه تناقض من جهة ولا يوجد تناقض حقيقي بين القرآن والسنة ولا يوجد تناقض حقيقي من القرآن والعقل الصحيح ولا يوجد تناقض بين القرآن وبين الحقائق فكل هذا سلم القرآن من التناقض فيه وكما أن الله سبحانه وتعالى تحدى الخلق بأن يأتوا بسورة من سور القرآن فأن الخلق كذلك لا يمكنهم أن يوجدوا تناقضا في معاني القرآن الكريم ولذلك من الاختلاف المنفي في الآية الاختلاف في المعاني بأن يدعو هذه أو تدعو هذه الآية إلى شيء وتدعو الآية الأخرى إلى شيء آخر فكما أن لفظ القرآن معجز فكذلك ولذلك من الوان الاعجاز في القرآن الكريم هدايات القرآن العامة الشاملة التي لا يخلو منها موضع من كتاب الله سبحانه وتعالى

وإذا كنا نقول أن هناك أنواعا من أنواع الإعجاز هي موجودة في بعض مواضع من القرآن دون بعض كما يذكرون في الحقائق العلمية ما يسمونه بالإعجاز العلمي أن صح التعبير وما يتعلق بالعلم التجريبي فهذا لا يكون في كل الآيات ﴿أَنَّمَا﴾ يكون في بعض الآيات دون بعض وكذلك الأخبار عن الغيبيات هذا ليس في كل الآيات لكن الاعجاز العام في القرآن الكريم يقولون عنه الاعجاز البلاغي أو اللغوي إعجاز القرآن في أسلوبه وفي نظمه

نقول وهناك نوع آخر هو عام في القرآن كله أيضًا هو الاعجاز الهدائي ما يتعلق بهدايات القرآن وعدم تناقض القرآن والاتفاق بين ما دعا إليه القرآن سابقا ولاحقا من أوله إلى اخره ومن فاتحته إلى خاتمته

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ وقوله كثيرًا هنا هذا القيد ليس للاحتراز وإنما هو وصف كاشف كما تقدم معنا مرارا في مواضع كثيرة بمعنى أنه معناه أن القرآن الكريم ليس فيه اختلاف لا كثير ولا قليل لأننا لو ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه قيد للاحتراز لكان المعنى فإذا كان من عند الله ففيه قليل وليس بكثير وهذا خطأ لأن القرآن ليس فيه اختلاف ليس فيه تناقض لا قليل ولا كثير

إذاً هذا الوصف كثيرًا ليس للاحتراز ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ مفهوم يعني ليس له مفهوم مخالفة وإنما هو وصف كاشف لبيان الواقع والمعنى أن كلام الخلق يصيبه من الاضطراب والاختلاف الشيء الكثير لا القليل ولذلك نحن لو اتبعنا اهواءنا فأنت لك هوى وأنا لي هوى وأنت لك رأي وأنا لي رأى، لا شك أننا نتناقض بل أن الشخص نفسه يتناقض يذهب إلى شيء في حين ثم يذهب إلى خلافه في حين آخر وهكذا ومن منا الذي استمر على رأيه طول حياته؟ فضلا عن بقية الأمور التي تتعلق بكلامه وافعاله إلى ذلك

قال ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ فهذه دعوة فهذه دعوة مباركة إلى تدبر القرآن الكريم جعلنا الله من المتدبرين لكتابه،

﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَـٰنَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٨٣ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵘﵜ

ثم قال إذا ﴿جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ هذا الكلام أيضًا وإذا جاءهم أمر وإذا جاءهم على ما على من يعود الضمير في جاءهم إذا نظرنا إلى السياق سنقول أنه أيضًا لمن للمنافقين ويكون المعنى إذا ﴿جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ﴾ قالوا هنا في التفسير إذا جاء هؤلاء المنافقين

" إذا" هنا في المختصر اختاروا أن الضمير يعود على المنافقين بالنظر إلى ﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ﴾ قالوا أمر مما فيه امن المسلمين وسرورهم أو خوفهم وحزنهم افشوه ونشروه مثلًا كما يجري في الأخبار عن السرايا سرية يقال هناك سرية انتصرت وبفضل الله فيتسرعون ويخبرون المسلمين ابشروا ستأتي الغنائم وكذا

مع أنَّ الأمر قد لا يكون كذلك ولا تحتاجون إلى الجهاد ولن تحتاجوا للسفر معهم فربما ثبطوهم بهذا عن الجهاد وعلى الجانب الآخر ربما خوفوهم أوهموهم أن أصحابكم قُتلوا وأن اصحابكم حدث لهم يقع شيء من القلق والحزن على قلوب المؤمنين

لكنهم لو عادوا بهذا الأمر ﴿إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ فحينئذ سيعلمون ما الذي يخبر به وما الذي لا يخبر به إذ إن من الأخبار ما ينقل ومن الأخبار ما لا ينقل فهنا تعليم لهم بأنه لا ينبغي لهم أن يتسرعوا في ذلك وأن مقاصدهم مقاصد سيئة فهم في جانب الأمن حينما يخبرونهم بجانب الأمن لأن الإنسان إذا أمن ربما أدى به ذلك إلى شيء من الكسل وكذلك إذا خوف الإنسان فإنه يصيبه من الذعر والقلق والحزن أو الخوف ما يمنعه من الاستمرار في الجهاد قدما أو في العمل الصالح تقدما

بناء عليه فقوله ﴿وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ﴾ يدخل فيه أيضًا من ولاة الله عز وجل أمرهم كالأمراء على السرايا وبعضهم يقول المراد بهم العلماء وأهل الخبرة والفطنة وأهل الحكمة لكننا إذا نظرنا إلى سبب نزول الآية الكريمة فيما ورد في صحيح مسلم وغيره من حديث ابن عباس في قصة عمر رضي الله عنه حينما قيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلق نساءه فسأل عمر رضي الله عنه رسول الله وسلم عن ذلك حينما صعد إليه في المشربة وقال له أطلقت نساءك؟ قال لا فأخبرهم عمر رضي الله عنه بأن الرسول ما طلق وإنما آل يعني حلف إلا يقرب نساءه شهرا ولم يكن هذا طلاقا فكان عمر رضي الله عنه داخل في قوله ﴿لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ﴾ فهو أحد المستنبطين، الذين تمهلوا وترووا وتثبتوا دونما عجلة فيكون المراد بهؤلاء ليس المنافقين، لأن هؤلاء الأصحاب ليسوا منافقين ويكون هنا انتقال في الحديث، وترون أن الآيات السابقة أيضًا جرى فيها تحول في الكلام حينما اخذنا في اللقاء السابق هناك آيات كان فيها حديث عن المنافقين وآيات كان فيها حديث عن بعض الصحابة.

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ﴾

فوائد من هذا الدرس

دروس مشابهة