سورة النساء — الجزء 4
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
التفريغ النصي الكامل للدرس
إذا ( كيف ) ماذا؟ سؤال عن ماذا؟ سؤال عن حال هؤلاء فكيف يكون حال هؤلاء المكذبين بالرسل؟ كيف يكون حال هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالله ولا باليوم الآخر الذين لم ينفقوا ابتغاء مرضات الله كيف يكون حالهم؟ لكن كما يقولون جاء التعبير بكيف وحذف المستفهم عنه صراحة وهذا فيه تهويل وتفظيع لحال أولئك يوم القيامة
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ فكيف يكون الحال حينما يجيء من كل أمة بشهيد يشهد عليه من رسل الله سبحانه وتعالى ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ إذ يأتي كل نبي شهيداً على امته ويأتي نبينا صلى الله عليه وسلم شهيدا على امته وعلى الأمم كلها صلى الله عليه وسلم
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ﵝالبقرة الآية ﵓﵔﵑﵜ قالوا هنا فكيف يكون الأمر يوم القيامة؟ حين نجيء بنبي كل أمة يشهد عليها بما عملت ونجيء بك ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول على أمتك شاهدا صلى الله عليه وسلم
﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵑﵔﵜ وتقدم معنا ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ أنه إذا جاء اسم الإشارة هؤلاء دون أن يعود إلى مذكور فإن الأقرب أن المراد بهم المشركون أو كفار مكة فقال وجئنا بك على هؤلاء أي هؤلاء الجاحدين لنبوتك هؤلاء الكافرين هؤلاء الكاذبين المشركين ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ فتقدم معنا أن هؤلاء اسم إشارة هذا إذا لم يكن له ما يعود إليه فإنه يعود إلى المشركين على ما قرره بعض العلماء.
وقلنا أن هذه عادة من عادات القرآن الكريم تكررت في مواضع بلغت اثني عشر موضعا حين استقرائها والله أعلم
قال ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ كقول فمال لهؤلاء ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا وغير ذلك مما مضى معنا في سورة الدخان كقوله ﴿إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﵝالدّخأن الآية ﵔﵓﵜ إلى غير ذلك.
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا﴾ ٤٢ ﵝالنّساء الآية ﵒﵔﵜ
قال ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا﴾ ٤٢ ثبت أن نبينا صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه القرآن فقال اقرأ عليك وعليك أنزل يا رسول الله فقال ( إني أحب أن أسمع القرآن من غيري ) فقرأ على النبي صلى الله عليه وسلم صدر سورة النساء حتى بلغ هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ( حسبك ) فنظر فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناه تذرفان بالدم صلى الله عليه وسلم ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يشفق على امته ويحب أن يكون امته على الإيمان وعلى طاعة الله سبحانه وتعالى.
وأيضاً هو بكاء شكر لله أن جعله الله - أن جعله الله في هذه المنزلة الشاهدة على الأمة وعلى الأمم صلوات الله وتسليماته عليه فهو الشاكر الذي يخشى ربه سبحانه وتعالى وقد استدل بعض العلماء بهذه الرواية وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوقف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عند هذه الآية ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ وقال حسبك قالوا هذا يدل على الوقف الكافي وذلك أن الوقوف عندنا على أنواع فهناك وقف تام وهناك وقف كاف وهناك وقف حسن والوقف الكافي للعلماء فيه أقوال وأما الوقف القبيح فهو ممنوع كما هو معروف لكن نقصد أن الوقف الكافي للعلماء فيه أقوال منهم من لا يفرق بينه وبين الحسن ومنهم من يميز بينهما فالذين يميزون يقولون أن تقف وقفا كافيا بأن تقف على ما تم معناه وتعلق بما بعده معنىً لا لفظًا فأنت تقف عليه وإن كان ما بعده يتعلق به من حيث المعنى لا من حيث اللفظ لا من حيث الاعراب، فهنا تمت لو جئنا بك على هؤلاء شهيدا لكن قول ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ﴾ هو من تتمة المعنى من حيث المعنى له تعلق وأن كان المعنى قد تم دونه فلما اوقفه الرسول وسلم على ذلك استدل به على أنه يجوز الوقف بل القطع على الوقف التام الكافي أو على القطع الكافي والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قال ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا﴾ ٤٢ أي لو صاروا ترابا فكانوا سواء هم والأرض كما قال الله ﴿وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ تُرَٰبًۢا﴾ ﵝالنّبإ الآية ﵐﵔﵜ
﴿وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵒﵔﵜ فهنا الجملة تمت ﴿لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ﴾، ثم قال ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا﴾ قالوا هنا ولا يخفون عن الله شيئًا مما عملوا لأن الله يختم على ألسنتهم فلا تنطق ويأذن لجوارحهم فتشهد عليهم بعملهم فهنا قال ولا يكتمون الله حديثا وهناك آيات قال الله فيها ﴿هَـٰذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ﵝالمرسلات من الآية ﵕﵓ إلى الآية ﵖﵓﵜ فتقدم أن العلماء لهم في مثل هذه الآيات اجوبة يجمعون بين هذه الآيات فيقولون أن يوم القيامة يوم طويل ففي بعض المقامات لا يتكلمون بشيء وفي بعض المقامات يتكلمون وينطقون في بعض المواضع لا يسألون وفي بعض المواضع يسألون فحينئذ بين هذه الآيات والعلم عند الله تعالى.
ثم قال الله جل ذكره ﵣيـٓأيّها ٱلّذين ءامنوا لا تقربوا ٱلصّلوة ﴿وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ٤٣ ﵝالنّساء الآية ﵓﵔﵜ
وهنا قد يبدو أن هناك خفاء في المناسبة بين هذه الآية والآيات السابقة فما ذكر الصلاة هنا وذكر السُكر والنهي عن السكر أو قربان الصلاة لمن كان سكرانا ويمكن أن يقال والعلم عند الله أن الله لما ذكر الإيمان وذكر الإنفاق ناسب هذا أن يعرض لشيء يتعلق بالصلاة لأن الصلاة والزكاة قرينتان في كتاب الله سبحانه وتعالى، فبعد أن ذكر الإيمان وذكر به وذكر بالإخلاص وذكر الإنفاق وما يتعلق به جاء ذكر الصلاة فدعا إلى ألَّا نقرب الصلاة ونحن ﴿سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾ حتى يتم للإنسان الخشوع هذا من جهة ويشهد أيضًا للمناسبة هنا سبب نزول الآية الكريمة فقد ورد أن بعض الصحب الكرام ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تحرم الخمر اه كانوا ضيوفا عند أحدهم ثم تقدم بهم عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فقرأ سورة الكافرون فغير فيها دون أن يشعر بسبب هذا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ ﴿لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ وفيه نفي عبادة غير الله فوقع في هناك تردد في أثناء القراءة فأنزل الله سبحانه وتعالى الآية وكان الآية فيها إشارة إلى أن المؤمن ينبغي أن يحافظ على إيمانه وعلى توحيده ذاكرا أو غير ذاكر عامدا أو غير عامد فما من شك أن الخطأ الذي وقع من بعض الصحب الكرام حينئذ ﴿أَنَّمَا﴾ وقع بدون عمد ولم تكن الخمر قد حرمت ومع ذلك نهاهم الله سبحانه وتعالى للحفاظ على التوحيد وكأنه من الأصول العظيمة التي من أجلها حرم الله شرب المسكرات الحفاظ على الاعتقاد لأن الإنسان إذا سكر لا يدري اه إذا سكر لا يدري ماذا قال ولا يدري ماذا يفعل فربما وقع في دينه وربما سب ربه وهو لا يدري وهو لا يشعر فقال يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا﴾ جنبا إلا عابر سبيل حتى تغتسلوا هذه الآية الكريمة هي اه إحدى الآيات التي وردت في شأن الخمر اه وذلك أن الخمر حرمت على سبيل التدريج حرمت على سبيل التدريج وكانت الآية التي فيها الدلالة على التحريم القاطع قول الله.
جاءت في ذلك قول الله سبحانه وتعالى ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٩٠ﵢ ﵝالمَائـِدَة الآية ﵐﵙﵜ لكن سبقتها آيات من هذه الآية ومنها قوله ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ ﵝالبَقَرَة الآية ﵙﵑﵒﵜ ولذلك قال عمر رضي الله عنه حينما نزلت هذه الآية ونزلت آية البقرة قال اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافياً ثم أنزل الله آية المائدة ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ ﴿إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلْأَنصَابُ وَٱلْأَزْلَـٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ لذلك إذا قرأ قارئ هذه الآية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ لا يقول إذا نحن منهيون عن شرب الخمر وقت قربان الصلاة فإذا لم نكن وقت صلاة فإنه يجوز شرب الخمر نقول هذا خطأ ليس مراد ﴿أَنَّمَا﴾ كانت هذه مرحلة من المراحل ثم بعد ذلك جاء التحريم البات والتحريم القاطع لشرب الخمر فقوله ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا﴾ تقربوا السكر باطلاق ﴿فِىٓ أَىِّ﴾ وقت آخر لكن كانت هذه مرحلة من المراحل لذلك قالوا هنا في التفسير وكان هذا قبل تحريم الخمر مطلقا وكان هذا قبل تحريم الخمر مطلقا
لكن يستفاد من الآية أيضًا فوائد منها
أن الصلاة يراد منها الخشوع ليس تأدية الصلاة فحسب لماذا نهاهم الله سبحانه عن قربان الصلاة وهم سكارى قبل تحريم الخمر لأن الصلاة لها شأن آخر الصلاة تقوم على اليقظة تقوم على الخشوع تقوم على توجه القلب والفؤاد إلى الله سبحانه وتعالى
يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا﴾ وأيضاً يقال للمبتلى الذي يبتلى بالخمر وأراد أن يصلي فإذا لم يستطع أن يترك الخمر فلا أقل من أن يدعها عند الصلوات أو قبل الصلاة حتى يتمكن من الصلاة صلاة صحيحة ونسأل الله سبحانه الهداية
قال ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ فينبغي لمن صلى أن يعلم ماذا قال وماذا قرأ في صلاته؟ ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ ولا جنبا؟ يعني قالوا ولا تصلوا وأنتم في حال جنابة ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟﴾ قالوا ولا تدخلوا المساجد في حالها إلا مجتازين دون بقاء فيها حتى تغتسلوا يعني إذا كنتم جنبا فلا تقربوا المساجد بيوت الله سبحانه وتعالى إلا في حالة العبور بأن اضطررت للعبور من المسجد وكان هو الطريق الموصلة إلى الجهة الأخرى فحينئذ يكون هذا من قبيل العبور والاجتياز وليس من باب الإقامة وهذا فيه أنهم فسروا قوله سبحانه لا تقربوا الصلاة أي لا تقربوا مواضع الصلاة لأننا لو فسرنا لا تقربوا الصلاة بالصلاة نفسها فحينئذ لن يفهم هذا المعنى وهو قوله وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ لأن عبور السبيل كيف يكون في الصلاة؟ عبور السبيل في الصلاة ﴿أَنَّمَا﴾ يعبر السبيل في ماذا؟ في مكان الصلاة موضع الصلاة.
ولذا من أهل العلم من قالوا أن الآية جاء فيها ذكر الصلاة وشمل المعنيين الحقيقي والمجازي عند من يثبت المعنيين ولا يرى بأسا بإثباتهما في بعض الأحوال فيكون المعنى ﴿لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ﴾ سُكَٰرَىٰ هذا المراد به الصلاة نفسه وكذا موضع الصلاة وقوله ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ يعني مجتاز في المساجد على سبيل العبور وليس على سبيل الاستقرار أو الإقامة فيها وهذا ما عليه جمهور العلماء لذلك الأئمة الأربعة يرون أنه لا يجوز اللبث أو المكث للجنب وكذا الحائض في المسجد وإنما إذا كان فهو من باب المرور وليس من باب الإقامة.
وأما من اجاز ذلك كابن حزم فإنه تمسك بظاهر الآية وقال المراد بقوله لا تقربوا الصلاة نفسها والمراد بقوله إلا عابري السبيل المسافر فهم فسروا وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ يعني إلا مسافرين فقالوا المسافر هذا هو المراد بقوله سبحانه ﴿إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ لكن رد عليه بأنه لو كان المراد بعابر السبيل المسافر لقال إلا من سبيل ولا يقال عابر السبيل في حق المسافر ثم أن السفر نفسه لا يبيح للإنسان ( أو لا يوجب على الإنسان ) لا يبيح للإنسان التيمم إلا إذا لم يجد الماء " إلا إذا لم يجد الماء" فالسفر في حد ذاته ليس هو المراد ﴿أَنَّمَا﴾ المراد إذا وجدت الجنابة من المسافر فإنه يغتسل وإذا لم يجد الماء فإنه يتيمم.
وبناء عليه فالمسافر والمقيم في هذا سواء فما وجه تخصيص المسألة بالمسافر؟ ولمَ حكمه في ذلك كالمقيم؟ ثم أن كثيرًا من المسافرين قد يتمكنون أيضًا من الاغتسال إذا أجنبوا والجنابة تقع للمقيم وتقع للمسافر فليس هذا مورد تفصيل في هذا والله أعلم. ولا سيما أن الله ذكر بعد ذلك ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ فذكر السفر بعد ذلك فهذا يدل على أنه حكم مختلف والله تعالى أعلم.
ولذلك ورد عن عدد من الصحابة والتابعين كعبد الله ابن مسعود من الصحابة وكذلك سعيد بن المسيب وغيرهم أنهم فسروا الصلاة بمواضع الصلاة
وورد في الباب حديث أني لا أحل لحائض ولا لجنب وقد صححه ابن خزيمة ذكره في صحيحه وكذلك حسنه ابن القطان وأعله آخرون من أهل العلم على كل حتى لا نطيل كثيرًا الخلاف الفقهي الوارد لكن ما فسره بها أصحاب المختصر هنا وقالوا ولا المساجد في حالها إلا مجتازين دون بقاء فيها حتى تغتسلوا هو ما عليه الأئمة الأربعة وعليه جمهور العلماء يشهد له سياق الآية الكريمة لأن المسافرين ذكروا بعد ذلك والله تعالى أعلم
قال الله سبحانه وتعالى بعدها ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ قوله أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ قالوا يعني احدث أحدكم أصل الغائط المكان المنخفض لكن لما كان الإنسان ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يقضي حاجته ذهب إلى مكان منخفض أطلق بعد ذلك على هذا المكان على الخارج من الإنسان في هذا المكان المنخفض الغائط فالأصل في الغائط المكان لكن بعد ذلك أطلق على الخارج أيضًا فصار من يقع منه حدث سواء أكان في مكان منخفض أم لم يكن في مكان منخفض؟ يقال جاء أحدكم من الغائط قال ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ هنا فسروا لامستم بجامعتم النساء وبعض العلماء يفسر الملامسة باللمس فهما قولان قوله تعالى ﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ وممن رجح أو مما يرجح أن المراد بالملامسة هنا الجماع أن التيمم مبيح للنوعين للحدث الاصغر أو رافع للحدث الاصغر والاكبر فالغسل أن التيمم إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أنه رافع مؤقت على ما هو المختار في هذا الباب يرفع الحدث الاصغر والحدث الاكبر فالله سبحانه وتعالى قال أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ هذا هو الحدث الاصغر فلما قال أو لامستم النساء ذكر نظيره وهو النوع الآخر وهو الجنابة فالشخص إذا اجنب ولم يجد ماء ماذا يصنع؟ يتيمم وإذا جاء أحد منكم للغائط ولم يجد ماء ماذا يصنع؟ فيتيمم فالتيمم يستعمل من الحدث الاصغر ويستعمل من الحدث الأكبر وهذا هو الأقرب في فهم الآية والله أعلى.
قال ﴿فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ وقوله فلم تجدوا ماءً جاءت نكرة أيضًا في سياق النفي فهذا يعني أن كل ما يطلق عليه ماء ما لم ينجس فهو ﴿قَالُوا۟ يَـٰصَـٰلِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـٰذَآ ۖ أَتَنْهَىٰنَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ للتطهير قال فتيمموا صعيدا طيبا فسروا هنا الصعيد التراب الطاهر وهو أحد الأقوال في تفسير الصعيد مما يقول الصعيد هو التراب أو التراب الذي له غبار ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ به وجه الأرض عمومًا والطيب قالوا الطاهر
قال ﴿فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ فهذه أركان التيمم مسح الوجه ومعهم النية لأن التيمم مبني على القصد ﴿فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ وهذا يدل على أن مشروعية التيمم من عفو الله ومغفرته لعباده وتخفيفه عليهم كما ورد في قصة " أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه عنها حينما فقدت العقد والتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا واقاموا على التماسه ثم بعد ذلك أنزل الله آية التيمم تخفيفا وتيسيرا على المسلمين"
قال الله بعدها ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵔﵜ
وهذا كلام عن اليهود وهذا انتقال في السورة الكريمة بعد أن تحدثت السورة عن الأحكام والتشريعات وبعض حقوق النساء وحقوق اليتامى وعن أحكام الميراث وعن أحكام الزوجان وعن المحرمات من النساء وعن المعاملة بين الزوجين وإذا وجد خلاف بين الزوجين إلى غير ذلك جاء هنا حديث عن اليهود وحديث عن أهل الكتاب عن ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ فإن قال قائل ما وجه ذلك؟ لعلكم تتذكرون حينما تكلمنا عن سورة النساء وأن سورة النساء تدعو إلى الاجتماع على التوحيد وتبين لنا الاعداء من الداخل ومن الخارج فهي تبين لنا أن اليهود لنا أعداء وأن اليهود يكيدون لنا فعلينا أن نحذر من شرهم وأن نحذر مما يريدون بنا ولذلك بعد ذلك جاء ﴿ٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵕﵔﵜ ولذلك ستستمر معنا الآيات في الحديث عن اليهود أو عن أهل الكتاب من باب التحذير من أن نسلك مسالكهم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵔﵜ وتقدم مرارا أن مثل هذا الاسئلة " الم" استفهام تقريري وهو أيضًا فيه تعجب من حالهم فهو تقليل المخاطَب وفيه تعجب من حال أولئك من أهل الكتاب
والتعبير هنا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ يعني هم ما أوتوا إلا نصيبا من الكتاب فنصيبهم وحظهم من الكتاب قليل لذلك لم يستفيدوا من الكتاب حقًا فها هو القرآن قد جاءهم ومع ذلك فقد كذبوا به فهم أوتوا نصيبا من الكتاب
﴿يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵔﵔﵜ فهم يشترون الضلالة ويقدمون الضلالة على الهدى ولا يكتفون بل يريدون لغيرهم الضلال لأن هؤلاء يكونون على الفساد ويريدون لغيرهم أن يكونوا موافقين لهم حتى يستريحوا نفسياً فإنَّ الضال والذي على طريق المنحرف يحب أن يكون الناس موافقين له فيما هو عليه من الانحراف والله أعلم
من فوائد الآيات
من كمال عدله تعالى وتمام رحمته أنه لا يظلم عباده شيئًا مهما كان قليلا ويتفضل عليهم بمضاعفة حسناتهم
من شدة هول يوم القيامة وعظم ما ينتظر الكافر يتمنى أن يكون ترابا
الجنابة تمنع من الصلاة والبقاء في المسجد ولا بأسا من المرور به دون مكث فيه
تيسير الله على عباده بمشروعية التيمم عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله
قال الشيخ حفظه الله :
من كمال عدله وتمام رحمته أنه لا يظلم عباده شيئًا مهما كان قليلا ويتفضل عليهم بمضاعفة حسناتهم ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵐﵔﵜ
من شدة هول يوم القيامة وعظم ما ينتظر الكافر يتمنى أن يكون ترابا كما قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵒﵔﵜ
الجنابة تمنع من الصلاة والبقاء في المسجد ولا بأس من المرور به دون مكث فيه وذلك في قوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ على قول جمهور العلماء
تيسير الله على عباده بمشروعية التيمم عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله فهذا من تيسير الله سبحانه وتعالى قال ﴿فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءً فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵓﵔﵜ وسيأتينا بإذن الله تعالى في سورة المائدة حديث أوسع عما يتعلق بالتيمم والله تعالى أعلم
قال الله تعالى ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵕﵔﵜ
إذا علم من ذلك أن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا بعض أقوال أولئك من اليهود والنصارى ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ﴾ ٱلْكِتَٰبَ مِن أجل أن نحذرهم وإلا نقع فيما وقعوا فيه والله سبحانه وتعالى يبصرنا بأعدائنا ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵕﵔﵜ فالله ولينا ونصيرنا نسأل الله أن يتولانا.
ثم قال ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵖﵔﵜ
لك أن تقول أن الآية متعلقة بما سبق فقول ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟﴾ يمكن أن يكون بدلا من قوله ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ من الذين هادوا فهم ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ ويمكن أن يقال والله أعلم بأعدائكم من الذين هادوا ويمكن أن " وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ ينصركم عليهم" وهذا يدل على سعة التعبير القرآني الكريم ومجازته فرب كلمة أو جملة تتعلق بمتعلقات كثيرة وكل ذلك مما يزيد المعنى فخامة ويدل على تكثير المعاني المتوافرة والمتكاثرة في كتاب الله سبحانه وتعالى
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1) فهذا معروف عنهم وتحريف الكلم عن مواضعه تحريف لفظي ومعنوي هذا موجود وهذا موجود
قال ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (النساء: 2) هكذا يقولون للرسول صلى الله عليهم وسلم ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟﴾ (النساء: 3) سمعنا قولك وعصينا أمرك ويقولون أيضًا ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ (النساء: 4) اسمع ما نقول لا سمعت!! يدعون على الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يقدرونه ولا يوقرونه ﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰمًا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 5) أيضًا يوهمون بقولهم ﴿وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا﴾ (النساء: 6) أنهم يقولون راعنا سمعك كما تقول فلان راعني سمعك أي أنتبه إليّ وأنصت إليّ واستمع وهم يقصدون بذلك وصفه بالرعونة وهي كما تقدم كلمة سب وتنقيص كما تقدم معنا في قول الله سبحانه ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 104) [ سورة البقرة :104 ].
قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقُولُوا۟ رَٰعِنَا وَقُولُوا۟ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَلِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة: 104) أي : هم يقولون ذلك ليًا باللسان فهو من لي ألسنتهم على النبي صلى الله عليه وسلم ويريدون الطعن في الدين ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: 7) أي : بدلاً من أن يقولوا راعنا، يقولون ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (النساء: 8) أي : انتظر علينا وتأنّ علينا.
ولذلك تقدم أنه من فوائد ذلك أن الإنسان لا ينبغي له أن يقول الكلام الموهم والكلمة التي استعملت استعمالا خطأ فإننا نحذر من استعما لها فلما كان هؤلاء يقولون كلمة ( راعنا ) ويقصدون بها المعنى الفاسد فإنَّ ديننا منعنا من أن نقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نتلفظ بكلمة أخرى بل وأحسن فنقول ( وانظرنا ).
وهنا وجه الله لهم ذلك وقال ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵖﵔﵜ أي فلا يؤمنون إيمانا ينفعهم وتقدم أنه أحياناً ينفى القليل أو يراد بالنفي القليل النفي المطلق أي لا يحصل منهم إيمان أو ايمانهم إيمان قليل في وقت قليل وليس بمستمر وليس بنافعهم.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵗﵔﵜ
ثم قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا۟﴾ وهذا نداء عزيز في كتاب الله سبحانه وتعالى قد جاء في الكتاب العزيز يا أهل الكتاب لكن هنا قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا۟﴾ يعني الكتاب وصل اليكم واقيمت الحجة عليكم به فلماذا لا تؤمنون بهذا القرآن الكريم؟ لماذا تتخلون عن مبادئكم وعمّا في كتابكم
وهنا قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا۟﴾ ومعلوم أنهم لم يؤتوا كل الكتب ولم يؤتوا كل الكتاب بأن هناك كتبا لم يؤتوها والقرآن الكريم هم كذبوا به فليسوا من حملته لكن كما يقال يمكن أن يقال أنه المجاز المرسل كما يسميه أهل البلاغة علاقته الكلية
يعني أوتوا الكتاب والمراد بعض الكتاب أو بعض كتب ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ اردنا بالكتاب جنس الكتابﵣءامنوا بما نزّلنا مصدّقٗا لّما معكمﵢ أي هذا القرآن مصدق لهذا الكتاب الذي نزل أو الذي أتاكم ﵣمّن ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ ﴿نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ﴾ هذا وعيد شديد وتهديد أكيد لهم، ﴿فَأَخْرَجْنَـٰهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ﴾ قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ هذه الأعضاء وهذه الجوارح وهذا الذي يكون في الوجه يجعله الله عز وجل في الادبار لأنه الكتاب ولم يعملوا بما فيه فيكون الجزاء من جنس العمل.
﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَـٰبَ ٱلسَّبْتِ﴾ بأن يطردوا من رحمة الله وكما قال الله ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔينَ﴾ فهذا تحذير لهم ﴿وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا﴾ سبحانه وتعالى يقدر الاقدار ولا يظلم احداً سبحانه ثم مع ذلك فتح لهم باب التوبة فقال ﵣإنّ ٱللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لمن يشآءﵢ ﵝالنّساء الآية ﵘﵔﵜ
وأيضاً فيه التهديد لهم ﴿أَنَّمَا﴾ تفعلون شرك بالله وهذا جرم لا يغتفر إلا بالتوبة النصوح والعودة إلى الله منه
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ٤٨ ﵝالنّساء الآية ﵘﵔﵜ
وقد تكرر صدر هذه الآية في هذه السورة نفسها ﵣ إِنَّ ﴿ٱللَّهَ لَا﴾ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ﴿لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵖﵑﵑﵜ قال هنا ﵣإنّ ٱللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لمن يشآءﵢ ﵝالنّساء الآية ﵘﵔﵜ ما دونه يعني ما هو أقل وما هو أصغر من ذلك فكلمة ( ما دون ) المراد بها الأقل والأصغر وليس الغير لأن الشرك هناك أيضًا غيره لا يغفره الله مثل الكفر ومثل التكذيب ونحو ذلك أو النفاق لأن الذي لا يغفره الله هو الشرك وما كان مماثلا للشرك ونظيرا له أما ما دون الشرك من الكبائر وبقية المعاصي فإنَّ أمرها إلى الله.
ولذلك عقيدة أهل السنة أن مرتكبي الكبائر دون الشرك فإن أمرهم إلى الله إن شاء عفا عنهم وإن شاء عاقبهم لأنّّ الله قال ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ ﵝالنّساء الآية ﵘﵔﵜ وهذه الآية الكريمة كما قالوا في حق غير التائبين يعني ولو ماتوا على الكبيرة فلو أن شخصا مات وهو مرتكب لكبيرة دون الشرك فإنَّ أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه.
وأما قوله سبحانه في سورة الزمر ﴿قُلْ يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾ ﵝالزّمر الآية ﵓﵕﵜ فهناك قال إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا وهنا قال لا يغفر ويغفر نقول لأن قوله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ هناك في سورة الزمر هذا في حق التائبين فمن تاب إلى الله تاب الله عليه ولو كان من الشرك وأما من لم يتب فينظر فيه إن كان من شرك أما إذا لم يكن من الشرك فإنه يعاقب ولا يدخل الجنة وأما إذا كان دون الشرك فأن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه قال ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵘﵔﵜ
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ٤٩ ﵝالنّساء الآية ﵙﵔﵜ
يعلمنا الله سبحانه وتعالى من حال أولئك تعجيب لهم، ألم تر تقرير وفيه تعجيب من حالهم أيضاً، وتوبيخ لهم، يزكون أنفسهم نعم زكوا أنفسهم وقد بين الله بعض مظاهر هذه التزكية كما جاء في سورة البقرة ﴿وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا۟﴾ ﵝالبقرة الآية ﵕﵓﵑﵜ فهم يقصرون الهداية على أنفسهم وأيضاً ﴿وَقَالُوا۟ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ ﵝالبقرة الآية ﵑﵑﵑﵜ اذاً هذا من تزكيتهم لأنفسهم فالمراد بالتزكية هنا الثناء والمدح وليس المراد بالتزكية تطهير النفس فإنَّ تطهير النفس مرغوب فيه ولذلك لا تعارض بين هذه الآية وبين قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ ﵝالأعلى الآية ﵔﵑﵜ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ ﵝالشّمس الآية ﵙﵜ فهذه الآيات قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ هذا الثناء على من زكي نفسه يعني طهر نفسه أما هنا المراد بالتزكية هنا المدح والثناء كقوله ﴿فَلَا تُزَكُّوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ﴾ ﵝالنّجم الآية ﵒﵓﵜ.
قال ﴿بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ﴾ بل هنا اضراب ابطالي ما الذي تفيده؟ بل اضراب ابطال يعني ربنا يقول لستم أهلًا للتزكية ﴿بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ﴾ ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ والفتيل كما قالوا قدر الخيط الذي في نواة التمر هذا الخيط الذي يكون في النواة يقال له فتيل فقال الله ولا يظلمون فتيلا والمعنى لا يظلمون شيئًا قليلا كان أو كثيرًا
﴿ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًا مُّبِينًا﴾ ٥٠ ﵝالنّساء الآية ﵐﵕﵜ
أنظر تعجيب من حالهم ﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾؟ كيف يتجرؤون على الله ويفترون عليه ﴿كَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًا مُّبِينًا﴾ وكفى به أي بذلك الكذب اثما ذنبا مبينا عن ضلالهم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا﴾ (النساء: 51) [ سورة النساء :51 ].
ثم قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا﴾ (النساء: 51) قالوا هنا أنظر الم تعلم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الرسول وتتعجب من حال اليهود فالفائدة هنا أن المراد بهذا الاستفهام فيه معنى التعجيب فهو أيضًا تقرير للرسول وسلم وبيان. لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يكون على علم بحال هؤلاء وفيه أيضًا تعجيب من حالهم لأن الأصل في مثل ذلك التقرير كما قلت ثم تأتي له توابع أخرى
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا﴾ (النساء: 52) قالوا هنا اتاهم الله حظا من العلم يؤمنون بما اتخذوه من معبودات ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾ فجعلوا بالجبت والطاغوت أي المعبودات ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾
وبعضهم يفسرها بالشيطان فيقولون الجبت هو الشيطان والطاغوت الأصنام فالجبت الشيطان والطاغوت الأصنام ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ للجبت والطاغوت المعبودات ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدْعُوا۟ رَبِّى عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّى شَقِيًّا﴾.
ومع ذلك ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾ (النساء: 53) هؤلاء أي من؟ أهل مكة ﴿أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا﴾ يعني من ضلال أولئك اليهود من ضلال هؤلاء الذين أوتوا حظا من العلم أنهم جمعوا بين ضلالين بين
ايمانهم بالشيطان وايمانهم بالمعبودات الباطلة
ودعواهم أن الكفار عبدة الاصنام من أهل الإيمان
ولذلك كانوا يقولون ذلك حينما سئلوا أو سألوا كعب بن الاشرف وغيره عن أنفسهم يعني عن المشركين وH0
من فوائد الآيات
كفاية الله للمؤمنين ونصره لهم تغنيهم عما سواه
بيان جرائم اليهود كتحريفهم كلام الله وسوء ادبهم مع رسوله صلى الله عليه وسلم وتحاكمهم إلى غير شرعه سبحانه
بيان خطر الشرك والكفر وأنه لا يغفر لصاحبه إذا مات عليه وأما ما دون ذلك فهو تحت مشيئة الله تعالى
قال الشيخ حفظه الله :
نعم قالوا هنا في الكلام السابق في المختصر ويقولون مصانعة للمشركين إذا هم حينما قالوا هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا هم يقرون في أنفسهم ويعلمون أن الرسول هو الحق وأنه على الهدى لكنهم يصانعون المشركين فيثنون على عبدة الأوثان ويقولون لهم هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا
أما عن فوائد الآيات
كفاية الله للمؤمنين ونصره لهم تغنيهم عما سواه قال الله ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵕﵔﵜ
بيان جرائم اليهود كتحريفهم كلام الله وسوء أدبهم مع رسوله صلى الله عليه وسلم وتحاكمهم إلى غير شرعه سبحانه وتعالى ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵖﵔﵜ إلى آخر الآية الكريمة
بيان خطر الشرك والكفر وأنه لا يغفر لصاحبه إذا مات عليه وأما ما دون ذلك فهو تحت مشيئة الله ﵣإنّ ٱللّه لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ لمن يشآءﵢ ﵝالنّساء الآية ﵘﵔﵜ
نعم
قال الشيخ حفظه الله :
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا﴾ ٥٢ ﵝالنّساء الآية ﵒﵕﵜ
قال الله سبحانه ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾ هؤلاء الذين آمنوا بالجبت والطاغوت ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵑﵕﵜ يستحقون اللعن والمقت والغضب من الله سبحانه ﴿وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا﴾ لا يوجد ناصر ينصره أو يدفع عنه عذاب الله سبحانه.
ثم قال الله ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ ﵝالنّساء من الآية ﵓﵕ إلى الآية ﵔﵕﵜ
بين الله سبحانه وتعالى لنا بعض خصائص هؤلاء الذين أوتوا الكتاب فحرّفوه فبين أنه من خصائصهم ومن أوصافهم الجمع بين البخل والحسد
وهذا يشعرك بوجه الوصل بينما ذكر الله سابقا من التحذير من البخل والدعوة إلى الإخلاص في الإنفاق وبين ما ذكر الله عز وجل في هذه الآيات من شأن أهل الكتاب لأنه من أبرز صفات اليهود وصفات هؤلاء أنهم يجمعون بين الكذب والبخل والحسد فهذه من اوصافهم
فقال ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ﴾ قالوا هنا ليس ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾ لذلك بعضهم يقول هذا الاستفهام المراد به الإنكار يعني ألهم ﴿نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾ لو كان ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾ ما اعطوا احدا شيئًا ولا التفتوا إليه فالحمد لله أن الله اغنانا من فضله ولم يجعلنا نلجأ اليهم قال ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾ ما المراد بالنقير؟ قالوا قدر النقطة التي في ظهر نواة التمر إذا مضى معنا في الآيات فتيلا وهنا نقيرا فهناك الفتيل الخيط الذي يكون في هذه النواة وهنا قال نقيرا وهي النقطة التي تكون في ظهر نواة التمر لا يؤتون الناس نقيرا وهذا بشدة بخلهم لشدة بخلهم
قال ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ﴾ يعني عندهم حسد فبعضهم يقول أيضًا هذا للأنكار أيضًا يعني بل أيحسدون الناس؟ يعني هذا الذي يقع منهم؟ ما هو حسد للناس؟ ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ المراد بذلك التقرير الذي يتبعه التوبيخ أي بل يحسدون الناس ولذلك هنا في التفسير قالوا مباشرة بل يحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم فجعلوه كأنه من قبيل التقرير لكنه أيضًا فيه توبيخ لهم
بل يحسدون الناس ما المراد بالناس؟ المؤمنون أهل الإيمان محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمؤمنون به ولذلك الناس عام أريد به الخصوص كما تقدم معنا في قوله ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ﴾ ﵝآل عمران الآية ﵓﵗﵑﵜ فمعروف أن كل الناس لا يقولون لكل الناس ﴿أَنَّمَا﴾ قال بعض الناس لبعض الناس وهنا قال أم يحسدون الناس؟ فالمراد يحسدون بعض الناس والمراد بهم المؤمنون عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ أتى محمد صلى الله عليه وسلم النبوة واتاهم المؤمنين الإيمان
﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ يعني لما يحسدون رسول الله؟ أليس كان أنبياء ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾؟ الم يجعل الله سبحانه إبراهيم نبيا وجعل في ذريته النبوة والكتاب؟ فلما الحسد؟ فهم الذين تركوا الحق وهم الذين لم يسيروا على ضرب الأنبياء السابقين ولذلك قال موسى لقومه ﴿يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ ﵝالمائـدة الآية ﵐﵒﵜ لكنه الحسد والحقد
قال ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم من ال إبراهيم أيضًا وآتيناه ملكا عظيما
قال ﵣوءاتينهم ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ ٥٤ ﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ ﵝالنّساء من الآية ﵔﵕ إلى الآية ﵕﵕﵜ وهذا من انصاف القرآن منه من امن به بما أنزل الله على إبراهيم وعلى الأنبياء ومنهم من اعرض عن الإيمان به
وكذلك هذا موقفهم مع النبي صلى الله عليه وسلم فقد كفروا به إلا من هداه الله عز وجل فآمن بالرسول صلى الله عليه وسلم وكفى بجهنم سعيرا
ثم توعد الله الكفار بالنار فقال ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵖﵕﵜ إذا وصلت الجلود إلى الإنضاج والاحتراق فإنَّ الله يبدلهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.
استدلوا بذلك على أن الجلد مركز الإحساس ولذلك لما اكتشف حديثا واثبتوا ذلك وقالوا أنه من الحقائق أن مركز الإحساس في الجلد قالوا أن القرآن دلنا على ذلك سابقا فهذا من إعجاز القرآن الكريم قال ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ولا يلزم من تبديل الجلود أن المعذب غير المعذب لأن بعضهم قال إذا الذي يعذب شخص آخر يقال لا لأن العقل عقله ولأن القلب قلبه والعذاب يعود فلذلك تبديل الجلود لا يعني أن العذاب صار لغيره قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵗﵕﵜ
ما معنى ظلا ظليلا؟ أي ظلا ممتدا كثيفا لا حر فيه ولا برد
كما قال الله ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ ﵝالإنسان الآية ﵓﵑﵜ
ثم قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵘﵕﵜ من المناسبات بين هذا أن هؤلاء من أهل الكتاب خونة وأن هؤلاء خانوا الأمانة فنبينا صلى الله عليه وسلم وذكره والدعوة إلى الإيمان به موجود في كتبهم ولكنهم لم يوفقوا لحمل تلك الأمانة بل خانوها فلذلك قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵘﵕﵜ ومن ذلك الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم وقد أخذ الميثاق عليهم وقد دعوا إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم
﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ﴾ أي لا بالظلم ولا بالجور ﴿إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ﴾ ما يعظنا ربنا سبحانه وتعالى به وعلم من ذلك أن الوعظ فيه أمر أيضًا لأنّّ الله قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ﴾ وما الذي وعظنا الله به في الآية؟ أن الله يأمركم.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵖﵖﵜ فبعض الناس يظن أن الموعظة لا تكون إلا ترغيبا وترهيبا أيضًا الأمر والنهي داخل في الوعظ بدليل هذا والله أعلم ونبينا صلى الله عليه وسلم قد أدى الأمانات إلى أهلها ولذلك لما أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة رضي الله عنه وأراد بعض أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون المفتاح مفتاح الكعبة معهم وأن تكون لهم الحجابة مع السقاية رفض صلى الله عليه وسلم وأعطى المفتاح مرة أخرى إلى عثمان بن طلحة لأنهم كانوا هم المسئولون كانوا هم المسئولين عن ذلك وقال اليوم يوم وفاء وبر صلى الله عليه وسلم
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٥٩ ﵝالنّساء الآية ﵙﵕﵜ
ثم قال الله ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ اختلفوا فيهم منهم من قال المراد بهم الأمراء ولاة الأمر كما فسروا قالوا اطيعوا ولاة أموركم ما لم يأمروا بمعصية ومنهم من قال المراد بأولي الأمر العلماء ولا مانع فأولوا الأمر ولاة الأمر وكذلك العلماء لكن الله لما ذكر طاعة الرسول كرر كلمة اطيعوا وأما في واولي الأمر لم يقل واطيعوا ﴿أَنَّمَا﴾ قال وأولي الأمر منكم قالوا لأن طاعة ولاة الأمر تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولذلك علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿أَنَّمَا﴾ الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ونحن مأمورون بطاعة أولي الأمر في غير معصية الله من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى اميري فقد عصاني ثبت عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم
قال ﴿فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ علم من ذلك أنه إذا لم يقع تنازع فإنه يحتج بما أجمع الناس عليه أهل الإيمان لذلك استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن الإجماع حجة لأنه قال فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ ﴿فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ﴾ وإذا اجتمعتم فهو حجة فخذوا بهذا الإجماع فأن الأمة لا تجتمع على ضلالة
قال فردوه إلى الله والرد إلى الله الرد إلى كتابه والرد إلى الرسول رد إلى سنته صلى الله عليه وسلمﵣإن كنتم تؤمنون بٱللّه وٱليوم ٱلأٓخر ذلك خيرٞ وأحسن تأويلًاﵢ أي ذلك الرجوع إلى الكتاب والسنة خير من التمادي في الخلاف والقول بالرأي وهذا فيه أن إلى الكتاب والسنة طريق الاجتماع فإذا اردنا الاجتماع ونبذ الخلاف إذا اردنا الاجتماع ونبذ الخلاف فعلينا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم
﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ما معنى تأويلا؟ أي عاقبة ومآلا
من فوائد الآيات
من أعظم أسباب كفر أهل الكتاب حسدهم المؤمنين على ما أنعم الله به عليهم من النبوة والتمكين في الأرض
الأمر بمكارم الأخلاق من المحافظة على الأمانات والحكم بالعدل
وجوب طاعة ولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية، والرجوع عند التنازع إلى حكم الله ورسوله تحقيقا لمعنى الإيمان
قال الشيخ حفظه الله :
من أعظم أسباب كفر أهل الكتاب حسدهم المؤمنين على ما أنعم الله به عليهم من النبوة والتمكين في الأرض ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ﴾ ونضم إلى ذلك شدة بخلهم أيضًا فأيضاً شدة بخلهم هذا من أوصافهم
الأمر بمكارم الأخلاق من المحافظة على الأمانات والحكم بالعدل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ وقول الأمانات اعم من أن ورد به الأمانات المعروفة التي هي الودائع فهذا نوع من أنواع الأمانات وإلا الأمانات كل ما اؤتمن الإنسان عليه فيجب أن يؤديه إلى مَن ائتمنه والأمانة قد تأتي بمعنى التكاليف الشرعية عمومًا ﵣ ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ أَنَّهُ ٱسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ فَقَالُوٓا۟ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا عَجَبًا يَهْدِىٓ إِلَى ٱلرُّشْدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦ ۖ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا﴾ ﴿عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ ﵝالأحزاب الآية ﵒﵗﵜ فقالوا الأمانة التكاليف والأوامر والنواهي
وجوب طاعة ولاة الأمر ما لم يأمروا بمعصية، وقد دلت عليه نصوص كثيرة على المرء السمع والطاعة فيما أمر ما لم يؤمر بمعصية فنحن مأمورون بذلك في أحاديث كثيرة عنه عليه الصلاة والسلام على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فأن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة
الرجوع عند التنازع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم تحقيقا لمعنى الإيمان ﴿فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ وقال ﴿وَمَا ٱخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَىْءٍ فَحُكْمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ ﵝالشّورى الآية ﵐﵑﵜ
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًۢا بَعِيدًا﴾ ٦٠ ﵝالنّساء الآية ﵐﵖﵜ
بعد أن أمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بطاعته سبحانه وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم واولي الأمر وأننا حين التنازع ينبغي لنا أن نعود إلى كتاب الله وإلى سنة الصادق رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن الله عز وجل بعد ذلك أن نفرا من المنافقين كانوا لا يراعون هذا الأمر فلا يستجيبون لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتحاكمون إلى شرع الله فلا يتحاكمون إلى الكتاب والسنة بل أنهم ربما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم الله فلا يجدون هذا الحكم موافقا لأهوائهم فما يكون منهم إلا أن يذهبوا إلى بعض اليهود ليسمعوا منهم الحكم وليتلقوا عنهم الشرع وهذا لا ينبغي للمؤمن فالمؤمن يستجيب لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وينقاد لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء وافقت هواه أم لم توافقه فأن المعول عليه هو الشرع لا الهوى فقال الله معجّبا نبيه صلى الله عليه وسلم وهذا فيه تقرير للمخاإذاً كما تقدم معنا مرارا في الاستفهام بألم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ فهو تقرير للمخاإذاً وفي الوقت ذاته فيه توبيخ لهؤلاء المتحدث عنهم ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن الكريم ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ من الكتب السابقة ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ﴾ أي عند التنازع يتحاكمون إلى غير شرع الله
فهنا قالوا في المختصر إلى غير شرع الله مما وضعه البشر فهذا هو الطاغوت لأن أصل المادة مادة الطغيان تدل على مجاوزة الحد فما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فإنه داخل في حد الطغيان وهذا الذي يتجاوز الحد في ترك كتاب الله وحكم الله إلى حكم غيره لا شك أنه بذلك قد طغى وتجاوز الحد فقال ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ﴾ وتأمل هنا قال يريدون أن يتحاكموا ولم يقل يتحاكمون فإرادة التحاكم هذا منهي عنه فضلا عن أن يتحاكم بالفعل وأن ينقاد لغير الشرع حقيقة.
قال ﴿وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ﴾ أي بالطاغوتﵣويريد ٱلشّيطن أن يضلّهم ضللا بعيدٗاﵢ فهذا من اغواء الشيطان لهم
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ ٦١ ﵝالنّساء الآية ﵑﵖﵜ
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم﴾ أي لهؤلاء المنافقين تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ في كتابه وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولذلك هنا قال ﴿تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ﴾ أي تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَـٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا۟ ٱلنَّاسَ وَٱخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ من كتاب الله وإلى الرسول لتتلقوا عنه حكم الله سبحانه وتعالى اقبلوا على رسول الله واسمعوا منه.
﴿رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ ومن عجيب حالهم أنهم ربما تحاكموا إلى مثل كعب بن الأشرف كما ورد في بعض الروايات " وان كانت لا تسلم من مقال" يسمعون له ويستجيبون له ويتركون حكم رسول الله صلى عليه وسلم مع أنه لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم وما هذا إلا من نفاقهم فهذا في جماعة من المنافقين وقال بعضهم في جماعة من منافقي اليهود كما مالوا إليه هنا في المختصر فقالوا المنافقين تناقض المنافقين من اليهود
قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ أي يعرضون عنك اعراضا فهذا معنى الصدود وتقدم معنى قبل ذلك أن مادة الصد " صد" قد يكون مصدرها صداً فيقال صد صداً فيكون المراد بذلك أنه صد غيره واضل غيره وقد يأتي الفعل صد ويكون مصدره صدوداً فيكون معنى صد اعرض في نفسه إذا قد تكون لازمة يقال صد فلان يعني اعرض فلان ويقال صد فلان غيره يعني اضل غيره فهنا قال يصدون عنك صدودا أي يعرضون عنك اعراضا وإلا فقد قال الله في مواضع أخرى ﴿وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرًا﴾ يعني وبصدهم غيرهم
قال ﴿رَأَيْتَ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾
﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ ﵝالنّساء الآية ﵒﵖﵜ
﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ هذا أيضًا فيه تهويل لحالهم ماذا سيقع لهم إذا اصابتهم مصيبة ﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ قالوا هنا فكيف يكون حال المنافقين إذا حدثت لهم مصائب بسبب ما ارتكبوه من الذنوب فقوله فكيف فيه تعجيب من حالهم وتهويل له
﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ يعني بسبب ما قدموه من الذنوب وهذا فيه أن الذنوب تجلب المصائب فمن أسباب المصائب الذنوب والإنسان يبتلى ويصاب بسبب ذنبه كما قال الله ﴿وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ﴾ ﵝالشّورى الآية ﵐﵓﵜ
﴿ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ﴾ ﵝالنّساء الآية ﵒﵖﵜ وقوله ثم هنا التي تفيد معنى التراخي يعني بعد ترو وتفكير يفكرون كيف يبرئون أنفسهم امام رسول الله صلى الله عليه وسلم، يثبتون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن نواياهم حسنة، وهي ليست كذلك فقال ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ﴾ وقال هنا يحلفون بالله ما قال يحلفون فقط لكن يحلفون بالله فهذا من ترويج بهتانهم فهم يحلفون بالله لأن المنافق يؤكد كلامه بالإيمان كما قال الله ﴿ٱتَّخَذُوٓا۟ أَيْمَـٰنَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا۟ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ ﵝالمجادلة الآية ﵖﵑﵜ
﴿يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي ما اردنا بهذا الذي فعلناه إلا إحساناً وتوفيقا وتقدم أيضًا أننا إذا وجدنا " أن" ومعها " إلا" فإنَّ " أن" هنا تكون نافية فيكون المعنى ما اردنا لم نرد إلا الإحسان والتوفيق يعني نحن اردنا الإحسان والتوفيق بين المتنازعين فتركنا قولك ونظرنا إلى قول اليهود وإلى قول احبار اليهود لعل عندهم خفة في الرأي أو لعل عندهم تيسيرا في الحكم أو لعل الحكم يوافقهم وما إلى ذلك " إلا إحسانا وتوفيقا
وهكذا يجري دوما من أهل البدع والضلالات، نريد نحن التوفيق بين المذاهب وبين الآراء فلا يلتفت ماحكم الله وإلى ما شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بل ربما لفق الأحكام وادعى أنه يجمع بين النقل والعقل وهو في الحقيقة مصادم للعقل والنقل ولذلك قالوا هنا في المختصر فأن الإحسان هو في تحكيم شرع الله على عباده الإحسان الحقيقي في تحكيم الشرع لا في تركه
﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا﴾ ٦٣ ﵝالنّساء الآية ﵓﵖﵜ
ثم قال الله جل وعلا ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾ ربنا يعلم حقيقة الأمر حتى وأن حلفوا فحلفهم لا يغني عن الحقيقة شيئًا ولا يغير من الحقيقة شيئًا فقال ﴿أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًا﴾ هنا جمع الله سبحانه وتعالى بين الأمرين أعرض عنهم وعظهم فهذا معناه أن الاعراض ليس معناه ترك الوعظ وإنما المقام الاعراض يعني ليس المقام هنا مقام قتال لأن الله يتولى السرائر ونحن نحكم بالظاهر فهم أن اعتذروا قبلت منهم الاعذار ظاهرا كما H0
دروس مشابهة
- وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا
- سلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم -وقفات مع سورة الفاتحة جزء5 لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
- اجتهد في أن تكون من المقربين واعلم أن الناس متفاضلون
- روائع قرآنية ولطائف تفسيرية - من لطائف القرآن وأسراره في قوله تعالى (خافضة رافعة)
- لمحة في سورة الأنفال (الجزء الثالث)
- لمحة في سورة الفرقان