مكتبة الشيخ الدكتور محمد حامدافتح في المكتبة الكاملة ›

سورة النساء — الجزء 3

التفسير وعلوم القرآن · الدرس 273 من 376 · التفسير وعلوم القرآن

افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)

التفريغ النصي الكامل للدرس

• من مقاصد الشريعة بيان الهدى والضلال، وإرشاد الناس إلى سنن الهدى التي تردهم إلى الله تعالى

قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات

• حُرْمة نكاح المتزوجات : حرائر أو إماء حتى تنقضي عدتهن أيًا كان سبب العدة : لكن إذا كانت أمة في سبي فإنها تعتد بحيضة كما جاء في سبايا أوطاس كما تقدم.

• أن مهر المرأة يتعين بعد الدخول بها، وجواز أن تحط بعض مهرها إذا كان بطيب نفس منها : يعني مهر المرأة يتعين ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ بعد الدخول بها لكن قد يسميه قبل ذلك قال ﴿فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (النساء: 24) ولذلك الرسول حكم بالمهر قال ( بما استحل من فرجها ).

• جواز نكاح الإماء المؤمنات عند عدم القدرة على نكاح الحرائر؛ إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنى : جواز نكاح الإماء المؤمنات ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾؟ إذاً عند عدم القدرة على نكاح الحرائر وهذا في قوله وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا )

• من مقاصد الشريعة بيان الهدى والضلال، وإرشاد الناس إلى سنن الهدى التي تردهم إلى الله تعالى : وهذا في قوله

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ نسأل الله أن يتوب علينا، وأن يهدينا سبل السلام وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، ونقف عند هذا الحد هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال الشيخ حفظه الله

﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 27)

قال الله سبحانه ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 27) وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ بأن يتجاوز عن سيئاتكم ويوفقكم للتوبة، ثم يتقبلها منكم، وذلك أن توبة العبد كما يقول أهل العلم محفوفة بتوبتين من الله للعبد فأنت ما تبت إلا لأن الله تاب عليك فأذِن لك بالتوبة ووفقك لها وإليها؛ فلما تبت قَبِلَ الله توبتك وتجاوز عن سيئاتك ولذلك قال الله سبحانه ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (التوبة: 118) [ التوبة : 118 ] فالله عز وجل تاب عليهم فلما تاب عليهم وفقهم للتوبة فتابوا حينئذ فلما تابوا قبل الله وتجاوز عن سيئاتهم وتوبة الله سبحانه وتعالى تتعدى بـ على وأما توبة العبد فإنها تتعدى بـ«إلى» فالعبد يقال في حقه : تاب إلى الله؛ وأمّا الله جل وعلا فيقال : تاب الله على فلأن وهنا قال ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 27) إذاً نقول : يتوب عليكم تشمل معنيين ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 27) فلذلك يوفقكم للتوبة وأيضاً يتوب عليكم بأن يتقبل منكم تلك التوبة فيتجاوز عن السيئات ويكفر تلك السيئات ويمحوها سبحانه وتعالى.

وفي المقابل ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 27) فالله يريد بكم ولكم الخير لكن الذين يتبعون الشهوات يريدون لكم ﴿أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 27) أن تميلوا عن الحق وعن الصراط المستقيم وعن الهدى لتكونوا من أهل الضلال وقوله ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ (النساء: 27) قالوا هنا في المختصر ( الذين يسيرون خلف ملذاتهم ) فهؤلاء هم الذين يتبعون الشهوات، هناك من أهل التفسير من خص أنواعاً فقال : المراد بهم اليهود، وقال آخرون : المراد بهم النصارى وقال آخرون : المراد بهم المنافقون، والمراد هنا في الآية أعمّ فقوله ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ (النساء: 27) هذا وصف عام فالذين يتبعون الشهوات يريدون لكم أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا وذلكم أن الناقص يسعده أن يكون الناس كذلك ناقصين مثله فالناقص والإنسان المختل الذي لديه خلل في دينه، ولديه تقصير في الطاعة وإقبال على الشهوات يسعده أن يكون الناس مقصرين على ما هو عليه، فلذلك يحب لغيره أن يكون مثله فكما أنه يتبع الشهوات يحب أن يتبع الناس كذلك الشهوات ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ في التكاليف الشرعية لذلك قالوا هنا ( فيما شرع فلا يكلفكم ما لا تطيقون لأنه عالم بضعف الإنسان في خُلقه وخَلقه ) فقوله ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ (النساء: 28) أصل كبير من الأصول العامة : وهي أن الله جل وعلا رفع الحرج عن الأمة، ولذلك تقدم معنا أنه من القواعد الفقهية الكبرى المشقة تجلب التيسير والله قال ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ (الطلاق: 7) وقال ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286) وقال ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78) وقال ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185) وبناء على ما ذكر هنا في التفسير وهو القول المرجَّح أن قوله ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ (النساء: 28) في كل التكاليف فالله لا يكلفنا إلا بما نطيق وإلا فأن بعض المفسرين قد قصر الآية على ما يتعلق بسياقها؛ لأن الله عز وجل ذكر قبل ذلك ما يتعلق بنكاح الأمة عند فقد الحرة ﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍ﴾ (النساء: 25) إلى آخر الآيات فقالوا : هذا في حق النكاح من الأمة عند العجز عن النكاح بالحرة فلذلك خفف الله عز وجل عنا والصحيح أن الآية عامة تشمل هذا وغيره ( وخلق الإنسان ضعيفا في خلقه وخلقه ) وقد ذكر عدد من المفسرين أن ضعف الإنسان ظاهر جداً في أمر النساء، ولذلك بعضهم قال ﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ (النساء: 28) هذا في حق الإنسان تجاه المرأة وقد H0

ثم قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29) هذا نداء من الله سبحانه وتعالى تَبِع هذا النداء النهي عن أكل الأموال بالباطل ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) وقد يقول قائل ما وجه الصلة؟ بين هذه الآية الكريمة والآيات السابقة؟

فالآيات السابقة كان الحديث فيها عن المحرمات من النساء وما يتعلق بالنكاح وما إلى ذلك من هذه الأحكام والأمور كما سبق لكن يُقال : أن هذه الآيات التي جاء فيها عن المحرمات من النساء جاء قبلها حديث عن المواريث، وجاء قبلها حديث عن حقوق اليتامى ومضى قوله سبحانه ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (النساء: 10) بعد أن ذكر الله سبحانه وتعالى النهي عن أكل أموال الناس أو أكل أموال اليتامى ظلمًا وعدوانًا وكذلك قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًا﴾ (النساء: 19) فذكر أيضًا أنه لا يجوز ظلم المرأة ولا يجوز أخذ مهرها، كما قال ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا﴾ (النساء: 20) إلى غير ذلك من الآيات ناسب هذا أن يأتي نهي عام عن أكل أموال الناس بالباطل، بعد أن ذكرت بعض الصور الخاصة التي تتعلق باليتامي، والتي تتعلق بالنساء جاء النهي العام ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) ومعنى قوله ( لا تأكلوا أموالكم ) كما قالوا هنا في التفسير قالوا ( لا يأخذ بعضكم مال بعض بالباطل ) إذاً ما معنى؟ ( لا تأكلوا أموالكم ) يعني لا تأكلوا أموال بعضكم، ولا تأكلوا أموال إخوانكم لأن من أكل مال أخيه كأنما أكل ماله بالباطل، والأصل أن الإنسان له أن يأكل من ماله ما يشاء؛ لكن المراد من هنا ( أن حرمة مال الغير كما أنك تحب أن تحافظ على مالك فحافظ على مال غيرك ولا تعتدى عليه ) وهنا أيضًا لطيفة في التعبير القرآني لأنّّ الله قال ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم﴾ (النساء: 29) عرفنا ابتداءً أن هذا فيه : أن مال الغير كمالك فكما تحافظ على مالك حافظ على مال غيرك وكما تحب ﴿إِلَّا﴾ يأخذ أحد مالك بغير حق فكذلك لتكن معاملتك مع غيرك كذلك هذا وجه، والوجه الثأني أو اللطيفة الثانية هنا في هذا التعبير ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) هذا يجري في أبواب التجارات وفي أبواب الشراكات فيستفاد من ذلك والعلم عند الله أنه لا يجوز لك أن تأخذ مال غيرك بدعوى أن لك حقاً فيه مع أنَّ هذا الحق غير ثابت وهذا يجري في الشراكات كثيراً حينما يكون هناك اشتباه فأنت يشتبه عليك الأمر أهذا حقي أم حق شريكي؟ فحينئذٍ تسوِّل لك نفسك بدعوى أنك شريك له وأن المال مقتسم بينكما فحينئذ تأكل من هذا المال فربنا قال ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) مع أنَّ هذا المال بينكم هذا يدور بينكم لكن فيه اشتباه ليس واضح المعالم أو ليس معك ما يدل على أنه حقك الواضح الجلي؛ فإذا كان الإنسان منهياً عن أن يأخذ المشتبه فيه فلأن يكون منهيا عن أخذ المحرم مما لا شأن له به من باب أولى، فالمال الذي هو خالص لغيرك وليس لك منه شيء لا من شراكة ولا من غيرها لا شك أنه محرم ولا يجوز الاعتداء عليه ولذلك جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن تحريم الدماء ( أن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ) إلى غير ذلك من الأحاديث الثابتة عنه عليه الصلاة والسلام.

قال ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) قالوا كالغصب والسرقة والرشوة وغيرها فهذه بعض الصور التي هي داخلة في معنى الباطل ثم قال ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ (النساء: 29) إلا هنا يقولون أن الاستثناء فيها استثناء منقطع يعني : لكنْ أن تكون الأموال أموال ﴿تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ فلا بأس بالأكل منها لأنه قد يُفهَم المعنى على سبيل الخطأ حينما نقول أن إلا متصلة أو استثناء متصل فقد يَفهَم شخصٌ يقول ( لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً فإذا كانت عن تجارة فحينئذٍ يجوز أكل المال بالباطل ) ومن المعلوم أنه لا يجوز أكل المال بالباطل لا في التجارة ولا في غيرها فلذلك قالوا أنه استثناء منقطع على أن قوله ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ (النساء: 29) فهذا فيه أن الإنسان يأكل عن طيب الخاطر وأما الذي يأكل بالباطل فإنه يأخذ بغير رضا الآخر وبدون علمه قال الله ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً﴾ (النساء: 29) يعني : لكن أن تكون الأموال تجارة وهناك قراءتان إلا أن تكون تجارة يعني : إلا أن تكون أموال تجارة كما قالوا هنا في التفسير ( إلا أن تكون تجارة يعني إلا أن تقع تجارة أو تحدث أو أن توجد تجارة ) فتكون ( كان ) هنا تامة يعني لا تحتاج إلى اسم وخبر أو مبتدأ وخبر حينما تكتفي بمرفوعها كما قال ابن مالك وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفي

معنى ذلك أن ( تجارة ) تكون هي الفاعل أي : إلا أن توجد ﴿تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾؛ لأنه كما في الحديث ( ﴿أَنَّمَا﴾ البيع عن تراض ) ولذلك من الأمور العظيمة المهمة والتي لا بد أن تتوفر في البيع والشراء وجود التراضي فلا بد في العقد أن يقع تراضي بين البائع وبين المشتري قال ﴿عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29) ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29) هذا نهي آخر ( ولا تقتلوا أنفسكم ) ما معنى : ( ولا تقتلوا أنفسكم ) هنا في المختصر مع أنهم في الغالب يقتصرون على قول واحد لكنهم في بعض المواضع يذكرون أكثر من قول ويكون هذا جيداً منهم حينما تتعدد الأوجه وتكون قوية، ولذلك في بعض الأحيان نضيف بعض الأقوال نظراً لقوتها فهنا قالوا ( ولا يقتل بعضكم بعضاً )

إذاً ما معنى ( ولا تقتلوا أنفسكم ) يعني : ولا يقتل بعضكم بعضاً، كما هو في قوله ( لا تأكلوا أموالكم ) يعني : لا يأكل بعضكم مال بعض كذلك هنا ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29) وهذا كثير في القرآن أن يأتي التعبير عن الأخ بالنفس ﴿وَلَا تَلْمِزُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (الحجرات: 11) يعني : لا يلمز بعضكم بعضاً فهنا قال ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29) قالوا ( لا يقتل بعضكم بعضا ) هذا معنى قالوا أيضًا ( ولا يقتل أحدكم نفسه ) إذاً أبقوا المعنى على ظاهره ( لا يقتل أحدكم نفسه ) كان ينتحر ويتخلص من نفسه وقالوا أيضًا ( ولا يُلقي بها إلى التهلكة ) أيضًا من أن معنى ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29) بأن تُلقي بيدك إلى التهلكة ويدخل في هذا أن تعصي ربك سبحانه وتعالى لأن المعاصي تجر إلى الهلكة؛ إذاً : ولا تقتلوا أنفسكم بالمعاصي ولا تقتلوا أنفسكم بإهلاكها ولا تقتلوا غيركم هذا كله داخل في معنى قوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29) ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29)

وهنا قد يقول قائل : ما وجه ذكر ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29) معطوفاً على قوله ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) ولقائل أن يجيب فيقول والعلم عند الله أن أكل أموال الناس بالباطل يجر غالباً إلى القتل فمن أكل أموال الناس بالباطل لكي يستمرئ هذا الأمر ويستمر له ما يريد ويستتب له الأمر قد يتحول الأمر من أخذ أموال الناس بالباطل إلى أن يقتل هذا الذي قد ظلمه فيجمع بين أخذ ماله وقتله وأيضاً فقوله ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29)أي بفعل المعاصي ومن أعظم المعاصي أكل أموال الناس بالباطل فكان قوله ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) وسيلة ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29) وأيضاً يجتمعان في أنهما من المنهيات العظيمة ومن الكبائر الشديدة، فلذلك عطف هذا على ذاك ولذلك قال بعد ذلك :

﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾ (النساء: 30)

وقد استدل بعض الصحب الكرام كعمرو بن العاص رضي الله عنه حينما ولاة الرسول صلى الله عليه وسلم على جيشه ذات السلاسل كما ورد عند بعض أهل السنن وحسنّه بعض أهل العلم حينما ( أجنب وتيمم ولم يغتسل ) وصلى بالناس وعابوا عليه ذلك وسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا فقرأ قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29) فعلى ثبوت هذه الرواية وقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم هذا في أنه رضي الله عنه أخذ ظاهر الآية ( أخذ المعنى الظاهر ) ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29) وهو إذا مارس هذا الغسل في البرد الشديد وهم في القتال وفي السفر ربما أصاب نفسه بالتهلكة فيحمل على هذا المعنى الظاهر وهذا في مواضع كثيرة من القرآن أن يُحمل اللفظ على أكثر من معنى قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (النساء: 29) فكل ما نهأنا الله عز وجل عنه فعلينا أن نجتنبه لأن الرحمة في اجتنابه، وكذلك ما أمرنا الله به فعلينا أن نمتثل فأن الرحمة في امتثاله قال ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾ (النساء: 30)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (النساء: 30) على ما يعود اسم الإشارة ذلك؟ هم هنا قالوا في التفسير ( ومن يفعل ذلك الذي نهي عنه فيأكل مال غيره أو يتعدى عليه بقتل ونحوه عالماً متعدياً ) إذاً ( ذلك ) اسم الإشارة يعود على النهيين المنهي عنهما في الآية الكريمة في قوله ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) هذا شيء والثاني ﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ﴾ (النساء: 29)

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (النساء: 30) أي واحداً منهما أو يفعل كلا الأمرين ﴿عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا﴾ قالوا ( عالماً متعدياً ) ومن المفسرين من جعلوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (النساء: 30) يعود على القتل لأنه أقرب مذكور باعتبار الإفراد؛ وإلا فذلك يصح أن تعود على أكثر من لفظة ﴿لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ﴾ (البقرة: 68) يعني بين النوعين أو بين الفارض والبكر، ومنهم من قال ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَٰلُكُمْ وَلَآ أَوْلَـٰدُكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَآ أَخَّرْتَنِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ (النساء: 30) يعود على المنهيات من أول السورة فكل ما نهى الله عز وجل عنه من أول السورة جاء التعقيب عليه بقوله ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا﴾ (النساء: 30) من مسألة أكل المواريث وظلم النساء، وأكل أموال اليتامى وغير ذلك مما ذكر الله قال ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا﴾ (النساء: 30) عالما متعديا بخلاف الجاهل والغافل والناسي ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ (النساء: 30) يستحق النار، وقد يعفو الله عز وجل عنه كما قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ (النساء: 116) وقد تكررت هذه الآية في سورة النساء مرتين كما سيأتي التنبيه عليها في موضعه بإذن الله تعالى، قال ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾ (النساء: 169) وكان ذلك على الله هيناً لأنه قادر على كل شيء.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1)

هذا أصل كبير عظيم جليل فيه فوائد منها : إثبات أن الذنوب أنواع ومراتب، فهناك ذنوب كبائر وهناك صغائر، وهذه الآية في هذا الباب ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ (النساء: 2) إذاً هناك كبائر تنهون عنها وهي كبائر الذنوب، وهي التي يقال لها الكبائر ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟﴾ (النساء: 3)

قالوا : السيئات المراد بها الصغائر، ولذلك قالوا هنا " إن تبتعدوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون عن فعل كبائر المعاصي مثل الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وأكل الربا نتجاوز عما ترتكبونه من صغائرها "

إذاً ما معنى ( السيئات ) في الآية؟ الصغائر.

وقد تقدم من ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ السيئة وردت في القرآن الكريم على معان : -

1 - فقد جاءت السيئة بمعنى : الشرك كما في قوله ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ (البقرة: 81) [ البقرة : 81 ] فالمراد بالسيئة :الشرك.

2 - وقد تأتي السيئة بمعنى الكبائر ﴿وَمِن قَبْلُ كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ (هود: 78) [ هود : 78 ] الفواحش.

3 - وقد تأتي السيئة والمراد بها الصغائر وهذه الآية دليل على هذا ﴿وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَـٰتِهِنَّ نِحْلَةً ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًٔا مَّرِيٓـًٔا﴾ (النساء: 4) أي : الصغائر، قال بعضهم : ولذلك استعمل معها تكفير السيئات.

ولذلك قالوا : إذا اقترن تكفير السيئات بغفران الذنوب فغفران الذنوب يكون للكبائر وتكفير السيئات يكون للصغائر، وإذا جيء بأحدهما شمل الآخر قال ﴿نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ﴾ (النساء: 31) فمن ثمرات اجتناب الكبائر مغفرة الصغائر، ولذلك الصغائر تغفر أو تكفر بعدة أسباب منها ما جاء في هذه الآية : اجتناب الكبائر، ومنها ما جاء.

ثم قال ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ (النساء: 32)

ولا تتمنوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ المؤمنون مَا ﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لئلا يؤدي إلى السخط والحسد، فلا ينبغي للنساء أن يرتجين ما خص الله به الرجال؛ فأن لكل فريق حظاً من الجزاء بحسبه ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 32) إذا يحتمل أن يكون المراد لا تتمنوا فنيا يؤدي أو يفضي بكم إلى الحسد وليس مجرد التمني لأن تمني أن يكون للإنسان ما للغير من نعمة دون أن تزال هذه النعمة، أو أن تزول هذه النعمة عن الغير هذا ليس بممنوع؛ وإنما الممنوع هو الحسد وهو كراهة النعمة على الغير أو زوال تلك النعمة أو أن يقال أن المراد هنا تمن خاص، وهو أن يتمنى الإنسان ما لا يؤتاه مما يتعلق بتقدير الله سبحانه وتعالى من خلق ونحوه فمثلاً : خلق الله الرجل رجلًا وخلق المرأة امرأةً، وللمرأة خصائص وللرجال خصائص فلا ينبغي للمرأة أن تتمنى خصائص الرجل، ولا ينبغي للرجل أن يتمنى خصائص المرأة فتطلب المرأة وتقول لماذا الرجل كذا وكذا؟ ويقول للرجل لماذا المرأة كذا وكذا؟ فهذا هو الممنوع؟ وهذا الذي فيه ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 32) ويشهد لهذا المعنى الثأني ما ورد في سبب نزول الآية الكريمة من بعض الروايات التي وردت عن أمِّنا أمِّ سلمة - رضي الله عنها - ( ما بال الرجال يغزون والنساء لا تغزو ) ما بال أن ميراث المرأة على نصف الرجل كما جاء في بعضها أو ما بال الرجال يذكر أكثر من النساء وما إلى ذلك فأنزل الله سبحانه هذه الآية ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 32) وإن كانت كثير من هذه الروايات لا تسلم من مقال لكن بعضهم حسنها بالشواهد، الشاهد من ذلك أنه ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 32) يشهد لهذا المعنى الثأني أيضًا سياق ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا۟ ۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ﴾ (النساء: 32) إذاً التفضيل هنا بين الرجال والنساء؛ فالرجال لهم شأنهم والنساء لهن شأنهن فالنساء أو المرأة لها خصائصها والرجل له خصائصه، فلا ينبغي أن يتمنى الرجل خلاف ما جعله الله فيه، وكذلك المرأة ومن هذا المنطلق فالذي يجري في مثل هذه الأيام من الدعوة الجائرة الظالمة الباطلة الساقطة التي هي قائمة على انتكاس الفطر فضلاً عن أنها تفريط في الشرائع من دعوى المثلية وأن الرجل يريد أن يكون امرأة، وأن المرأة تكون رجلاً وما أشبه ذلك من هذا الذي يجري من هذا الخبط وهذا الخلط وهذا البهتان العظيم فهذا لا يرتضيه عقل ولا ترتضيه فطرة ولا يرتضيه شرع.

قال الله ﴿وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ ۚ وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ (النساء: 32) إذا ﴿قُلْنَا يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ أن الآية عامة ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 32) بصفة عامة إذا كان المراد بذلك الذي يفضي إلى الحسد فيكون لهذه الآية صلة بالآيات السابقة لأن ﴿لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) ما الذي يجعل الإنسان يأكل مال غيره بالباطل؟ أنه تمنى أن يكون لديه ما عند غيره فكان الآية بعد أن نهت عن أكل أموال الناس بالباطل ذكرت السبب الذي يُفضِي بالإنسان إلى ذلك، أو أن العطف هنا من باب عطف منهي على منهي : فلما ذكر الله بعض المنهيات ذكر بعض المنهيات الأخرى التي تتعلق بالجأنب القلبي الذي يُفضي إلى معاملات سيئة في التعامل والقتل وما إلى ذلك ثم قال ﴿وَسْـَٔلُوا۟ ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِۦٓ﴾ (النساء: 32) أي : من أراد أن يسأل فليسأل الله دون أن يحسد أحداً ودون أن يعتدي في طلبه ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ (النساء: 32)

ثم قال ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ ۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ (النساء: 33)

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ﴾ (النساء: 33) قالوا هنا ( ولكل واحد منكم جعلنا له عَصَبَة يرثون مما ترك الوالدان والأقربون من ميراث ) إذاً تفسير الموالي : العصبة، وهذا قول كثيرين من المفسرين في معنى الموالي وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فهو لأولى رجل ذكر ) ولذلك عندنا العصبات : كل صاحب فرض يأخذ فرضاً ثم أن بقي شيء فأن العصبات يأخذون هذا الباقي الأقرب فالأقرب، فقال ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ﴾ (النساء: 33) عصبات ﴿مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ﴾ (النساء: 33) ثم قال ﴿وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (النساء: 33) قالوا ( والذين عقدتم معهم الإيمان المؤكدة ) انعقدت أيمانكم : يعني عقدت معهم الإيمان على الحلف والنصرة لأنه كان في البداية هناك شيء اسمه : التناصر أو كان هناك التوارث بالحلف بمعنى : أن يقول له بنائي بناؤك وهدمي هدمك وأنا معك وارثك فيتناصرون ويحلف الواحد منهم مع الآخر على أنه يكون نصيره أمام أي عدو وأنه يقف بجانبه في كل ضائقة وما إلى ذلك ثم بعد ذلك يتوارثون على هذا التناصر، على هذا الحلف وعلى هذا الذي وقع بينهم وكان هذا في بادئ الأمر ثم نسخ قال بعضهم : نسخ بقوله سبحانه ﴿وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَـٰبِ ٱللَّهِ﴾ (الأحزاب: 6) فقالوا هذه هي الآية التي نسختها ولذلك قالوا هنا في التفسير ( والتوارث بالحلف كان في صدر الإسلام ثم نسخ ) وبناء عليه فهم يرون أن هذا الجزء من الآية ﴿وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (النساء: 33) قبل نسخه ومن أهل العلم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ : ليس الأمر كذلك وإنما المراد ﴿فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ليس من الميراث وإنما يدخل في باب الوصايا ولا من باب الميراث، وحينئذ لا نسخ، وبعضهم جعل ﴿فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ليس من باب الميراث أصلاً وإنما من الأبواب الأخرى من باب النصرة والإعانة والنصيحة؛ إذاً المراد بذلك الوفاء بما عقدتم به الإيمان من مناصرة ونحو ذلك.

وبعضهم قال ﴿وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ (النساء: 33) جعلوا عقد اليمين هنا الأزواج أن صار بينكم عقد بالزواج فقالوا ﴿فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ للإشارة إلى حق الزوجة؛ وأن كان بعض العلماء قد طعن في هذا القول وللتفصيل هذا كلام كثير، ثم قال الله ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ (النساء: 33) نعم.

من فوائد الآيات

سعة رحمة الله بعباده؛ فهو سبحانه يحب التوبة منهم، والتخفيف عنهم

حفظت الشريعة حقوق الناس؛ فحرمت الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض، ورتبت أعظم العقوبة على ذلك

الابتعاد عن كبائر الذنوب سبب لدخول الجنة ومغفرة للصغائر

الرضا بما قسم الله، وترك التطلع لما في يد الناس؛ يُجنب المرء الحسد والسخط على قدر الله تعالى

قال الشيخ حفظه الله من فوائد الآيات

• سعة رحمة الله بعباده؛ فهو سبحانه يحب التوبة منهم، والتخفيف عنهم ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ (النساء: 27) وأما أهل الشهوات فإنما يريدون بهم ضلالًا عن الهدى ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 27)

• حفظت الشريعة حقوق الناس؛ فحرمت الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض، ورتبت أعظم العقوبة على ذلك : ولذلك قال الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ (النساء: 29) الآية إلى أن قال ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ (النساء: 30) وهذا وعيد شديد.

• الابتعاد عن كبائر الذنوب سبب لدخول الجنة ومغفرة للصغائر : قال ﴿إِن تَجْتَنِبُوا۟ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ﴾ (النساء: 31)

• الرضا بما قسم الله، وترك التطلع لما في يد الناس؛ يُجنب المرء الحسد والسخط على قدر الله تعالى. ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 32) الآية الكريمة نعم.

قال الشيخ حفظه الله

قال الله سبحانه ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء: 34)

هذه الآية الكريمة مناسبة للآيات السابقة لقوله سبحانه ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا۟ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 32) فبين الله سبحانه وتعالى ما الذي فضل به بعضنا على بعض؟ فقال ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 34) وهنا قال ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ ۚ وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء: 34) قالوا هنا ( يرعون النساء ويقومون على شؤونهن ) إذاً المراد بـ قوام : راعي المرأة الذي يقوم على شؤونها ليس المراد بأنه قوّام أنه له قوامة أو أن له سلطة استبداد وقهر؛ وإنما هي قوامة رعاية، وهذا معنى القوام ومعنى التقويم وفيه معنى التعديل فقال ﴿قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ (النساء: 34) قالوا هنا ( بسبب ما خصهم الله به من الفضل عليهن ) قال كثيرون أي : في الخلق فالرجل أعطي قوة، ولذلك يصمد في مواضع القتال والشجاعة والإقدام، ولذلك لم تؤمر المرأة بالجهاد؛ وإنما كان الجهاد على الرجال لمناسبته لهم فقال ﴿بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ (النساء: 34) أي : من قوة وجسارة ﴿وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ﴾ (النساء: 34) فالرجل يخرج من أجل الكسب فيكون معه المال ينفق، وهذا فيه أن الرجل هو المسؤول عن النفقة، ولذلك الآية ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 34) وإن كان محمل الكثيرين من أهل العلم على أنها في الزوجين أو في الأزواج إلا أن بعضهم عممها، فلذلك الرجل إذا كان أباً فهو المسؤول عن أولاده، وإذا كان زوجاً فهو المسؤول عن زوجته، وكذلك مسؤول عن أخته إذا لم يكن لها زوج أو إذا لم يكن لها أب وهكذا، قال ﴿وَبِمَآ أَنفَقُوا۟ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ ۚ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 34) قالوا ( والصالحات من النساء مطيعات لأزواجهن ( لذا فسروا القانتات : بالطائعات، وهذا من معاني القنوت، فالقنوت يأتي بمعنى الطاعة ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ (الأحزاب: 31) [ الأحزاب : 31 ] القنوت يأتي بمعنى الطاعة ﴿قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 34) أي : حافظات لهم في غيبتهم، ولذلك من صفات المرأة الصالحة أنه إذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله، فهذا من صفات الصالحات قال ﴿حَـٰفِظَـٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 34) قال كثيرون ﴿بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 34) أي : بسبب حفظ الله لهن فلذلك قالوا أن - ما - هنا مصدرية فمعنى ( بما حفظ الله ) يعني : بحفظ الله أي : المرأة لما كانت حافظة؟ لأن الله حفظها ( بما حفظ الله ) أي : بحفظ الله لهن لذلك قالوا هنا في التفسير ( بسبب توفيق الله لهن ) ولذلك الموفقة من وفقها الله كما أن الموفق من وفقه الله، وهذا أيضًا لأنَّها حفظت الله فمن حفظت الله جل وعلا وأطاعته حفظها الله وجعلها محصنة إلا على زوجها، وجعلها متقية ربها وتخاف على زوجها وتراعي حرمته فقال ﴿بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 34) هناك قراءة أخرى متواترة ﴿بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ (النساء: 34) قال بعضهم أي : بما حفظنَ الله أي : لأنَّها حفظت الله يسر الله عز وجل لها أن تكون حافظة لزوجها أيضاً، فيكون فيها هذا المعنى، بعضهم قال يعني " بما حفظنَ " ثم حُذِف الضمير النصف ومعنى المراد الجمع وأقيم المفرد مُقامه فقال : بما حفظ الله أو بحفظهن الله يعني : لأن بسبب حفظهن الله فهن أيضًا حافظات فللزوجة أنها تعلم أنه من تمام حفظ الله أن تحفظ زوجها، ولذلك : ( إذا صلت المرأة خمسها وصامت شهرها وأطاعت زوجها وأحصنت فرجها قيل لها ادخلي ﴿مِنْ أَىِّ﴾ أبواب الجنة الثمانية ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ شئت )

قال ﴿وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (النساء: 34) قالوا هنا ( واللاتي تخافون ) ففسروا تخافون أبقوها على ما هي عليه وأن كان بعض المفسرين يفسرون ( تخافون ) هنا بـ : تعلمون فيقولون الخوف يأتي بمعنى العلم، يعني : واللاتي تعلمون أو أن يكون قريباً من العلم بأن يغلب على ظنه من بعض الحركات التي تقوم بها، وبعض الأفعال والأقوال التي تظهر منها ما يدل على ترفعها عليه قال ﴿وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (النساء: 34) قالوا : ترفعهن عن طاعة أزواجهن في قول أو فعل فالنشوز معناه : الترفع والتأبي على طاعته، ولذلك قال الله ﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُوا۟ فَٱنشُزُوا۟﴾ (المجادلة: 11) يعني : قيل لهم قوموا وارتفعوا عن أماكنكم للجهاد أو بأمر من أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، قال ﴿وَٱلَّـٰتِى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ (النساء: 34) ترفعهن عن طاعة الزوج بأن تكون متأبية عليه عاصية له ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ فابدأوا بالوعظ بتذكيرهن وتخويفهن من الله بالعظة والتذكير بما جعل الله عز وجل للزوج من حق على زوجته، وأن تتقي الله سبحانه، وبالدرجة التي جعلها الله له وللرجال عليهن درجة، وأنها إذا أطاعته فلها كذا وكذا، وإذا عصته فعليها كذا وكذا، وما إلى ذلك ﴿وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ﴾ (النساء: 34) قالوا ( فأن لم يستجبن فاهجروهن في الفراش ) إذاً حمله هنا أهل المختصر على أنها على سبيل الترتيب وهذا ما عليه الأكثر فقالوا : وأن كان وأو العطف من حيث هي لا تقتضي الترتيب؛ لكن قالوا أن الأصل في ذلك أن يُبدأ بالأخف فالأخف الوعظ ثم بعد ذلك الهجر في المضجع، واهجروهن في المضاجع قالوا ( فاهجروهن في الفراش بأن يوليها ظهره ولا يجامعها ) فيكون هذا من الهجر في المضجع ليس أن يخرج من البيت، ويترك البيت، وإنما يكون معها ولكن يهجرها ولا يجامعها فحينئذٍ يوليها ظهره فتجد في نفسها لماذا يتركني؟ ولماذا لا يكلمني؟ ولماذا يفعل كذا وكذا؟ فحينئذٍ تتراجع هذه المرحلة الثانية بعضهم قال ( واهجروهن ) من الهجر بأن يقول لها قولاً شديداً بأن يغلظ لها في القول فيبدأ بالقول الخفيف الوعظ، ثم يكون القول الذي فيه غلظة هكذا قال بعضهم، والذين فسَّروه بما فسَّروه هنا بالهجر في الفراش ناسبه قوله ( في المضاجع ) فقالوا :هذا هو المناسب لقوله ﴿فِى ٱلْمَضَاجِعِ﴾ (النساء: 34) قال ﴿وَٱضْرِبُوهُنَّ﴾ قالوا : هذه المرحلة الثالثة ( فأن لم يستجبن فاضربوهن ضرباً غير مبرِّح ) كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( فاضربوهن ضربا غير مبرح ) هذا الضرب الذي لا يؤذي والذي لا يسيل دماً ولا يكسر عظما وقد فسره بعضهم من الرواة قالوا : بالسواك ونحوه بالسواك وليس بما يجري الأن من كسر مما يجري من أذى كما هو معروف، ولذلك قال بعضهم : هذه الأوامر الواردة في الآية على سبيل الإباحة ليس على سبيل الوجوب ـ، يعني ليس معناه : أنه يتجه إلى الضرب حتماً ليس هذا بلازم، ولذلك من هذا المنطلق ذهب بعضهم : إلى أن المباح قد يُقيَّد إذا كانت هناك مصلحة تقتضي بمعنى إذا عرفنا أن هذا الإنسان أو أن هذا الشخص لا يُعرَف عنه إلا الأذى ولا يعرف عنه إلا العصبية الشديدة، ولا يعرف عنه إلا القهر الشديد، فهذا لا نقول له ( اضربوهن ) لأنه لا يعرف من الضرب إلا إسالة الدم وإلا الكسر؛ فيكون الإفساد أكثر من الإصلاح لكن كحكم عام هذه المراحل الثلاثة التي ذكرها الله سبحانه وحينئذ لا نحتاج إلى تكلف من تكلف في التفسير فيفسر الضرب بغير المعنى المشهور والمعروف من معنى الأصل ابقاء اللفظ على ظاهره في اللغة لكن بهذه الضوابط التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم ضرباً غير مبرح، وبهذه القيود التي نص عليها بعض العلماء.

قال ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 34) استجابت المرأة لزوجها وأطاعت ﴿فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 34) قال بعضهم : فأن أطعنكم ولو كانت في حقيقة الأمر لا تحب زوجها لأن بقاء الحياة الزوجية قد يكون بوجود المحبة وقد يكون مع انتفائها لكن مع وجود الرحمة فقد قال الله ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19) فأثبت أنه قد تكون هناك كراهية، ومع ذلك يجعل الله فيه الخير الكثير، فبعض الناس مثلاً امرأته أطاعته وأجابته إلى الفراش وأجابته إلى طلباته ولكن مع ذلك هو يصر عليها إلا أنها تعلن بقلبها وجوارحها : أنها تحبه وتذوب في حبه وما إلى ذلك وهي لا تتحمل هذا ولا تطيقه؛ لكنها تحاول قدر الإمكان أن ترضيه وأن تقضي له حاجاته وأن تجعله يُعأن على إعفاف نفسه وغض بصره وتقضي له مطالبه أو احتياجاته الأخرى من طعام وشراب هذا يكفيها؛ لكن أن زاد الأمر ودخلت المحبة فهذا لا شك أفضل وهذا هو المرتجى لكن هذا يقدر بتقدير الأمر والله أعلم قال ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ (النساء: 34) يعني " فلا تعتدوا عليهن بظلم أو معاتبة ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء: 34) هذا تذكير وهذا الختام مناسب جداً لمعنى الآية يعني : إذا بغيت عليها وظلمتها ظناً منك أنك أعلى وأنك أكبر فالله أعلى وأكبر لذا قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء: 34) هو أعلى منك هو أكبر منك فلا تغتر بنفسك ولا تتقوى عليها بدعوى أنك أكبر وأعلى.

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء: 35)

قال ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (النساء: 35) قالوا هنا في التفسير ( وإن خفتم يا أولياء الزوجين ) إذاً الخطاب لمن؟ لأولياء الزوجين، بعضهم قال : لولاة الأمر وإن خفتم يا أولياء الزوجين أو لولاة الأمر شقاق بينهما بين الزوجين ولم يتمكن أو لم يقع الإصلاح بينهم لـأن الأصل إذا وقع إصلاح بين الزوجين فهذا هو الأصل؛ فإذا جلس الزوج مع زوجته واستطاعا أن يُذيبا وأن يُزيلا ما بينهما من مشكلات فهذا هو الأصل؛ لكن إذا لم يستطيعا ذلك فحينئذ يتدخل أولياء الأمور أو يتدخل ولي الزوجين، قال ﴿فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ (النساء: 35) رجلاً عدلاً من أهل الزوج ورجلاً عدلاً من أهل الزوجة ليحكما بما فيه المصلحة من التفريق أو التوفيق بينهما والتوفيق أحب وأولى وسماه الله عز وجل ( حكما ) فقال ﴿حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ (النساء: 35) لذلك العلماء اختلفوا في حكم هذين الرجلين إن رأيا بعد سماع الكلام من الطرفين : الفراق قالوا يلزم الفراق لماذا؟ لأنهما حكمان سمهما الله عز وجل بحكمين فحكمهما نافذ، ونقل بعضهم الإجماع على أن حكمهما نافذ في الإصلاح ثم اختلفوا في حكمهما في الفراق ونسب بعضهم إلى الجمهور أن قولهم نافذ أيضًا في ذلك﴿فَٱبْعَثُوا۟ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِۦ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا﴾ (النساء: 35) على من يعود الضمير؟ قالوا : ( فأن أراده الحكمأن ) فهذا فيه أن قوله ﴿إِن يُرِيدَآ﴾ (النساء: 35) أي : الحكمأن وبعضهم يقول أن يريد أي: الزوجان، إذا يحتمل الاحتمالين لكن قالوا هنا في التفسير ( فإن أراده الحَكَمَان وسلكا الأسلوب الأمثل إليه يوفق الله بين الزوجين ) باعتباره أنه الأقرب حكما من أهلها يريد أي : الحكمين ( الحكمأن وسلك الأسلوب الأمثل إليه يوفق الله بين الزوجين ويرتفع الخلاف بينهما ) وهذا فيه أن نية الإصلاح ينبغي أن تَسبِق المُصلِح؛ فالمصلح حين يذهب للإصلاح ينبغي أن يُصلح نيته وأن يُخلص عمله فيما يطلب، ويصبو إليه؛ فأن إصلاح نيته عون كبير على إتمام الأمر على خير، قال ﴿يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (النساء: 35)

ثم قال ﴿وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: 36)

قالوا هذه حقوق عشرة أجمع عليها أهل الملل أو اجمعت عليها الكتب السابقة والشرائع السابقة فكلها دعت إلى ما دعت إليه هذه الآية الكريمة ﴿وَٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾ (النساء: 36) الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك ﴿وَلَا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾ (النساء: 36) أي شيء قليلاً كان أو كثيراً صغيراً كان أو كبيراً ﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ الأمر بالإحسأن إلى الوالدين واقتران الإحسان بالوالدين بالتوحيد، هذا كثير في القرآن ﴿أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوَٰلِدَيْكَ﴾ (لقمان: 14) ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا۟ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ (الإسراء: 23) قال ﴿وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ قالوا ( أحسنوا إلى الأقارب واليتامى وذوي الحاجة ) هذا تفسير لمن؟ للمساكين إذاً : إحسان إلى الوالدين، إحسان إلى الأقارب إحسان إلى اليتامى، إحسان إلى المساكين ذوي الحاجة ﴿وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ (النساء: 36) الجار ذي القرابة القريب منك قال بعضهم : القريب منك نسب وأول قريب منك مكانك، فيدخل في ذلك الجار القريب والجار القريب في المكان أيضًا من حيث أنه هو قريب من الأقارب أو أنه قريب منك في المكان؛ فإذا اجتمع فيه الأمران فهو صاحب حق أكثر وأعظم ولذلك بعضهم يقول : هناك حق الإسلام، وحق الجوار وحق القرابة كما هو معروف قال ﴿وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ﴾ أصل مادة الجنب معناها : البعيد، ومنه قيل للجنابة جنابة لأن صاحبها يبتعد عن كثير من أبواب الطاعات التي يشترط لها الطهارة فقال ﴿وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ﴾ (النساء: 36) يعني البعيد إذاً : الجار الذي لا قرابة له قال هنا ( الجار الذي لا قرابة له ) ﴿وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنۢبِ﴾ قالوا ( الصاحب المرافق لكم ) بعضهم قال : المرافق لك في العمل أو المرافق لك في السفر، وما إلى ذلك ﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ المسافر : الغريب الذي أنقطعت به السبل، قال ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ (النساء: 36) وأحسنوا إلى مماليككم إذاً هذه حقوق متكررة، وجاء الترغيب فيها وبيان وجوب الإحسان أو بيان استحقاق الإحسان لهم في كثير من المواضع القرآنية، وكما قلت هذا مما اجتمع عليه أهل الملل أو اجتمعت عليه الشرائع ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: 36) لذلك بعضهم يقول هذه حقوق عشرة وهناك الوصايا العشر، وذلك ما جاء هناك في قوله ﴿قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا ۖ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَوْلَـٰدَكُم مِّنْ إِمْلَـٰقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (الأنعام: 151) إلى آخر الآيات الكريمة قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: 36) قالوا ( معجباً بنفسه متكبراً على عباده ) هذا هو المختال جمع بين الأمرين : الإعجاب بالنفس والتكبر على العباد والفخور مادحاً لنفسه على وجه الفخر على الناس.

﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 37)

﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 37) يبخلون بالمال، ويبخلون بما أعطاهم الله إياه ﴿وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾ (النساء: 37) لا يكتفون بأنهم بخلاء بل يأمرون الناس بذلك قال ﴿وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ﴾ (النساء: 37) من الرزق والعلم وغيره، فلا يبينون للناس الحق بل يكتمونه ﴿وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 37) وهذه من صفات الكفار، ومع ذلك لم يقل : ( وأعتدنا لهم ) لما قال ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ (النساء: 151) فنص على الكافرين، وبين بذلك أن هذا من صفات أو أن هذه المذكورات من صفات الكفار فلا تكون مثلهم نعم.

من فوائد الآيات

• ثبوت قِوَامة الرجال على النساء بسبب تفضيل الله لهم باختصاصهم بالولايات، لذلك قال ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ (النساء: 34) ويشهد لهذا قوله ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: 228) قالوا : المراد بالدرجة درجة القوامة وبسبب ما يجب عليهم من الحقوق، وأبرزها النفقة على الزوجة : ولذلك قالوا إذا امتنع الرجل عن الإنفاق على الزوجة فأن للمرأة أن تطالب بالطلاق، وأن كان بعضهم يقول : أنها تصبر قدر استطاعتها فأن عجزت لها ذلك أن تقول له : أنفق أو فارق، وذلك لأن هذا حقها وهو مطلوب منه.

• التحذير من البغي وظلم المرأة في التأديب بتذكير العبد بقدرة الله عليه وعلوه سبحانه : لذلك قال ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا۟ عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء: 34)

• التحذير من ذميم الأخلاق، فهذه كلها من ذميم الأخلاق الكبر والتفاخر ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (النساء: 36) وجدير بالعبدد أن يتأمل كل الصفات التي وردت في القرآن الكريم معها : أن الله يحب أن الله يحب، فإذا وجد العبد أن الله يحب بحث عن هذه الصفات التي يحب الله أصحابها، وسعى في أن يكون من أهلها جعلنا الله عز وجل أهلاً لمحبته وإذا قرأ : لا يحب فإنه يحذر من هذه الصفات، ومن هؤلاء الذين يبغضهم الله ولا يحبهم نسأل الله سبحانه أن يُحبِّنا، وأن يرضى عنا قالوا كالكبر والتفاخر والبخل وكتم العلم وعدم تبيينه للناس ولذلك قوله ﴿وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ﴾ (النساء: 37) هذا عام لذلك قالوا يكتمون ما آتاهم الله من فضله من الرزق والعلم وغيره، فهذا يدخل في هذا كله،

قال الشيخ حفظه الله :

قال الله سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُۥ قَرِينًا فَسَآءَ قَرِينًا﴾ ٣٨ﵢ

قالوا هنا في المختصر ( وهيأنا العذاب كذلك للذين ينفقون أموالهم من أجل أن يراهم الناس ويمدحوهم وهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم ولا بيوم القيامة ) إذا قوله سبحانه ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ معطوف على ما سبق فالله عز وجل قال ﴿أَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ بين أنه أيضًا أعدَّ العذاب لهؤلاء الذين ينفقون أموالهم رياء الناس لأن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا فريقا يبخلون ويأمرون الناس بالبخل وهذا فريق ينفقون أموالهم لكن إنفاقهم المال ليس على الوجه الصحيح ﴿أَنَّمَا﴾ يقصدون من الإنفاق رئاء الناس وهم مع ذلك ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾ ﴿وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُۥ قَرِينًا فَسَآءَ قَرِينًا﴾ علم لذلك أن لهؤلاء قرناء أو أن الشيطان قرينهم لأنه هو الذي جعلهم يراؤون ﴿ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ﴾.

ثم قال ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾

قوله ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ هذا الاستفهام المراد به التوبيخ والإنكار عليهم من جهة ومن جهة أخرى فيه تحريض لهم وتشجيع وتحفيز لهم بأن يعملوا عقولهم، ما الذي يمنعهم من الإيمان بالله واليوم الآخر؟ هل أمروا إلا بما فيه منفعتهم؟ فربنا يقول وماذا عليهم؟ ماذا يُضيرهم؟ وما الذي يمنعهم؟ من أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر وأن ينفقوا مما رزقهم الله فهم ينفقون كما قال ينفقون أموالهم رياء الناس، إذا النفقة خارجة منهم... لكن أنهم اخرجوها ولم يفكروا في حقيقتها فصرفوها لغير الله ورائوا بها الناس، ولو أنهم رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق وأنه الذي ينبغي أن تصرف له العبادة فإنهم سيحسنون النية وحينئذ سينفقون وتكون النفقة في موضعها الصحيح فيثابون عليها،

﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ فمعنى ذلك أن ما تركوه من الإيمان والإخلاص في الإنفاق اخف عبئ ( حملا ) مما هم يفعلونه فهم ينفقون ويتعبون لكنه بدون ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ﴾ وقدم هنا الإيمان بالله واليوم الآخر لأنه الأساس ولأنه الأصل فمع أنه في الآية السابقة قال والذين ينفقون أموالهم فذكر العمل.

لكن هنا أراد أن يصحح لهم المعتقد فبدأ بأصل الاعتقاد وهو الإيمان بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ، هو الذي رزقهم والله قادر على أن يذهب هذه الأموال التي بايديهم، وأن يصيروا معدمين لا مال معهم فالذي أعطاهم هو الذي يأمرهم بالأنفاق، فلينفقوا ابتغاء وجهة سبحانه وتعالى.

﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ تأمل هنا تصريح رب العزة سبحانه وتعالى باسمه الاحسن ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ﴾ كان يعرف لو قال وأنفقوا مما رزقهم يعلم أنه يعود على الله سبحانه وتعالى لكن قالوا أنفق مما رزقهم الله.

﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ لم يقل وكان بهم عليما بل صرح أيضًا باسمه سبحانه وتعالى وكإن الله بهم عليما وفي هذا تحفيز لهم وتشويق إلى أن يعرفون جلال الله وفيه تربية للمهابة فيقول أهل التفسير أن ذكر اسمه سبحانه وتعالى الله يجعل في القلب مهابة يربي المهابة في القلب فهذا هو الله الإله الحق الذي ينبغي أن تصرف العبادة إليه وأن يصرف الإنفاق إليه.

ثم قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٤٠ﵢ

يبين الله سبحانه وتعالى أنه لا يظلم أحدا شيئًا ولو كان قليلا ولو كان مثقال ذرة فهو سبحانه وتعالى لا يظلم أحدا وهو يتعامل مع عباده بالعدل والفضل، لذلك قال ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فهو يضاعف الحسنات ويضاعف الثواب فهو سبحانه وتعالى يعامل عباده أما بالعدل وأما بالفضل والاحسأن ولا يظلم احدا سبحانه وتعالى.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ قالوا هنا مقدار نملة صغيرة فالذرة تفسر بأنها النملة الصغيرة وهذا من الأشياء التي تدل على أنها أشياء حقيرة ويسيرة والمعنى أنه لا يظلم شيئًا ولا يظلم احدا كما قال ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ ٱلنَّاسَ شَيْـًٔا﴾ ﵝيُونُس الآية ﵔﵔﵜ فهذا عام ومعروف أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم.

وبعضهم يقول الذرة الهباءة التي ترى على أنها شيء وليست أساسا ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةً﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵐﵔﵜ وتأمل هنا التعبير لم يقل وأن تكن لم يأت الفعل مكتملا ﴿أَنَّمَا﴾ حذفت النون تخفيفا وأن تكُ حسنة يعني وأن كانت حسنة يسيرة لكن الله سبحانه وتعالى يربيها وينميها لصاحبها يضاعفها ﴿وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ﵝالنِّسَاء الآية ﵐﵔﵜ سبحانه وتعالى.

ثم قال ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ ٤١ ﵝالنِّسَاء الآية ﵑﵔﵜ

دروس مشابهة