وقفات مع قوله تعالى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ - خطبة الجمعة لفضيلة الشيخ الدكتور محمد حامد
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)على يوتيوب
فصول الدرس
- مناسبة آية الدعاء لأحكام الصيام ومعية اسمي الرقيب والقريب
- شرف عبودية الاختيار وبلاغة حذف واسطة ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
- تقديم الإجابة على الدعاء واعتبار الدعاء عبادة
- أقسام الناس في الدعاء وتوسلهم بالأسماء الحسنى
- وجوه إجابة الدعاء وشروط قبوله وآدابه
- موانع إجابة الدعاء وأكل الحرام واغتنام العشر الأواخر
التفريغ النصي الكامل للدرس
مناسبة آية الدعاء لأحكام الصيام ومعية اسمي الرقيب والقريب
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، [يُراجع التسجيل؛ بداية مقدمة الخطبة ناقصة]، من يهده الله فلا مضل له، ومَنْ يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾2 (آل عمران: 102)، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾3 (النساء: 1)، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾4 (الأحزاب: 70) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾5 (الأحزاب: 71). أمَّا بعدُ: فإنَّ أصدق الحديث كلام الله عز وجل، وخير الهدي هدي نبينا محمد ﷺ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، جنّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الإخلاص والقبول والجنة.
يا أيها الإخوة الكرام، ما زال الحديث موصولًا بفضل الله وعونه وتوفيقه بهذه السلسلة «وقفات مع آيات من القرآن الكريم»، وما زلنا مع آيات من سورة البقرة، ومع الآيات التي حدثنا الله عز وجل فيها عن أحكام الصوم. واليوم نحن على موعد مع قول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى6 عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾7 (البقرة: 186).
يا أيها الإخوة الكرام، ذكر الله عز وجل هذه الآية الكريمة في أثناء الحديث عن الصوم، فقبلها حديث عن الصوم، وبعدها حديث عن الصوم، وفي أثناء الحديث عن الصوم ذكر الله هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾8 (البقرة: 186)، قال عدد من أهل العلم: هذا يدل على الارتباط الوثيق والصلة الواضحة بين الصوم والدعاء، فإنَّ النبي صلوات الله وتسليماته عليه قد جاءت عنه الروايات متعددة تدل على أن دعوة الصائم مستجابة، فجاء عنه عليه الصلاة والسلام: «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر»، وجاء في بعض الروايات: «ودعوة المظلوم»؛ الشاهد من ذلك أن دعوة الصائم من الدعوات المستجابة المباركة التي يتقبلها الله عز وجل.
فلذا ليس بغريب أن يذكر الله أمر الدعاء ويحثنا عليه في أثناء الحديث عن الصوم، فإنَّ الصائم متقرب إلى الله بعبادته، والله جل وعلا قريب منه يجيب دعوته. ولذلك كان على الصائم أن يشعر دومًا بقرب الله عز وجل منه ورقابته عليه، فيعيش في أيام صيامه وهو مستحضر معنى اسم الله الرقيب القريب، فالله رقيب.
والله قريب، الله رقيب، يراقبنا، يطلع على أحوالنا، على أعمالنا، لا يخفى عليه من أمورنا شيء: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآ9ءِ﴾ (آل عمران: 5)، فالصائم يراقب ربه ويعلم أن الله مراقبه، محافظ لأعماله، شهيد عليها سبحانه وتعالى، كما يستحضر معنى قرب الله عز وجل من العبد، فهو قريب من عباده، يستجيب دعاءهم، ويسددهم ويوفقهم ويعينهم، ولا يخذلهم سبحانه عز وجل.
شرف عبودية الاختيار وبلاغة حذف واسطة ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾
وصدّر الله الآية الكريمة بهذا الأسلوب الجليل الذي ينبئ عن قدر النبي الكريم صلوات الله وتسليماته عليه عند ربه عز وجل فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى﴾ (البقرة: 186)، فأنت رسول الله الذي توجَّه إليه الأسئلة، يسألونك ليتعلموا منك: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى﴾ (البقرة: 186).
والعبودية هنا عبودية قرب، عبودية اختيار، فهم الذين آثروا الله على ما سواه، لأنَّ العبادة على نوعين: فهناك عبادة كونية تسري على الجميع، على المؤمن والكافر والبار والفاجر: ﴿إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا﴾10 (مريم: 93).
وهناك عبودية الاختيار، الذي يعبد الله مختارًا راضيًا عبدَ الله عز وجل وهي العبادة التي أمرنا الله بها وحثنا عليها: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾11 (الذاريات: 56)، هم عباد الرحمن الذين أثنى الله عز وجل عليهم، وهم المرادون والمقصودون هنا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى﴾12 (البقرة: 186)، ﴿يَـٰعِبَادِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّ أَرْضِى وَٰسِعَةٌ فَإِيَّـٰىَ فَٱعْبُدُونِ﴾ الراغبين في الله عز وجل الطالبين رضاه، الذين يلتمسون مواقع رضاه، يرجون ما عنده ويخافون عذابه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾13 (البقرة: 186).
وجاءت الإجابة على غير المعهود في أسئلة القرآن الكريم، فإنَّ ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ ذكر سؤالًا من أسئلة القرآن ذكر «﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾» أو «فقل»، لكنه هنا ما ذكر «﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾» ولا «فقل»، فلم يقل كما قال الله: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾14 (الأنفال: 1)، ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾15 (البقرة: 219)، لم يقل ذلك، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾16 (البقرة: 186)، ولم يقل «فقل إني قريب»، فالرسول يُسأل، يُتوجَّه إليه بالسؤال ليتعلَّم، أما الذي يُطلب منه هو الله سبحانه وتعالى.
والذي يتوجه إليه، والذي يُدعى فيجيب، هو الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 186)، ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لهم: أبشروا. وقد ذكروا أنهم سألوا الرسول عليه الصلاة والسلام: أربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه فأجابهم الله: ﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾1718 (البقرة: 186).
فعلى المؤمن أن يستبشر بالخير، فربه قريب، فالله جل وعلا قريب من عباده يستجيب دعاءهم سبحانه جل وعلا ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ19 خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ﴾ (النمل: 62) فأنت قد تكلم من بجوارك بشيء ولا يستطيع أن يقضيه إليك، لكنك إذًا رفعت أكف الضراعة إلى ملك الملوك جل وعلا فإنَّه يستجيب دعاءك ويقضي لك حاجتك، لأنه القريب سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 186)، ﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ20 دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186).
تقديم الإجابة على الدعاء واعتبار الدعاء عبادة
والعجيب حقًا أن يبدأ الله بالإجابة قبل الدعاء، فلم يقل: إذا دعوني أجبتهم، ﴿أَنَّمَا﴾ قال: ﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ﴾ (البقرة: 186)، فذكر الإجابة قبل الدعاء: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186)، لذلك قال بعضهم: إني لا أحمل هم الإجابة، ﴿أَنَّمَا﴾ أحمل هم الدعاء.
إذا وفقك الله للدعاء فقد وُفقت للإجابة، فإذا وفقك الله للدعاء وأتيت بآداب الدعاء وشروط الدعاء، ولم يكن ثم مانع من موانع إجابة الدعاء، فأبشر، فإنَّ الله لا يرد سؤل عبده، فقال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186).
ولم يجب ربنا إجابة مقتصرة على أولئك السائلين، فلم يقل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 186) أجيب دعوتهم، فقد يظن أن هذه إجابة لهؤلاء السائلين، ﴿أَنَّمَا﴾ جاء الكلام مطلقا: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186)، ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: عصر وفي أي: مصر، ﴿فِىٓ أَىِّ﴾: زمان وفي أي: مكان، فالإجابة عامة مطلقة: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186).
هكذا يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى أنه قريب منا، وأنه يجيب دعوة الداعين، فهل يدعو العبد ربه وهل لا يغفل عن هذه العبادة العظيمة إن الدعاء، فضلًا عن أنه مطلوبك وعن أنه مقصودك، فهو عبادة يتقرب بها إلى الله عز وجل فكما أنَّ من سبّح الله أُجر، كما أنَّ من قال سبحان الله له أجر، وكما أنَّ من صلى على نبينا ﷺ فله أجر، والصلاة على الرسول تدخل في الدعاء أيضًا، كما أنَّ من ركع وسجد فله أجر، كما أنَّ من عاد مريضًا فله أجر، فالذي يدعو الله له أجر وثواب، فضلًا عن أن المريد هو الذي يريد، عنده ضرورة وعنده حاجة ويسأل الله، فالله يجعل سؤالك عبادة تؤجر عليها وتثاب.
وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث النعمان رضي الله تعالى عنه: «الدعاء هو العبادة»، هكذا: الدعاء هو العبادة، ثم قرأ قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾21 (غافر: 60)، فقال: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾22 (غافر: 60)، لم يقل: عن دعائي، لأنه لا فكاك بين الدعاء والعبادة، بل كما قال أهل العلم: الدعاء دعاءان، دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكلاهما لا يخرج عن العبادة، ﴿أَنَّمَا﴾ دعاء المسألة هو الدعاء الصريح الذي يقول العبد فيه: يا رب، يا رب، يا رحمن ارحمني، يا كريم أكرمني، يا خير الرازقين ارزقني، ونحو ذلك، فهذه أدعية دعاء مسألة، وهناك دعاء عبادة، بمعنى أنك تتقرب إلى الله بعبادتك، وهذا التقرب إلى الله من جنس الدعاء.
لأن حالنا حينما نصلي أننا نقول: يا رب صلينا لك فتقبل منا، حينما نزكي كأننا نقول: يا رب هذه زكاتنا فتقبلها منا، حينما نصوم كأننا نقول: يا رب هذا صومنا فاغفر لنا وتقبله منا، فكل العبادات لا تخرج في حقيقة الأمر عن الدعاء.
ومع ذلك ربنا يحثنا على الدعاء، بل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما عند ابن ماجه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «مَن لم يسأل الله يغضب عليه»، من لم يسأل الله يغضب عليه، هو الكريم الذي يريد منك أن تسأله وهو غني عنه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾23 (فاطر: 15)، لا تسألن بني آدم حاجة، وسل الذي أبوابه لا تُحجب؛ الله يغضب إن تركت سؤاله، وبنو آدم إن سألتهم وكررت عليهم السؤال وألححت عليهم في السؤال كرهوك ومقتوك وابتعدوا عنك ونأوا، وأما ربك سبحانه فهو الذي يطلب منك، هو الذي يأمرك، هو الذي يدعوك بأن تدعوه، وهو يستجيب لك سبحانه وتعالى، والناس مع الدعاء على ثلاثة أقسام.
أقسام الناس في الدعاء وتوسلهم بالأسماء الحسنى
أما القسم الأول فهم الذين يدعون غير الله - نسأل الله السلامة - هؤلاء الذين يدعون غير الله عز وجل يتركون خالق السماوات والأرض ويتجهون أو يتوجهون إلى مخلوق عاجز مثلهم. وقد ذكر الله عز وجل أن أهل الشرك، مع أنَّهم مشركون، إلا أنهم في الشدة لا يتوجهون إلا إلى الله سبحانه وتعالى، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ﴾ خافوا، وقد تلاطمت الأمواج وعلت وارتفعت، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ24 فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾25 (العنكبوت: 65)، ففي وقت الشدة لا يتوجه المشرك إلا - مَن جنابه قوي وركنه شديد - إلى الله سبحانه وتعالى.
فالجدير بالمسلم أن لا يتوجه من بادئ الأمر إلا إلى الله سبحانه وتعالى، يلزم عليه ويتعين عليه أن لا يسأل إلا الله سبحانه وتعالى، «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، وأنت تقرأ سورة الفاتحة تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾26 (الفاتحة: 5)، فلا نتوجه بالعبادة إلا إليه، ولا نستعين إلا به سبحانه عز وجل.
والحقيق بالمسلم أن يسأل الله دومًا في رخائه وفي شدته، فإنَّ النبي ﷺ جاء عنه، كما عند الترمذي: «من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء»، من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء، لا تكن من أولئك الذين لا يذكرون الله عز وجل إلا في الشدة، ﴿أَنَّمَا﴾ ادعُ ربك في الرخاء وفي الشدة، «تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة» كما قال نبينا ﷺ القسم الثاني من الناس يغفلون عن الدعاء أصلًا.
فإذا اضطربت بهم الأمور وكانوا في وقت شدة أو كرب، فضلًا عن أن يكون ذلك في وقت رخاء، فإنَّهم لا يتذكرون الله سبحانه وتعالى، فيهرولون إلى الطبيب حينما يمرضون، ويهرول إلى هذا ليقترض منه مالًا، ويهرول إلى ذاك ليقضي له حاجة، ولا مانع ألبتة من الأخذ بالأسباب، فإنَّ الأخذ بالأسباب من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن ﴿إِلَّا﴾ تعلم أن أعظم الأسباب وأنجح الأسباب الدعاء
الدعاء سلاح قوي، سلاح عظيم، سهم يوصل به إلى الغرض إلى المقصود، فكم من مريض عجز الأطباء عن دوائه، سأل الله متيقنا بما عند الله، واثقًا في قدرة الله، فقال: يا رب اشفني، فشفاه الله عز وجل. وكم من فقير أنزل حاجته بالناس فلم تُقضَ، وطلب منهم مالًا فلم يعطوه، فسأل الله غنى فيسّر الله له سبل الغنى، فثِق بالأسباب وأعظمها الدعاء، لا تنسَ أن تقول دومًا: يا رب، يا رب، يا رب، اللهم، هكذا ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وادعوا بدعاء مناسب، وكذلك ادعوا بأسماء الله الحسنى، كل بما يناسب المقام الذي تدعو به، فإنَّ الله قال: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ﴾27 (الأعراف: 180).
فقل: يا رزاق ارزقني، يا قوي قوني، يا كريم أكرمني، يا غفار اغفر لي، يا تواب تب علي، ادعُ ربك، سل الله، يا شافي اشفني، «اللهم رب الناس أذهب البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» هكذا يعلمنا النبي عليه الصلاة والسلام.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186)، القسم الثالث هو القسم المتنبه، القسم المتيقظ، الذي ينزل حاجته بالله ويسأل الله عز وجل فيستجيب الله عز وجل له، وقد قال ربنا: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186)،
وجوه إجابة الدعاء وشروط قبوله وآدابه
وحينئذ قد يسأل سائل فيقول: فما بال بعضنا يدعو ربه فلا يستجيب الله عز وجل له قد يدعو بدعوات ويكرر دعواته، لكن الله لا يستجيب له، هكذا يقول: فكيف والله قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (البقرة: 186) يقال على ذلك أجوبة كثيرة جدًّا ذكرها أهل العلم، خذ بعضها، قد علّمنا النبي ﷺ فقال، كما عند الإمام أحمد وغيره، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أنه ﷺ قال: «ما من أحد - أو ما من مسلم - يدعو الله عز وجل بغير إثم ولا قطع رحم إلا كان له بدعوته إحدى ثلاث»: الذي يدعو الله بالدعاء في غير إثم، لا يدعو الله بما فيه إثم ولا بما فيه قطع رحم، فإنَّ هذا مما يحول بين العبد وبين إجابة الدعاء، كان له بها إحدى ثلاث: «إمَّا أن يعجل الله له دعوته».
إمَّا أن يعجل الله عز وجل له دعوته: سألت الله رزقًا فرزقك، سألت الله ولدًا فرزقك، سألت الله نجاحًا فوفقك وصرت ناجحا، إمَّا أن يعجل له دعوته.
وإمَّا أن «تُدَّخر له في الآخرة»، تدعو ربك، والدعاء عبادة فتأخذ حسنات، والله يريد أن يرفع درجتك فيجعلك في ابتلاء فتكثر من الدعاء، ولو كنت في الرخاء ما دعوت هذه الدعوات، ولا تقربت إلى الله بتلك العبادات، فيبتليك فتتقرب إليه، فترتفع درجتك وتعلو منزلتك، حتى تكون من المقربين، حتى إنك تودّ لو لم تُجب لك دعوة حتى يكون أجرك عظيمًا.
وإمَّا أن يُدخر له في الآخرة، «وإمَّا أن يصرف عنه من السوء مثلها»، فلربما كان هناك بلاء نازل فجاء الدعاء فصرف هذا السوء بإذن الله سبحانه وتعالى، فربما أمور كثيرة كانت ستنزل بك صرفها الله عنك، ولذلك علّم الرسول عليه الصلاة والسلام الحسن بن علي رضي الله عنهما في دعاء الوتر، وكان مما قال: «وقني واصرف عني شر ما قضيت»، ربما صرف الله عنك من البلاء الكثير والكثير وأنت لا تشعر، لكنك دعوت الله عز وجل فأجابك الله عز وجل بذلك. يقال لك أيضًا: قد أتيت بشروط الدعاء ولم تراعِ آداب الدعاء، فحيل بينك وبين إجابة الدعاء لأنَّ الشروط غير مستوفاة.
وكذلك قد تدعو ربك فلا يُستجاب لأنَّ هناك مانعا يمنع من إجابة الدعاء، لذلك عليك أن تعرف شروط إجابة الدعاء وآداب الدعاء والموانع التي تمنع من إجابة الدعاء، حتى تتوقى هذه الموانع، فإذا بك مجاب الدعوة بإذن الله سبحانه وتعالى. أما من شروط إجابة الدعاء فأولا: الإخلاص، لا بد من الإخلاص، لا ترائي نفسك وأنت تدعو، لا تدعُ ليُقال عنك داعٍ، ولا ليُقال عنك خاشع، ﴿أَنَّمَا﴾ أنت تدعو مخلصًا لله، لأنَّ الدعاء عبادة، والعبادة لا بد فيها من الإخلاص، والله قال: ﴿فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ (غافر: 14)، فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ، فلا بد أن تكون في دعائك مخلصًا لله عز وجل. ثانيًا: أن يكون قلبك قلبا خاشعا غير لاهٍ ولا غافل.
فبعض الناس يتمتم بلسانه ويقول دعوات دون أن يستحضر بقلبه أنه يدعو مالك الملك سبحانه وتعالى، والنبي ﷺ قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاهٍ»، الله لا يقبل دعاء قلب غافل لاهٍ، تقول: يا رب أعطني، وأنت لا تشعر بما تدعو، يا رب اشفني، وأنت لا تشعر، لا تستحضر بقلبك أنك تدعو من بيده كل شيء، ومن هو قادر على كل شيء، ولا يعجزه شيء، ومن رحمته وسعت كل شيء، فتوجه إليه بقلب خاشع خاضع، لا بقلب ساهٍ غافل. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.
موانع إجابة الدعاء وأكل الحرام واغتنام العشر الأواخر
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتقين، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
أمَّا بعدُ: فيا عباد الله، مما ينبغي على الداعي، ﴿إِذَآ أَرَادَ﴾ أن يستجيب الله دعوته، ﴿إِلَّا﴾ يدعو بإثم أو بقطع رحم، فإذا دعوت أن يوفقك الله للمعصية فهل تنتظر الإجابة على ذلك لا تفعل، وكذلك قال عليه الصلاة والسلام: «لا يزال يُستجاب للعبد ما لم يدعُ بإثم أو قطع رحم»، ومع ذلك فقد تدعو بدعوات ويستجيبها الله عز وجل لك، لذلك حذّرنا النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاء فيستجيب لكم»، بعض الناس يغفلون عن ذلك، فلربما دعت الأم على ولدها.
ودعا الوالد على ولده، اتق الله في نفسك واتق الله في ولدك، وبعض الناس يتساهلون في أمر اللعنة، والنبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم، وهو في أحد أسفاره عليه الصلاة والسلام، تلدَّن بعير أحدهم - تلدَّن بعير أحد الأنصار، تلكَّأ - فلعنته، لعنت المرأة البعير، فقال: لعنك الله - كما يحدث من بعض الآباء، قد يلعنون ولدهم - فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من لعن بعيره؟ مَنْ الذي لعن بعيره؟ انزلي عنه، لا تركبيه، لا تصحبنا بملعون، ما دمت قد لعنته لا تركبي البعير»، فكيف تلعن ولدك؟
هل تدعو عليه بأن يطرده الله من رحمته هذا لا ينبغي، علّمنا النبي عليه الصلاة والسلام: لا تدعوا على أنفسكم، لا تدعوا على أولادكم، لا تدعوا على أموالكم، بعض الناس يُصاب في ماله بشيء يسير فيدعو على ماله، بل ربما أصيب بشيء فدعا على نفسه بالهلاك فصار من الهالكين، كذلك مما ينبغي على الداعي أن يراعيه ﴿إِلَّا﴾ يستعجل.
الله جل وعلا هو الحكيم، الله هو الحكيم، فالله يجيبك في الوقت الذي يريده وبالحكمة التي يريدها سبحانه، على وفق الحكمة التي يريدها سبحانه وتعالى، وهو الحكيم سبحانه عز وجل لذلك قال عليه الصلاة والسلام: «يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل»، يقول: قد دعوت فلم أرَ يُستجاب لي، أو: يُستجاب لي فيدعو الدعاء.
بعض الناس يدعو مرة فلا يستجيب الله، لا يدعو ثانية ولا ثالثة ولا رابعة، يتوقف عن الدعاء، لا، الله يبتلي حتى تكثر من الدعاء، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه يومًا: أتريدون أن تجتهدوا في الدعاء؟ قالوا: أجل، نريد أن نكون مجتهدين في الدعاء، قال: «قولوا: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، فدوما ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا: اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، حتى تكون من المجتهدين في الدعاء.
يا أيها الإخوة الكرام، الكلام في الدعاء طويل جدًا، لكني أقتصر منه هنا على أن من أعظم موانع قبول الدعاء أكل الحرام، فإنَّ أكل الحرام يحول بين العبد وبين إجابة دعوته، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾28 (المؤمنون: 51)، وقال: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ﴾29 (البقرة: 172)» ثم ذكر الرجل يطيل السفر، «أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يقول: يا رب، يا رب» - انظر إليه، رجل مسافر، ودعوة المسافر مستجابة، ورجل أشعث أغبر، علامات الذل والانكسار واضحة عليه، وهذا من عوامل إجابة الدعاء، وكذلك رفع يديه إلى السماء، وهذا من آداب الدعاء، وقال: «يا رب، يا رب»، وهذا مما يجاب به الدعاء، لكن «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك؟».
فأنّى يُستجاب لذلك؟ كيف يُستجاب لمثل ذلك؟ فراجع نفسك وأطب مطعمك حتى تكون مستجاب الدعوة. يا أيها الإخوة الكرام، علينا أن نتحرى مواضع الإجابة وأوقات إجابة الدعاء، فمن مواضع إجابة الدعاء السجود، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، كذلك في الصلاة، كذلك بين الأذان والإقامة، فإنَّ الدعاء لا يُرد بين الأذان والإقامة، كذلك الدعاء عند نزول الأمطار، كذلك دعاء الوالدين لأولادهما، كذلك الدعاء في جوف الليل الآخر، في ثلث الليل الآخر، ينزل ربنا فيقول: «هل من سائل فأعطيه، هل من داعٍ فأجيبه، هل من مستغفر فأغفر له».
يا أيها الإخوة الكرام، نحن مقبلون على العشر الأواخر من شهر رمضان، وفيها ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي هي خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يجتهد في العشر ما لا يجتهد في غيرها، فكان يُحيي ليله ويوقظ أهله ويشد مئزره ﷺ، فاجتهدوا في هذه العشر، والتمسوا الخيرات والبركات، وسلوا الله عز وجل وتقربوا إليه بالدعاء، فما من حاجة تريدها من خيري الدنيا والآخرة إلا توجه إلى الله بها والله يجيبك، ومنهم ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ٱئْذَن لِّى وَلَا تَفْتِنِّىٓ ۚ أَلَا فِى ٱلْفِتْنَةِ سَقَطُوا۟ ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌۢ بِٱلْكَـٰفِرِينَ﴾: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾30 (البقرة: 201)، اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم آتنا في الدنيا حسنة.
اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدنيا، ومتّعنا اللهم بأسماعنا.
وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، اللهم انصرنا على من عادانا، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، «وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا»، اللهم اقضِ ديوننا، ويسّر لنا أمورنا، وفرّج كروبنا.
اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم وفّقنا لقيام ﴿وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.
وأعنا على قيام ما بقي من ليالي رمضان، يا ذا الجلال والإكرام، تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم، اللهم أصلح أحوالنا، اللهم احفظ بلادنا من الفتن، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، اللهم ارفع عن مصر البلاء والغلاء والإحن والمحن والفتن.
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وسائر بلاد المسلمين، اللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن «لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ»، أستغفرك وأتوب إليك.
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 102 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ — كما ورد في الدرس: النساء 1 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 70 ↩
- آية: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَـٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ — كما ورد في الدرس: الأحزاب 71 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْءٌ فِى ٱلْأَرْضِ وَلَا فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ — كما ورد في الدرس: آل عمران 5 ↩
- آية: ﴿إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ إِلَّآ ءَاتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْدًا﴾ — كما ورد في الدرس: مريم 93 ↩
- آية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ — كما ورد في الدرس: الذاريات 56 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَنفَالِ ۖ قُلِ ٱلْأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ — كما ورد في الدرس: الأنفال 1 ↩
- آية: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 219 ↩
- آية: ﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ ۗ أَءِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: النمل 62 ↩
- آية: ﴿فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 186 ↩
- آية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 60 ↩
- آية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 60 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِىُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ — كما ورد في الدرس: فاطر 15 ↩
- آية: ﴿فَٱدْعُوا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ — كما ورد في الدرس: غافر 14 ↩
- آية: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 65 ↩
- آية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 5 ↩
- آية: ﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا۟ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىٓ أَسْمَـٰٓئِهِۦ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعراف 180 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُوا۟ مِنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَٱعْمَلُوا۟ صَـٰلِحًا ۖ إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: المؤمنون 51 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُلُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 172 ↩
- آية: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ — كما ورد في الدرس: البقرة 201 ↩
موضوعات هذا الدرس
- تفسير سورة آل عمران
- تفسير سورة الأعراف
- تفسير سورة الأنفال
- تفسير سورة البقرة
- تفسير سورة العنكبوت
- تفسير سورة المؤمنون