سلسلة وقفات مع آيات من القرآن
افتح الدرس في المكتبة (ملاحظات، فوائد، بحث)
فصول الدرس
التفريغ النصي الكامل للدرس
مجاهدة النفس كأعظم أسباب الهداية وفلاح المزكين
﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾1 (ص: 29)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 102) ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمْ﴾ ﴿ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله. أمَّا بعدُ:
فإنَّ أصدق الحديث كلام الله جل وعلا، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم [تُراجع الزيادة من التسجيل] وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإنَّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة جنَّبنا الله البدعة والضلالة والنار، كما نسأله سبحانه الهداية والإخلاص والقبول والجنة، يا أيها الإخوة الكرام، ما زلنا بفضل الله ومِنَّته مع هذه السلسلة وقفات مع آيات من القرآن الكريم وما زلنا مع سورة الفاتحة ومع هذا.
ومع هذا الأمر الذي أمرنا الله، أن نردده وهو ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾2 (الفاتحة: 6). نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم تعرفنا، يا أيها الإخوة الكرام، في لقاءات سابقة على بعض أسباب الهداية فعرفنا أن التمسك بسنة رسول الله ﷺ سبب عظيم من أسباب الهداية وأن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ يحصل بهما العبد على الهداية كذلك الاعتصام بكتاب الله واتِّباع كتاب الله والاهتداء بوحي الله سبب من أسباب الهداية كذلك التوكل على الله سبب من أسباب الهداية، ثم ختمنا الحديث في اللقاء السابق بالمجاهدة.
فإنَّ مجاهدة النفس سبب عظيم من أسباب الهداية، وكذلك عرفنا أن من أعظم أسباب الهداية سؤال الله ذلك والاستعانة به على ذلك. فإنَّ من استعان بالله أعانه الله عز وجل يا أيها الإخوة الكرام المجاهدة سبب عظيم من أسباب الهداية قال الحق سبحانه ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾3 (العنكبوت: 69). ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ والذين جاهدوا فينا، أي: جاهدوا في طاعة الله جاهدوا في تحصيل مرضات الله فيما يحب الله من عباده، أن يصنعوه لنهدينهم سبلنا لنوصلنهم إلى الطريق المستقيم وإلى الصراط الذي يرضي ﴿ٱللَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ فترى سبل السلام أمامهم مفتوحة وميسرة ومسهلة يفعلونها وهم راضون ويثبتون عليها وهم فيها راغبون إلى أن يقفوا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُقَدِّمُوا۟ بَيْنَ يَدَىِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الكريم ليعظم أجرهم وليحصلوا على رضا الله.
نسأل الله أن يرضى عنا وأن يرضينا قد تقول إنني أريد أن أُهدى سبل السلام وأن أفعل كثيرًا من الطاعات وأن أترك المعاصي والمحرمات فكيف أحصل على ذلك فالجواب بالمجاهدة هل أنت تجاهد نفسك وتحاول أن ترضي الله سبحانه وتعالى، أم، أن عقلك صار طوع نفسك والذي ينبغي أن يكون أو أن تكون النفس طوعًا لعقلك وأن يكون عقلك تبعًا لرضى ربك سبحانه وتعالى،
لذا أثنى الله على من زكى نفسه. فقال ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾4 (الأعلى: 14). وقال ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾5 (الشمس: 9). ﴿وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ (الشمس: 10) فالذي يزكي نفسه يطهرها من النقائص يطهرها من العوائق يخلِّيها مما يغضب الله ويسخطه هذا مفلح الذي يزكي نفسه بالطاعات يستعين بالله على نفسه فيعينه الله عليها هو مهدي ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69).
بيان أقسام النفس: المطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء
يا أيها الإخوة الكرام، هذه النفس منها نفس مطمئنة يسهل على العبد معها فعل الطاعات ويبغض المعاصي والمنكرات. نسأل الله أن يرزقنا النفوس المطمئنة وهناك نفس لوامة تلوم صاحبها. وقد اختلفوا في المراد بها: ولعل الأقرب والله أعلم أنها نفس من النفوس الطيبة إلا أنها لم تصل إلى رتبة الاطمئنان فهي تلوم صاحبها عند التفريط فإذا ترك طاعة لما تركت الطاعة
ولما ﴿فَرَّطتُ فِى جَنۢبِ ٱللَّهِ﴾ إذا وقع في المعصية لامته نفسه لما ارتكبت المعصية لما عصيت الله لما فعلت ما يسخط الله عز وجل وهناك نفس أمارة بالسوء ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾6 (يوسف: 53). ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ نعوذ بالله من أن تأمرنا نفوسنا بالسوء نفس أمارة صارت آمرة لصاحبها حاكمة عليه هي التي تقول له افعل أو لا تفعل نفسه هي التي تسيره والذي عليه أن يسير نفسه وأن يكبح جماحها وأن يأخذ بزمامها إلى أن يصل إلى بر الأمان حينما يدخل جنة عرضها السماوات والأرض.
نسأل الله الكريم من فضله النفوس المطمئنة من أجلِّ صفاتها أنها النفوس الراضية عن الله وبالله والمستسلمة لحكم الله القدري والشرعي لذلك ربطت بين هذا السبب والسبب الذي قبله وهو التوكل على الله عز وجل ﴿وَمَن يُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُۥ ۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ وتصديق به وجهاد في سبيله. فقال «أرأيت إن لم أفعل قال عليك بالسماحة والصبر» إذا لم تحقق الجهاد في سبيل الله فكن مع إيمانك سمحًا صابرا قال.
فإن لم أستطع قال «لا تتهم الله في شيء قضى الله لك به» لا تتهم الله في شيء قضى الله لك به هذا أمر عظيم ﴿إِلَّا﴾ تتهم الله في شيء قضى الله عز وجل لك به قضى الله عليك بالمرض فلا تتهم قضى الله عليك بأن لا تربح في هذه التجارة فلا تتهم، قضى الله عليك بأن لا تكون غنيًّا. بل تكون فقيرًا فلا تتهم الله في ذلك، قضى الله لك بزوج أعني زوجة تتعبك فلا تتهم الله في ذلك، قضى الله لك بأن ترزأ ببعض الأولاد الذين يشقون عليك في معاملاتهم فلا تتهم الله في ذلك لا تتهم الله فيما قضى الله لك به.
بل استسلم وقل الحمد لله في السراء، وفي الضراء «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات» في السراء و«الحمد لله على كل حال» في الضراء وأنت في كل الأحوال تلتزم رضا الله. وقد تقدم، أن من أعظم تحصيل أسباب الهداية الرضا عن الله وبالله ﴿يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ﴾ ٱلسَّلَٰمِ، وكذلك التسليم لحكم الله الشرعي أن تستسلم لحكم الله القدري الله قضى عليك بكذا فأنت حامد لله غير ساخط على قدر الله، ولا سيما إذا كان ليس لك، أن تدفعه مصاب لا يمكن أن تدفعه كمن مات له حبيبه أو فارقه من كان يرغب في بقائه ﴿فَلَيْسَ لَهُ ٱلْيَوْمَ هَـٰهُنَا حَمِيمٌ﴾ إلا أن يعتصم بالله ويرضى عن الله وبالله سبحانه وتعالى، التسليم لحكمه الشرعي الله قال لك ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا تقل افعل، ولا تفعل أعطِ ولا تعطِ أو آمن فأنت مستسلم لحكم الله الشرعي إذا كنت كذلك رزقك الله النفس المطمئنة.
نسأل الله أن يرزقنا نفوسا مطمئنة تقدموا إلى الأمام رحمكم الله، رحم الله رجلًا تقدَّم إلى الأمام، يا أيها الإخوة الكرام، نفوس مطمئنة مستسلمة لقدر الله لقضاء الله عز وجل ليست بساخطة، ولا معترضة على حكم الله عز وجل إذا أنت عبد كما تعلمنا علمنا أن نقول ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ الله أمرك بأمر تقول إنا لله أنا ملك لك أنت المالك هل يعترض المملوك على المالك
لا ينبغي لمملوك، أن يعترض على مالكه كيف إذا كان مالكه مالكًا بصيرا عليمًا قديرًا عزيزًا حكيمًا لطيفا رؤوفًا رحيمًا فالله يحكم فيك وهو لطيف. إذن نحن نقبل حكم الله يقضي فينا، ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ وهو رؤوف فنحن نقبل حكمه ونقبل تشريعه ونستسلم له حينئذ بفضل الله ترزق بالنفس المطمئنة ﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾7 (الفجر: 27-28). ﴿فَٱدْخُلِى فِى عِبَـٰدِى﴾ وادخلي جنتي.
انظر ﴿ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ هي راضية عن الله وبالله وكما رضيت في الدنيا بما سيكون في الآخرة. فإنَّ الله أرضاها في الآخرة وسترى ما أخبرت به من قبله ليتحول علم اليقين إلى عين اليقين. بل إلى حق اليقين فقد كانوا يسمعون في الدنيا أن من أطاع دخل الجنة وها هم يوم القيامة يرون الجنة. بل ﴿يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ﴾ بفضل الله، ومنته ﴿ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ قد كانوا يخبرون في الدنيا أنَّ هناك نعيمًا وعذابًا للقبر.
جهاد النفس أصل لجهاد الأعداء وأثر مكابدة السلف لها
فإن لم تصل إلى هذه المرتبة فالنفس اللوامة تلي تلك النفس وهي التي تلوم صاحبها إذا فرط في الطاعة أو إذا ارتكب معصية تلومه لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ، ﴿وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾ قال عبد الله بن المبارك رحمه الله، وعبد الله بن المبارك أحد العلماء الأفذاذ والعباد الصادقين وهو معروف بالعلم والفضل والورع حتى أن الذهبي قال إنا لنحبه ونشهد الله على حبه نشهد الله على حبه قالوا اجتمعت فيه خصال الخير، ولا يعلم، أن خصلة من خصال الخير إلا تحققت فيه كثرة أو قلة صلاة صيام عبادة علم صدقة جهاد بر طاعات كثيرة بفضل الله يقول «كان الصالحون تواتيهم نفوسهم على الخير عفوًا» ونفوسنا لا تواتينا على الخير إلا كرهًا ما معنى هذه العبارة
يقول الصالحون ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًٔا﴾ كانوا يفعلون الخير بسهولة دون مجاهدة كانت نفوسهم تواتيهم، تطاوعهم على الخير عفوًا، المعصية بغيضة إلى قلبه لا يقوى عليها، ولا يقدر يقول أن نفوسنا صارت لا تواتيني على الخير إلا كرهًا، يعني: عبد الله بن المبارك يقول الآن لم تعد نفسي تطاوعني على فعل الطاعة إلا بإكراهها إلا بمجاهدتها إلا بالاجتهاد وإرغامها على طاعة الله سبحانه وتعالى، قلت: إذا كان هذا حال ابن المبارك فكيف بحالنا
نفوسنا قد لا تطاوعنا على الطاعة اختيارا. بل تحتاج إلى كبح الجماح تحتاج إلى بذل إلى جهاد إلى مجاهدة ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا8 ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت: 69). ومن المتقرر أن من لم يستطع أن يجاهد عدوه الداخلي لم يستطع أن يجاهد عدوه الخارجي وأعدى الأعداء للإنسان نفسه والشيطان الرجيم فمن لم يستطع أن يجاهد نفسه وأن يجاهد الشيطان الرجيم لم يستطع أن يجاهد الكفر والمنافقين لذلك أمر الله سبحانه بمجاهدة النفوس.
فقال. وقال ﷺ و«المجاهد من جاهد نفسه في ذات الله». عز وجل أو «من جاهد نفسه في الله». عز وجل والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه الجهاد أن تجاهد نفسك فإذا جاهدت نفسك استطعت أن تجاهد عدوك وكثير منا نفسه تغلبه أو نفسه تغلبه وتؤذيه وتضره دون أن يعي أو أن يدرب عباد ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ أردنا أن نكون من المهتدين فأين نحن من مجاهدة نفوسنا كم منا يتمنى أن يفعل الخير لكنه لا يفعله كم من شخص إذا قلت: له لم لا تحافظ على الصلاة قال سل الله، أن يهديني وإنني والله أرجو، أن أكون ممن يحافظ على الصلاة.
لكن نفسي تغلبني كم من عبد يلزم بعض المحرمات فتقول له اتق الله وكف عن تلك المعصية يجيبك قائلًا أتمنى وأرجو لكنني لا أستطيع، ولا أوفق لذلك كم من عبد يرجو، أن يكون بعد رمضان كحاله في شهر رمضان كم من عبد قرأ القرآن في رمضان مرات وهو يرجو، أن يكون بعد رمضان مع القرآن كذلك أو أن يكون نصف الحال التي هو عليها في شهر رمضان جواب هؤلاء كلهم وجواب غيرهم أين أنت من مجاهدة النفس وإذا كان بعضهم يقول كابدت نفسي وجاهدتها عشرين سنة حتى استقامت ويقول بعضهم قمت الليل عشرين سنة يقوم بالليل عشرين سنة مجاهدة رغمًا عن نفسي، وتلذذت بها عشرين سنة أخرى كم من عبد وقع في المعصية يريد أن يترك الدخان
لكن يقول لا أقدر يحب أن يترك ما هو أشد وأخطر كما يقع من كثير من الشباب اليوم. نسأل الله لهم الهداية والسلامة لكنه يحتاج إلى مجاهدة ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69)
مشارطة الجوارح ومحاسبتها على طريق التقوى
ويعينك على ذلك أخي الكريم، أن تسبق المجاهدة بأمور وأن تتبعها بأمور فإذا استقامت لك تلك الأمور كنت من المهتدين بفضل الله من ذلك المشارطة، أن تشترط على نفسك اشترط عليها أمورًا أنت إذا شاركت شريكًا لك فإنَّك تشترط عليه شروطًا تقول سنتجر في صنف كذا ولن نتجر في صنف كذا سنتعامل، وبعد ستة أشهر أو ثلاثة أشهر أو أقل أو أكثر سنحاسب أو سيقع بيننا وبينك التصفية، نصفِّي الحسابات تضع شروطًا وبنودا كذلك نفسك ضع شروطًا عليها وكما «قال ميمون بن مهران لا يكون العبد من الأتقياء حتى يحاسب نفسه كما يحاسب» الشريك شريكًا كما يحاسب الشريك شريكه عليك، أن تحاسب نفسك أولًا اشترط عليها رأس مالك وقتك رأس مالك جسمك وجوارحك وأنت ستسأل عن جسمك وستسأل عن شبابك.
إذن عندك أذنان، وعندك لسان، وعندك عينان، وعندك يدان ورجلان وبطن وفرج هذه سبعة أعضاء اشترط على نفسك، أن تكون تلك الأعضاء صالحة اشترط على نفسك من أول اليوم لساني لن يتكلم إلا بالحلال إلا بما يرضى الرحمن لن أتكلم بشتم لسانك تعود على السب تعود على الشتم تعود على اللعن تعود على الإيذاء تعود على قول منكر راجع نفسه من اليوم ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لساني سأحافظ عليه اشترط عليه لساني سأرطبه بذكر الله سبحانه فذكر الله سهل وميسور وليس بشاق، ولا بصعب اشترط على أذنيك ﴿إِلَّا﴾ تسمع حرامًا قاطع سماع الحرام قاطع الغيبة قاطع النميمة قاطع سماع المحرمات من المعازف وما يتبعها من المحرم من اليوم عيناك لا تبصر حرامًا لن أنظر إلى محرَّم لن أنظر إلى امرأة أجنبية لن أنظر إلى ما يسخط الله سأتفكر في ﴿خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ﴾ بدلًا من أن أنظر إلى امرأة سأنظر في المصحف كل يوم لأقرأ بعض الصفحات من كتاب الله حتى أختم هذا الكتاب أو أختمه ليرضى الله عز وجل عنه اشترط على يديك هذه اليدان، هاتان اليدان لا تبطش بهما بطشًا محرَّمًا، ولا تلمس بهما محرَّمًا اشترط على يديك، أن تسلِّم على من يحل، ولا تسلِّم على من يحرم عليك أن تسلِّم عليه ﴿إِلَّا﴾ تضرب أحدًا ﴿إِلَّا﴾ تؤذي أحدًا بلا حق وبلا حجة اشترط على رجليك.
أن لا تمشي إلى الحرام. أن لا تمشي إلى ملهى. أن تمشي في الإصلاح بين الناس. أن تسير على قدميك إلى المسجد لتصلي ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ تُحمل على الأعناق ليُصلَّى عليك. أقول ما تسمعون وأستغفر الله لكم? الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمامُ المتقين. اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم، «وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
أمَّا بعدُ:
حفظ البطن والفرج وأحكام مشارطة العبادات
فيا عباد الله، رجلاك لا تمشِ بهما إلى محرَّم رجلاك هذه ألن تشهد لك يوم القيامة إذا كنت تسير بهما إلى المساجد قال ﷺ: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له نُزُلَه من الجنة كلما غدا أو راح» ألم يقل ﷺ فيما حسنه بعض أهل العلم «بشِّر المشَّائين في الظُّلَم بالنور التام يوم القيامة»؟ أما تريد نورا يوم القيامة ﴿بُشْرَىٰكُمُ ٱلْيَوْمَ جَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ نسأل الله الكريم من فضله بطنك لا تأكل محرَّمًا ولا تشرب محرمًا لا تجمع كثيرًا من حرام، وإنما اجمع ولو قليلًا من حلال ﴿قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ﴾ هذه كثرة ذاهبة لا قيمة لها ولا وزن تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ صَفْوَتَهَا … مِنَ الْحَرَامِ وَيَبْقَى الْإِثْمُ وَالْعَارُ تَبْقَى عَوَاقِبُ سُوءٍ فِي مَغَبَّتِهَا … لَا خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ تتلذذ بمحرم شرابًا أو طعامًا ولكنه سيكون وبالًا على صاحبه يوم القيامة واعلم، أن أول ما ينتن من الإنسان بطنه كما جاء في البخاري عنه عليه الصلاة والسلام، فليكن بطنك طيبًا سليمًا يأكل الحلال، ولا يأكل الحرام فالرجل لا يقرب إلا ما أحل الله عز وجل له من الزوجة الحلال؛ وإلا فاعتصم بالصوم.
فإنَّ العبد إذا صام كان له وقاية من فعل المحرمات وارتكاب ما يغضب الله سبحانه وتعالى، هذه جوارحك اشترط عليها اشترط على نفسك من أول اليوم سأصلي الفجر بإذن الله لا تقول سأستيقظ الساعة السابعة أو الثامنة أو السادسة بعد أو قرب وقت العمل حتى تدرك، أن ترتدي ملابسك لتذهب دون أن تصلي لله رب العالمين أين أنت من صلاة الفجر
كذلك اشترط على نفسك فرض الله علي خمس صلوات وهي في الأجر بخمسين صلاة. وقد قال بعض العلماء: هذه الخمسون غير الأجر المضاعف الحسنة بعشر أمثالها هذا غير الخمسة بخمسين هذا غير المضاعفات لأنَّ هذا ورد فيه نص خاص غير النص العام كذا قال عدد من المحققين فلا تحرم نفسك من ذلك، اشترط عليه أنك ستقرأ وردا من القرآن، اشترط عليه أنك إذا رأيت منكرًا وأمكنك أن تُغيره بغير منكر فافعل، اشترط عليه أنك ستتقي الله في عملك، وفي وظيفتك وأنك لن تؤذي أحدًا وأنك ستسعى في قضاء حوائج المسلمين، أن تشتغل بالذكر والدعاء إلى غير ذلك اشترط عليها ثم راقبها تحسس نفسك ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لها يا نفسي هل أنت مستقيمة أم لا
مراقبة النفس ومحاسبتها ومعاقبتها عند التقصير
راقب نفسك ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ ٱلْجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّى عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ﴾ يكون الحساب يوم القيامة ثم ثالثًا حاسبها يا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا﴾ الذين آمنوا اتقوا الله ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا9 قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر: 18). ﴿وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ﴾. ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وإذا احتاجت إلى معاقبة عاقب نفسك نفسك أمرتك بمنكر عاقبها ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لها مقابل هذا المنكر سأتصدق بمئة جنيه سأصوم ثلاثة أيام هذا الأسبوع لمعاقبتها حتى تتعود على الخير ﴿قُلْ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى شَكٍّ مِّن دِينِى فَلَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِنْ أَعْبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّىٰكُمْ ۖ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ لها سأقرأ اليوم جزئي أنت فرَّطت في صلاة الفجر وفاتت اقرأ مكان ذلك بعض الأجزاء من القرآن الكريم عاقبها وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعل الحق ملتبسًا علينا فنضلَّ اللهم آتِنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار اللهم هَبْ ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَٰجِنَا وَذُرِّيَّـٰتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا اللهم اهدنا صراطك المستقيم اللهم يسِّرنا لليسرى، ولا تيسِّرنا للعسرى اللهم يسِّرنا لليسرى واجعلنا من أهل الجنة يا ذا الجلال والإكرام اللهم تقبَّل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا، إنك أنت التواب الرحيم اللهم أصلح أحوالنا
الهوامش والتخريجات
- آية: ﴿كِتَـٰبٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ مُبَـٰرَكٌۭ لِّيَدَّبَّرُوٓا۟ ءَايَـٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ — كما ورد في الدرس: ص 29 ↩
- آية: ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ — كما ورد في الدرس: الفاتحة 6 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ — كما ورد في الدرس: الأعلى 14 ↩
- آية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ — كما ورد في الدرس: الشمس 9 ↩
- آية: ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفْسِىٓ ۚ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ ۚ إِنَّ رَبِّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ — كما ورد في الدرس: يوسف 53 ↩
- آية: ﴿يَـٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ — كما ورد في الدرس: الفجر 27-28 ↩
- آية: ﴿وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ — كما ورد في الدرس: العنكبوت 69 ↩
- آية: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ — كما ورد في الدرس: الحشر 18 ↩